التحالف الدولي: عودة «داعش» احتمال حقيقي جداً... ومعتقلو التنظيم «جيش في الانتظار»

الكولونيل واين ماروتو لـ«الشرق الأوسط» : الهجمات على قوافل الإمداد اللوجيستي تطال مدنيين عراقيين... ونشر الـ«برادلي» هدفه ضمان عملياتنا

عربة برادلي أميركية في شمال شرقي سوريا... وفي الإطار الكولونيل ماروتو (التحالف الدولي)
عربة برادلي أميركية في شمال شرقي سوريا... وفي الإطار الكولونيل ماروتو (التحالف الدولي)
TT

التحالف الدولي: عودة «داعش» احتمال حقيقي جداً... ومعتقلو التنظيم «جيش في الانتظار»

عربة برادلي أميركية في شمال شرقي سوريا... وفي الإطار الكولونيل ماروتو (التحالف الدولي)
عربة برادلي أميركية في شمال شرقي سوريا... وفي الإطار الكولونيل ماروتو (التحالف الدولي)

حذر مسؤول عسكري أميركي من مخاطر عدم حل قضية «جيش داعش» الموجود في سجون «قوات سوريا الديمقراطية»، شمال شرقي سوريا، قائلاً إن هؤلاء يشكلون أكبر تجمع لمقاتلي التنظيم حول العالم. وأكد الكولونيل واين ماروتو، الناطق باسم «قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب» في بغداد، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن «داعش» لم يعد يسيطر على أي أرض حالياً، لكن احتمال عودته «احتمال حقيقي جداً» إذا تم تخفيف الضغط عليه. وعد أن إرسال عربات «برادلي» القتالية إلى سوريا هدفه ضمان قدرة قوات التحالف على تنفيذ عمليات ضد «داعش» في شكل آمن.
وقال مسؤول التحالف إن خفض عدد القوات الأميركية في العراق دليل على تنامي قدرات قوات الأمن العراقية. وتناول قضية الهجمات التي تتعرض لها قوافل الإمدادات اللوجيستية لقوات التحالف في العراق، قائلاً إن هذه القوافل مدنية، وإن الخسائر عراقية، واصفاً المجموعات التي تشن هذه الهجمات بأنها «مجموعات خارجة عن القانون»، في إشارة إلى مجموعات يُعتقد أنها مرتبطة بالاستخبارات الإيرانية.
وللكولونيل ماروتو خبرة طويلة مع العراق. فقد نُشر فيه 3 مرات في إطار «عملية حرية العراق» في الأعوام 2004 و2008 و2010، وهي أعوام شهدت تنامي نفوذ فصائل المقاومة العراقية، وظهور تنظيم «القاعدة» بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، وكذلك فصائل مرتبطة بإيران استهدفت الأميركيين، والقوات الغربية عموماً. ونُشر ماروتو مجدداً في العراق عام 2015، خلال أوج الحرب ضد تنظيم داعش، وتولى آنذاك مهمة الناطق باسم «عملية العزم الصلب»، وهي المهمة نفسها التي عاد ليتسلمها الآن بعد نشره في العراق للمرة الخامسة في صيف 2020.
يقول الكولونيل ماروتو في حواره مع «الشرق الأوسط»: «حققت قوات الأمن العراقية مكاسب هائلة خلال السنوات الخمس التي مضت على تسلمي مهمة الناطق باسم قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب عام 2015. قبل خمس سنوات، كان (داعش) يسيطر على قرابة 110 آلاف كلم مربع من الأراضي، وحقق انتصارات كبيرة في الموصل والفلوجة والرمادي. لكن (داعش) اليوم لا يسيطر على أي أرض. وقادة التنظيم الأساسيون إما ماتوا أو تم تحييدهم من ساحة القتال. وقوات التحالف وقوات الأمن العراقية عملا شريكين معاً لهزيمة (داعش). واليوم، باتت قوات الأمن العراقية أقوى من (داعش)، وأظهرت أنها قادرة على منع ظهور (داعش) من جديد من خلال شن عمليات بمفردها. وقد حققت القوات العراقية نجاحات ثابتة في تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة (داعش)، بما في ذلك في مدن حضرية صعبة».
وتابع: «سيواصل التحالف تقديم المساعدة والدعم على مستوى القيادة العملانية. فمنذ عام 2014، درب التحالف وجهز ووجه أكثر من 240 ألف عنصر من قوات الأمن العراقية. والقوات العراقية تقود اليوم برامج التدريب، وتقوم بالعمليات في البلد بمفردها إلى حد كبير». وأشار ماروتو، في هذا الإطار، إلى حملات «أبطال العراق» التي تشنها قوات الأمن العراقية ضد أوكار «داعش»، قائلاً إن «قوات الأمن العراقية نقلت المعركة بشراسة إلى العدو (في مكان اختبائه)، واعتقلت أو قضت على كثير من المقاتلين الأعداء، وصادرت أو دمرت عشرات الأسلحة التي كانت في أيدي الأعداء. إن التضحيات المتواصلة التي تبذلها قوات الأمن العراقية تظهر تفانيها في إعادة الاستقرار إلى وطنها. وسيواصل التحالف المساعدة في مجالات التخطيط والاستخبارات والمراقبة والقوة الجوية من أجل هزيمة (داعش)، وتهيئة الظروف لشن عمليات أخرى هدفها تحقيق مزيد من الاستقرار الإقليمي».
