فارنا ثالث أكبر مدن بلغاريا.. غنية بالتاريخ وفقيرة بالترويج السياحي

على قائمة زيارات السعوديين الذين اكتشفوها أخيرا

فارنا ثالث أكبر مدن بلغاريا.. غنية بالتاريخ وفقيرة بالترويج السياحي
TT

فارنا ثالث أكبر مدن بلغاريا.. غنية بالتاريخ وفقيرة بالترويج السياحي

فارنا ثالث أكبر مدن بلغاريا.. غنية بالتاريخ وفقيرة بالترويج السياحي

لا تزال هناك أماكن تجذب السائح من مختلف أنحاء العالم، وفي الوقت ذاته يجهلها الكثير منهم، إما لبعدها الجغرافي أو لعدم الترويج لها من قبل مكاتب السفر والسياحة في تلك البلاد، ومن هذه الأماكن الساحرة على الكرة الأرضية وفي الشرق الأقصى من أوروبا وتحديدا الشمال الشرقي لبلغاريا وعلى ساحل البحر الأسود تقع مدينة فارنا ثالث أكبر مدن بلغاريا والأكبر على البحر، وبسبب أهميتها التاريخية والاقتصادية والثقافية غالبا ما تسمى «العاصمة البحرية لبلغاريا».
ويبقى الانطباع الأول لدى الزائر إلى هذه المدينة الصغيرة بمساحتها، والكبيرة بمحتواها الساحر، حينما يستقبلك شعبها المرح بالتبسم في معظم أوقاته، وخصوصا حينما يعلم أن الزائر غريب عن البلاد وجاء سائحا، فشعب فارنا الساحلي قريب إلى القلب، اجتماعي الطباع، سهل التعامل، ولربما فرضت عليه الطبيعة الساحرة والأجواء الجميلة طوال العام بدفئها وبرودتها أن يكون هو أول المستمتعين بها.

* تاريخ فارنا

* تأسست فارنا خلال القرن السادس قبل الميلاد على أيدي مهاجرين من آسيا الصغرى من مدينة ميليتوس، وكان اسمها حينذاك «أوديسوس»، وخلال فترة قصيرة تحولت المدينة إلى أحد أهم الموانئ والمراكز التجارية على سواحل البحر الأسود، وفي عام 15 ميلادي أصبحت أوديسوس جزءا من الإمبراطورية الرومانية، وفي عام 1201م ضمها الملك البلغاري كالويان (1168 – 1207) إلى بلغاريا ثم منحها للقائد دوبروتيتسا حاكم منطقة دوبروجا وذلك في عام 1366م، وظلت عاصمة له حتى استولى عليها العثمانيون في عام 1398م.
وفي عصر النهضة البلغارية في القرنين 18 و19 ازدهرت المدينة من جديد وتطورت كمركز ثقافي وتجاري إلى وقتنا الحاضر، لتحظى باهتمام الأوروبيين على وجه الخصوص والعالم بأسرة لما تحمله في طياتها من حقبه تاريخية على مختلف العصور.

معلومات عامة
تحتل فارنا مساحة 205 كيلومترات مربعة، وتبعد 470 كيلومترا عن شرق العاصمة البلغارية صوفيا، ومتوسط درجة الحرارة خلال شهر يناير (كانون الثاني) 2 درجة مئوية أما خلال شهر يوليو (تموز) فهي 22 درجة مئوية ودرجة الحرارة المتوسطة لكل السنة 12 درجة مئوية؛ مما يجعل فارنا مناسبة لقضاء العطل والسياحة البحرية في الشهور الدافئة من السنة، ويبلغ تعداد سكان فارنا حاليا نحو 330 ألف نسمة.
وتعتبر فارنا مرفأ بلغاريا البحري الأهم على البحر الأسود، وتشكل نقطة عبور لعدد من السيّاح الراغبين في بلوغ حمّامات البحر الواقعة على طول ساحل البحر الأسود، كما تشتهر بصناعة السفن والأقمشة والمواد الغذائية، والعملة المحلية للبلاد هي «ليفا» ويعادل 1 ليفا (65 سنتا من الدولار).

