طهران ترفض وساطة ماكرون في «النووي»

مصادر غربية رجحت أن يكون «التصاق» باريس بموقف واشنطن وراء تراجع إيران عن طلب دور أوروبي

صورة نشرها وزير الخارجية الإيراني عبر تويتر من مباحثاته مع ماكرون ولودريان على هامش قمة مجموعة السبع في بياتريز أغسطس 2019
صورة نشرها وزير الخارجية الإيراني عبر تويتر من مباحثاته مع ماكرون ولودريان على هامش قمة مجموعة السبع في بياتريز أغسطس 2019
TT

طهران ترفض وساطة ماكرون في «النووي»

صورة نشرها وزير الخارجية الإيراني عبر تويتر من مباحثاته مع ماكرون ولودريان على هامش قمة مجموعة السبع في بياتريز أغسطس 2019
صورة نشرها وزير الخارجية الإيراني عبر تويتر من مباحثاته مع ماكرون ولودريان على هامش قمة مجموعة السبع في بياتريز أغسطس 2019

أغلقت طهران باب الوساطات مع الولايات المتحدة، رافضة مبادرة أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتسيير حوار بين طهران وواشنطن، بعدما طلب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وساطة من الاتحاد الأوروبي.
وقال الناطق باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زادة في مؤتمر صحافي إن «الاتفاق بشأن البرنامج النووي لا يحتاج إلى وسيط»، وذلك ردا على سؤال عما طرحه الرئيس الفرنسي في وقت سابق من هذا الشهر.
وأشار خطيب زادة إلى أن الاتفاق النووي كتب في «أكثر من 150 صفحة»، وأضاف «عندما يكتب نص طويل ودقيق إلى هذا الحد حتى في علامات الترقيم، هذا يعني عدم وجود حاجة لإعادة مناقشته»، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. ورأى أن على الدول الأوروبية المشاركة في الاتفاق «العودة إلى التزاماتها» لأن «أوروبا نفسها هي من الأطراف التي خرقت الاتفاق».
ويعد هذا تراجعا من دعوة وجهها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، الاثنين الماضي، للاتحاد الأوروبي للتوسّط بين بلاده والولايات المتحدة لإنقاذ الاتفاق، متحدثا عن إمكان وضع «آلية» إما لعودة «متزامنة» للبلدين إليه، أو «تنسيق ما يمكن القيام به»، في تراجع عن شرط إيران بـ«خطوة أميركية أولا» للعودة.
وجاءت دعوة ظريف بعد ساعات قليلة من تحذير وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، من أن إيران ربما تكون على بعد أسابيع من امتلاك مواد لسلاح نووي إذا واصلت خرق الاتفاق.
وأطلق ماكرون، الخميس، مبادرة للوساطة، وقال إنه سيبذل ما بوسعه «لدعم أي مبادرة أميركية لإطلاق حوار جديد سيكون شاقا، وسأحاول أن أكون (...) ميسّراً لهذا الحوار»، متحدثا عن حاجة «إلى مفاوضات جديدة مع إيران».
وأثارت الانعطافة الحادة في الموقف الإيراني إزاء طلب الوساطة الأوروبية مجموعة أسئلة على المستوى الفرنسي. لكن حتى عصر أمس، لم تكن قد صدرت عن باريس ردة فعل رسمية.
وفي قراءته لهذا التحول، أشار سفير سابق عمل لفترة طويلة في منطقة الشرق الأوسط، إلى مجموعة من العوامل من شأنها، بنظره، أن تفسر تراجع طهران عن مقترح طلب الوساطة الذي تقدم به رأس الدبلوماسية الإيرانية.
وبحسب هذا المصدر، فإن ظريف لم يطلب وساطة ماكرون تحديدا، بل طلب وساطة «وزير» الخارجية الأوروبي جوزيب بوريل بصفته «منسق» مجموعة 5+1 التي أبرمت الاتفاق النووي مع إيران. إلا أن ماكرون، اقتنص الفرصة ليعرض خدماته على الطرفين الأميركي والإيراني متسلحا من جهة، بالجو الإيجابي المستجد بين باريس وواشنطن عقب الاتصال الهاتفي المطول مع الرئيس الأميركي الذي يمكن أن يفهم منه أن «ضوءا أخضر» ربما أعطي لماكرون لعرض الوساطة.
يضاف إلى ذلك، أن ماكرون الذي حاول ثني الرئيس السابق دونالد ترمب عن التخلي عن الاتفاق، ولاحقا عن فرض عقوبات على طهران ثم محاولة تمكينها من الالتفاف على هذه العقوبات، يرى في الفرصة المتاحة اليوم مناسبة لمسح الإخفاق الذي واجه وساطته السابقة في شهري أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) على هامش قمة مجموعة السبع في مدينة بياريتز أو في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ووفق القراءة الفرنسية، فإن مقاربة الرئيس بايدن تتبنى إلى حد كبير ما دعا إليه ماكرون منذ ثلاث سنوات ويلخص بالمحافظة على الاتفاق القديم واستكماله بآخر يأخذ بعين الاعتبار ثلاث مسائل إضافية: مستقبل النووي الإيراني بعد العام في 2025، وبرنامج طهران الصاروخي - الباليستي وأخيرا سياستها الإقليمية المزعزعة للاستقرار.
وتقول مصادر أخرى في باريس إن ماكرون «يعي» خطورة الموقف كما شرحه في حواره مع «المجلس الأطلسي» الأميركي حيث حذر، من جهة، من اقتراب طهران من الحصول على السلاح النووي، وعد، من جهة ثانية، أن «الوقت مناسب» لإطلاق حوار أميركي - إيراني يكون هو «وسيطه النزيه».
