هل يعود المنفيون حقاً؟

رواية «عودة إلى وادي الخيول» لكريم كطافة

هل يعود المنفيون حقاً؟
TT

هل يعود المنفيون حقاً؟

هل يعود المنفيون حقاً؟

وادي الخيول أو «كلي هسبه» هو المكان الذي قُتل فيه قاسم علي جاسم، أو قاسم جمعية، واسمه الحركي هناك محمد، وهو كذلك وادٍ خلف سلسلة جبال «كارا» في دهوك - شمال العراق، حيث اتخذه فصيل شيوعي ضمن حركة الأنصار المعارضين لنظام صدام، في ثمانينات القرن الماضي، مقراً لهم، ومنطلقاً لعملياتهم العسكرية ضد القوات الحكومية. وإلى ذلك المكان الموحش المعادي بطبيعته الجبلية القاسية لكل شيء عاد كريم كطافة في روايته الأحدث «عودة إلى وادي الخيول» (دار «سطور»، بغداد، 2020). لكن «وادي الخيول» ليس ذلك الجبل الأجرد المتصل بحدود البلاد الشمالية فقط. إنه كذلك، وبتشديد خاص، العراق الذي لم يعدّ مسرحاً للخيول. في ليلة احتلال بغداد، وفي شقة المنفيين في روتردام بهولندا، يقرر المنفيون الأربعة العودة لبلادهم، وكأنه القرار المنتظر والمخبأ في زاوية ما من عقولهم. شاشة التلفزيون تعرض أمامهم مشاهد تقدُّم الدبابات على جسور بغداد، وتبقى معهم حتى تصل إلى لحظة إسقاط تمثال صدام في ساحة الفردوس وسط بغداد. انتهى المنفى إذن. ولم يعد هناك ما يمنع المنفيين من العودة إلى أهلهم وبلادهم.
ولكن إلى أي عوالم وأمكنة يعود المنفيون؛ إلى مدن غادروها قبل ثلاثين عاما مثلاً، أم يعودون إلى والدين ماتا أو لم يعد بصرهما يساعدهما على رؤية الداخلين عليهما، أم تراهم يعودون لأشقاء ماتوا في حروب البلاد الكثيرة، أم يعودوا إلى أبناء أشقاءٍ وشقيقاتٍ ولدوا بعدهم، فلا صلة ولا ذاكرة تجمعهم بهم؟ قد نقترح سؤالاً أكثر حرجاً: هل يعود المنفيون حقاً؟ تشتبك الرواية مع هذه الأسئلة ابتداء من عنوانها ذي الإشارات المضطربة، مروراً بعوالمها السردية، وليس ختاماً بحجمها المفرط وتأويلها الرمزي لاستحالة العودة ذاتها.
في الليلة الكبرى، ليلة احتلال بغداد، يعود الراوي، الشخصية الرئيسية التي تتولى نقل عوالم الرواية، بعد ليلة عاصفة وطويلة، إلى بيته في روتردام مشياً. تتردد المرأة الصينية التي فاتها الترام الأخير بمرافقته، ثم تلحقه. كان الراوي بحاجة لمن يسمعه دون مناكدة، كان بحاجة لتفريغ ذاكرته قبل أن يصل إلى الجنوب. وهي لحظة فائقة اختارها الكاتب بعناية بالغة؛ فلا لغة مشتركة تجمعه مع تلك المرأة الصينية سوى أنهما يسيران صوب الجنوب إلى بيتيهما، وأن كلا منهما يريد أن يمثِّل الآخر دور المستمع. في الساعة الأخيرة من عمر المنفى المتمثِّلة بسقوط من أجبر الراوي وغيره على مغادرة بلاده، لا يجد الراوي من يتحدث