كتاب موسوعي بالفرنسية عن العلاقات بين اليهود والمسلمين

ساهم فيه مائة باحث تناولوا تاريخها منذ أكثر من ألف عام حتى اليوم

بنيامين ستورا  -  عبد الوهاب المؤدب
بنيامين ستورا - عبد الوهاب المؤدب
TT

كتاب موسوعي بالفرنسية عن العلاقات بين اليهود والمسلمين

بنيامين ستورا  -  عبد الوهاب المؤدب
بنيامين ستورا - عبد الوهاب المؤدب

ماذا يمكن أن نقول عن هذا الكتاب الموسوعي الذي يحاذي الألف ومائتي صفحة، والذي ساهم فيه أكثر من مائة باحث عربي ويهودي وأجنبي؟ هل يمكن عرضه أو استعراضه في مقالة صحافية واحدة؟ هل تفيه حقه؟ بالطبع لا، ولكننا سنحاول ما نستطيع. نلاحظ أن هذا الكتاب الضخم يستعرض تاريخ العلاقات منذ أن بدأت بين النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- والقبائل اليهودية في الجزيرة العربية، قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة، حتى انفجار الصراع العربي - الإسرائيلي بعد تأسيس دولة إسرائيل عام 1948؛ أنه تاريخ طويل عريض: أربعة عشر قرناً من الزمن فقط! ولكن عرض الأمور على هذا النحو قد يوهمنا بأن هذه العلاقات كانت كلها حرباً ضروساً وعداءً مستحكماً. وعندئذ، سوف يطمس قروناً طويلة من التفاعل الحضاري الخلاق بين العرب واليهود. ونقصد بها قرون العصر الذهبي في بغداد أولاً، فقرطبة والأندلس الزاهرة ثانياً، بل وحتى على مستوى الفترة النبوية ذاتها، نلحظ أن النظرة إلى اليهود كانت إيجابية جداً في البداية، قبل أن تنقلب إلى سلبية.
وبالتالي، فمن يرد إقامة السلام والإخاء مع اليهود يمكنه أن يجد تبريراً إسلامياً تاريخياً، ومن يرد مواصلة العداء والصراع إلى ما لا نهاية يمكنه أيضاً أن يجد تبريراً. وهذا يعني أنه لا يوجد باراديغم واحد تجاه اليهود، وإنما باراديغمان اثنان (نقصد بالباراديغم هنا الموقف الفكري الأعلى أو النموذج اللاهوتي الأعظم الذي يعلو ولا يعلى عليه). ولكن الصراع الهائج الذي حصل بعد احتلال فلسطين، وتأسيس الدولة الإسرائيلية، عام 1948، قضى كلياً على باراديغم السلام، وغلب نهائياً باراديغم الحرب والعداء والصراع، ثم تحول هذا الباراديغم العدائي إلى حقيقة مطلقة لا تناقش ولا تمس، انغرست كلياً ونهائياً في وعي الشعوب العربية على مدار الستين سنة الماضية، وأصبحت راسخة رسوخ الجبال. وتخيلنا، عندئذ، أن العلاقات بين العرب واليهود كانت دائماً هكذا عدائية صراعية على مدار التاريخ، ولم توجد نقطة ضوء واحدة فيها، ولكننا واهمون مخطئون، فمسيرة التاريخ الفعلية الواقعية تناقض ذلك، كما يشرح لنا المشرفان الكبيران على هذه الموسوعة التاريخية. فقد أشرف عليها من الجهة العربية المفكر التونسي التنويري الكبير عبد الوهاب المؤدب، وهو صاحب الكتاب الشهير باسم: مرض الإسلام (بالأصولية الظلامية). وأشرف عليها من الجهة اليهودية المؤرخ الأكاديمي المعروف بنيامين ستورا، وهو فرنسي من أصل جزائري لأنه من مواليد قسنطينة، حيث نشأ وترعرع، قبل أن يهاجر إلى باريس. وقد لمع اسمه مؤخراً لأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقبله شخصياً في قصر الإليزيه، وعينه مسؤولاً عن ترميم الذاكرة الجريحة بين فرنسا والجزائر. وفي الوقت ذاته، عين الرئيس الجزائري المؤرخ عبد المجيد شيخي مسؤولاً عن هذا الترميم من الجهة الجزائرية؛ والهدف كله هو تعزيز المصالحة التاريخية بين الشعبين.