ومبرر وساطته أن مواقف الطرفين المذكورين متباعدة إلى درجة يصعب معها انطلاق حور بينهما ما يستدعي الحاجة لدور وسيط. وفي مبادرته، أضاف ماكرون عنصرا جديدا إذ اقترح ضم السعودية وإسرائيل إلى المفاوضات المرتقبة.
وأخيرا، فإن باريس تعي، وفق مصادرها، أنه إذا عمدت إيران إلى تنفيذ تهديدها بوقف العمل بالبروتوكول الإضافي النووي ثم إخراج المفتشين التابعين للوكالة الدولية للطاقة النووية عملا بالقانون الذي سنه البرلمان الإيراني في 2 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إضافة إلى نشر 696 جهازا جديدا للطرد المركزي، والبدء بإنتاج معدن اليورانيوم ورفع مستوى التخصيب لما فوق الـ20 في المائة، فسيعني ذلك دفن اتفاق العام 2015 بحيث لن يكون قد تبقى منه شيء. من هنا، الحاجة الملحة للبدء بشيء ما، خصوصا أن طهران تطرح على العالم المعادلة التالية: إما رفع العقوبات في أقرب الآجال، وإما استمرار السير لا بل تسريع الخطى لامتلاك السلاح النووي.
ورجحت مصادر غربية في العاصمة الفرنسية، أن يكون «التصاق» باريس بالموقف الأميركي واعتمادها، رغم مقترح الوساطة، نهجا متشددا إزاء طهران قد دفعا المسؤولين الإيرانيين إلى التخلي عن طلب الوساطة.
ومن العناصر التي دفعت في هذا الاتجاه، المواقف المتشددة جدا التي عبر عنها المرشد الأعلى أول من أمس واعتباره أن أوروبا «أخلت بالتزاماتها» والتي واجهتها مواقف أميركية صارمة عبر عنها الرئيس بايدن رافضة لرفع العقوبات الأميركية من غير عودة طهران أولا عن انتهاكاتها المتكررة للاتفاق النووي. ولا يمكن، في هذا السياق، استبعاد أن يكون كلام ظريف الاثنين الماضي، حيث دعا إلى وساطة أوروبية، بمثابة «بالون اختبار»، لمعرفة ردة الفعل الأميركية التي جاءت مخيبة لآماله إذ اعتبرت وزارة الخارجية الأميركية أن الاقتراح: «سابق لأوانه» وأن «من المبكر» النظر بالعرض الإيراني وأنه على أي حال لن ترفع العقوبات إلا بعد «فترة اختبار» للتأكد من تنفيذ طهران لتعهداتها.
هكذا تعود الأمور إلى المربع الأول وتتواصل عملية لي الذراع الأميركية - الإيرانية. والثابت في باريس أن واشنطن تسعى لإقامة «جبهة موحدة» بوجه إيران، الأمر الذي يفسر الاجتماع عن بعد الذي عقده وزراء خارجية الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا يوم الجمعة الماضي، والذي استتبعه اجتماع لمجلس الأمن القومي الأميركي مخصص للملف الإيراني.
وبانتظار أن تعتمد الإدارة الجديدة مواقف واضحة إزاء إيران وملفاتها العديدة المعقدة، فإن المواقف والمقترحات ستبقى على الأرجح «متحركة» بما فيها الوساطة الفرنسية ودور الرئيس ماكرون الذي سيقوم بزيارة مزدوجة في الأيام القليلة المقبلة إلى السعودية والإمارات حيث سيكون الملف النووي الإيراني على رأس المحادثات المرتقبة.
في الأثناء، كرر وزير الخارجية الإيراني أمس، عبر «تويتر» شرط إيران للعودة إلى كامل التزاماتها في الاتفاق النووي.
وقبل ذلك، رد ظريف في مقابلة بثت على الهواء مباشرة على موقف الرئيسي الأميركي. وقال للقناة الإيرانية الثانية إن «أمام بايدن فرصة لتعديل تصريحاته»، كما رد على سؤال حول ما إذا كانت توافق طهران على إضافة أطراف أخرى، قائلا إنها لا تنوي الدخول في مفاوضات جديدة حول الاتفاق النووي لأن أميركا هي الطرف المنسحب من الاتفاق.
وقال ظريف: «لن ينقص أو يضاف إلى الاتفاق النووي... لقد تفاوضنا على كل الاتفاق النووي ولم تبق أمور للتفاوض، إيران لا تزال في الاتفاق ومن يتعين عليه العودة هي الولايات المتحدة، لدينا مراحل مختلفة في الفترة 36 من الاتفاق، لكن إدارة ترمب انتهكت الاتفاق دون أن تمر بهذه المراحل».
وقال ظريف: «يجب على بايدن أن يتخذ القرار حول الاتفاق النووي»، لافتا إلى أن «بايدن لم يقرر بعد ما الذي يريد فعله، يجب عليهم أن يقرروا ماذا يريدون المضي قدما بسياسة ترمب أو اتخاذ سياسة جديدة». وقال أيضا: «ما تقوله (إدارة بايدن) غامض ولا معنى له، لا يزال الوقت أمامهم لتعديل تصريحاتهم».
وقال ظريف ردا على سؤال حول الخطوات الإيرانية المقبلة، إن بلاده لا تنوي طرد المفتشين الدوليين لكنها ستوقف البرتوكول الإضافي وتخفض عدد المفتشين.
في هذا الصدد قال خطيب زادة أمس إن بلاده ستجمد تنفيذ البروتوكول الذي وافقت عليه طوعا لإتاحة التفتيش الإضافي.
وتمسك «المرشد» الإيراني علي خامنئي أول من أمس، بشرط رفع العقوبات الأميركية لاستئناف إيران التزاماتها، مضيفا أن هذه هي «السياسة القطعية» و«يتفق» عليها المسؤولون.
وفي الجانب الأميركي، كرر بايدن مساء نفس موقف بلاده بضرورة عودة إيران للإيفاء بالتزاماتها أولا.
وردا على سؤال خلال مقابلة مع شبكة «سي بي إس» بثت الأحد، حول إمكانية رفع العقوبات لإقناع طهران بالعودة إلى طاولة المفاوضات، أجاب بايدن «كلا».