معه ويفهمه سوى امرأة صينية تتحدث معه، وهي تعرف أنه لا يفهمها، وهو كذلك يتكلم ويعرف أنها مجرد مستمع لا يفهم أمراً مما يسمع. هذه البداية تتوافق تماماً مع وصف سائق السيارة الذي عاد بالمنفيين الثلاثة إلى بغداد، وكان شرطهم عليه أن يوصلهم إلى أبواب بيوت أهلهم؛ لأنهم ببساطة جارحة لا يعرفون أين انتهى المطاف بهم. إنهم مجرد صيغة أخرى من أهل الكهف الذين ناموا طويلاً عن بلادهم في المنفى.
هاتان القضيتان المختارتان بعناية سيكون لهما تأثير بالغ في مجمل الاشتغال السردي في هذه الرواية السيرية؛ فالمنفي العائد لا يجد، بعد أن يتركه سائق السيارة بيد شقيقه، أن قصة منفاه ومقاومته للرئيس «الذي أخصى شعباً كاملاً» جديرة بالسرد، ويعمد إلى اختصارها تلبية لملحة أمه فيما يخص زوجته وأبناءه، ويجملها لشقيقه، مرتضى، في رحلتهما نحو الشمال لاستعادة رفات قاسم، حتى لحظة الحقيقة يتراجع عنها؛ عندما يخفي عن الجميع حقيقة انتحار قاسم جمعية، فيؤكد بطولته كونه مات شهيداً وهو يقاوم بالسلاح من دمر حياته وحياة غيره. ما الذي بقي إذن؟ لقد بقيت سرديات المنفي العائد كلها بلا نقصان، أو ربما بزيادة.
يعود المنفي ليسرد، لنفسه على الأقل، ما حصل للبلد الذي تركه وراءه قبل ثلاثين عاماً، ما حدث لأهله، لإخوته، للناس، للشوارع، هو ابن كهف بعيد يخرج منه «يعود» إلى عراء البلاد الشاسع. صحيح أنه يعود، في الخاتمة، إلى وادي الخيول، هناك في حضن الجبل القاسي، حاملاً رفات صديقه، لكنه يعرف، وهو يفتح كيس الطحين ويضع بداخله ما تبقى من قاسم جمعية، أنه يعود برفات بلاده. هذه الحقيقة تفرض نفسها علينا فرضاً. لنتأمل الدلالة المهيمنة للعنوان؛ فهو العودة إلى وادي الخيول، وقد جاءت في الأصل مجردة من «ال» تعريف، فهي عودة أخرى. ولكن هل المقصود بهذه العودة الوادي الحقيقي، هناك على حدود البلاد الشمالية؟ تتألف الرواية من 395 صفحة من القطع المتوسط. تنشغل 307 منها بإعادة اكتشاف الحياة في عراق ما بعد صدام، فيما يختص الباقي من صفحات الرواية البالغ عددها 88 صفحة فقط بقصة العودة إلى وادي الخيول الحقيقي. وحتى في لحظة العذاب القصوى، عندما يجري إخراج رفات قاسم جمعية، فإن الراوي يحملها بكيس طحين ويعود بها إلى أمه لتدفنه هناك في وادٍ آخر يدعى وادي السلام. ثم وهو يحملها على كتفه نجده يختم عودته بكلام موجه لصديقه المنتحر، معتذراً له عن عدم معرفته بجواب سؤال صديقه، قبل انتحاره: «ماذا سيحدث للوردة لو اقتلعت من غصنها ووضعت في كتاب؟»؛ فهو لا يعرف الجواب، حتى هنا، فإن عدم المعرفة وتعمُّد الراوي إيقاف الرواية وإنهاءها بكلام موجه لصديقه المنتحر؛ لأنه «عاجز عن وصف حزن أمك وحزن أخواتك الثلاث. سأكتفي بهذا...»