ستيفاني ويليامز: فرصة أمام الحكومة الليبية... وشهوة السلطة والثروة تحدٍ كبير

المبعوثة الأممية بالإنابة السابقة أكدت لـ«الشرق الأوسط» وجود بين 17 و20 ألف مرتزق... وقالت إن بولتون أعطى «الضوء الأخضر» لهجوم حفتر

المبعوثة الاممية السابقة للملف الليبي ستيفاني ويليامز في جنيف في 5 الشهر الجاري (إ.ب.أ)
المبعوثة الاممية السابقة للملف الليبي ستيفاني ويليامز في جنيف في 5 الشهر الجاري (إ.ب.أ)
TT

ستيفاني ويليامز: فرصة أمام الحكومة الليبية... وشهوة السلطة والثروة تحدٍ كبير

المبعوثة الاممية السابقة للملف الليبي ستيفاني ويليامز في جنيف في 5 الشهر الجاري (إ.ب.أ)
المبعوثة الاممية السابقة للملف الليبي ستيفاني ويليامز في جنيف في 5 الشهر الجاري (إ.ب.أ)

قالت المبعوثة الأممية بالإنابة السابقة إلى ليبيا سيتفاني ويليامز في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن لدى الحكومة الليبية الجديدة «فرصة كبيرة» في إيصال البلاد إلى إجراء انتخابات في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل وتنفيذ «خريطة الطريق» المنبثقة من الحوار الليبي، لافتة إلى وجود تحديات وأن «التحدي الأكبر هو شهوة السلطة والثروة» الموجودة لدى البعض.
وقالت: «قوة الحكومة في ليبيا وضعفها، أمران نسبيان. الحكومة الحالية تحظى بسلطة في مساحة لا تتجاوز مركز طرابلس. على الأقل، في الحكومة الجديدة، هناك رئيس الوزراء عبد الحميد دبيبة، سافر في كل ليبيا والعالم، هناك ممثلون في الشرق فيها، وقائد الجيش الوطني خليفة حفتر وافق على الترتيبات الجديدة، أيضاً (رئيس المجلس النيابي) عقيلة صالح قال إنه سيدعمها. أي أن القوى الفاعلة لا تعارض ما يحصل. كما أن هناك دعما من المجتمع الدولي والدول الإقليمية لها. لذلك، هناك فرصة أكثر من السابق».
وكشفت ويليامز أن فريق الأمم المتحدة استفاد من «الجمود العسكري» لدفع الأمور باتجاه وقف النار في 23 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مشيرة إلى أن بين العوامل المهمة في نجاح الحوار الليبي هو «رفض اللبيبين للوجود الأجنبي في بلادهم». وتابعت: «في ليبيا هناك بين 17 و20 ألف مرتزق» بينهم ستة آلاف سوري.
وأكدت ويليامز، التي كانت مسؤولة في الخارجية الأميركية قبل تسلم المنصب الأممي، أن مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون أعطى «الضوء الأخضر» لحفتر قبل حوالى أربعة أيام من هجومه على طرابلس إذ قال له: «إذا أردت القيام بذلك، فقم به بسرعة وخفض الضحايا المدنيين. لا أعرف ما كان يقوله الجنرال حفتر، لكنه أعطى الانطباع أنه سيمشي بسهولة إلى طرابلس». وأضافت أن بعثة الأمم المتحدة لم تكن لديها «أي فكرة» عن الاتصال بين الرئيس دونالد ترمب وحفتر، قبل إعلانه، وأن الاتصالين جعلا حفتر يعتقد أن «أميركا معه».
وهنا نص الحديث الذي أجرته «الشرق الأوسط» عبر الهاتف أول من أمس:
> في 2018، جئت باعتبارك دبلوماسية أميركية إلى طرابلس للقاء رئيس حكومة «الوفاق» فائز السراج، وفي مكان اللقاء، كانت لوحة رسم من زمن الزعيم الليبي معمر القذافي. ما هي قصة اللوحة ومعناها؟
- كما تعرف منذ 2014 صار على الدبلوماسيين الأميركيين أن يتنقلوا بطائرة عسكرية أميركية إلى طرابلس. رتبت الذهاب إلى هناك مع «أفريكوم». طرنا إلى القاعدة العسكرية البحرية في طرابلس للقاء السراج. في الغرفة، جلسنا هناك. كل شيء كان جميلاً. نظرت إلى الجدار. هناك لوحة رسم لسفينة فيلادلفيا العسكرية تحترق في مرفأ طرابلس. كان هذا أول انتشار بحري عسكري أميركي، حيث انتشرت هذه السفينة الحربية لمحاربة القراصنة. كان هذا في 1804، عندما وقعت بأيدي المحليين في الميناء، قررت البحرية العسكرية حرقها كي لا يتم الاحتفاظ بها. القصة مثيرة. ضابط أميركي يجلس في غرفة فيها صورة لسفينة أميركية تحترق. الرسمة التي هي على الجدار وراء السراج، كان القذافي أمر برسمها. بقيت على الجدار لسنوات طويلة.