ترمب يطالب إيران بتعويضات وسط تعثر اتفاق «هرمز»

ترمب أثناء صعوده إلى الطائرة الرئاسية في مطار موريستاون بولاية نيوجيرسي الأحد (غيتي - أ.ف.ب)
ترمب أثناء صعوده إلى الطائرة الرئاسية في مطار موريستاون بولاية نيوجيرسي الأحد (غيتي - أ.ف.ب)
TT

ترمب يطالب إيران بتعويضات وسط تعثر اتفاق «هرمز»

ترمب أثناء صعوده إلى الطائرة الرئاسية في مطار موريستاون بولاية نيوجيرسي الأحد (غيتي - أ.ف.ب)
ترمب أثناء صعوده إلى الطائرة الرئاسية في مطار موريستاون بولاية نيوجيرسي الأحد (غيتي - أ.ف.ب)

طالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إيران بدفع تعويضات عن أشخاص اتهم طهران بقتلهم أو التسبب في مقتلهم خلال حروب وهجمات واحتجاجات، مصعّداً لهجته مع تراجع الآمال في اتفاق قريب يتيح إعادة فتح مضيق هرمز.

وأوضح ترمب أن مطلبه جاء رداً على دعوة إيران واشنطن إلى تلبية شروط، من بينها تعويض طهران عن الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها منذ أكثر من خمسة أشهر.

وكتب ترمب على منصة «تروث سوشيال»: «أطالب بدوري إيران بتعويضات عن جميع الأشخاص الذين قتلتهم، والذين ألحقت بهم إصابات بالغة من خلال عبواتها الناسفة على جوانب الطرق وفي العديد من الصراعات».

ولم يُطرح هذا المطلب الأميركي الجديد والمفاجئ في أي من المحادثات السابقة.

وأعلن ترمب أنه سيدرجه في جميع المفاوضات المستقبلية مع إيران، وسيطالب بتعويض أسر مئات الآلاف من المحتجين الذين اتهم طهران بقتلهم.

كما طالب إيران بتعويض أسر القتلى على متن المدمرة الأميركية «كول»، في إشارة إلى الهجوم الذي استهدف السفينة الحربية في اليمن في 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2000، وأسفر عن مقتل 17 بحاراً أميركياً، رغم أن الهجوم منسوب إلى تنظيم «القاعدة» وليس إلى إيران.

وأفادت إيران بأنها تقترب من إبرام اتفاق نهائي مع سلطنة عُمان لتحديد مسارات ملاحية جديدة عبر مضيق هرمز، لكنها جددت مطالبة الولايات المتحدة بتلبية شروط أخرى، بينها دفع التعويضات وإنهاء العقوبات والتهديدات العسكرية، قبل إعادة فتح الممر المائي الاستراتيجي.

وأغلقت إيران المضيق فعلياً منذ بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط)، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط ومعدلات التضخم. وكان نحو 20 في المائة من إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال يمر عبر المضيق قبل الحرب.

وقفزت أسعار النفط بعد تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، مع انحسار التفاؤل الأولي بإمكان التوصل إلى اتفاق بشأن المضيق بسبب تمسك طهران بشروطها.

وواصل خام برنت مكاسبه، مرتفعاً 4.3 في المائة بحلول الساعة 17:17 بتوقيت غرينتش. وصعدت أيضاً أسعار عقود الغاز الهولندية والبريطانية لأقرب استحقاق بأكثر من عشرة في المائة.

ويتعرض ترمب لضغوط لإنهاء الحرب غير الشعبية داخل الولايات المتحدة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني). وكان قد أعلن أن الهجمات على إيران تستهدف منع الجمهورية الإسلامية من تصنيع أسلحة نووية وتقويض قدرتها على تهديد المنطقة.