، يعطي عنوان الرواية تأويلاً مختلفاً؛ فلا يعود الراوي ليحمل السلاح مجدداً ضد المحتل مثلاً، بل إن السيارة التي نقلته إلى الجبل مرت قرب القاعدة التركية المحتلة لأرض عراقية سبق له ولرفاقه أن قاتلوا لأجلها. لقد عاد كريم كطافة إلى وادي الخيول مجدداً لينقل ما تبقى من صديقه ويسلمه لأمه التي ستدفنه في وادٍ آخر وسط البلاد، كما لو أننا أمام صيغة أخرى لمقولة كاتب عراقي آخر عاد للبلاد، بعد احتلالها، فعنون ما كتب بعبارة صادمة جداً: «إنه الماضي، جئت لأدفنه».
تستمدُّ الرواية أغلب تفاصيل عالمها السردي من السيرة الشخصية للكاتب؛ فالراوي هو كريم كطافة كاتبها. هكذا سيناديه كريم حنش، الكتبي المشهور، في زيارته للمتنبي. وهو «أبو أمل» كما يُعرف عن «كريم كطافة» الشاب الذي غادر العراق مطلع الثمانينات إلى تركيا ومنها إلى اليونان بجواز سفر مزور يعود إلى شقيقه «رسول» ويستقر، إلى حين، في يوغسلافيا، ومنها يعود، عبر سوريا، إلى الجبل مقاتلاً ضد نظام البعث. أغلب الحكايات تحيل لسيرة الكاتب الشخصية، سوى أن العودة إلى الثورة - مدينة الصدر كانت مفارقة للسيرة الشخصية للكاتب، وقد تقصَّدها الكاتب في تمثيل عوالم روايته. في النهاية نظل إزاء عالم متخيل يتفق أو يفارق الوقائع المتصلة به.
«عودة إلى وادي الخيول» رواية جديدة تعزز اتجاهاً سردياً في الرواية العراقية، لا سيما رواية المنفى، تُفيد مما يمكن أن نسميه بـ«سرديات المنفي العائد». وهو اتجاه جدير بالدراسة والتأمل. كان مؤسس الرواية العراقية الفنية غائب طعمة فرمان قد أتحفنا بروايتين تمثِّلان حقبتين مختلفتين «المخاض وظلال على النافذة». غير أن الروايتين لم تؤسسا، آنذاك، اتجاهاً سردياً مفارقاً يختص بـ«قصة العائد»؛ لأن المنفى لم يصبح، حتى ذلك الوقت، الخيار الأوحد المفروض على معارضي السلطة، وهو ما صار واقعاً نهاية السبعينات من القرن الماضي. ولنا هنا أن نسجل إن رواية المنفى العراقية، حتى عام 2003، قد أهملت قصة العائد؛ إذ لا عودة، ولا منفي يعود من دون زوال المسبب بالمنفى، وهو ما تحقَّق بسقوط نظام البعث واحتلال البلاد؛ لكن هذه العودة تظل بمثابة حلم يستحيل تحقيقه واستمراره. إنها العودة المستحيلة، أو كما كتب فرمان نفسه قبل عقود، وسمّاها «العودة الخائبة». كان هذا شأن روايات عراقية متعدِّدة. كريم كطافة نفسه سبق له أن قدَّم لنا رواية اتخذت مساراً مماثلاً، واستمدت عالمها كله من تجربة الأنصار في الشمال، وكانت عن لحظة مفصلية من تلك التجربة المتميزة، لأجلها، ربما، سمّاها «حصار العنكبوت».