* سياحة لا تنتهي

* اليوم فارنا مدينة عصرية ذات نشاط سياحي ثقافي غني على مدار العام، فسياح هذه المدينة الساحرة تختلف اهتماماتهم من شخص إلى آخر، الأمر الذي يصل بنا إلى أن نقول إنها تتبنى كل الأذواق ومختلف الأعمار والصحبة سواء على المستوى العائلي أو الأفراد، فهناك الطبيعة الساحرة التي تبدأ برؤيتها قبل هبوط الطائرة لترى بقعة شاسعة بألوان مختلفة يغلب عليها اللون الأخضر والأصفر والأحمر والقرمزي وغيرها بحسب المنطقة.
يغلب على السياح الذهاب إلى المنتجعات البحرية لقضاء إجازتهم على سواحل فارنا الذهبية والغنية، ويمكن للسائح على الشاطئ ممارسة الكثير من الرياضات المائية كالتزلج على الماء، والغوص، وقيادة الدراجات المائية، والقيام برحلات بالزوارق البحرية، وكرة الطائرة الشاطئية؛ حيث تكثر المنتجعات الساحلية التي تقدم مختلف الخدمات، والتي تزدهر بالزوار مع بداية شهر يوليو (تموز) حتى أغسطس (آب)، وتقل تدريجيا في بقية أشهر السنة.
أما الزائرون إلى تلك الشواطئ والراغبون بالاستشفاء، فتعتبر فارنا منتجعا مهما لسياحة الاستشفاء، فيها يمكن الجمع بين قضاء العطلة على البحر وتلقي الرعاية الصحية والاستجمام، إضافة إلى الحمامات البحرية المركزية على الشاطئ، التي شيد بعضها في بدايات القرن الـ20 وتضم مستشفى، ومركزا للعلاج بالطين، وعددا من المطاعم.

* السائح العربي في فارنا

* اعتبر وليد العبد القادر، مدير عام شركة عطلات الأحلام للسفر والسياحة في السعودية، أن فارنا «من البلدان الخصبة بالنسبة للسائح العربي بشكل عام والخليجي بشكل خاص، باعتبار أن الوجهة إليها غير واضحة لدى الكثير من الراغبين في قضاء إجازاتهم، خصوصا الصيفية»، مبينا أن «الالتفات إليها كمدينة سياحية جاء متأخرا (بعد عام 1990 تقريبا) عندما تحولت إلى ديمقراطية، وتدريجيا حتى انضمت إلى الاتحاد الأوروبي عام 2007».
ويعد السائح العربي إلى بلغاريا بشكل عام، وفارنا على الخصوص، «من الذين توجهوا إليها بشكل فردي واجتهاد ذاتي من الباحثين عن اكتشاف المناطق الجديدة التي يعتبر السفر بالنسبة لهم هواية»، بحسب العبد القادر، لافتا إلى أنه «لا يوجد ترويج إلى هذه المدينة من قبل المكاتب السياحية الموجودة في الخليج التي اعتاد مشغلو تلك المكاتب على الترويج للمدن السياحية المعروفة، عدا دولة الكويت التي تعتبر هي النسبة الأكبر من حيث زائري هذه المدينة»، مضيفا أن «فارنا من أقرب المدن إلى الخليج للراغبين في زيارة أوروبا والأقرب إلى من هم في شمال أفريقيا».
وأكد العبد القادر أن «فترة الـ5 سنوات الماضية بدأت المكاتب السياحية في السعودية إلى اكتشاف مناطق جديدة لتوسيع نطاق مبيعاتها وللأعداد الكبيرة من الراغبين في السفر من السعوديين إلى خارج البلاد»، لافتا إلى أن «فارنا هي أحد هذه الوجهات الجديدة التي بدأ الترويج عنها في السعودية لتلاقي قبولا غير مسبوق، وخصوصا من قبل العائلات الذين وجدوا في هذه المدينة الساحرة مطلبهم، سواء من الترفيه العائلي وبأسعار متوسطة أو حتى من خلال الأطعمة التي هيا تعتبر قريبة جدا من الأطباق التركية مع اختلاف بعض المذاق».

