أكثر من 30 لوحة من مجموعة «نجد» الأسطورية في مزاد بلندن

تُعدّ من أعظم الأعمال الفنية للمستشرقين

لوحة الرسام الألماني غوستاف باورنفايند بعنوان «موكب في يافا»
لوحة الرسام الألماني غوستاف باورنفايند بعنوان «موكب في يافا»
TT

أكثر من 30 لوحة من مجموعة «نجد» الأسطورية في مزاد بلندن

لوحة الرسام الألماني غوستاف باورنفايند بعنوان «موكب في يافا»
لوحة الرسام الألماني غوستاف باورنفايند بعنوان «موكب في يافا»

بعد النجاح المذهل الذي حققته «سوذبيز» في سوق المزادات، قررت الدار أن تعرض مجموعة أخرى من لوحات المشاهد التاريخية في الشرق الأوسط التي كانت انعكاساً لتجربة المستكشفين المستشرقين الذين رسموها بعناية وجرأة في القرن التاسع عشر. وستُعرض أكثر من ثلاثين من الأعمال الفنية النادرة التي رُسمت بريشة كبار الفنانين بمن فيهم جان ليون جيروم، وغوستاف باورنفايند، ولودفيغ دويتش في معرض «سوذبيز» بلندن ابتداءً من 27 مارس (آذار) قبل إقامة المزاد في 31 منه. وستسافر أبرز الأعمال الفنية في المزاد إلى دبي من 9 - 13 مارس. قال كلود بينينغ، رئيس قسم الفن الأوروبي في القرن التاسع عشر بدار «سوذبيز»: «نشهد بين كل فينة وأخرى إحدى مجموعات الفن الخاصة تعيد تعريف وتنشيط نوع فني معين واستقطاب جيل جديد من عشاق الفن، وتحقيق المبيعات الناجحة في السوق. وعندما عرضنا في العام الماضي الأعمال الفنية الـ155 الكاملة من مجموعة (نجد) المرموقة، شعرنا بسعادة غامرة لرؤية الحماس الهائل الذي لقيه فن المستشرقين، ومن دواعي سرورنا أن نتمكن من تقديم مجموعة ثانية من تلك الأعمال البارزة التي رسمتها أنامل أكثر الفنانين شهرة وتميزاً في فئتهم».

غوستاف باورنفايند
في المعرض لوحة للرسام الألماني غوستاف باورنفايند، «موكب في يافا»، ألوان زيتية على قماش، 1890، مقدرة بسعر مليون و500 ألف إلى مليونين و500 ألف جنيه إسترليني. وفي رسالة موجهة إلى والدته، كتب باورنفايند «عليك أن تعيشي في بلد كهذا لوقت طويل حتى تتمكني من معرفة القليل فقط مما تخبئه من جمال وسحر». رسم باورنفايند هذا العمل فور عودته إلى ألمانيا بعد رحلته الثالثة والأخيرة إلى فلسطين، وتعد هذه اللوحة الأبرز بين لوحاته التي رسمها ليصور يافا. ولم تفلت أي تفاصيل من عين باورنفايند، فكان يعشق تصوير شوارع المدينة ومبانيها ومساجدها، فضلاً عن «موكب الشخصيات» التي سكنت تلك الأماكن. يظهر في هذه اللوحة الضخمة مجموعة من الدراويش والصوفيين يقودون مسيرة دينية، لربما تضم الحجاج الذين يشرعون في الحج السنوي إلى مكة.
سيعرض العمل الفني في المزاد، لأول مرة منذ أكثر من أربعين عاماً، بعد أن سجل عمل «سوق في يافا» 3.7 مليون جنيه إسترليني والذي بيع من ضمن مجموعة «نجد» العام الماضي.