ووافقت واشنطن وطهران على وقف لإطلاق النار في يونيو (حزيران)، لكن الولايات المتحدة أعادت في يوليو (تموز) فرض الحصار على حركة الملاحة الإيرانية في الخليج العربي. وعَدّت طهران الخطوة انتهاكاً للاتفاق، الذي كان قد انهار بالفعل بحلول ذلك الحين.


برلمان تركيا يقر «القانون الإطاري» لدمج عناصر «الكردستاني» في المجتمع

جانب من جلسة البرلمان التركي التي عقدت الاثنين لمناقشة «مشروع القانون الإطاري» لدمج أعضاء «حزب العمال الكردستاني» في المجتمع (الموقع الرسمي للبرلمان)
جانب من جلسة البرلمان التركي التي عقدت الاثنين لمناقشة «مشروع القانون الإطاري» لدمج أعضاء «حزب العمال الكردستاني» في المجتمع (الموقع الرسمي للبرلمان)
TT

برلمان تركيا يقر «القانون الإطاري» لدمج عناصر «الكردستاني» في المجتمع

جانب من جلسة البرلمان التركي التي عقدت الاثنين لمناقشة «مشروع القانون الإطاري» لدمج أعضاء «حزب العمال الكردستاني» في المجتمع (الموقع الرسمي للبرلمان)
جانب من جلسة البرلمان التركي التي عقدت الاثنين لمناقشة «مشروع القانون الإطاري» لدمج أعضاء «حزب العمال الكردستاني» في المجتمع (الموقع الرسمي للبرلمان)

وافق البرلمان التركي في الجولة الأولى من التصويت على «مشروع قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي»، المعروف بـ«القانون الإطاري للسلام»، الذي يحدد الخطوات القانونية التي ستُتخذ تجاه حل «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

وصوت 269 نائباً من مختلف أحزاب البرلمان بـ«نعم» على مشروع القانون خلال الجلسة العامة التي عُقدت لمناقشته والتصويت عليه الاثنين، مقابل رفض 28 نائباً، من مجموع 600 نائب، قبل أن يبدأ التصويت على مواد المشروع الـ12 مادة مادة.

وشهدت الجلسة تباينات في مواقف الأحزاب التركية تجاه مشروع القانون الذي اقترحته «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» البرلمانية في 18 فبراير (شباط) الماضي، بعد مناقشات استمرت 8 أشهر بشأن الأساس القانوني لـ«عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، التي تطلق عليها أنقرة «عملية تركيا خالية من الإرهاب» والمستندة إلى حل «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

وعشية بدء المناقشات، وجه «حزب العمال الكردستاني» انتقادات حادة إلى مشروع القانون، ووصفه بـ«المعيب»؛ لخلوه من الإشارة إلى القضية الكردية وتجاهل الإفراج عن زعيمه السجين في تركيا عبد الله أوجلان.

ووصف نائب رئيس حزب «الحركة القومية»، فتي يلديز، بدء مناقشة مشروع القانون في البرلمان بأنه «يوم تاريخي».

بهشلي أول من وقع على «مشروع القانون الإطاري» المتعلق بحل «حزب العمال الكردستاني» (حزب الحركة القومية - إكس)

وكان رئيس الحزب، دولت بهشلي، هو من أطلق، نيابة عن «تحالف الشعب» الحاكم، الذي يضم حزبه إلى جانب حزب «العدالة والتنمية»، مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب»، التي على أساسها أطلق أوجلان دعوته إلى حل «حزب العمال الكردستاني»، في 27 فبراير (شباط) بعنوان: «نداء من أجل السلام والمجتمع الديمقراطي»، وكان كذلك أول الموقعين على مشروع القانون قبل عرضه على البرلمان.

أوزيل يؤيد... وينتقد الحكومة

وأعلن زعيم المعارضة رئيس حزب «الجديد»، أوزغور أوزيل، في كلمته خلال الجلسة، أنه وزملاءه في الإدارة المركزية للحزب سيؤيدون مشروع القانون، وأن الحرية ستُترك لباقي النواب في تحديد مواقفهم. وأعلن 12 نائباً أنهم سيصوتون ضد المشروع.

وقال أوزيل إن القضية الكردية «ليست مجرد مسألة إرهاب أو أمن، وليست بالتأكيد مجرد مسألة إلقاء منظمة أسلحتها؛ إنها مسألة مواطنة متساوية، وسيادة القانون، وتمثيل ديمقراطي، وسياسة حرة، وتعايش... إنها مسألة أن يشعر كل فرد بأنه مواطن متساوٍ في هذا البلد؛ لهويته ولغته وثقافته ومعتقداته الخاصة».

أوزيل متحدثاً خلال جلسة البرلمان (حساب حزب الجديد على إكس)

ووجه أوزيل انتقادات إلى الرئيس رجب طيب إردوغان وحكومته؛ بسبب التعامل مع القضية الكردية، قائلاً: «إننا لم نتعامل مع هذه القضية قط بالنظر إلى جدول الانتخابات، ولم نغير أقوالنا ومواقفنا بتغير الظروف، ولم نكن ممن يقولون (الحل) عندما يناسبهم، ويصنفون جميع الأكراد إرهابيين عندما لا يناسبهم».