> هل تحدثت عن الأمر في الاجتماع؟
- أثرت الموضوع لاحقاً مع مساعدي السراج. قلت إنه في المرة المقبلة يجب أن ينتبهوا لمعاني ذلك. فقد يؤخذ المغزى السياسي الخطأ. أظن أنهم لم يفكروا بالأمر أبداً. لم يكن مقصوداً. كانت الرسمة موجودة لفترة طويلة، ولسنوات طويلة، كانوا يريدون الأميركيين في ليبيا. سبق وزرت كدبلوماسية أميركية ليبيا وطرابلس في 2008 و2009، عندما تحسنت العلاقة مع النظام بموجب تسوية وتعويضات. في 2018، كانت ثاني زيارة لليبيا والأولى بعد الثورة.
> ثم قررت الانضمام إلى بعثة الأمم المتحدة؟
- كنت أعرف غسان سلامة (المبعوث الأممي لليبيا)، الذي كان يبحث عن نائب، شريك سياسي. سألني إذا كنت أريد التقديم للعمل. قلت: بالتأكيد. كل شيء حصل بسرعة. استقلت من الخارجية الأميركية في نهاية يونيو (حزيران) 2018، ثم بعد أيام انضممت إلى الأمم المتحدة في نيويورك وطرت إلى تونس، ثم مباشرة إلى ليبيا. في 13 يوليو (تموز) صرت في طرابلس.
-- من سوريا إلى ليبيا
> من العمل على الملف السوري في الخارجية الأميركية إلى الملف الليبي مع الأمم المتحدة؟
- نعم. عند بدأت في ليبيا، كان لدى سلامة خطة عمل وحاول العمل المجلس الرئاسي ومجلس النواب لتعديل الاتفاق الليبي السياسي وعقد اجتماعات في نهاية 2017. اصطدمت الجهود بعقبات الوضع الجامد الرافض للتغيير.
> اقترح استفتاء؟
- كان ذلك المرحلة الثانية من الخطة. كان إجراء الاستفاء معقداً لأن مجلس النواب كان عليه تمرير مسودة الاستفتاء. وفي المرحلة الثانية، المؤتمر الوطني. كنا نبحث عن مكان لعقد المؤتمر. وقتذاك «مركز الحوار الإنساني» (ومقره في جنيف) أجرى نيابة عن الأمم المتحدة تواصلاً مع الليبيين بمن فيهم بالشتات. كان هذا أساساً لفهم الوضع السياسي.
> باعتبار أن الأمم المتحدة انسحبت أيضاً؟
- نعم، في 2014، بدأ التواصل في نهاية 2017 وبداية 2018، لكن لم تتم العودة الكاملة إلى يناير (كانون الثاني) في 2019. كل طرف نظرياً كان مقيماً في تونس ونقوم بزيارات إلى ليبيا. في المقابل، فإن «الحوار الإنساني» حافظ على الوضع على الأرض وشجعوا على المؤتمر الوطني، خصوصاً أنه لم تكن لديهم التحفظات الأمنية. الاجتماعات كانت مهمة؛ لأنها المرة الأولى التي يشارك فيها أنصار النظام السابق في عملية سياسية. بدأنا نحصل على فهم لاستعداد لتقبل فكرة عقد مؤتمر وطني. كانت هناك أمور كثيرة. كان هناك أزمة اقتصادية. مثلاً، السوق السوداء والفرق في أسعار الصرف، كان هذا يخلق مشكلة سيولة مالية. شاهدت بعيني الطوابير الطويلة لليبيين كي يحصلوا على الأموال. البعض كان ينتظر بين 12 و14 ساعة.