أطعمة تبدو صحية لكنها غنية بالملح... مصادر خفية للصوديوم في نظامك الغذائي

الإفراط في استهلاك الملح يرتبط بمخاطر صحية (جامعة هارفارد)
الإفراط في استهلاك الملح يرتبط بمخاطر صحية (جامعة هارفارد)
TT

أطعمة تبدو صحية لكنها غنية بالملح... مصادر خفية للصوديوم في نظامك الغذائي

الإفراط في استهلاك الملح يرتبط بمخاطر صحية (جامعة هارفارد)
الإفراط في استهلاك الملح يرتبط بمخاطر صحية (جامعة هارفارد)

قد يعتقد كثيرون أن الأطعمة الأكثر احتواءً على الملح تقتصر على الوجبات السريعة ورقائق البطاطس واللحوم المصنعة، لكن بعض المنتجات التي تُصنَّف على أنها صحية، مثل السلطات والسندويشات والأطعمة المخمّرة، قد تحتوي أيضاً على كميات كبيرة منه، ما يجعلها مصدراً غير متوقع للصوديوم في النظام الغذائي اليومي.

ويحتاج الجسم إلى الصوديوم للحفاظ على توازن السوائل وضمان أداء الأعصاب والعضلات وظائفها بصورة طبيعية، لكن الإفراط في استهلاكه قد يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، الذي يُعد أحد أبرز عوامل الخطر للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتات الدماغية. كما يرتبط الإفراط في تناول الملح بمخاطر صحية أخرى، تشمل أمراض القلب وهشاشة العظام والخرف وسرطان المعدة، حسبما أوردت صحيفة «ذا تايمز» البريطانية، السبت.

وتكمن صعوبة الحد من استهلاك الملح في احتواء كثير من المنتجات الغذائية الجاهزة على كميات كبيرة منه، ما يعني أن الامتناع عن إضافته أثناء الطهي أو إلى الطعام على المائدة لا يكفي بالضرورة للسيطرة على إجمالي الكمية المستهلكة.

ويبلغ متوسط استهلاك البالغين في المملكة المتحدة نحو 8.4 غرام من الملح يومياً، متجاوزاً الحد الأقصى الموصى به من هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، والبالغ 6 غرامات يومياً. ويأتي نحو 75 في المائة من الملح المستهلك من الأطعمة الجاهزة التي يشتريها الأشخاص، وليس من الكميات التي يضيفونها بأنفسهم.

ومن بين المصادر غير المتوقعة للملح السندويشات والسلطات الجاهزة؛ إذ تسهم مكوناتها، مثل اللحوم المصنعة والأجبان والصلصات والتوابل، في رفع محتواها منه. ويحتوي سندويش الدجاج المدخن مع سلطة سيزر على 6.88 غرام من الملح، وهي كمية تتجاوز الحد اليومي الموصى به للبالغين في المملكة المتحدة.

وتشمل هذه المصادر أيضاً بعض الأطعمة الآسيوية، مثل السوشي وصلصة الصويا، والأطعمة المخمّرة، ومنها الكيمتشي ومخلل الملفوف، فضلاً عن الزيتون المحفوظ في المحلول الملحي. وتحتوي ملعقتان صغيرتان من صلصة الصويا على نحو 1.69 غرام من الملح.

ولا تقتصر المشكلة على الأطعمة الصلبة؛ إذ قد يحتوي الحساء الجاهز أيضاً على كميات كبيرة من الملح. فعلى سبيل المثال، تحتوي حصة من حساء «توم يوم» التايلاندي الجاهز على نحو 3.03 غرام من الملح. كذلك تسهم المخبوزات، بما فيها البسكويت والكعك، في زيادة الاستهلاك اليومي للصوديوم، رغم أن كثيرين لا يربطون بين هذه المنتجات والمذاق المالح.

وللحد من استهلاك الملح، ينصح خبراء التغذية بقراءة الملصقات الغذائية ومقارنة محتوى المنتجات من الملح، خصوصاً الأطعمة الجاهزة والصلصات والحساء والمخبوزات. ووفقاً للإرشادات البريطانية، يُصنَّف الطعام على أنه مرتفع الملح إذا احتوى على أكثر من 1.5 غرام لكل 100 غرام، في حين أنه يُعد منخفض الملح إذا احتوى على 0.3 غرام أو أقل لكل 100 غرام.

كما يُنصح باختيار المنتجات الأقل احتواءً على الملح، وإعداد الوجبات في المنزل للتحكم في الكميات المستخدمة، وتقليل الاعتماد على مكعبات المرق والصلصات الجاهزة، والاستعاضة عن الملح بالأعشاب، والتوابل، وعصير الليمون، والخل لإضفاء نكهات متنوعة على الطعام.