لودفيغ دويتش
لودفيغ دويتش رسام مستشرق نمساوي، تشارك لوحته «حارس القصر»، رسم هذه اللوحة عام 1900 بألوان زيتية على الخشب، مقدرة بسعر بين 600 ألف و800 ألف جنيه إسترليني. بيعت لوحة «الأعطية» لدويتش ضمن أعمال مختارة من مجموعة «نجد» العام الماضي بسعر قياسي بلغ 4.3 مليون جنيه إسترليني؛ مما ضاعف الرقم القياسي السابق للفنان الذي أحرزه في عام 2013. وهناك ثمانية أعمال أخرى للرسام النمساوي في المزاد.
ستُعرض لوحة «حارس القصر» في المزاد لأول مرة، وهي تُصور حارساً معتداً بنفسه يرتدي ملابس غنية بالزخارف، ويقف في حالة تأهب دائم، ويرتدي حذاءً ذهبياً لامعاً ويحمل مجموعة من الأسلحة الذهبية وعلى رأسه قلنسوة فارسية من الفولاذ وإلى جانبه درعه مائلة على الأرض. وتُظهر اللوحة تقنية دويتش الدقيقة وتمرسه، فمثلاً تُبين البوابة الكثير من العناصر العمرانية الشهيرة في تلك الفترة في مسجد السلطان حسن في القاهرة.
لوحة بعنوان «لحظة استراحة»، رسمها دويتش بألوان زيتية على خشب، 1906، مقدرة بسعر بين 600 ألف و800 ألف جنيه إسترليني. صُورت هذه اللوحة المؤثرة لأحد المفكرين في المسجد الأخضر في بورصة بالأناضول الذي كان يشتهر بالبلاط السداسي ذي اللون الأخضر والفيروزي. وعلى الرغم من أن الفنان لجأ في الأغلب إلى الصور الفوتوغرافية لتساعده في دراسة هذه اللمحات الدقيقة، استطاع إنتاج مجموعة مرموقة بحلول التسعينات من القرن التاسع عشر وتفوقت لوحاته بدقتها على الصور الفوتوغرافية واستغرقته كل لوحة أسابيع أو ربما أشهراً ليُكملها.
لودفيغ دويتش، «العلامة»، ألوان زيتية على خشب، 1901، مقدرة بسعر بين 500 ألف و700 ألف جنيه إسترليني.
استوحي موضوع «العلامة» النبيل والأنيق على الأغلب من لقاءات دويتش مع علماء في مصر بجامعة الأزهر الشهيرة. وتعكس عباءته المميزة مكانته وثروته؛ نظراً لأن أغلى الأصباغ السوداء فقط هي التي تظهر بوضوح تحت الضوء الساطع. ويرتسم على وجه العلامة في اللوحة تعبير يدل على التركيز المكثف، ويجلس متأملاً في السورة التي قرأها للتو في القرآن الكريم ذي الغلاف الجلدي. لوحة أخرى لدويتش، وهي «كاتب الرسائل، ألوان زيتية على خشب، 1894، مقدرة بسعر بين 400 ألف و600 ألف جنيه إسترليني.
يستكشف دويتش في هذه اللوحة موضوع معرفة القراءة والكتابة في الثقافة المصرية ويحتفل بتاريخها المجيد، ويؤكد أهميتها في كل من الحياة العلمانية والدينية، في الوقت الذي كانت الابتكارات الحديثة في الطباعة تهدد الدور التقليدي للكُتاب المحترفين.

جان ليون جيروم
تضمن الجزء الأول من الأعمال التي عرضت ضمن مجموعة «نجد» العام الماضي خمسة أعمال للرسام الفرنسي ليون جيروم، وكان أحدها لوحة «راكبي الخيل يعبرون الصحراء» الاستثنائية والسينمائية، التي سجلت رقماً قياسياً جديداً للفنان بسعر 3.1 مليون جنيه إسترليني.
تصور اللوحة مجندين مصريين يعبرون الصحراء، ألوانها زيتية ورُسمت على قماش عام 1857، مقدرة بسعر بين 700 ألف ومليون جنيه إسترليني. رسم جيروم هذه اللوحة الرائعة التي عُرضت في صالون باريس عام 1857، عندما كان في أوج مسيرته المهنية بعد رحلته الافتتاحية الناجحة إلى مصر في عام 1856. وتصور اللوحة سجناء مكبلي الأيدي يقودهم حراس عبر عاصفة رملية لمصيرهم غير المعروف. وعبّر جيروم هنا عن معاناة المجندين بموضوعية تثير التعاطف، وأظهر مهارته ودقته عبر إسقاط الضوء على الأشخاص في المقدمة وتلاشي من هم في الخلفية الذين غمرتهم العاصفة الرملية بالكامل. وبعد أن رأى تلك المشاهد في أسيوط، اعتمد الفنان في رسمه على رسوماته الأولية المعتادة بالإضافة إلى الصور التي التقطها.
لوحة «أرناود‎ في القاهرة» لجيروم أيضاً، استخدم في رسمها الألوان الزيتية على خشب، مقدرة بسعر بين 200 ألف و300 ألف جنيه إسترليني. كان «الأرناود» أو «الباشي بازوك» من الشخصيات الملهمة بالنسبة لجيروم، حيث ظهر الأرناود في أعماله الفنية بدءاً من أواخر خمسينات القرن التاسع. والأرناود هم مرتزقة في الجيش العثماني ينحدرون من ألبانيا والبلقان، انتشروا في جميع أنحاء الإمبراطورية في تلك الفترة بما في ذلك القاهرة، حيث التقاهم الفنان وهم يرتدون تنانيرهم المطوية بلونها الأبيض المميز.