> ثم بدأت عمل الوحدة الاقتصادية؟
- غسان اقترح التركيز على الاقتصاد السياسي؛ لأنه يجب ربط القضايا الاقتصادية بالملفات السياسية؛ لأن هناك عوامل اقتصادية للصراع. شكلت الوحدة. وحاولت الضغط على المصرف المركزي لحل مشكلة سعر الصرف. لم أحصل على الكثير من الحظ. وعملنا على موضوع التدقيق المالي العالمي الذي طالب به السراج باعتباره إحدى الطرق لحل مشكلة الحصار على النفط من حفتر. سلامة عمل على هذا الأمر. نجح بأن يتراجع حفتر.
-- سوق سوداء
> ثم حصل الهجوم على طرابلس؟
- لا بد من فهم هذا الهجوم لفهم الهجوم الثاني من حفتر. الأول بدأ في أغسطس (آب) 2018 إلى منتصف سبتمبر (أيلول) 2018. بعض مجموعات صلاح بادي من مصراتة، الذي يسميه بعض الليبيين بـ«جورج واشنطن ليبيا»، لكنه ليس كذلك، وميليشيات ترهونة هاجمت طرابلس. لكن مجموعات طرابلس دافعوا عن العاصمة. نحن، وقتذاك، عملنا على إنجاز وقف النار. كل طرف وقّع على اتفاق وقف النار باستثناء صلاح بادي. مجموعات بادي قالت إنهم هاجموا طرابلس؛ لأنهم لم يكونوا سعداء بمجرى الأمور والفساد.
قلنا في اتفاق وقف النار إن الحكومة والبنك المركزي عليهما إجراء إصلاحات لسعر الصرف. حصل ردم بعض الفجوة بين السوق الرسمي والسوق السوداء. كما استخدمنا اتفاق وقف النار كي نقول بضرورة إجراء إصلاحات هيكلية أمنية وتغييرات في حكومة السراج.
> وقتذاك دخل وزير الداخلية فتحي باشاغا؟
- تماماً. انضم باشاغا. كما انضم فرج بومطاري الذي أصبح وزير المال. باشاغا عمل على الإصلاحات في قطاع الأمن، لكن في الوقت نفسه، فإن السيد حفتر بدأ في بداية 2019 التحرك إلى جنوب ليبيا وأطلق عملية عسكرية واسعة.
> لكن الهجوم الأوسع كان في أبريل (نيسان)، لكن المثير كان اتصالَي مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون والرئيس دونالد ترمب؟
- أعتقد، وحسب ما فهمت وتبلغت، أن الاتصال الأول (من بولتون) كان حاسماً، حيث فسر على أنه «ضوء أخضر». ما سمعناه بما في ذلك من جماعة حفتر، أن الاتصال قبل 4 أو 5 أيام من الهجوم. قال (بولتون) لحفتر: إذا أردت القيام بذلك، قم به بسرعة وخفض الضحايا المدنيين. لا أعرف ما كان يقوله الجنرال حفتر، لكن أعطى الانطباع أنه سيمشي بسهولة إلى طرابلس. كان فبراير (شباط) ومارس (آذار) حاسمين.
> لماذا؟
- مارس كان محورياً. كان هناك لقاء نهاية فبراير، ربما في 27 الشهر، كان هناك لقاء في أبوظبي بين السراج وحفتر. اللقاء أيضاً لم يتم فهمه جيداً. هما دعيا غسان سلامة كي يشهد اللقاء باعتباره مبعوثاً أممياً ويشرح الأبعاد الدولية والاتفاق السياسي الليبي، ويجيب عن أي أسئلة. طلبا حضوره وسط حديث عن مؤتمر دولي أو عقد لقاءات ثنائية أو «رباعية» مع رئيس البرلمان عقيلة صالح ورئيس مجلس الدولة خالد المشري. لم تحصل هذه اللقاءات. اللقاء الوحيد كان بين حفتر والسراج.
> مَن رتب اللقاء؟
- أنا كنت هنا. الإماراتيون لم يتدخلوا مطلقاً. فقط وفّروا المكان. لم يشاركوا في اللقاءات. فقط سلامة كان في اللقاء. وعقد لقاء لعشرين 20 دقيقة بين الرجلين. في هذا اللقاء، لم يعقدا اتفاقاً رسمياً، بل كان هناك تفاهم حول الطريق إلى الأمام وخطتنا كانت أنه بعد ذلك يتم تنظيم المؤتمر الوطني الذي كنا نعمل عليه باعتباره الخطة الرئيسية. قبل ذلك، قمت في أمكنة أخرى، ببعض الاستشارات مع مستشاري الرجلين للحديث حول سيطرة المدنيين والعسكر. وعندما عدنا من الاجتماع، كان لكل شخص مهمة.
