محمد عفيفي مطر شاعر الطمي والأساطير السلالية واللاوعي الجمعي

آثر الإقامة في الظل بعيداً عن المنابر والأضواء

محمد عفيفي مطر
محمد عفيفي مطر
TT

محمد عفيفي مطر شاعر الطمي والأساطير السلالية واللاوعي الجمعي

محمد عفيفي مطر
محمد عفيفي مطر

لعل أكثر ما يميز الشعر العظيم هو كونه مصنوعاً من مواد وعناصر غير قابلة للتلف. فالنصوص الشعرية العالية لا تكف عن رفدنا بالمزيد من الإيحاءات، مهما تكررت قراءاتها. ولأنها مصنوعة من مادة الجمال نفسها فهي تزداد توهجاً مع كل قراءة، بما يذكّرنا بقول أبي نواس «يزيدك وجهه حسناً\ إذا ما زدته نظرا». وبما أن المعاصرة حجاب، على ما يرى البعض، فقد تتعرض بعض التجارب المهمة، بسبب طابعها المغاير والحدسي، إلى الإهمال وسوء الفهم لفترة غير قليلة من الزمن، ولكن سرعان ما يتم تلقفها والانتباه إليها، ولو بعد حين، فتستعيد ما خسرته من تقدير. أما النصوص التي تبهت مع تكرار قراءتها، فهي تلك التي لا يتعدى جمالها الخلبي زخارف اللغة ودغدغة المشاعر العابرة، ورطانة الحماس الخطابي. وإذا كنت أزعم في هذه المقالة بأن محمد عفيفي مطر ينتمي إلى الصنف الأول من الشعراء، فليس ذلك بداعي المجاملة، وقد بات الشاعر الآن على الضفة الأخرى من الوجود، بل لأن عودتي إلى قراءته بعد سنوات من الانقطاع أتاحت لي أن أكتشف من جديد ثراء تجربته واتساع لغته وثقافته، فضلاً عن فرادة عوالمه ومناخاته التي تربط الشعر بكل ما هو طازج وبدئي في عوالم الريف المفتوحة على الدهشة والسحر والأسطورة.
لا تختلف قصائد محمد عفيفي مطر المبكرة، بخاصة في مجموعته الأولى «من مجمرة البدايات»، عن بدايات معاصريه أو مَن سبقه قليلاً من الرواد، سواء من حيث التصاقه الرومانسي بالتراب الأول، وما تختزنه الأرض الأم في داخلها من براءة وطهْر ووعود مترعة بالخصب، أو من حيث تمرده على السائد وتبرمه بالواقع الآسن والمرير الذي يبقي بلاده وأمته رهينتين للفقر والغربة والعجز عن التقدم. واللافت في تلك البدايات هو حرص الشاعر على التوأمة بين عفوية التأليف وغواية الإيقاعات الموسيقية من جهة، وبين الإلحاح على المعنى وتقصي أغوار نفسه، من جهة أخرى. كما يتضح في تلك المرحلة تأثر الشاعر الواضح بعوالم بدر شاكر السياب الريفية والمشوبة بالحزن الرومانسي، كما بخياراته الوزنية التي يعتمد معظمها على بحر «الوافر»، ذي الشحنة الغنائية العالية. وهو ما يظهر جلياً في نصّ من مثل «صبي ضائعٌ في الريف ينهش صدره الداءُ\ وحيد القلب مهجورٌ وفارغتان كفّاهُ\ غريق الأمس، ليت الأمس يهجره وينساه\ غريب اليوم، دوّخ عمرَه الطوفان والألمُ». لكن الشاعر سرعان ما يغادر خانة الشكوى ليدخل في خانة التساؤل والبحث عن الحقيقة، فيتابع القول في القصيدة نفسها. «أحدّق في سكون الليل منهوماً بأغواري\ سؤالٌ زئبقي الروح: أين أرى فؤاد الحكمة العاري؟\ لأقبس جمرة منه لأشعاري\ تُريني في الدجى لوني، حقيقة قلبي الضاري».
إن أكثر ما يستوقفنا في تجربة محمد عفيفي مطر وأعماله المختلفة، هو كون هذه التجربة تتغذى من مصادر ريفية وترابية، وما يتفرع عنها من عناصر تكوينية وطقوس ومعتقدات. فهذه «المجمرة» التي نعت بها بواكير قصائده، التي تنصهر في داخلها روح الشاعر ولغته، لم تنطفئ جذوتها مع الزمن. وإن اتخذت أشكالاً متعددة من العلاقة بالمكان وتقاليده وخفاياه. وفي عمله اللاحق «الجوع والقمر» تشكل الطفولة، ببعديها المشهدي والنفسي، العمود الفقري للنصوص، وتتداخل العناصر الواقعية المحضة بالعناصر السحرية، وبعوالم الخرافات التي يختلط فيها البشر بالجن والغيلان والعفاريت. كما يرتفع الحجاب