«داليدا»... استعراض يخطف ومضات من سيرة «الديفا»

قدمت فرح الديباني أغنيات عدَّة خلال العرض (الشرق الأوسط)
قدمت فرح الديباني أغنيات عدَّة خلال العرض (الشرق الأوسط)
TT

«داليدا»... استعراض يخطف ومضات من سيرة «الديفا»

قدمت فرح الديباني أغنيات عدَّة خلال العرض (الشرق الأوسط)
قدمت فرح الديباني أغنيات عدَّة خلال العرض (الشرق الأوسط)

من مأساة المغني والملحن الإيطالي لويجي تينكو، ومحاولة داليدا الانتحار بعدها، يفتح العرض الغنائي الاستعراضي «داليدا... الأغنية التي لا تنتهي» نافذة على ماضي النجمة الفرنسية ذات الأصول الإيطالية، المولودة في مصر، عائداً إلى طفلة في حي شبرا الشعبي بالقاهرة تتعرض للتنمر بسبب نظارتها الطبية، وتنتظر أباً يأخذه الاعتقال بعيداً عن أسرته، ثم يعود إليها رجلاً آخر. وفيما يستعيد العرض هذه البدايات، يرصد حكاية امرأة بحثت عن الحب والأمان، في حين كانت تصنع حضوراً غنائياً تجاوز الحدود واللغات.

وقدمت الفنانة المصرية فرح الديباني شخصية داليدا في عرض أخرجه المصري خيري بشارة، وكتبه وليد خيري، مستعيناً بالغناء والتمثيل والرقص لاستعادة محطات من سيرتها، وقُدّم للمرة الأولى مساء السبت على خشبة مسرح مكتبة الإسكندرية.

ويتوقف العمل، الذي استمر لأكثر من 130 دقيقة، عند العلاقات التي أسهمت في تشكيل حياة داليدا، والمسافة بين صورتها أمام الجمهور واحتياجاتها الشخصية، فيما منحت العودة إلى الطفولة مجالاً لقراءة هذه المسافة عبر تجارب سبقت الشهرة، وبقيت آثارها حاضرة في الذاكرة.

ويضع استهلال العرض بمأساة انتحار المغني والملحن الإيطالي لويجي تينكو المشاهد أمام جرح مفتوح، قبل أن يدعوه إلى التعرف على صاحبته. فقد اقترنت علاقته بداليدا بمشروع فني وحلم بالزواج، وانتهت بوفاته منتحراً خلال مهرجان سان ريمو عام 1967، ثم بمحاولتها الانتحار بعد ذلك.

قدم العرض برؤية غنائية مسيرة داليدا (الشرق الأوسط)

وعلى مدار الأحداث، تعرض لقطات مصورة سلفاً بعض مراحل حياة داليدا، إلى جانب استعادة ما تناولته وسائل الإعلام من أخبار عن حياتها، فنرى الطفلة يولاندا قبل أن تصبح داليدا، وهي تواجه تعليقات الآخرين على النظارة التي ترتديها.

وتكتسب هذه التفاصيل معناها حين توضع إلى جوار الصورة اللاحقة للنجمة، التي أصبح جمالها وأناقتها جزءاً من حضورها العام، فالطفلة التي تتأذى من نظرات المحيطين تكبر لتعيش تحت أنظار جمهور واسع.

وتحضر علاقة الأب بوصفها أحد المحاور الأساسية في مرحلة الطفولة؛ إذ كان عازف الكمان الإيطالي بيترو جيجليوتي يعمل في أوبرا القاهرة قبل اعتقاله خلال الحرب العالمية الثانية، ويمتد أثر الاعتقال إلى البيت الذي ينتظر عودته، ثم يعود الأب أكثر قسوة.

وفي انتقالها إلى باريس، تظل هذه البدايات خلفية لحكاية تتسع فصولها تدريجياً، وتأتي محطة الغناء على مسرح «الأولمبيا» لتجسد الانتقال من الرغبة في الاعتراف إلى نيله أمام الجمهور. فالوقوف على المسرح يضعها في علاقة جديدة مع نظرات الآخرين؛ تنصت القاعة إلى صوتها، وتمنحها استجابتها، وتبدأ صورة داليدا في التكون. وتكتسب هذه اللحظة أهميتها بوصفها اختباراً للحضور، وبداية لمسار تصبح فيه الأغنية مهنة وحياة والتزاماً يومياً.