* فعاليات ومهرجانات فارنا

* إن تمازج الطبيعة الخلابة مع المعالم التاريخية والدينية في هذه المنطقة يجعلها مناسبة للسياحة الثقافية والدينية والبيئية على حد سواء، فمنذ عام 2009 يقام في «دير ألادجة» عرض صوتي - مرئي بعنوان «أساطير من دير ألادجة» يمثل موقع جذب سياحي جديد لزوار فارنا، يتم الاحتفال بعيد مدينة فارنا 15 أغسطس (آب).
وتشتهر مدينة فارنا البلغارية بمهرجاناتها واحتفالاتها الثقافية المنوّعة، إنها مدينة مرادفة لألف نشاط مثير للاكتشاف! فمهما كانت ميولكم، سوف تجدون في فارنا حتما ما يلائمكم، خصوصا في مجال الطبيعة والتسوّق والحضارة والآثار والمطاعم الجيدة والسهرات الليلية والرحلات سيرا على الأقدام والاسترخاء والنشاطات المرتبطة بتدليك الجسم.
وفيها صالتان من أحدث الصالات المتعددة الاستخدام في بلغاريا، هما قصر الثقافة والرياضة التي تقيم الكثير من الفعاليات، منها: مهرجان المسرح الدولي «صيف فارنا»، مهرجان الإثنيات، مهرجان موسيقى الجاز الدولي «صيف فارنا»، مهرجان الفلكلور الدولي - فارنا، مهرجان السينما الدولي «الحب جنون»، المهرجان الدولي لفن الدمى «الدلفين الذهبي»، صالون التصوير الفوتوغرافي الدولي، مهرجان السينما البلغارية «الوردة الذهبية»، وغيرها.
ومن المواقع السياحية الجديرة بالاهتمام حوض الأسماك الذي يعتبر مركزا للتعريف بالأنواع الحيوانية والنباتية المتواجدة في حوض البحر الأسود، وهو المتحف الوحيد في البلاد الذي يعرض تنوع الحياة البحرية، كما تستطيع العائلات وأطفالها السياح التمتع باستعراض مبهر للدلافين في «دلفيناريوم فارنا»؛ حيث يقدم الاستعراض بـ4 لغات: البلغارية، والروسية، والألمانية، والإنكليزية، ويشمل ألعابا بهلوانية، وموسيقى، وغناء، ورقصات، وألعابا، مع الجمهور مدتها 40 دقيقة.

* روح المغامرة التي لا تنتهي

* وفي منطقة فارنا هنالك إمكانية لممارسة الصيد البري والبحري؛ حيث يوجد 6 مساحات مخصصة في الغابات و3 عقارات خاصة للصيد، وتحوي مجتمعة 8 أكواخ لتجمع الصيادين، وتتميز رحلات السفاري داخل الغابات وبين جداول المياه بمتعة غير مسبوقة لمن يحب المغامرة والعيش لمدة ساعات داخل الغابات الخضراء والتعرف على أشجارها والحيوانات التي تعيش فيها، لتعيش معها متعة الصيد الحي.
وبعد الانتهاء من رحلة سفاري يأخذك فريق سفاري إلى أحد الأكواخ في منطقة مرتفعة من الغابة لتعيش أجواء ريفية منذ الوهلة الأولى لتتناول وجبة غداء يعدها رجل وزوجته وهم في العقد السابع من العمر، لتبدأ الزوجة باستقبال الضيوف القادمين لزيارتها بتقليد متعارف عليه بتقديم رغيف من الخبز يقتطع كل داخل إلى المنزل قطعة صغيرة ويضعها في بعض البهارات ويتناولها ثم يدخل المنزل، ومعها تبدأ حكاية بألذ الأطباق من المشويات الطازجة في أجواء هادئة مصحوبة بموسيقى للفلكلور البلغاري.