وشدد مسؤول التحالف على أن «(داعش) هُزم عسكرياً اليوم، ولم يعد يسيطر على أي أرض. وقوات التحالف وقوات الأمن العراقية سيجدون بقايا (داعش)، ويقضون عليها في العراق أو سوريا. سنواصل ملاحقة واستهداف عناصر (داعش) حيث يختبئون في مناطق اختبائهم المعروفة. وسنفعل الشيء ذاته بالنسبة إلى الجيوب الأخرى المتبقية لجيوب إرهابيي (داعش). إننا ملتزمون بإكمال القضاء على (داعش) في العراق، وسنواصل تقديم النصح والدعم لقوات الأمن العراقية وقوات البيشمركة، في إطار جهودنا المشتركة لهزيمة (داعش)».
وسئل عن انتشار «داعش» في سوريا، شرق الفرات وغربه، فرد بأن «التحالف يواصل العمل، إلى جانب شركائنا المحليين، وعلى الخصوص قوات سوريا الديمقراطية وقوات الأمن العراقية، من أجل الوصول إلى هدفنا المشترك، وهو ضمان تحقيق إلحاق هزيمة مستدامة بـ(داعش). إن مراكز الاعتقال في شمال شرقي سوريا تحوي أكبر تجمع بشري لمقاتلي (داعش) في العالم؛ إنه جيش إرهابي في طور الانتظار. هذه مشكلة دولية تتطلب حلاً دولياً. إننا نناشد المجتمع الدولي أن يتدخل ويساعد في حل هذه المشكلة. أما بالنسبة إلى وضع (داعش) غرب نهر الفرات، فهذا الأمر تعود الإجابة عنه إلى القيادة المركزية الأميركية (وليس التحالف الدولي)».
وسُئل عن إرسال القوات الأميركية تعزيزات إلى شرق سوريا، تتضمن عربات «برادلي»، وهل صحيح أن هذه التعزيزات هدفها توجيه رسالة للقوات الروسية التي تتحرش أحياناً بالأميركيين شمال شرقي سوريا، فرد قائلاً: «إن الوضع في شمال شرقي سوريا معقد نتيجة تحديات خارجة عن إطار مهمة قوة عملية العزم الصلب، بما في ذلك المسار القضائي لمقاتلي (داعش) المعتقلين، وحل قضية النازحين داخلياً. إن منشآت الاعتقال في شمال شرقي سوريا تحوي أكبر تجمع لمقاتلي «داعش» حول العالم. نناشد المجتمع الدولي أن يساعد في إيجاد حل لهذه المشكلة. يوفر التحالف الأمن والاستقرار لمنظمات المجتمع المدني للوصول إلى المخيمات ومراكز الاعتقال التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية. ولكن التحالف ليس لديه سلطة قضائية على هذه المنشآت». وتابع: «على الرغم من هزيمة (داعش) على الأرض، وتقلص قيادته، وتفنيد آيديولوجيته على نطاق واسع، فإن هذا التنظيم ما زال يمثل خطراً. وما لم يستمر الاحتفاظ بالضغط على (داعش)، فإن احتمال إعادة ظهوره يبقى احتمالاً حقيقياً جداً. إن نشر قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب لتجهيزات مشاة ميكانيكية، بما في ذلك آليات برادلي القتالية، في سوريا، هدفه ضمان حماية قوات التحالف، والمحافظة على حريتها في الحركة، كي تتمكن من مواصلة عملياتها لهزيمة (داعش) بشكل آمن. إننا نبقى حازمين في التزمنا بالعمل، إلى جانب شركائنا، من أجل ضمان هزيمة (داعش) بشكل مستدام».
وفي خصوص أعداد عناصر «داعش» الذين ما زالوا ينشطون حالياً في العراق وسوريا، قال ماروتو إن «التقديرات الأخيرة، ومصدرها الأمم المتحدة، تقول إن هناك أكثر من 10 آلاف مقاتل في العراق وسوريا. إن وجود عنصر واحد من (داعش) في أي مكان هو وجود لعنصر يزيد عن اللازم. في عام 2014، سيطر «داعش» على قرابة 110 آلاف كلم مربع من الأرض، وكان لديه 40 ألف مقاتل إرهابي في العراق وسوريا. شركاؤنا المحليون، بدعم من التحالف، حرروا قرابة 8 ملايين إنسان من حكم «داعش» الوحشي. اليوم، لا يسيطر «داعش» على أي أرض، وشركاؤنا يواصلون مواجهته لضمان هزيمته المستدامة».
وسُئل العقيد ماروتو عن خفض عدد القوات الأميركية في العراق، واستمرار الهجمات التي تطال قوافل إمداداتها، وهي هجمات يُعتقد أن جماعات مرتبطة بإيران تقوم بها، لكنه لم يحدد هذه الجماعات بالاسم مكتفياً بالقول إنها «مجموعات خارجة عن القانون»، وأوضح أن «تقليل عدد القوات الأميركية خبر جيد، كونه يدل على التقدم والنجاح لقوات الأمن العراقية ضد (داعش). إن وجودنا يتقلص بسبب نجاحات قوات الأمن العراقية. إننا نبقى ملتزمين بدعم شركائنا في العراق وسوريا لهزيمة بقايا (داعش). هذه المجموعات الخارجة عن القانون تشن هجمات على القوافل اللوجيستية المدنية لمتعاقدين عراقيين يتولون نقل دعم لوجيستي لقوات الأمن العراقية وقوات التحالف، وقد قتلت أخيراً مدنياً عراقياً كان يحاول جني ما يوفر له لقمة العيش. هذه المجموعات الخارجة عن القانون تهاجم قوات الأمن العراقية، ومراكز قوات الأمن العراقية -فالتحالف لا يملك أي مراكز- والمدنيين العراقيين. إن التحالف يقر بحصول زيادة في الهجمات المنخفضة المستوى ضد قوات الأمن العراقية. ولكن لوضع الأمور في إطارها، هذه المجموعات الخارجة عن القانون لا تهاجم سوى أقل من 5 في المائة من كل القوافل اللوجيستية المدنية المتعاقدة مع قوات الأمن العراقية».



ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

في ظل إصرار مصري وأوروبي على رفض الاعتراف بـ«مذكرة التفاهم» التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، ومع تجدد عرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، يبدو أن «دبلوماسية الحوار» ستكون خيار القاهرة الأقرب لمعالجة التباينات بشأن الحدود مع أنقرة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وصوّت مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي بالموافقة على اتفاقية «ترسيم الحدود البحرية» مع تركيا، وهو ما رفضته القاهرة في حينه، مؤكدة أن «الاتفاقية باطلة بطلاناً مطلقاً».

وأشار الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية اللواء عصام الدين بدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ترسيم الحدود البحرية عادة ما يتم عبر التفاوض القانوني والدبلوماسي»، مرجحاً «عقد اجتماعات خلال الفترة المقبلة تضم لجاناً قانونية تمثل كافة الأطراف بهدف الوصول إلى صيغة تحقق مصالح الجميع وتتوافق مع القانون الدولي».

لقاء سابق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد اللواء محمد إبراهيم خليل، مدير الكلية البحرية الأسبق، رفض مصر «مذكرة التفاهم» بين تركيا وليبيا، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق التركي - الليبي ينتهك الحقوق الاقتصادية لمصر في المياه الإقليمية، ويشكل حاجزاً يقطع البحر المتوسط، ويمنع أي حقوق مستقبلية لمصر في المياه الاقتصادية وما يتعلق بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية».

وقال إن «مواجهة مثل هذا الاتفاق تتم عبر الجهود الدبلوماسية والرجوع لاتفاقيات التقسيم البحري»، مشيراً إلى أن «الحل سيكون عبر عقد جولات من التفاوض القانوني من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويحفظ حقوق مصر السيادية».