الفاصل بين ما هو أرضي وما هو سماوي، ويتكفل القمر والشمس والأمطار والنجوم بحمل الرسائل المتبادلة بين البشر المتعبين والجوعى، وبين عوالم الماوراء. وإذ يرتبط الجوع ارتباطاً وثيقاً بالموت في تلك المرحلة، تعكس صورة الطفل الميت خوف الشاعر العميق من خسارة طفولته أو تزويرها، بما يعني خسارة العنصر الأهم الذي يرفد حياته بأسباب البراءة، وشعره بأسباب التفجر والتخييل. على أن الموت ليس سوى الوجه الآخر للحياة أو القيامة عند الشاعر، الذي رأى في الطمي الذي يتسبب به النيل ما يجسد الرمزية نفسها والتناقض إياه. وليس من المستغرب أن يطلق البعض على عفيفي لقب «شاعر الطمي»، وهو الذي أفرد لهذه المادة المترعة بالخصب مجموعة كاملة بعنوان «يتحدث الطمي»، كما أن تلك المفردة تتكرر بشكل دائم في تعابيره وصوره واستعاراته. وقد يتخذ الطمي صورة الريح - الأنثى التي يهتف بها الشاعر «ويا ريحنا المقمرة\ ضعي ساعديك الرقيقين حول المدينة\ لكي تُسمعيها صدى قبلة الطمي والشمس\ والغيمة العابرة».
قد يكون محمد عفيفي مطر، من جهة أخرى، أحد أكثر الشعراء الذين يمكن لشعرهم أن يكون مادة خصبة للتحليل النفسي، أو لما تمكن تسميته بالتفسير النفسي للأدب، وفق دراسة متميزة للناقد المصري عز الدين إسماعيل. وأنا أميل إلى الاعتقاد بأن نتاج الشاعر يصالح إلى حد بعيد بين مدرسة سيغموند فرويد التي تعتبر الدافع الجنسي العنصر الأساس في تكوين شخصية الإنسان وتحديد أنشطته وسلوكياته، وبين نظرية يونغ حول ربط السلوك البشري بعناصر أخرى مرتبطة باللاوعي الجمعي والأساطير والأديان والمكونات الثقافية البدائية. ففي الجهة الأولى، تبدو العلاقة الوثيقة بالأم محوراً للعديد من القصائد. وهي إذ تتحد مع الأرض واللغة في بعضها، تتخذ في بعضها الآخر بعداً أوديبياً يسهل اكتشافه من خلال النكوص النفسي إلى زمن الطفولة، كما من خلال الصور الحسية الواضحة، كقول الشاعر «خذي رأسي على ساقيكِ يا أمّاه\ ضعي رأسي على أرجوحة العطر التي تهتزّ في الزنّار والجلبابْ\ضعي ثدييكِ في كفي يا أماه\ دعيني مرة أندسّ بين حدائق اللبنِ\ وأرقص عارياً وأطير تحت سمائها البيضاء». أما في الجهة الثانية، فإن شعر مطر يتغذى من عوالم أسطورية، وما قبل دينية، بقدر ما ينهل من ينابيع دينية وإسلامية، تتمظهر في صورتها الشعبية عبر الإيمان الفطري والاعتقاد بكرامات الأولياء، فضلاً عن نزعته الصوفية المتماهية مع رموز تراثية بارزة، كابن عربي والسهروردي والنفري وغيرهم. كما تعكس بعض القصائد نوعاً من النزوع الطوطمي من جهة، ونزوعاً إلى الحلولية، ووجدة الوجود من جهة أخرى. فالناس يتبادلون الأدوار مع الأشجار والحيوانات، ويتحدون معاً في سلالة واحدة. وهو ما تفصح عنه قصيدة «شجرة الأسلاف»، حيث يقول مطر «فهذا توتنا الأبيضْ\ يمدّ جذوره ويمصّ ما بصدور موتانا\ يصير يمامة ويصير سنبلة وإنسانا». ويقول في مكان آخر: «وغداً سأخرج آخر الليلِ\ لأرجع طينة وأذوق طعم تحوّلي وأصير جميزة».
غير أن أي قراءة نقدية عميقة لتجربة محمد عفيفي مطر يصعب أن تستقيم دون الالتفات إلى كونه أحد الشعراء القلائل الذين اعتبروا الشعر مشروعاً معرفياً ورؤيوياً، وليس مجرد تطريزٍ جمالي أو تنفيسٍ بالغناء عن وحشة الكائن. أما ميله الواضح إلى الربط بين الشعر والفلسفة، فهو على الأرجح ناجم عن تخصصه بهذه الأخيرة، وتدريسه لها لعقدين من الزمن. وهو ما نتلمس ظلالاً له في مجموعته «ملامح من الوجه الأمبيذوقليسي»، حيث لا ينحصر تأثر مطر بالفيلسوف اليوناني الشهير، بالتركيز على العناصر الأربعة التي يتكون منها الخلق، بل بالتأكيد على عنصري