وفي هذا المسار يظهر المسؤول الإذاعي الفرنسي لوسيان موريس، مكتشفها والداعم لانطلاقتها، رجلاً تتداخل في علاقتها به العاطفة والطموح، لتبرز الفجوة بين ما تنتظره منه وما يستحوذ على اهتمامه؛ فهي تريد الزواج وحياة مشتركة، بينما ينشغل هو بنجاحها واستمرار صعودها.

وحين يتحقق الزواج، لا تنتهي المسافة بينهما، فيتسلل الإهمال إلى الحياة المشتركة، ويصبح ما انتظرته داليدا طويلاً عاجزاً عن منحها الطمأنينة المنشودة. وتضيف رغبتها في الإنجاب، مقابل رفض زوجها، وجهاً آخر للخلاف؛ فهما يتقاسمان النجاح، لكن تصورهما للحياة لا يتطابق.

وتواصلت قصص الحب في حياة داليدا مع الممثل والرسام الفرنسي جان سوبيسكي، الذي ارتبطت به بعد ابتعادها عن لوسيان موريس، قبل أن تنتهي علاقتهما بدورها.

قُدم العرض على خشبة مسرح مكتبة الإسكندرية (الشرق الأوسط)

وجمعتها بالممثل الفرنسي آلان ديلون علاقة عاطفية، إلى جانب صداقة وتعاون فني أثمر أغنية «بارول بارول» عام 1973. أما الفرنسي ريتشارد شانفري، الذي قدّم نفسه باسم «كونت سان جيرمان»، فشاركها سنوات من حياتها قبل انفصالهما عام 1981، ثم وفاته منتحراً عام 1983. وتكشف هذه العلاقات، على اختلاف ظروفها ونهاياتها، جانباً من بحثها المتكرر عن الاستقرار، من دون أن تختصر وحدها أسباب معاناتها النفسية.

واستعان المخرج خيري بشارة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في تصميم عدد من الخلفيات المسرحية، التي استحضرت صوراً لداليدا في مراحل مختلفة من حياتها، إلى جانب أماكن عاشت فيها خلال ستينات القرن الماضي وسبعيناته. كما احتل الغناء مساحة واسعة من العرض، بصوت فرح الديباني.

وقال الناقد المصري علي الكشوطي لـ«الشرق الأوسط» إن الحكم على العرض من ليلته الأولى قد ينطوي على قدر من التسرع والظلم؛ لأن التجارب المسرحية تحتاج إلى تتابع ليالي العرض حتى تنضج، ويزداد التفاهم بين المشاركين فيها، خصوصاً حين تكون فترة التحضير والبروفات محدودة. وأشار إلى أن اختيار فرح الديباني لتجسيد داليدا موفق، لما تمتلكه من صوت مميز وإمكانات غنائية كبيرة.

وأضاف أن فرح الديباني وبقية الممثلين كانوا بحاجة إلى تدريبات مكثفة على الأداء التمثيلي، مؤكداً أن اعتماد العمل على الغناء والاستعراض لا يقلل من أهمية البناء الدرامي للشخصيات.

وانتقد الكشوطي المقاطع المصنوعة بالذكاء الاصطناعي التي استعان بها المخرج خيري بشارة، موضحاً أن ملامح داليدا تبدلت بدرجة ملحوظة بين مقطع وآخر، بما أضعف اتساق صورتها.

وأعرب عن أمله في أن تشهد الليالي المقبلة تطوراً في الأداء التمثيلي وتسلسل الأحداث، بما يتيح للجمهور التعرف بصورة أعمق على أبعاد معاناة داليدا الإنسانية.