وأضاف: «لدينا الحق الأكبر في رفض هذا القانون، بسبب ما نتعرض له من حملات، لكننا أيضاً من لا يُفضّل هذا الحق على حق الأمة في السلام»، مشدداً على أن حزبه «بوصفه حامل إرث الجمهورية؛ له خطوط حمراء واضحة، هي: مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، و(معاهدة لوزان)، ووحدة الدولة غير القابلة للتجزئة، والخصائص الأساسية للجمهورية التي يكفلها الدستور. هذه الأمور لا تقبل النقاش أو التفاوض؛ ولن نسمح بذلك أبداً».

«قانون» من أجل الوطن

وفي كلمته خلال الجلسة، قال الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب، تونجر باكيرهان، إنه «لو أراد الأكراد الانفصال، لما كنا مجتمعين في هذا البرلمان مع زملائنا. نحن هنا لأن الوطن مشترك، والمستقبل مشترك».

ووجه حديثه إلى العائلات التي فقدت أبناءها خلال فترة الصراع المسلح لـ«حزب العمال الكردستاني»، قائلاً إن «أعظم احترام لذكرى أبنائكم هو ضمان عدم موت أي طفل آخر أو تعرضه للأذى».

الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد تونجر باكيرهان خلال إلقائه كلمته في جلسة البرلمان (حساب الحزب على إكس)

وأضاف أن «هذا القانون ليس حلاً وسطاً، ولا يتعلق الأمر بالفوز أو الخسارة، وأقول لإخواني وأخواتي الأتراك: إنكم لم تخسروا شيئاً، فهذه العملية ستجلب الازدهار إلى تركيا... لن نفتح باب النقاش بشأن وحدة البلاد، فالأكراد لا يريدون الانفصال».

وتابع باكيرهان: «أخاطب الشعب الكردي بالوضوح ذاته، وأؤكد أن الأمر لا يتعلق بتآكل هويتنا، بل بوجودنا في مواجهة القانون. نعلم مخاوفكم من أن نتعرض للخداع مجدداً، وهذا ليس وهماً، فنحن ندركه تماماً، لكن أولاً وقبل كل شيء، الأكراد شعب منظم، لا يَخدع ولا يُخدع، وحتى لو اختلّت موازين القوى، فهناك سبيل لتصحيحها، وأنتم هذا السبيل. اطمئنوا، فسنواصل النضال بقوة أكبر من أجل الحقوق الديمقراطية للشعب الكردي في الساحة السياسية، ولكن الآن، هناك نار تلتهمنا جميعاً، وعلينا أولاً إخمادها».

رفض قومي وتحفظات

وأعلن «الحزب الجيد» القومي، الذي ارتدى نوابه أوشحة على هيئة علم تركيا، أنه ضد القانون وأن موقفه لن يتغير، وقال رئيسه، مساوات درويش أوغلو، في كلمة خلال الجلسة، إن مشروع القانون يعدّ «إهانة للجمهورية التركية» وإنه «يفتح الباب أمام العفو عن قتلة الأطفال وبارونات المخدرات من المنظمة الإرهابية (حزب العمال الكردستاني)».

رئيس حزب «الجيد» القومي مساوات درويش أوغلو أعلن في كلمته أمام البرلمان أن حزبه سيصوت بالرفض (حساب الحزب على إكس)

وأضاف درويش أوغلو: «من الناحية القانونية، يُعد هذا المقترح ترتيباً سرياً للعفو يمنح امتيازات لأعضاء منظمة إرهابية، وما هو إلا وسيلة لإبقاء إردوغان في السلطة مدى حياته، حتى لو اقتضى الأمر الجلوس مع قاتل الأطفال أوجلان».

وأكد رئيس حزب «السعادة»، محمود أريكان، أن حزبه «يؤيد إنهاء الإرهاب في تركيا، لكنه لا يقبل بأن تدار هذه العملية من أجل حزب واحد»، في إشارة إلى المخاوف من استغلال حزب «العدالة والتنمية» الحاكم عملية السلام من أجل البقاء في السلطة.

وكان رئيس حزب «الرفاه من جديد»، فاتح أربكان، أعلن، عبر حسابه على «إكس»، أن حزبه سيمتنع عن التصويت، لافتاً إلى أن «مشروع القانون المعني بمنظمة بعينها لن يؤدي إلى تحسين مناخ الحرية وحقوق الإنسان والمساواة لإخواننا وأخواتنا الأكراد؛ فهو لا يتضمن سوى الإفراج أو (العفو الضمني) عن (إرهابيي حزب العمال الكردستاني- اتحاد مجتمعات كردستان)».

وخلال الجلسة التي أدارها نائب رئيس البرلمان، جلال إيدان، رُفضت مطالبة بعدم دستورية مشروع القانون، وأكد رئيس «لجنة العدل» في البرلمان، النائب عن حزب «العدالة والتنمية» في إسطنبول، جنيد يوكسال، أن الاعتراضات المتعلقة بـ«عدم دستورية» مشروع القانون نوقشت ورُفضت في اللجنة.