* الوصول إلى فارنا

* يعد الوصول إلى فارنا المدينة الساحرة من أسهل الطرق باعتبارها من أكبر مراكز المواصلات في بلغاريا بسبب مينائها الحديث وعقدة السكك الحديدية ومطارها الدولي الذي يربط المدينة بـ35 دولة وأكثر من 100 مدينة في العالم بشكل مباشر، وهي تعتبر من ضمن الاتحاد الأوروبي الذي انضمت إليه في الأول من يناير (كانون الثاني) عام 2007، وأصبحت بلغاريا عضوا كامل الحقوق في الاتحاد الأوروبي، وتتبع السياسة العامة لتأشيرات الدخول في الاتحاد الأوروبي وفقا لمعاهدة الانضمام؛ أي إن من لديه تأشيرة «شنغن» يستطيع أن يدخلها أو الحصول مباشرة على تأشيرة من إحدى السفارات أو القنصليات الخاصة.



3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.


ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
TT

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة، لا مجرد زيارة إلى موقع تاريخي واحد. فهذه البلدة التي تقع على مسافة نحو 19 ميلاً جنوب وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بين تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثار قلعة قديمة، وحدائق واسعة، وتلال خضراء، ومواقع عسكرية، والأهم من ذلك شبكة من الكهوف والأنفاق تختبئ تحت الأرض ولا يعرف كثيرون بوجودها.

السير في ممرات ضيقة مظلمة تحت الأرض(موقع ريغيت)

تبدو ريغيت، للوهلة الأولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة تجعلها محطة لافتة للباحثين عن وجه مختلف لساري، بعيداً عن صخب وسط لندن. وتقدم هذه المقاطعة مزيجاً من البلدات التاريخية والمساحات الخضراء والتلال والمناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحلات القصيرة.

آثار قلعة قديمة في وسط مدينة ريغيت (موقع ريغيت)

لكن أفضل طريقة لاكتشاف ريغيت ربما تبدأ من مكان لا يظهر في أي صورة بانورامية للمدينة؛ لأن أجمل معالمها هي تحت الأرض.

فخلف باب متواضع داخل أحد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والممرات الداخلية، فيما يستعيد المكان ملامحه تحت ضوء ضعيف لا يلغي تماماً الإحساس بالعزلة.

إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق الأرض؛ ففي الأعلى تمر السيارات ويواصل السكان حياتهم اليومية، بينما في الأسفل يسود صمت مختلف تماماً، داخل كهوف احتفظت بآثار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة.

مدخل أحد الأنفاق وسط المدينة(موقع ريغيت)

ويذكر أن بورغس، العضو في «جمعية كهوف ومناجم ويلدن»، هو واحد من المتطوعين الذين يشاركون في المحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجولات التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها.

ويقول إن المكان قد يعطي الزائر إحساساً بأنه ابتعد كثيراً عن البلدة، رغم أن المسافة الفعلية قصيرة للغاية.

ويشرح: «تشعر بأنك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على الأرجح الانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر خلال نحو 30 ثانية فقط إذا كنت فوق سطح الأرض».ويرى بورغس أن الكهوف تمثل نوعاً خاصاً من الآثار التي لا تحتاج إلى عمليات تنقيب لاكتشافها.

غاتون بارك تجربة مختلفة لعشاق الحدائق والمناظر الطبيعية.(موقع ريغيت)

ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع».

ورغم أن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار بصورة متقطعة على مدى سنوات، فإنها لا تزال مجهولة بالنسبة إلى عدد كبير من سكان المنطقة. ويقول بورغس إن بعض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من العيش في ريغيت ليكتشفوا للمرة الأولى أن هذا العالم موجود تحت أقدامهم.