أحد عشاق طائرة «إيرباص A380» ينقل جزءاً من فخامتها إلى منزله

زوار يحيطون بطائرة من طراز «إيرباص A340-600» بمطار في برلين (أ.ب)
زوار يحيطون بطائرة من طراز «إيرباص A340-600» بمطار في برلين (أ.ب)
TT

أحد عشاق طائرة «إيرباص A380» ينقل جزءاً من فخامتها إلى منزله

زوار يحيطون بطائرة من طراز «إيرباص A340-600» بمطار في برلين (أ.ب)
زوار يحيطون بطائرة من طراز «إيرباص A340-600» بمطار في برلين (أ.ب)

في حصاد أبرز القصص المتعلقة بالسفر، هذا الأسبوع، يسلط تقرير «سي إن إن» الأميركية الضوء على أغرب طائرات الركاب ذات المحركات الأربعة، وطائرة خاصة فاخرة من ثمانينات القرن الماضي يمكن حجزها للإقامة، إلى جانب أحد عشاق طائرة «إيرباص A380» الذي حوّل منزله إلى نسخة تحاكي مقصورة الدرجة الأولى.

لم يكن الإعجاب من النظرة الأولى هو ما جمع الهندي آرون راجاغوبال بطائرة «إيرباص A380»، أكبر طائرة ركاب في العالم، بل احتاج الأمر إلى 4 رحلات جوية حتى تتحول تجربته معها إلى شغف استثنائي.

ويقول راجاغوبال إن نقطة التحول جاءت خلال رحلته الرابعة على متن الطائرة، عندما سافر على درجة رجال الأعمال إلى سنغافورة. ويتذكر قائلاً: «كانت المقاعد ضخمة، وكانت هناك صالة تضم حانة في مؤخرة الطائرة»، مضيفاً أن التجربة منحته شعوراً بالدهشة، كأنها تنقله إلى مستوى مختلف تماماً من الراحة والرفاهية.

منذ ذلك الحين، أصبح يحرص على السفر بطائرات «A380» كلما أتيحت له الفرصة. وحتى الآن، تجاوز عدد رحلاته على متنها 220 رحلة، قطع خلالها نحو 715 ألف ميل، عبر 6 قارات.

ولم يكتفِ راجاغوبال بخوض تجربة الطائرة في أثناء السفر، بل قرر نقل جانب منها إلى منزله في دبي؛ فقد اقتنى مقعدين من مقاعد الدرجة الأولى التابعة لأول طائرة «A380» لدى طيران الإمارات، إلى جانب مصابيح أصلية من مقصورة الدرجة الأولى، فضلاً عن إعادة توظيف إحدى عجلات الطائرة، وتحويلها إلى طاولة للقهوة.

لكن القطعة الأبرز في منزله تتمثل في إعادة تصميم غرفة المعيشة وتجديدها بعناية، لتصبح نسخة تحاكي جناح «ذا ريزيدنس» الفاخر التابع للاتحاد للطيران، وهو جناح خاص يتكون من 3 غرف، ويُعد من أكثر تجارب السفر الجوي رفاهية. وقد استغرق تنفيذ المشروع عاماً كاملاً، ليتمكن من استحضار أجواء هذه التجربة داخل منزله.

وعلى صعيد آخر، تسلط القصة الضوء على طائرة «إيرباص A340-600»، التي حطمت الأرقام القياسية عند إطلاقها عام 2002، بعدما أصبحت أطول طائرة ركاب في العالم آنذاك، غير أن مسيرتها التجارية لم تحقق النجاح المأمول؛ إذ واجهت صعوبات في الانتشار بسبب استهلاك محركاتها الأربعة كميات كبيرة من الوقود، فضلاً عن طول هيكلها الذي يبلغ 247 قدماً، وما يتطلبه ذلك من ترتيبات خاصة على مدارج المطارات.

وتتميز الطائرة أيضاً بتصميم غير مألوف؛ إذ تضم دورة مياه في الطابق السفلي، داخل مساحة مخصصة عادة للشحن، وهو تفصيل أثار اهتمام بعض المسافرين ومحبي الطيران.

ورغم محدودية نجاحها التجاري، فقد اكتسبت الطائرة قاعدة جماهيرية كبيرة بين عشاق الطيران وأطقم شركات الطيران. وقد شهد مطار واشنطن دالاس الدولي، هذا الشهر، حضور عدد من المهتمين لمتابعة وصول رحلة تمثل نهاية العلاقة بين شركة «لوفتهانزا» الألمانية والطائرة، في مشهد يعكس مكانتها الخاصة لدى محبي الطيران.