«الكردستاني» ينتقد مشروع القانون

وعشية انطلاق مناقشة البرلمان مشروع القانون المؤلف من 12 مادة، الذي يتضمن تأجيلاً مشروطاً للأحكام والملاحقات القضائية على مسلحي «العمال الكردستاني»، وشروطاً لدمجهم في المجتمع، بعد التأكد من انتهاء وجود «الحزب» ونزع أسلحته تماماً، استنكر «حزب العمال الكردستاني» ما وصفها بـ«أخطاء ونواقص» تضمنها المشروع، الذي وصفه بـ«المعيب»، محذراً بأن مقاتليه لن يلقوا أسلحتهم ما لم يُمنح زعيمهم القابع في سجن «إيمرالي» في غرب تركيا منذ 27 سنة بعد الحكم عليه عام 1999 بالسجن المؤبد المشدد، عبد الله أوجلان، الحرية في العيش والعمل اللازمَين لقيادة العملية.

مسيرة للأكراد في ديار بكر جنوب شرقي تركيا نظمها حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» يوم 15 مايو الماضي للمطالبة بإطلاق سراح أوجلان (رويترز)

وفي بيان صدر ليل الأحد - الاثنين عقب موافقة «لجنة العدل» البرلمانية التركية على مشروع القانون السبت، قال «حزب العمال الكردستاني»، الذي اتخذ اسم «حركة حرية كردستان» بعد حله في 12 مايو (أيار) 2025، إن التشريع يتضمن «أخطاءً وعيوباً جسيمة» وإنه لم يتناول القضية الكردية بشكل شامل، وإن عدم استخدام مصطلح «كردي» والاكتفاء بالإشارة إلى إلقاء السلاح يُظهر أن القضية لم تُقيّم بشكل شامل.

وأكد أن «كثيراً من مواد القانون ستبقى حبراً على ورق» ما لم يُفرج عن الزعيم التاريخي لـ«الحزب» عبد الله أوجلان.

ولم يحدد مشروع القانون مصير أوجلان؛ البالغ 77 عاماً والقابع منفرداً منذ 27 سنة في سجن جزيرة إيمرالي جنوب بحر مرمرة على بعد 50 كيلومتراً من سواحل إسطنبول في غرب تركيا.

وأشار بيان «الحزب» إلى أن غياب ضمانات للمشاركة السياسية الديمقراطية قد يمنع مقاتليه من العودة إلى تركيا.

حذر «حزب العمال الكردستاني» بأن مسلحيه لن يعودوا إلى تركيا ما لم يعلًن عن دمجهم في العمل السياسي (أ.ب)

وينص مشروع القانون على تعليق الملاحقات القضائية وأحكام السجن بحق مرتكبي بعض الجرائم، لمدة تتراوح بين 5 و10 سنوات، وعلى أنه في حال عدم تكرار الفعل حتى نهاية مدة وقف التنفيذ، فسيتم إسقاط التحقيقات وتُعدّ العقوبات منفذة، لكنه لا يشمل الأفراد الذين شاركوا في جرائم خطيرة مثل القتل.

وخلال مناقشة مشروع القانون في البرلمان، نشر نائب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» عن مدينة شانلي أورفا (جنوب شرقي تركيا) نجل شقيق أوجلان، عمر أوجلان، صورةً على حسابه بمواقع التواصل الاجتماعي، التُقطت خلال زيارة عائلية لعمه في «إيمرالي» بتاريخ 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

صورة التُقطت لأوجلان مع أفراد من عائلته داخل سجن إيمرالي يوم 31 أكتوبر 2025 نشرت لأول مرة بالتزامن مع مناقشة «القانون الإطاري» بالبرلمان (حساب النائب عمر أوجلان على إكس)

وتُظهر الصورة، التي تُنشر لأول مرة، عبد الله أوجلان رفقة شقيقته فاطمة وابني وبنت أخيه: عمر وعلي وبيروين أوجلان.


هل ينجح رهان ترمب على الضغوط تجاه إيران؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية بالمكتب البيضاوي ورهان على الضغوط الاقتصادية وإنهاك الاقتصاد الإيراني بدلاً من توسيع العمليات العسكرية (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية بالمكتب البيضاوي ورهان على الضغوط الاقتصادية وإنهاك الاقتصاد الإيراني بدلاً من توسيع العمليات العسكرية (رويترز)
TT

هل ينجح رهان ترمب على الضغوط تجاه إيران؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية بالمكتب البيضاوي ورهان على الضغوط الاقتصادية وإنهاك الاقتصاد الإيراني بدلاً من توسيع العمليات العسكرية (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية بالمكتب البيضاوي ورهان على الضغوط الاقتصادية وإنهاك الاقتصاد الإيراني بدلاً من توسيع العمليات العسكرية (رويترز)

عندما قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب توسيع العمليات العسكرية ضد إيران راهنت إدارته على التفوق العسكري الأميركي لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات وفق شروط واشنطن. وبعد أشهر من الحرب، بدأت الإدارة تعديل استراتيجيتها من دون التخلي عن الضغط، مع تراجع أولوية توسيع الضربات العسكرية، وتصاعد الرهان على إنهاك الاقتصاد الإيراني.

وعكس ترمب هذا التوجه في تصريحات لموقع «أكسيوس»، الأحد، قائلاً إن إدارته تتعامل مع إيران «بهدوء»، وتراقب الضغوط الاقتصادية التي تواجهها، بدلاً من التلويح بجولة جديدة من العمليات العسكرية الواسعة.

وبرز وزير الخزانة سكوت بيسنت في هذا المسار بوصفه أحد أبرز المسؤولين الدافعين إلى زيادة الضغط الاقتصادي، مع تصاعد دور العقوبات والإجراءات المالية في التعامل مع طهران، بينما يحتفظ البنتاغون بخيار القوة في حال فشل المسار الدبلوماسي.

