تونس تعيش على إيقاع الصمت الانتخابي اليوم.. وغدا اختيار الرئيس

المتحدث باسم «النهضة»: امتناعنا عن دعم أي مرشح ليس مراوغة

أنصار المرشح الرئاسي الباجي قائد السبسي يحملون اللافتات في شارع بورقيبة بالعاصمة خلال الحملة الانتخابية الرئاسية (أ.ف.ب)
أنصار المرشح الرئاسي الباجي قائد السبسي يحملون اللافتات في شارع بورقيبة بالعاصمة خلال الحملة الانتخابية الرئاسية (أ.ف.ب)
TT

تونس تعيش على إيقاع الصمت الانتخابي اليوم.. وغدا اختيار الرئيس

أنصار المرشح الرئاسي الباجي قائد السبسي يحملون اللافتات في شارع بورقيبة بالعاصمة خلال الحملة الانتخابية الرئاسية (أ.ف.ب)
أنصار المرشح الرئاسي الباجي قائد السبسي يحملون اللافتات في شارع بورقيبة بالعاصمة خلال الحملة الانتخابية الرئاسية (أ.ف.ب)

يتوجه التونسيون غدا إلى صناديق الاقتراع في أول عملية انتخاب لرئيس تونسي عبر الاقتراع المباشر منذ الاستقلال، لكن لا يبدو أن معظم التونسيين حسموا - بعد - اختيارهم للمرشح المفضل، ومن هو المرشح المفضل لديهم من بين 22 مرشحا للتصويت.
ورغم حملات الدعاية الانتخابية التي ملأت وسائل الإعلام وجابت الشوارع والأسواق في حركة غير مسبوقة في التاريخ السياسي التونسي، فإن الغموض لا يزال يلف المشهد السياسي مع تتالي الانسحابات من منافسات الرئاسة (5 مرشحين حتى الآن).
ولا يبدي التونسيون ارتياحا بسبب انحصار المنافسات الرئاسية بين طرفين فحسب، في تغييب يكاد يكون مقصودا لبديل ثالث قد لا يحمل المواصفات نفسها للمرشحين الأوفر حظا؛ الباجي قائد السبسي، والمنصف المرزوقي.
منيرة، أستاذة علم اجتماع، تقيم في تونس العاصمة، عبرت عن حيرتها تجاه من ستختار غدا الأحد، وأكدت أنها قد تضطر للتصويت للسبسي بسبب عدم اقتناعها بطريقة إدارة المرزوقي لمؤسسة الرئاسة، وتستشهد بمجموعة من الزلات والأخطاء التي أثرت كثيرا، حسب رأيها، على أدائه وانجراره إلى حلبة منافسيه، من دون أن يقنع التونسيين بصورة مختلفة عن الرئاسة التقليدية، على حد تعبيرها.
وتؤكد منيرة غلبة الكفة للباجي المدعوم من عدة مراكز قوى، سواء بشكل مباشر أو من خلال خيار الصمت، مثلما تفعل حركة النهضة من خلال عدم مساندتها الصريحة لأي مرشح.
وتذهب معظم التوقعات نحو تضييق مجال المنافسة بين السبسي، رئيس حركة نداء تونس، والرئيس التونسي الحالي المنصف المرزوقي المرشح المستقل، وهو ما لا ترتضيه الأغلبية الصامتة من المواطنين، ولكنها باتت مجبرة على الاختيار أو التخوف من ضياع أصواتها، إذا أعطتها لمرشحين تبدو حظوظهم في الفوز ضئيلة للغاية.
وترى صابرين الهمامي، وهي مهندسة معمارية عاطلة عن العمل، أن الخيار الثالث مفقود في الانتخابات البرلمانية الماضية والانتخابات الرئاسية الحالية، وتقول إن «كثرة الترشيحات لا تعكس كثرة الاختيارات، بل هي محدودة للغاية».
ورغم وقوف المرزوقي جنبا إلى جنب مع قائد السبسي في استطلاعات الرأي، التي تؤكد أنهما بعيدان بأشواط كثيرة عن بقية المنافسين، فإن المرزوقي قد يكون منافسا سهلا بالنسبة لحركة نداء تونس، التي أقنعت فئات كثيرة من التونسيين بأن الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي لا يمكن أن يقوم به سوى السبسي، وذلك من خلال الوعود الكثيرة بعودة الاستثمارات الخارجية، ومنح القروض من مصادر التمويل الدولية والإقليمية.
وفي ظل هذا الوضع السياسي الضبابي، أشار المنجي بن جلول، وهو مدير مؤسسة تربوية، إلى أن اللجوء إلى «التصويت المفيد» هو ما يبحث عنه حزب حركة نداء تونس، وذلك من خلال اختيار المرشح الذي يمكن مهاجمته بسهولة، والتذكير بأخطائه السياسية الكثيرة. أما مرشحو العائلة الديمقراطية، على غرار مصطفى بن جعفر، وأحمد نجيب الشابي، فهم «القادرون فعلا على إحداث توازن صحيح مع مرشح حركة نداء تونس، ولكنهم لم يستطيعوا الظهور في الصورة نتيجة نتائجهم الضعيفة في الانتخابات البرلمانية، وقوة آلة الدعاية التي حيدت أكثرهم منذ بداية الحملة الانتخابية»، على حد تقديره.