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «قضايا ترسيم الحدود البحرية تخضع لمشاورات مع الدول الجارة والصديقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر أمام خيارين، من بينهما التفاوض مع تركيا في ضوء العلاقات الطيبة بين البلدين، وعرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود»، مشيراً إلى أن «الطرح التركي قد يفضي إلى اتفاق جديد يرضي البلدين، ويراعي شواغل اليونان وقبرص».

أما الخيار الثاني، بحسب الشوبكي، فيتعلق بـ«تعديل مذكرة التفاهم الحالية اعتماداً على علاقات القاهرة القوية مع حكومة شرق ليبيا، والتي سبق أن أكّدت تفهمها لمخاوف مصر».

وأثارت «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية اعتراضات عدة، لا سيما من جانب اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي. وتعليقاً على الانتقادات قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين الماضي، إن بلاده «لا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أي طرف في شرق المتوسط»، وإنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة الماضي في إسطنبول، على هامش اجتماعات «الآلية الرباعية»، على «رفض مصر القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول»، بحسب إفادة «الخارجية» المصرية آنذاك.

ومن جانبه، أكد الوزير التركي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب الإفادة.


10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
TT

10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)

بينما بلغت أعداد ضحايا التصعيد العسكري في اليمن نحو 10 آلاف إنسان، دخل النظام الصحي منعطفاً كارثياً هو الأشد خطورة منذ سنوات، متحولاً من حالة «الهشاشة المزمنة» إلى ما تصنفه الوكالات الدولية اليوم بحالة طوارئ معقدة غير قابلة للاحتواء، في ظل حصار على ثالثة كبرى مدن البلاد.

وأطلقت وزارة الصحة اليمنية تحذيراً من تدهور وشيك في القطاع الصحي بمحافظة تعز، مؤكدةً أن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية والأكسجين وصل إلى مستويات حرجة، بعد نحو 3 أشهر من التصعيد العسكري الحوثي والأعمال العدائية التي تطول المدنيين والبنية التحتية، مع تراجع حاد وغير مسبوق في التمويل الدولي.

وتتعرض مدينة تعز (جنوب غرب) لحصار تفرضه الجماعة الحوثية، مصحوباً بتصعيد عسكري في عدد من المناطق، يتركز أغلبها في المدينة ومناطق محيطة بها أو قريبة منها، وهو ما تسبب في رصد موجة نزوح جديدة شملت أكثر من رُبع مليون شخص في أرياف محافظتي لحج وتعز جراء استمرار القصف في مناطقهم.

وتُظهر أحدث البيانات الميدانية الموثقة من منظمة الصحة العالمية، حجم الكارثة الإنسانية؛ إذ خلّفت موجة التصعيد العسكري الأخيرة حصيلة ثقيلة من الضحايا بلغت 9072 ضحية جرى رصدهم عبر أنظمة الترصد الصحي المتبقية.

وتؤكد التقارير تسجيل 1677 حالة وفاة، كمنعكس مباشر للأعمال العدائية، بالإضافة إلى 7395 جريحاً غصّت بهم مراكز الصدمات والطوارئ، مما وضع ضغطاً هائلاً تفوق طاقته القدرات الجراحية للمنظومة الطبية المتهالكة أساساً.

وتتهم السلطات الصحية في تعز استهداف الجماعة الحوثية، الأربعاء، سيارة إسعاف في أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات بمديرية صبر الموادم، جنوب المدينة، خلال قصف مكثف استهدف القرى في المنطقة.

وللمرة الثانية خلال التصعيد العسكري الحالي تستهدف الجماعة سيارات الإسعاف بعد استهداف سابق الأسبوع الماضي أسفر عن مقتل سائق السيارة وفتاة مصابة كان يجري نقلها لتلقي العلاج بعد إصابتها بقصف سابق، وإصابة أحد الممرضين في طاقم الإسعاف بجروح.

كما اتهمت السلطات الصحافية في المحافظة الحوثيين بنهب 15 سيارة إسعاف من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في المديريات الريفية.

نداء استغاثة أخير

في مدينة تعز، بلغت الأزمة الإنسانية ذروتها الحادة؛ حيث تواجه 42 منشأة ومرفقاً صحياً في المحافظة شبح التوقف التام والنهائي عن العمل خلال أيام، نتيجة النفاد الوشيك لمخزونات الأدوية، والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة، وأسطوانات الأكسجين الطبي، وفقاً لوزارة الصحة اليمنية.

ويهدد هذا التوقف بشكل مباشر خدمات حيوية لا يمكن استبدالها؛ كحضانات الأطفال حديثي الولادة، وغرف العناية المركزة، وجلسات غسيل الكلى المنتظمة لمئات المرضى.