يشرح بنيامين ستورا مشروع الكتاب قائلاً: هذه الموسوعة التي نقدمها للقراء لا سابق لها ولا مثيل. صحيح أنه يوجد تاريخ للعرب، وتاريخ للمسلمين، وتاريخ لليهود، ولكن بشكل منفصل، كل على حدة. غير أنه حتى الآن، لا يوجد كتاب موسوعي ضخم يشرح لنا عمق العلاقات الإسلامية - اليهودية، وبالأخص العربية - اليهودية. هذا ما كان ينقص المكتبة الفرنسية، ولذلك شرعنا بسد هذا النقص. وكنا نهدف من وراء الكتاب إلى عدة أشياء: أولها ردم الهوة النفسية أو السيكولوجية السحيقة التي تفصل بين العرب واليهود في زمننا الحاضر. فقبل ذلك، لم تكن هذه الهوة عميقة أو سحيقة، على عكس ما نتوهم. قبل ذلك، كانت هناك علاقات طبيعية، بل وودية في أحيان كثيرة، على مدار التاريخ. من يصدق ذلك الآن؟ في الماضي، كان المؤلفون أو المفكرون يتحدثون عما يجمع بين المسلمين واليهود، لا عما يفرق، أو قل كانوا يتحدثون عما يجمع أكثر مما يتحدثون عما يفرق. كانوا يتحدثون عن القواسم المشتركة التي تتيح لهم أن يتعايشوا بعضهم مع بعض جنباً إلى جنب. فالإسلام أيضاً دين إبراهيمي، مثل اليهودية والمسيحية اللتين سبقتاه إلى الوجود... هذا وقد تحدث الأكاديميون الكبار عن هذه القضايا، وعن العصر الذهبي للعلاقات العربية - اليهودية في عهد الحضارة العباسية أو الأندلسية، حيث ازدهر اليهود ثقافياً آنذاك، وقدموا عطاءهم الخاص في ظل الحضارة العربية الإسلامية، وفي المجالات كافة، أدبية وشعرية وفلسفية، بل وحتى فنية وموسيقية. ولكن كل هذا التفاعل الحضاري الإبداعي الخلاق أصبح نسياً منسياً بعد تأسيس دولة إسرائيل، والتراجيديا الفلسطينية الهائلة الناتجة عن ذلك مباشرة. كل هذا أصبح في خبر كان وأخواتها، وزال كلياً وكأنه لم يوجد قط، وأصبحت الأجيال تعتقد أن الصراع بين العربي واليهودي أبدي أزلي لا يحول ولا يزول حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ولكن الحقيقة التاريخية تقول لنا العكس تماماً، فالعلاقات الإنسانية والتفاعلية الحضارية بين العرب واليهود كانت قوية إبان الحضارات السابقة والعصور الذهبية. وبالتالي، فالشيء الذي سمم الأجواء كلها هو هذا الصراع الجهنمي المدمر الذي لا يزيد عمره على خمسين سنة، في حين أن عمر العلاقات العربية - اليهودية يزيد على الألف سنة. وهذا لا يعني إطلاقاً التقليل من خطورة المأساة الفلسطينية، وآلام شعب فلسطين التي تفوق الوصف، ولكننا نحاول موضعة الأمور ضمن منظورها التاريخي الأوسع.
وأما عبد الوهاب المؤدب، فيقول لنا ما فحواه: لقد كان هدفنا من الإشراف على هذا الكتاب الجماعي الضخم تذكير المسلمين، والعرب خصوصاً، بالحقيقة التالية: إن العلاقات بيننا وبين اليهود كانت خصبة كثيفة معطاءة على مدار التاريخ حتى عام 1948. ولا أهدف هنا إلى تجميل هذه العلاقات، أو المبالغة فيها، وإنما إلى التذكير فقط بلحظات التبادل الثقافي والحضاري. هل نسينا الحضارة الأندلسية؟ هل نسينا الموسيقى العربية - اليهودية؟ بل هل نسينا الفلسفة العربية - اليهودية؟ كلنا يعلم أن الفيلسوف اليهودي الكبير موسى ابن ميمون كتب رائعته الكبرى «دلالة الحائرين» باللغة العربية، لا العبرية. وبعدئذ، ترجمت إلى العبرية. وبالتالي، فهو نتاج الإطار الثقافي للحضارة العربية الإسلامية. وهو بهذا المعنى مثقف عربي لأن كل من كتب وأبدع بلغة الضاد فهو عربي، شاء أم أبى. وينبغي العلم بأن الإطار الحضاري العربي الإسلامي كان هو المهيمن على العالم آنذاك، مثلما أن الإطار الحضاري الأوروبي والأميركي الشمالي هو المهيمن على العالم حالياً. وكل من يريد أن يشتهر آنذاك كان ينسى لغته الخاصة، ويدبج كتاباته وإبداعاته باللغة العربية. فقد كانت لغة العولمة الثقافية آنذاك، تماماً مثل الإنجليزية حالياً. ولذلك، أبدع فيها المفكرون اليهود وغير اليهود. وينبغي العلم أيضاً أن كثيراً من وزراء وأطباء ومستشاري الخلفاء العرب المسلمين كانوا من اليهود، وكانوا يثقون بهم كل الثقة. وبالتالي، فلا ينبغي أن نشطب على كل هذا التراث التفاعلي الحضاري بجرة قلم بسبب الصراع الحالي الذي سيجد له حلاً مهما طال الزمن.