> ما هي؟
- مهمة الرجلين هي تنفيذ تفاهماتهما واحترامها. مهمتنا كانت تنظيم المؤتمر الوطني. حققت بعض الخطوات، حددنا الموعد والدعوات وتحدثت مع الليبيين عن المؤتمر الوطني. لكن ما فهمنا أن الرجلين لم يقوما بالكثير.
> ثم قرر حفتر الهجوم على طرابلس. لماذا؟
- هناك أمور عدة. أولاً، لم تكن الثقة متوافرة بين الرجلين. لقاء واحد في أبوظبي. حاولنا عقد اجتماع متابعة في نهاية مارس، لكن لم نستطع تحقيق ذلك. أظن في مارس، ربما كان هناك تواصل بين فصائل مسلحة غرب ليبيا وفي طرابلس، مفاده: لا بأس إذا أردت القدوم إلى طرابلس. لن تهاجم، لكن لن نعارض ترتيبات معينة بين حفتر والسراج. ولا اظن أنه كان اتفاق.
-- ضوء أخضر
> ماذا عن اتصال بولتون وترمب؟
- حفتر اتخذ قراره بعد اتصال بولتون. كانت عنده ثقة كبيرة. هناك شيء ما. الأمور لا تحصل في الفراغ. عندما أخذ حفتر الجيش الليبي الوطني إلى جنوب ليبيا، حيث هناك فراغ كبير. بدأ تلك الحملة في يناير 2019. لم يقل أي طرف له كلمة. لم يقل أي شخص: ماذا تفعل؟ حتى طرابلس لم تقل شيئاً. في الحقيقة، البعض رحب بذلك وقال إن هناك بعض الأمان في الجنوب. البعض في سبها كان سعيداً. على فكرة، كان لدينا وزراء في الحكومة في طرابلس يقولون: هذا جيد، على الأقل لدينا بعض الأمن في منطقتنا. أظن، كانت لديه حسابات خاطئة وقراءات خاطئة.
> ثم جاء اتصال ترمب؟
- ما أعرفه أنه كانت هناك أربعة أيام بين الاتصال والإعلان عن الاتصال بين ترمب وحفتر. لم تكن لدينا أي فكرة. عرفنا باتصال بولتون، لكن لم نعرف عن اتصال ترمب إلى أن أعلن عنه.
> اعتبار الهجوم جزءاً من الحرب على الإرهاب؟
- نعم. إذا أخذت اتصالي بولتون وترمب، فإن حفتر شعر بأن أميركا معه.
> أين كانت المؤسسات الأميركية؟
- ما حصل أنه كان هناك بعض اختلاف بين المؤسسات الأميركية. أعرف أن الخارجية لم تكن سعيدة بالاتصال (بين ترمب وحفتر).
> ربما كما حصل في سوريا، عندما أعطى ترمب الضوء الأخضر للرئيس التركي رجب طيب إردوغان في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 بالتوغل شرق الفرات دون علم المؤسسات الأخرى؟
- نعم. صحيح. لم تتم استشارة المؤسسات الأخرى، ثم بات عليهم التكيف مع ما حصل.
> كيف وظفت الأمم المتحدة هجوم حفتر لدعم الوساطة؟
- ما فعلناه، هو. انظر: مجلس الأمن كان بلا جدوى. سلامة قال: دعنا نعمل عملية دولية ثم عملية ليبية. لا يمكننا فقط الذهاب إلى مجلس الأمن، نريد توفير مظلة دولية من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، ثم تضم الدول المنخرطة في شكل مباشر في الصراع والمنظمات الدولية. نريد أيضاً دولة قوية ينظر إليها على أنها محايدة ولديها علاقات طبية دولية. طبعاً، المرشح الواضح كانت ألمانيا. عقدنا خمس جولات تفاوضية بين سبتمبر 2019 إلى حين انعقاد مؤتمر برلين في يناير 2020.