رودولف إرنست
رودولف إرنست، رسام نمساوي، له في المعرض لوحة «خارج المسجد»، القسطنطينية، ألوان زيتية على خشب، مقدرة بسعر بين 150 ألفاً و200 ألف جنيه إسترليني.
سافر إرنست في عام 1890 إلى القسطنطينية، وكانت رحلة ذات تأثير عميق على إنتاجه الفني. وفضّل حينها التركيز على التراث الإسلامي التقليدي والمهارات والحرف التقليدية في تركيا، على الرغم من أن عاصمة الإمبراطورية العثمانية كانت تتجه بشكل متسارع إلى الحداثة وتصبح أكثر قرباً من الغرب. ورسم الفنان لوحاته بمساعدة الصور أو الرسومات الأولية وذاكرته، وأنتج سلسلة من لوحات المساجد. ويصور في هذه اللوحة واجهة قبر السلطان سليم، الواقع في منطقة آيا صوفيا. «حارس القصر» لإرنست، ألوان زيتية على خشب، مقدرة بسعر بين 80 ألفاً و120 ألف جنيه إسترليني.
يقف في هذه اللوحة الثرية بالتفاصيل رجل عند مدخل القصر حاملاً أسلحة لمواجهة أي متسللين. ونرى هنا مزيجاً رائعاً من العناصر المعمارية والإثنية، وتضم اللوحة البلاط الملون والديكور البربري، التي تذكرنا مجتمعة باختلاط أنماط الزخارف في قصر الحمراء في غرناطة.

لمحة عن مجموعة «نجد»
توفر سجلات لوحات المستشرقين الثمينة لتاريخ العالم الإسلامي نافذة فريدة من نوعها على عالم قد تغير إلى الأبد، مُجسدة كل جانب من جوانب الحياة في المنطقة بتفاصيل تقنية متميزة.
جمع أحد جامعي الأعمال الفنية في الفترة التي تمتد بين أوائل إلى منتصف الثمانينات من القرن الماضي، مجموعة «نجد» التي تضم 155 لوحة، مدفوعاً بشغف مستنير لبناء صورة شاملة عن مجتمع المنطقة منذ قرن أو أكثر. وسافر الفنانون الممثلون في مجموعة «نجد» حرصاً منهم على اكتشاف ما وراء حدود تجربتهم الغربية إلى شمال أفريقيا والإمبراطورية العثمانية والشرق الأوسط، وأمضوا وقتاً طويلاً في تصوير ما شاهدوه وجربوه شخصياً. ووفر إرث أعمالهم مرجعاً وثائقياً لا يُقدر بثمن عن المناطق التي تغيرت منذ ذلك الحين بفعل الحداثة أو الصراع في حالات أخرى.
ولم يكن الفنانون في العالم الإسلامي يعملون بالأساليب التعبيرية والتصويرية نفسها التي كان يستخدمها الرسامون الغربيون. لذلك؛ وبالإضافة إلى التفاصيل التي أُظهرت في لوحات المستشرقين، لا يوجد إلا القليل فقط من السجلات البصرية الأخرى التي تسقط الضوء على عادات وأخلاق تلك الفترة في هذا الجزء من العالم خلال القرن التاسع عشر.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».