الكهوف تمثل الوجه الخفي لريغيت(موقع ريغيت)

وتضم ريغيت مجموعة من الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنها تمثل آخر هيكل باق من القلعة التاريخية، وارتبطت هذه الأنفاق باستخدامها كقبو لحفظ المشروبات، مستفيدة من برودة البيئة الموجودة تحت الأرض. لكن التاريخ منح المكان وظيفة أكثر أهمية خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الكهوف إلى ملاجئ للمدنيين، وكان تلاميذ المدارس من بين الذين استخدموا هذه المساحات تحت الأرض للحماية من القنابل.

الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات(موقع ريغيت)

بعد الخروج من العالم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة الاستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع المشهد الحضري الحديث.

من أجمل الأماكن التي يمكن إدراجها في برنامج زيارة ريغيت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب المدينة.

تضم الحديقة بحيرات، ومساحات للنزهات، ومقهى، ومرافق رياضية، وملعباً للأطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي والاسترخاء. كما تتمتع بتنوع طبيعي لافت؛ إذ سجلت فيها أنواع عديدة من الطيور والفراشات.

يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة في وسط المدينة وموقع القلعة، ثم يتوجه إلى برايوري بارك للاستراحة والمشي، قبل الانتقال إلى ريغيت هيل والحصن والمسارات الطبيعية.


شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
TT

شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)

في قلب لندن، يقف شارع أكسفورد (Oxford Street) كواحد من أشهر عناوين التسوق التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ويحظى بشعبية خاصة بين السياح العرب الذين اعتادوا على زيارته خلال رحلاتهم إلى العاصمة البريطانية. فبين متاجره العالمية، وأجوائه الحيوية، وقربه من أبرز معالم وسط لندن، أصبح الشارع محطة شبه ثابتة للمتسوقين والزوار. لكن المشهد الذي اعتاده ملايين الزوار يستعد لتغيير كبير، مع بدء إغلاق جزء كبير منه أمام حركة المركبات اعتباراً من 26 أكتوبر (تشرين الأول)، في أولى خطوات تحويله تدريجياً إلى منطقة مخصصة للمشاة.

وبموجب المرحلة الأولى من المشروع، سيتم تحويل الجزء الممتد من شارع أوركارد (Orchard Street)، المحاذي لمتجر سيلفريدجز، وصولاً إلى شارع غريت بورتلاند (Great Portland Street) بالقرب من ميدان أكسفورد (Oxford Circus) إلى منطقة خالية من حركة المرور. ويمتد هذا الجزء لنحو ميل تقريباً.

وسيُمنع مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات وغيرها من المركبات في هذا القسم من الشارع، في خطوة تمثل بداية تنفيذ خطة أوسع لإعادة تصميمه وتحويله تدريجياً إلى مساحة أكثر ملاءمة للمشاة.

سيخصص جزء من شارع أكسفورد للمشاة (حركة النقل في لندن)

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، عن الموعد الجديد للمشروع خلال مؤتمر حزب العمال، معتبراً أن الخطة تمثل خطوة مهمة في تطوير واحد من أهم المحاور التجارية والسياحية في لندن، قائلاً إن المشروع يحظى بدعم قوي من سكان لندن وقطاع الأعمال، وإن رؤيته لشارع أكسفورد «تبدأ بالتحول إلى واقع» قبل فترة التسوق المزدحمة بمناسبة عيد الميلاد.

ولا تقتصر الخطة على الجزء الذي سيغلق أمام حركة المرور في أكتوبر. فقد أُنشئت مؤسسة تطوير تابعة للعمدة لتولي قيادة مشروع إعادة تطوير شارع أكسفورد بأكمله، ما يعني أن المشروع قد يمتد مستقبلاً ليشمل الشارع بأكمله.