وتتضاعف هذه المعاناة مع استمرار الاستهداف المباشر للمنشآت، والتي كان آخرها إطلاق مسلحي الجماعة الحوثية النار على مستشفى الثورة العام، مما أسفر عن سقوط جرحى بين المرضى والكوادر الطبية.

حضانات الأطفال حديثي الولادة والخدج في مستشفيات مدينة تعز أمام خطر التوقف التام (رويترز)

ويحذّر مسؤولو الصحة العامة من تفشٍّ خطير لوباء الكوليرا الذي بات خارج السيطرة، بعد تضاعف معدلات الإصابة 3 مرات خلال أسابيع قليلة فقط، مدفوعةً بالدمار الكامل الذي لحق بشبكات المياه والصرف الصحي وتدهور خدمات الإصحاح البيئي.

ويتلازم هذا التفشي مع أزمة سوء التغذية الحاد؛ حيث تفتقر أجساد آلاف الأطفال النازحين للمناعة الأساسية اللازمة لمقاومة البكتيريا المنقولة عبر المياه الملوثة، مما يرفع مؤشرات الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات قياسية.

دعم شحيح

ووسط تصاعد الاحتياجات على الأرض، تواجه العمليات الإغاثية الدولية والمحلية جداراً مسدوداً بسبب ما توصف بـ«أزمة جفاف التمويل الخانقة».

وحددت منظمة الصحة العالمية، أوائل الشهر الجاري، الاحتياجات المالية لإنقاذ العمليات الصحية الأساسية في البلاد بـ31 مليون دولار بشكل عاجل وفوري، إلا أنها لم تتلقَّ من المانحين سوى 2.1 مليون دولار فقط، أي بفجوة تمويلية مرعبة تصل إلى 93 في المائة.

القصف الحوثي يتواصل على المساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

وتُرجم هذا العجز التمويلي على الفور إلى كارثة ملموسة؛ حيث أُغلقت 15 منشأة صحية حيوية بشكل نهائي، وتم تسريح عشرات الفرق الطبية المتنقلة التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد للمجتمعات النائية ومخيمات النازحين في محافظات مواجهة ساخنة مثل مأرب.

وتُجمع الأوساط الإنسانية الدولية والمحلية على أن الوقت قد نفد بالفعل؛ وما لم يتدخل المجتمع الدولي فوراً للضغط نحو وقف الأعمال العدائية، وفتح ممرات إنسانية آمنة لفك الحصار الإمدادي عن تعز، وضخ سيولة مالية إسعافية عاجلة، فإن اليمن يتجه نحو أكبر انهيار طبي في تاريخه الحديث.


«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
TT

«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)

أبدت مصر اهتماماً بامتلاك محطات نووية جديدة تزامناً مع استمرار العمل في بناء محطة «الضبعة النووية» التي تنفذها بالتعاون مع روسيا، في ظل رغبتها بتنويع مصادر الطاقة بما يلبي احتياجاتها من الكهرباء.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال محادثاته مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، مساء الأربعاء، إن مصر تتطلع لزيادة التنسيق بين البلدين في ما يتعلق بالوحدات الإضافية التي يمكن تركيبها في موقع «محطة الضبعة» للطاقة النووية بعد عام 2030، فضلاً عن إمكانيات التعاون في مجال «المفاعلات النووية العائمة» وتحلية مياه البحر والطباعة ثلاثية الأبعاد ودعم الصناعات المتخصصة.

وحظي التعاون بين مصر وروسيا في مجال الطاقة النووية بنقاشات واسعة على هامش زيارة الرئيس المصري إلى موسكو للمشاركة في القمة «الروسية - الأفريقية» الثالثة، والتقى، الخميس، المدير العام لـ«الوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية» (روساتوم) أليكسي ليخاتشوف، وشدد على أهمية مشروع «محطة الضبعة» للطاقة النووية، الذي يأتي في إطار حرص مصر على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة لرفع مساهمتها في إجمالي مزيج الطاقة.

السيسي خلال لقائه المدير العام لشركة «روساتوم» (الرئاسة المصرية)

وتعد محطات الطاقة النووية العائمة، مفاعلات نووية مدمجة الحجم، تُثبَّت على سفن أو منصات بحرية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، وتستخدم في توليد الكهرباء، وإنتاج المياه المحلاة، وتتمتع بمعدلات أخطار محدودة داخل المياه الإقليمية، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة، الدكتور جمال القليوبي، الذي أضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتجاه لمزيد من محطات الطاقة النووية «يرجع إلى توجه القيادة السياسية للدولة للبحث عن مزيد من مزيج الطاقة إلى جانب الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين، ومشروعات محاكاة السدود عبر مشروع (جبل الطور) و(جبل عتاقة) في جنوب سيناء، لتوليد الطاقة الكهرومائية في مصر».