وتنصب كل العيون خلال أول انتخابات رئاسية بعد ثورة 2011، على الاسمين اللذين سيحظيان بالمرتبتين الأولى والثانية في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية، باعتبار أنها ستمكنهما من دخول المنافسات في الدور الثاني، بالنظر إلى صعوبة حسم الأمر منذ الدور الأول بحصول أحد المرشحين على نسبة 50 زائد واحد من أصوات الناخبين.
وبدا غياب حركة «النهضة» عن هذه الانتخابات واضحا، وأثار جدلا كبيرا؛ حيث اعتبره البعض خطة للاتفاق مع الرئيس المنتصر، أو مراوغة سياسية، بينما عده مناصرو الحزب إضاعة لفرصة تدارك الانتخابات التشريعية، وقد تعيد لـ«النهضة» مكانا قويا، وفي هذا السياق قال زياد العذاري، المتحدث باسم حركة النهضة، لـ«الشرق الأوسط»، إن حزبه اتخذ موقفا واضحا من الانتخابات الرئاسية، وقرر منذ البداية عدم التقدم بمرشح من داخل الحركة، أو تقديم الدعم لأي مرشح رئاسي من خارجها، وذلك بعد سلسلة طويلة من المشاورات السياسية والحوارات المستفيضة داخل هياكلها المنتخبة، بهدف عدم التسبب في تقسيم التونسيين، وبالتالي تفادي الاستقطاب الثنائي بين حركة النهضة وحركة نداء تونس.
وأبدى العذاري رضا قيادات حزبه عن خيارها السياسي، بعد أن قدمت مبادرة في السابق بشأن «رئيس توافقي للتونسيين»، ولكن المبادرة رفضت. وفي المقابل حاولت بعض الأطراف السياسية إحياء المبادرة نفسها تحت مسمى «مبادرة العائلة الديمقراطية والاجتماعية»، إلا أن السياق الزمني تغير ولم يعد من الممكن تنفيذ تلك المبادرة، خصوصا بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية التي مثلت صدمة بالنسبة للكثير من مرشحي الأحزاب السياسية.
ونفى العذاري أن تكون حركة النهضة قد فوتت الفرصة على نفسها بعدم التقدم إلى الانتخابات الرئاسية أو تضررت من غيابها عن الساحة السياسية، بل على العكس تماما، فإن موقفها قد جنب البلاد المزيد من التقسيم، وأبعد عن التونسيين الاستقطاب الحاد الذي برزت معالمه، حتى وإن كانت «النهضة» بعيدة عن المشهد وتتبرأ من دعم أي مرشح للرئاسة.
وبشأن اتهام حركة النهضة بالمناورة من خلال عدم مساندة أي مرشح في الظاهر وإسداء تعليمات في الخفاء لأنصارها بترجيح كفة أحد المرشحين أو الاتفاق الخفي على تقاسم السلطة من خلال فسح المجال أمام أحد المرشحين للفوز برئاسة البلاد، أوضح العذاري أن «هذا لم يحصل ولن يحصل»، على حد تعبيره، مضيفا أن «كل القيادات السياسية وجميع المنخرطين في حركة النهضة يحترمون القرار الديمقراطي الذي اتخذه مجلس شورى حركة النهضة ويعملون على تنفيذه».
ووضعت، أمس، نقطة نهاية الحملة الانتخابية المتعلقة بالانتخابات الرئاسية لتفسح المجال لحكم صناديق الاقتراع، وأعلن معظم المرشحين عن تنظيم اجتماعات اختتام حملاتهم قبل يوم من انتهاء المدة القانونية.
وبدأت الحملة في 1 نوفمبر (تشرين الثاني)، واستمرت إلى غاية يوم 21 من الشهر الحالي، وتعيش تونس اليوم ما يعرف بـ«يوم الصمت الانتخابي»، الذي يمنع فيه أي نوع من أنواع الدعاية للمرشحين.
وقد اختلفت أساليب الدعاية بين المتنافسين، البالغ عددهم 22 مرشحا بعد إعلان 5 منهم عدم استكمال المنافسات؛ حيث اعتمد بعضهم على الجولات في المناطق الشعبية والفضاءات العامة، وفضل آخرون أسلوب حشد الأنصار في قاعات كبرى للتأكيد على جماهيرية المرشح، بينما اكتفى آخرون بعقد مؤتمرات صحافية بعد أن أدركوا صعوبة مجاراة نسق بقية المتنافسين على قصر قرطاج.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.