وعلى مدى سنوات، طُرحت أفكار مختلفة لإعادة تنظيم الشارع بهدف تقليل تأثير حركة المرور وإعطاء مساحة أكبر للمشاة وتحسين البيئة الحضرية في المنطقة. وتستند الخطة الحالية إلى تصور أوسع لإعادة تصميم الشارع، بحيث يصبح أكثر ملاءمة للمشاة والأعمال التجارية، مع التركيز على البيئة وجودة المساحات العامة.

لكن المشروع لم يخلُ من الجدل السياسي والمحلي، فبعد الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، استعاد حزب المحافظين السيطرة على مجلس مدينة وستمنستر، وكان زعيم المجلس بول سوايدل قد تعهد بالتراجع عن خطة تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة للمشاة.

إلا أن المجلس تراجع في يونيو (حزيران) في تحدٍ قانوني للمشروع، بعدما بيّنت مشورة قانونية إلى أن طلب إجراء مراجعة قضائية للخطة سيكون من غير المرجح أن ينجح.

ومع الإعلان عن موعد بدء التنفيذ، جدّد مجلس وستمنستر مخاوفه بشأن عدد من القضايا العملية المرتبطة بالمشروع.

وقال تيم بارنز، نائب زعيم المجلس والمسؤول عن النمو والتخطيط، إن المجلس والسكان والشركات الموجودة في شارع أكسفورد ما زالت لديهم «قائمة طويلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها».

ومن بين القضايا التي يطالب المجلس بتوضيحها الوصول إلى المنطقة، وتلوث الهواء، وتنظيف الشوارع والسلامة العامة.

كما حذّر المجلس من احتمال انتقال جزء من حركة المرور إلى الشوارع الصغيرة المحيطة بشارع أكسفورد، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب المجلس، إلى آثار اقتصادية وبيئية على المناطق المجاورة.

ماذا يعني ذلك للسكان والزوار؟

من المتوقع أن يؤدي إغلاق الجزء الأول من شارع أكسفورد أمام المركبات إلى تغيير طريقة الوصول إلى المنطقة، سواء بالنسبة للمتسوقين أو العاملين أو السكان.

وبالنسبة للمشاة، يهدف المشروع إلى توفير مساحة أكبر للحركة وإعادة تنظيم استخدام الشارع. وفي المقابل، ستحتاج حركة النقل العام وسيارات الأجرة والمركبات التي كانت تستخدم شارع أكسفورد إلى التكيف مع التغييرات المرورية الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الشوارع المحيطة جزءاً مهماً من تقييم نتائج المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بحركة المرور ومستويات التلوث وسهولة الوصول إلى المتاجر والمكاتب والمناطق السكنية القريبة.

ويأتي بدء المرحلة الأولى في توقيت مهم بالنسبة للمنطقة، إذ من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ قبل فترة التسوق الرئيسية بمناسبة عيد الميلاد.

ويجعل ذلك الأشهر الأولى من المشروع اختباراً عملياً لمدى قدرة المنطقة على استيعاب حركة المشاة الكبيرة، وفي الوقت نفسه التعامل مع التغييرات في حركة المرور والنقل والوصول إلى وسط لندن.

وبينما ترى إدارة عمدة لندن أن المشروع يمكن أن يساعد في جعل شارع أكسفورد أكثر خضرة وازدهاراً وجاذبية، يركز مجلس وستمنستر على ضرورة معالجة الآثار المحتملة على الشوارع المجاورة والسكان والشركات.

وفي نهاية المطاف، لن تحدد عملية الإغلاق نفسها مستقبل المشروع فحسب، بل ستكون النتائج الفعلية للمرحلة الأولى عاملاً مهماً في النقاش حول ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة خالية من حركة المرور.

ومع اقتراب 26 أكتوبر، ينتقل المشروع من مرحلة الخطط والنقاشات السياسية والقانونية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ليبدأ بذلك تحول تدريجي قد يعيد رسم شكل أحد أشهر شوارع لندن التجارية في السنوات المقبلة.