- القضية الفلسطينية في ضوء فلسفة التاريخ
ماذا نستنتج من كل ما تقدم؟ نستنتج أن لغة الرصاص والذبح والقتل ليست هي الوحيدة الممكنة بيننا وبين اليهود. فبما أن التعايش المثمر حضارياً قد حصل سابقاً، فلا أعرف لماذا لا يحصل لاحقاً؟ بما أنه قد حصل في ظل خلفاء عباسيين وأمويين وأندلسيين كبار، كعبد الرحمن الثالث وسواه، فلماذا لا يحصل حالياً؟ بمعنى آخر: لماذا لا نجرب لغة أخرى مع إسرائيل واليهود عموماً؟ بعد أن استنفدنا لغة الرصاص والعداء المطلق على مدار خمسين سنة متواصلة، لماذا لا نجرب لغة الحوار والتفاوض والتعارف وجهاً لوجه؟ لهذا السبب فإني لا أفهم كل هذه الإدانات والهجمات التي تتعرض لها الإمارات العربية المتحدة حالياً. فجأة، انفتحت عليها الأبواق الشعبوية والغوغائية الديماغوجية من كل الجهات، وتحول قسم من المثقفين العرب إلى صوت واحد يردد الشعارات نفسها والكلمات نفسها كالببغاوات. من يستطيع أن يقول إن الإمارات تخلت عن القضية العربية، وهي الدولة التي دعمت القضية الفلسطينية على مدار التاريخ، وحتماً ضخت فيها المليارات، وأعتقد أنها ستصبح أقدر على خدمتها بعد الصلح والاتفاق؟ وفجأة، تتحول إلى دولة «خائنة» لأنها ارتأت أن هناك طريقة أخرى لإدارة الصراع غير الطريقة المكرورة العقيمة السابقة التي لم توصل إلى نتيجة. ينبغي أن يعلم إخواننا من المثقفين الفلسطينيين أن جراحاتهم جراحاتنا وآلامهم آلامنا وقضيتهم قضيتنا، ليس فقط لأنها عربية، وإنما لأنها قضية حق وعدل، ولكن لا ينبغي بعد الآن استخدامها سيف ديموقليس المسلط فوق الرؤوس بتهمة «الخيانة». وهي كلمة مرعبة شائنة لا تنطبق حتماً على دولة رائدة كالإمارات. وينبغي العلم بأن غلاة اليهود في فرنسا يستخدمون أيضاَ تهمة معاداة السامية سيف ديموقليس، ويرعبون بها كل المثقفين الفرنسيين، ويسلطونها على رؤوسهم. وبالتالي، فلا ينبغي أن يقع إخواننا الفلسطينيون في الفخ نفسه أو الغلطة نفسها، فهذا يسيء إلى القضية ولا يفيدها. أخيراً، ربما عادت الأندلس مجدداً إلى فلسطين أو من خلال فلسطين. فإسرائيل مهما كبرت وعظم شأنها، تظل قطرة في بحر من العرب، والمنطقة عربية من المحيط إلى الخليج، وستبقى. ولكنها عربية بالمعنى الحضاري والإنساني، لا بالمعنى الشوفيني الطائفي الشعوبي. بهذا المعنى، فنحن نعيش الآن منعطفاً تاريخياً كبيراً، ليس فقط بالنسبة للقضية الفلسطينية، وإنما بالنسبة للقضية العربية ككل. أقصد أن القرون الوسطى العربية الإسلامية، أي عصور الانحطاط، سوف تنهار، وتحل محلها العصور العربية التنويرية الجديدة. وقد ساهمت الإمارات في ذلك مؤخراً، عندما تعانق على أرضها شيخ الأزهر وبابا روما، وأصدرت وثيقة «الأخوة الإنسانية». وقدمت بذلك خدمة كبيرة للعرب والمسلمين، عندما أبرزت الصورة المشرقة للعروبة والإسلام. ونقضت بذلك تلك الصورة الظلامية الداعشية التي شوهت وجهنا وتراثنا في شتى أنحاء العالم. وبالتالي، فبدلاً من أن نشكرها نرميها بحجر!