وبحسب صحيفة «واشنطن بوست»، يقود بيسنت توجهاً داخل الإدارة يرى أن تشديد العقوبات، وخنق صادرات النفط، واستهداف شبكات التمويل الإيرانية، كل ذلك يمكن أن يراكم ضغوطاً أكبر على طهران، خصوصاً إذا اقترنت الإجراءات الأميركية بعزلة مالية دولية متزايدة.

وساهمت أربعة عوامل في تغيير حسابات واشنطن. أولها استنزاف مخزونات الذخائر خلال العمليات العسكرية المكثفة، بعدما دفع حجم الاستهلاك البنتاغون إلى إطلاق برنامج عاجل لإعادة بناء المخزونات، ومطالبة شركات الصناعات الدفاعية بتسريع الإنتاج. وأظهر ذلك أن استمرار العمليات لا يرتبط بالقدرة العسكرية وحدها، وإنما أيضاً بقدرة قطاع الصناعات الدفاعية على تعويض الذخائر المستهلكة.

وزير الخزانة سكوت بيسنت (يمين) يستمع إلى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (يسار) أثناء حديثه خلال اجتماع لمجلس الوزراء في «كامب ديفيد» يوم 31 يوليو 2026 في كامب ديفيد بولاية ماريلاند (أ.ف.ب)

أما العامل الثاني، فكان ارتفاع أسعار النفط والبنزين، الذي أصبح جزءاً من الحسابات السياسية للإدارة. ويرى محللون أنه بينما تؤثر القدرات العسكرية في مسار المواجهة، تنعكس أسعار الوقود مباشرة على الناخب الأميركي، وهو ما أدخل تداعيات الحرب مع إيران إلى النقاش السياسي الداخلي، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.

وتشكل الانتخابات العامل الثالث في حسابات إدارة ترمب، إذ يبقى الاقتصاد أحد المعايير الرئيسة التي سيحكم من خلالها الناخبون على أدائها. ويعني استمرار الحرب فترة أطول بقاء الضغوط المرتبطة بأسعار الوقود، والتأمين، والشحن، كما يمنح الديمقراطيين فرصة لمهاجمة الجمهوريين بسبب كلفة الحرب، وغياب نهاية واضحة لها.

أما العامل الرابع، فيتمثل في تنامي نفوذ بيسنت داخل دائرة صنع القرار المحيطة بترمب في الملف الإيراني. ويضغط وزير الخزانة باتجاه منح العقوبات وقتاً أطول لإحداث أثرها، انطلاقاً من أن استمرار الضغط الاقتصادي يستنزف موارد طهران، ويحد من قدرتها على تمويل إعادة بناء القدرات التي دمرتها الضربات الأميركية.

وبذلك أصبح بيسنت من أبرز المسؤولين المؤثرين في مقاربة ترمب تجاه إيران، مع دفعه باتجاه مواصلة الضغط المالي والاقتصادي بدلاً من العودة سريعاً إلى توسيع العمليات العسكرية.

هل ينجح رهان ترمب؟

لا يجمع الخبراء والمحللون على قدرة الضغوط الاقتصادية وحدها على دفع إيران إلى تقديم تنازلات. فعسكرياً، ألحقت الولايات المتحدة خسائر كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، وأضعفت أجزاء من قدرات الدفاع الجوي، والإنتاج الصاروخي، لكن هذه الخسائر لم تؤدِّ حتى الآن إلى تحقيق الأهداف السياسية لواشنطن. ولا تزال طهران تحتفظ بقدرتها على التأثير في حركة الملاحة بمضيق هرمز، وهي إحدى أبرز أوراقها في المفاوضات.

وقال الجنرال المتقاعد جاك كين لشبكة «فوكس نيوز» إن إدارة الرئيس دونالد ترمب تبالغ في تقدير قدرة الضغط الاقتصادي على إجبار إيران على تقديم تنازلات استراتيجية. وأشار إلى أن واشنطن تطبق الحصار الاقتصادي والبحري منذ أشهر، فيما لا تزال طهران تدخل المفاوضات وهي تتمسك بما تعده أوراق قوة، وفي مقدمتها مضيق هرمز.

ويرى كين أن حجم الخسائر الاقتصادية الإيرانية لن يكون العامل الحاسم، لأن القيادة في طهران تتعامل مع المضيق بوصفه ورقة استراتيجية لن تتخلى عنها حتى مع تعرض الاقتصاد لمزيد من الضغوط.

وحذر من أن إيران قد تتبنى موقفاً أكثر تشدداً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وتسعى إلى زيادة الضغوط الدبلوماسية، والميدانية، للاستفادة من الانقسامات الداخلية في الولايات المتحدة. وخلص إلى أن الضغط الاقتصادي لن يكون كافياً بمفرده لتغيير حسابات طهران، وأن تقديم تنازلات جوهرية يتطلب، في تقديره، وجود تهديد عسكري أميركي يمكن لإيران أن تأخذه على محمل الجد.

في المقابل، أيد آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق في قضايا الشرق الأوسط، استمرار الضغط الاقتصادي، وكتب على منصة «إكس» أن هذا المسار قد يكون «الأقل ضرراً» بين الخيارات المتاحة أمام ترمب في الوقت الراهن.