ويضم «مفاعل الضبعة النووي» أربع وحدات نووية من طراز VVER - 1200، بقدرة 1.200 ميغاواط لكل وحدة، وبإجمالي قدرة مركبة تبلغ 4800 ميغاواط، بما يسهم في دعم مزيج الطاقة المصري وتعزيز أمن واستدامة إمدادات الكهرباء. وبحسب القليوبي، فإن مصر اتفقت مع روسيا على زيادة وحدة خامسة ليصل مقدار الطاقة الكهربائية المولدة إلى 6000 ميغاوات.

وأعلن رئيس «روساتوم» ليخاتشوف، أن مصر قدمت مقترحات بشأن عدة مواقع محتملة لإقامة محطات نووية عائمة على أراضيها، مشيراً في تصريحات لصحيفة «إزفيستيا» الروسية، إلى أن المباحثات «لم تصل بعد إلى مرحلة تقديم عروض تجارية نهائية»، لكنه أعرب عن أمله «في أن تسهم لقاءاته مع المسؤولين المصريين، في دفع هذه المشروعات قُدماً».

محادثات مصرية- روسية تستهدف توسيع التعاون في مجال الطاقة النووية (مجلس الوزراء المصري)

ويؤكد القليوبي أن «روسيا شريك قديم - حديث لمصر في مجالات الطاقة النووية، وأن أول مفاعل مصري في إنشاص، كان بخبرات روسية، كما أن موسكو على المستوى السياسي قدمت دعماً للقاهرة في كثير من الأزمات التي مرت بها، خاصة في ثورة 30 يونيو (حزيران)، إلى جانب التعاون الغذائي المتزايد، عبر صفقات القمح والغاز المسال والتكنولوجيا العسكرية لدعم الجيش المصري».

وقال الخبير في الشأن الروسي، نبيل رشوان، «إن التعاون بين مصر وروسيا في المجال النووي يمضي بشكل مستقر، ولا يوجد ما يعرقل العمل في محطة الضبعة النووية أو في مشروعات نووية جديدة رغم الأحاديث عن وجود معوقات نتيجة العقوبات على موسكو»، مشيراً إلى أن مصر «اختارت روسيا رغم وجود عروض من دول مثل كوريا الجنوبية وكندا وفرنسا، اعتماداً على سداد القروض التي تحصل عليها من روسيا لبناء المحطة النووية من خلال عوائد بيع الطاقة الكهربائية».

وكان الرئيس السيسي قد شدد خلال لقائه مع نظيره الروسي على ضرورة «انتظام التدفقات المالية المخصصة للمشروع دون تأخير»، مع التشديد على «عدم اعتماد أي تعديلات جديدة على الجدول الزمني، إلا بعد تقديم المبررات الفنية والتعاقدية المؤيدة لها والموافقة عليها».

وأوضح رشوان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العقوبات التي تعرضت لها روسيا «لم تؤثر حتى الآن على معدلات إنجاز المشروع، وأن توقعات تهدئة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الذهاب باتجاه إنهاء الصراع، من الممكن أن تصب في صالح إنهاء المشروع في توقتيه، وهو ما تعول عليه القاهرة، خاصة بعد أن أبدت رغبتها في مزيد من التعاون في الطاقة النووية مع روسيا».

جانب من أعمال محطة «الضبعة النووية» في مصر (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتمضي مصر وروسيا نحو استكمال المشروع، حيث من المتوقع أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى في منتصف عام 2028، حسب ما أعلن عنه وزير الكهرباء المصري محمود عصمت في وقت سابق.

وبحث لقاء عقده وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع المدير العام لـ«روساتوم»، سبل «دعم وتعزيز الشراكة والتعاون في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والمفاعلات الصغيرة والمفاعلات العائمة لتوليد الكهرباء، وكذلك المفاعلات البحثية، وتعظيم العوائد من البنية التحتية في منطقة الضبعة، وإقامة مشروع متكامل لتحلية مياه البحر بالتعاون مع شركة البنية التحتية التابعة لمؤسسة (روساتوم)»، بحسب بيان صادر عن وزارة الكهرباء المصرية، الخميس.