مقالات ذات صلة

بابا الفاتيكان ينتقد توظيف الدين لتبرير العنف والنزعة القومية

العالم البابا ليو الرابع عشر يخاطب الناس في ساحة القديس بطرس بمدينة الفاتيكان يوم 17 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

بابا الفاتيكان ينتقد توظيف الدين لتبرير العنف والنزعة القومية

انتقد البابا ليو الرابع عشر، بابا الفاتيكان، اليوم الخميس، الزعماء السياسيين الذين يستغلون المعتقدات الدينية لتبرير الصراعات أو السياسات القومية.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
ثقافة وفنون الفكر الفلسفي المسيحي في متناول القارئ العربي

الفكر الفلسفي المسيحي في متناول القارئ العربي

في سياق الاهتمام المتنامي في العالم العربي عموماً، وفي البلدان الخليجيّة خصوصاً، تبرز «موسوعة الفلسفة الفرنسيّة المعاصرة».

مالك القعقور
كتب كتب فرنسية تقدم قراءة مختلفة للإسلام

كتب فرنسية تقدم قراءة مختلفة للإسلام

كان لافتاً أن تصدر في باريس مجموعة من الكتب الجديدة عن تراثنا العربي الإسلامي الكبير فخلال شهر واحد فقط أو شهرين صدرت مؤلفات عدة عن القرآن الكريم والنبي العظيم.

هاشم صالح
شؤون إقليمية يهود حريديم يحملون لافتات خلال احتجاج ضد التجنيد بالجيش الإسرائيلي في القدس 30 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وفاة شاب في احتجاج لليهود المتزمتين دينياً بالقدس

تحولت مسيرة حاشدة لليهود المتزمتين دينياً ضد تجنيدهم بالجيش في القدس إلى العنف، اليوم الخميس، عندما لقي فتى في سن المراهقة حتفه، خلال الاحتجاج.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي البابا ليو الرابع عشر خلال قداس في كاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان 26 أكتوبر 2025 (رويترز)

البابا ليو يعتزم زيارة موقع انفجار مرفأ بيروت خلال وجوده في لبنان

أعلن الفاتيكان برنامج الزيارة التي ستجرى بين 27 نوفمبر (تشرين الثاني) و2 ديسمبر (كانون الأول) إلى تركيا ولبنان، وتتضمّن زيارة موقع انفجار مرفأ بيروت للصلاة

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).