> كيف استفدتم من الوضع الميداني في تحريك «مسار برلين»؟
- لم يحصل الجمود الميداني إلى يونيو 2020. قبل ذلك، كانت هناك فترة من النشاط الدبلوماسي. بدأنا «المسار الليبي» عندما كان الصراع قائماً. لكن ما حصل لاحقاً، هو دعم تركيا لحكومة «الوفاق” واستخدام طائرات «درون» والمرتزقة من سوريا كان حاسماً. كانوا قادرين على قلب التوازن على الأرض. عندما خسر حفتر قاعدة الوطية، عرفنا أن المسألة مسألة وقت وأيام حتى يتراجع من غرب ليبيا. ثم سقطت ترهونة ومن جنوب طرابلس، علماً بأنه لم يدخل إلى وسط طرابلس. ثم ظهر خط التماس في سرت والجفرة.
> خط التماس الذي أعلنته مصر «خطاً أحمر» لم تتجاوزه حكومة «الوفاق» وتركيا؟
- السبب أن «الوفاق» لم تتجاوز خط سرت – الجفرة، إن ليبيا بلد كبير ومن الصعب السيطرة عليه من أي طرف.
> القاهرة قالت إنه «خط أحمر»؟
- ربما. لا شك أن هذا أحد العوامل الرئيسية في التفكير. أيضاً، الواقع على الأرض. أيضاً، ربما أن الأتراك لم يكونوا الصراع مع الروس والمصريين على الأرض في ليبيا.
-- مرتزقة
> ماذا عن المرتزقة؟
- في أي وقت، كان في ليبيا بين 17 وأكثر من 20 ألفاً. معظم المرتزقة من السودانيين، وعددهم نحو 11 ألفاً ومعظمهم مع حفتر، ربما نحو 10 آلاف معه. مع حكومة «الوفاق» كان هناك نحو 700 عنصر، إضافة إلى مرتزقة من تشاد.
> والسوريون؟
- من جنسيات أخرى، هناك ستة آلاف. سوريون وآخرون من جماعة «فاغنر». بعضهم يقوم بالترجمة أو حماية منشآت نفطية. حضور «فاغنر» كان واضحاً في سبتمبر، بدءاً من وجودهم جنوب ليبيا.
> في بداية عام 2020، كانت هناك تطورات: مؤتمر برلين واستقالة غسان سلامة ووجود «كورونا»، إضافة إلى الجمود العسكري؟
- الجمود سمح لنا بتفعيل «المسار الليبي»، وأطلقنا «السلال الثلاث»: سياسية، عسكرية، واقتصادية. المسار الأسهل، كان الاقتصادي. في المسار العسكري، انجزنا اجتماعات في جنيف قبل الوباء، لكن لم تجتمع الأطراف وجهاً لوجه. وأكملنا المفاوضات في الربيع والصيف، ثم بادروا للقول: إنهم جاهزون وجهاً لوجه في جنيف. هذا أدى إلى الاتفاق في جنيف ووقف النار في 23 أكتوبر.
في الوقت نفسه، كان المسار السياسي ينضج. كانت اجتماعات «المسار الثاني» في الصيف. ثم قال السيد السراج إنه سيغادر منصبه. فاستعجلنا حصول مفاوضات سياسية لتشكيل جسم تنفيذي جديد. كنا نقوم بالمسارين السياسي والعسكري. تم الاتفاق على وقف النار واجتمع القادة العسكريون وتحدثوا بوضوح ضد «المرتزقة» والاحتلال الخارجي وقالوا إنهم يريدون كل هؤلاء خارج البلاد. هذا وفّر لنا دفعة في المسار السياسي.
> أنتم تقولون إن الوجود العسكري الخارجي والركود كان السبب. فماذا عن الوباء؟
- صحيح. كانوا متعبين من القتال. لكن أيضاً البلاد كانت في وسط وباء «كورونا». كثيرون مرضوا وكانوا يعانون. وكانت مظاهرات في الصيف. الناس تعبت ولا تريد القتال. قالوا: كفى. أيضاً، كان هناك شعور في شرق ليبيا بأن حفتر حاول (الحسم العسكري)، لكن لم يحصل. كانت هناك دعوات لتجربة الحل السياسي. تصاعد خطاب المصالحة الوطنية.