التآلف والتنافر، أو الحب والكراهية، اللذين يتصارعان على الدوام في دواخل البشر. والحقيقة أن رؤية مطر إلى العالم لا تشير إلى الأشياء والكائنات، وحتى إلى القيم والمواقف والمعتقدات، بوصفها ثابتة ونهائية، بل هي في حالة انزلاق وتحول مستمر. فضلاً عن الطابع الجدلي الذي يخلق من صراع الأضداد دينامية للتجدد والانبثاق. فإلى عالم الفساد والموت والقسوة المعتمة، الذي تعكسه مفردات من مثل: البومة والغراب والسم والرماد والفصد والتابوت والعقم، ثمة معجم مقابل للأمل والتجدد والخصب وانتصار الحياة. كما أن الشاعر في تلك المرحلة يغادر مناخات البواكير ذات الظلال السيابية، ليتقاطع مع شذرات أدونيس القصيرة ذات الإيقاع المتوتر «الليل حينما زُوّج بالفجيعة\ أولدها مدّاً من الحبائل اللفظية التي تصعد عالياً فعالياً\ ليدخل الأبكم في الأصمّ\ يصبح الوباء نكتة في رحم الذريعة». وقد نرى في أماكن أخرى ظلالاً لنيتشه، تظهر من خلال صورة الأنا المتفوقة والمتسمة بالجبروت والقادرة على تغيير العالم «فأنا أُفطر في الصبح بغابة\ أتغدى بسحابة\ ألبس الأفقَ على رأسي شالاً، وأدير العاصفة\ خاتماً في إصبعي\ والبحرَ خفّاً، والكتابة\ معجماً تصرخ فيه لغة الخلق وتنشقّ وجوه الكائنات».
لا يبدو العالم سويّاً ومعافى في أعمال محمد عفيفي مطر، بل هو يبدو عالماً مريضاً ومعوجّاً ومكتنفاً بالكدر والسواد الموحش. وعلى غرار الأحيمر السعدي، الذي يجزع من أصوات البشر ويستأنس بعواء الذئب، لا يتوانى الشاعر في مجموعته «البكاء في زمن الضحك» عن القول «أبتهل إلى الكلمات - الحرية\ والإيقاع الطعنة\ والفاصلة الحادة كالسكينْ\ أن تقطع ما يربطني بالإنسان\ أن تجعل مني ذئباً يعوي في ظلمات الوحشة والبريّة». وهو في مجموعة أخرى يخترع ملاكاً للعتمة وانطفاء الروح يسميه «ظلمائيل». وإذ ينبغي أن تشي مجموعته «رباعية الفرح» بشيء من التفاؤل، فإن ما يشيع بين ثنايا القصائد هو أقرب إلى الكآبة وألم النفس منه إلى أي شيء آخر. والأمر نفسه يتكرر في ديوان «أنت واحدها وهْي أعضاؤك انتثرتْ»، حيث لا يجد الشاعر من يحاوره سوى الموتى، وحيث تؤم اللغة مناطق ورؤى «أبوكاليبسية» قريبة من جحيم دانتي، بقدر ما تقترب أكثر فأكثر من وعورتها: «أقوم أكلّم الموتى\ وأنظر ما تَصاهَر من دم تتقلّب الأنسابُ فيه\ بصبْوة العشق المبرّح\ أنظر الأكفان والعظم الرميمَ توشّجتْ منه القبيلة\ أشهد الأمشاج أعراقاً وألوية تَذاوبُ\ والصنوجُ تدقّ بالصدأ الكظيمْ». اللافت أن الشاعر الذي لم يتخلل تجربته الطويلة والغزيرة إلا القليل من النصوص النثرية، كان يدرك تماماً أن البقاء في دائرة الوزن الواحد لا بد أن يوقعه في ربقة التكرار، ويحد من اتساع معجمه اللغوي، لذلك فهو يتجه لاحقاً نحو بحور «الرمل» و«المتقارب» و«الرجز»، موفراً لقصيدته عصباً مختلفاً وفضاءات أكثر اتساعاً. إلا أن مطر الذي نجح في أعماله الأولى في المؤالفة بين انسياب القصيدة الغنائي، وبين محمولها المعرفي، فضلاً عن كبحه الحاذق لجماح اللغة، يستسلم في بعض قصائده المتأخرة للإطالة والإطناب والدوران غير المبرر حول الفكرة نفسها والمعنى إياه. لا بل إن بعض القصائد تبدو بلا مقدمات ولا خواتيم وقابلة للتمدد إلى ما لا نهاية. ومع ذلك فإن تجربة محمد عفيفي مطر تمتلك من الفرادة والثراء ما يضعها في موقع متقدم بين التجارب الشعرية الحديثة في العالم العربي. وإذا كان صاحبها قد آثر العزلة والإقامة في الظل طيلة حياته، فإنه يستحق بعد رحيله أن يحظى بالمزيد من الدراسة والقراءة والاهتمام.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».