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة بندر عباس في جنوب إيران في 10 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

وقال إن الخيار يتمثل في مواصلة الضغط، وإجبار السلطات الإيرانية على التعامل مع اقتصاد متدهور. وأضاف أن هذه الاستراتيجية قد لا تنجح، لكنها «تحول الضرورة المفروضة إلى ميزة»، في ظل غياب فرصة حالية للتوصل إلى اتفاق بشأن المضيق.

ويرى ماكس بوت، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، في مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، أن الأزمة أظهرت حدود استخدام القوة العسكرية عندما لا ترتبط بهدف سياسي يمكن تحقيقه. ومع استمرار الحرب، ترتفع كلفتها، وتزداد مخاطر أي عمليات عسكرية جديدة قد توسع نطاق المواجهة الإقليمية من دون ضمان نتائج حاسمة.

وأشار بوت إلى أن ترمب لا يملك الدعم السياسي الداخلي الكافي لتصعيد الحرب، أو لتحمل التداعيات الاقتصادية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. ويرى أن استمرار الحصار على حركة الملاحة الإيرانية، على أمل أن تدفع الأزمة الاقتصادية المتفاقمة القيادة الإيرانية إلى إبداء مرونة أكبر، قد يكون أكثر فاعلية من توسيع الضربات داخل إيران.

لكن هذا الخيار، بحسب بوت، يضع الإدارة أمام كلفة سياسية داخلية أيضاً، إذ يتطلب إقناع الناخبين الأميركيين بتحمل ارتفاع أسعار النفط والتضخم في الأشهر التي تسبق انتخابات التجديد النصفي.

من يملك اليد العليا؟

أشارت وكالة «أسوشييتد برس» إلى أن طهران تتابع تراجع مخزونات بعض الأسلحة الأميركية، والضغوط الداخلية الناجمة عن ارتفاع أسعار الوقود والسلع قبل انتخابات التجديد النصفي، إضافة إلى الكلفة المحتملة لأي محاولة عسكرية لفتح مضيق هرمز بالقوة.

وذكرت الوكالة أن مثل هذه العملية قد تتطلب نشر قوات أميركية على الأرض، بما يحمله ذلك من مخاطر عسكرية، وسياسية، وهو ما يدفع طهران إلى التشدد في شروطها، ومحاولة تعزيز موقعها التفاوضي.

لكن «أسوشييتد برس» حذرت من أن هذه المقاربة تنطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة إلى إيران أيضاً، إذ إن عدم التوصل إلى اتفاق قريب قد يجعل التعافي الاقتصادي أكثر صعوبة، ويزيد احتمالات الاضطرابات الداخلية، أو تجدد الضربات الأميركية، ولا سيما بعد انتخابات التجديد النصفي.

وترى سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز والمتخصصة في الشأن الإيراني، أن الاقتصاد أصبح أحد أبرز ميادين المواجهة بين واشنطن وطهران. فالعقوبات، بحسب تقديرها، لا تستهدف تقليص الإيرادات الإيرانية فقط، وإنما أيضاً الحد من قدرة طهران على إعادة بناء قدراتها العسكرية، وتمويل شبكاتها الإقليمية.

لكن مالوني تحذر من أن الضغط الاقتصادي وحده لن يكون كافياً لإنتاج تسوية مستقرة ما لم يقترن بمسار سياسي واضح.

إيرانيون يتسوقون في «البازار الكبير» في طهران الاثنين (إ.ب.أ)

تحول في الاستراتيجية

وتظهر المقاربة الأميركية الحالية تحولاً عن المرحلة الأولى من الحرب، عندما تصدر البنتاغون إدارة المواجهة، وتركزت الرسائل الأميركية على استخدام الضربات العسكرية لتغيير حسابات طهران.

ومع تراجع وتيرة العمليات العسكرية، ازداد دور وزارة الخزانة في إدارة الضغط عبر العقوبات، والرقابة على الشبكات المالية، واستهداف صادرات النفط.

ويقول مسؤولون في البيت الأبيض إن هذا التحول لا يعني التخلي عن الخيار العسكري، وإنما استخدامه لدعم الضغوط الاقتصادية، وإبقاء احتمال التصعيد قائماً إذا فشلت القنوات الدبلوماسية.

ولا يزال نجاح هذه المقاربة موضع نقاش داخل الأوساط السياسية الأميركية. فقد تجنبت إدارة ترمب حتى الآن توسيع الحرب إلى مواجهة إقليمية أشمل، وحافظت على مستوى مرتفع من الضغط الاقتصادي، لكنها لم تنتزع بعد تنازلات استراتيجية دائمة من إيران.

وفي المقابل، لا تزال طهران قادرة على استخدام موقعها الجغرافي، وتأثيرها في حركة الطاقة والملاحة لتحسين موقعها في المفاوضات.

ويرى مسؤولون أميركيون وخبراء أن زيادة الاعتماد على الضغط الاقتصادي لا تعني تراجع أهمية القوة العسكرية، بل الجمع بين التهديد باستخدامها والعقوبات في محاولة لدفع طهران إلى تغيير حساباتها من دون الدخول سريعاً في جولة جديدة من العمليات الواسعة.