> كل هذا أوصل البلاد إلى الاتفاق السياسي، تضمن عقد انتخابات في 24 ديسمبر (كانون الأول). لكن سبق وأعلنت مواعيد لانتخابات. ما الجديد هذه المرة؟
- يمكن أن تكون مختلفة. هناك فرصة. السبب أنه في الجولة الأولى في تونس في نوفمبر (تشرين الثاني) جرى الاتفاق على «خريطة طريق” وعقد الانتخابات في 24 ديسمبر (كانون الأول) وحكومة موحدة تقود البلاد إلى الانتخابات. المشكلة التي ستواجهها ليبيا، كل شيء اعتمد على مؤسستين: مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. الشريحة السياسية لم ترد الإقدام على انتحار سياسي. المجلس سيصدر التشريع الذي سيقول: وداعاً لكم. لقد استفادوا كثيراً وسافروا. لكن الآن، في «خريطة الطريق» تقول إنه في حال الفشل في تنفيذ الاستحقاقات، تكون العودة إلى الحوار. نحن الآن في مرحلة مثيرة، كان هناك 60 يوماً لتوفير الأساس التشريعي- القاعدة الدستورية للانتخابات. تم تجاوز هذه المهلة. هذه المؤسسات لم تقم بما كان يجب عليها القيام به.
> لم ينسحب «المرتزقة» وفق المطلوب. هل يمكن عقد انتخابات في ظل حضور أجنبي ومرتزقة؟
- نعم. هناك انتخابات بحضور مراقبين محليين مستقلين. حصلت سلسلة من الانتخابات المحلية الجيدة. أعتقد، أنه هناك رغبة من الناس للاشتراك بالانتخابات كمرشحين ومقترعين.
> لكن الحكومة التي ستمهد للانتخابات أضعف من الميليشيات والفصائل على الأرض؟
- حسناً. هذا لا يعني أن الحكومة الحالية قوية. قوة الحكومة في ليبيا وضعفها، أمر نسبي. الحكومة الحالية تحظى بسلطة في مساحة لا تتجاوز مركز طرابلس. على الأقل، فإن الحكومة الجديدة، هناك رئيس الوزراء عبد الحميد دبيبة، سافر في كل ليبيا والعالم، هناك ممثلون في الشرق فيها، وحفتر وافق على الترتيبات الجديدة، أيضاً عقيلة قال إنه سيدعمها. أي القوى الفاعلة لا تعارض ما يحصل. لذلك؛ هناك فرصة أكثر من السابق، مع أنه هناك تحديات كبيرة. لا أقول إن الأمر سهل.
> ماذا عن الصراع على الثروة؟
- التحدي الأكبر هو احتواء الشهوة للسلطة. السلطة تعني الوصول إلى الثروة. في أي اتفاق انت تريد قبول الترتيبات. والهدف الآن الانتخابات.
> ماذا عن موقف الحكومة الأميركية؟
- أظن أن الإدارة الأميركية تعيد ترتيب أمر سياستها الخارجية. لكن لا يجب أن تكون أميركا منخرطة في شكل كبير جديد. فقط المطلوب أن تكون أكثر انخراطاً من الوضع السابق. هناك سفارة أميركية نشطة والسفير محترم كثيراً من جميع الأطراف ويتحرك في شكل ممتاز.
> بما في ذلك فرض القرار 2510 وخروج الميليشيات الأجنبية بموجب اتفاق وقف النار؟
- هذه الأطراف تخرق قرارات أممية والتزاماتهم الخاصة التي وعدوا بها في مؤتمر برلين. أيضاً، هذا لا يتضمن احتراماً للشعب الليبي. يجب أن يحزموا حقائبهم ويتركوا ليبيا.
> هل هذا واقعي؟
- طبعاً. هم لم يأتوا إلى ليبيا على سجادة حمراء. جرى نقلهم بطائرات، بالطريقة ذاتها يمكن إخراجهم.
> ماذا عن روسيا وتركيا. موجودتان في ثلاثة «مسارح»: ليبيا، سوريا، وناغورني قره باخ. هل هناك صراع أم تعاون؟ هل هناك ربط بين هذه «المسارح»؟ هل شعرت بهذا الشيء؟
- ليس هناك رابط مباشر. لكن بالتأكيد، ما حصل في سوريا يغذي ما يحصل في ليبيا باعتبار أن الطرفين لديهما طموحات جيوسياسية. لكن الأمر في ليبيا مختلف. الذي يخدم مصالحهما ألا يكونوا في مكان غير مرغوب بهم فيه. الليبيون لا يحبون وجود الأجانب. لا بأس بالتجارة والزيارة والسياحة والعقود، لكن الوجود العسكري الدائم أمر آخر.
ليبيا دولة ثرية جداً، وهناك مجال كافٍ لكل دولة كي تحصل على حصتها. لكن الطريق الوحيدة للتأكد أن ليبيا شريك مهم، هي إنهاء الصراع ودعم الليبيين لقيادة بلادهم وانتخاب حكومة سيادية قادرة على اتخاذ خياراتها. الليبيون عبروا عن رأيهم بوضوح أنهم لا يريدون وجود قوات أجنبية في بلادهم.
«دروس ليبية» لإنهاء المأساة السورية
> لماذا نجحت في ليبيا ولم ينجح مبعوثون آخرون في سوريا؟
- أولاً، الدينامية الدولية في البلدين مختلفة البلدين. ثانياً، استطعنا إدارة الأمور على الأرض لبعض الوقت في ليبيا. ثالثاً، بالنسبة إلى الليبيين، استفدنا من رغبتهم في الجلوس سوية. لا أبالغ. هم خلقوا خطاب المصالحة الوطنية. أنجزوا اتفاق وقف النار في أكتوبر. كان نقطة انعطاف. الطريقة التي تحدثوا فيها مع بعضهم كانت لافتة. أيضاً، كوننا جلبنا داعمي النظام السابق للوصول إلى عملية شاملة، فإننا استفدنا من الأمر. أيضاً، فإن وباء «كورونا»، سمح بحوارات افتراضية ما فتح المجال لتوسيع الحوار ليضم شباباً ونساء ومحافظين وآخرين. استعملنا كل هذا للضغط على الطبقة السياسية.
> لماذا هذا لم يحصل في سوريا؟
- أنا لا أتابع سوريا كما كنت عندما كنت أعمل على الملف السوري قبل 2018، لا أريد المقارنة. لكن، دعنا نكون واقعيين. حجم القتل في سوريا، أكثر دموية. صراع مأساوي. في ليبيا هناك مأساة، لكن حجم المعاناة ليس نفسه مثل الوضع في سوريا.
> ما هي الدروس المستفادة من ليبيا؟
- أطلقنا مسارات متوازية واستعملنا كل مسار للدفع في التقدم في مسار هنا ومسار هناك. أيضاً، استفدنا من واقع أن هناك شباباً ليبيين. قمت بالإطلاق على النخبة السياسية بأنهم «دينارصوات». الغالبية في ليبيا هم شباب في العشرينات، ولا يتذكرون الكثير عن بداية الصراع. أيضا، هناك ليبيون يريدون أن يعود بلدهم لهم. الخلاصة، يجب أن تستعمل كل اداة لديك في الوساطة وعندما ترى نافذة توسعها وتبني عليها. مثلا، كان هناك ثغرة في حوار تونس بنينا على ذلك. شهران من التأرجح، ثم قالوا: نحن جاهزون وجهزنا لاجتماعات جنيف. أتذكر أننا جعلناهم يعملون 12 ساعة في اليوم. كان المهم، أن تحافظ على فاعلية العمل والنشاط كي لا تخسر الدينامية.
> ماذا عن علاقة الإبعاد المختلفة: الدولي والإقليمي والمحلي؟
- هذا مهم. مؤتمر دولي يوفر الدعم الدولي والدعم الإقليمي ثم مسارات محلية. أعتقد، أن النموذج الذي صممه غسان سلامة ونفذناه كان ناجحا. اي، أن توفر المظلة الدولية وتجلب الدول الكبرى للحصول على التزامات بقرار في مجلس الأمن. تحت هذه المظلة، تدير المسار المحلي.
الفرق بين ما قمنا به وما قام المبعوث الأممي الأسبق برناردينو ليون في اتفاق الصخيرات في 2015 أنه باللحظة التي وقع الاتفاق، قال المجتمع الدولي: «مع السلامة، خلص اللقاء. حظ سعيد لليبين. الأمور ستسير». لكن الواقع أن هذا لم يحصل. الآن، «مسار برلين» شغال لدعم المسار الليبي. أي مسار من فوق إلى تحت. أيضا، هناك الدينامية بين المسار المحلي. استعلمنا مجموعات العمل الدولية لإرسال الرسائل الصحيحة للمسار الليبي. أي كل الأطراف على الطاولة لتقديم المساعدة.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».