لوك نوريس: مواجهة مانشستر يونايتد هي الليلة الأهم في مسيرتي المهنية

مهاجم فريق كولشيستر المغرم بصيد الأسماك يأمل بتحقيق مفاجأة في ملعب أولد ترافورد اليوم

TT

لوك نوريس: مواجهة مانشستر يونايتد هي الليلة الأهم في مسيرتي المهنية

في يوم بأواخر نوفمبر (تشرين الثاني) منح نادي كولشيستر يونايتد الذي ينافس في دوري الدرجة الثالثة الإنجليزية لاعبيه إجازة لمدة يوم. واستغل المهاجم لوك نوريس الإجازة في تشييد خيمة له على ضفاف بحيرة صغيرة خاصة على بعد دقائق قليلة بالسيارة عن النادي، لكن لم يكن من الممكن الوصول إليها سوى عبر اجتياز أرض موحلة وطمي سميك بسبب أمطار انهمرت في وقت قريب. وقرر المهاجم أن يصبح هذا منزله حتى صباح اليوم التالي، عندما يحزم أمتعته ويتجه مباشرة إلى ملعب التدريب. داخل الخيمة، كان يوجد سرير بسيط معد لأغراض التخييم وبعض المستلزمات الأساسية التي حرص نوريس على حفظها بعيداً عن متناول الفئران المنتشرة بالمنطقة. داخل المياه، كان هناك نوع من سمك الشبوط الضخم الذي يتجاوز وزنه 18 كيلوغراما، رصد نوريس خطته على أمل الإمساك به في غضون الـ22 ساعة التالية.
ولحظة حدوث ذلك، نوى نوريس التقاط صورة تذكارية مع السمكة الضخمة. ولم تقتصر رغبة نوريس في اصطياد العمالقة من الأسماك، وإنما امتدت إلى عالم كرة القدم، خاصة بعد نجاح فريقه بالفعل في الفوز على كريستال بالاس وتوتنهام هوتسبير والإطاحة بهما خارج بطولة كأس الرابطة الإنجليزية للمحترفين، والتي يستعد الفريق لخوض تحد آخر اليوم في استاد أولد ترافورد أمام مانشستر يونايتد في الدور ربع النهائي. وقال نوريس: «هناك سمكة واحدة أسعى خلفها وأعتقد إذا نجحت في اصطيادها سأنتقل إلى البحيرة التالية. وأعتقد أن هذا ما يفعله الناس عادة ـ يرون سمكة، إما في المجلات أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ويقولون في أنفسهم: «أرغب في هذه السمكة». وتلك السمكة هي الأضخم على مستوى البحيرة، ومعظم الأشخاص الآخرين المهتمين بالصيد يسعون خلف الفوز بأكبر سمكة بالبحيرة. وقد سبق وأن اصطدت سمكة أكبر من هذه في فرنسا، لكن داخل بريطانيا تبقى هذه سمكة جيدة».
بالتأكيد يبدو هذا مختلفاً عن نوعية الأهداف التي يضعها معظم المهاجمين نصب أعينهم. كما أن نوريس، الذي سجل أول أهداف فريقه على أرض استاد سكنثروب، السبت، عندما تعافى الفريق من تأخره بنتيجة 2 - 0 لتنتهي المباراة بالتعادل، يحمل في ذهنه تصوراً لعدد الأهداف التي يرغب في تسجيلها هذا الموسم. وقال: «لطالما أبقيت هذا الأمر بيني وبين نفسي، لكن هناك رقم محدد في ذهني. وإذا نجحت في الوصول إليه، فسيكون ذلك موسماً مقبولاً بالنسبة لي». ومع ذلك، فإنه بمجرد انطلاق صافرة نهاية المباراة، يتحول اهتمام نوريس في اتجاه آخر تماماً. وعن هذا، قال: «أسعى للتخييم لمدة أسبوع، وإذا أتيحت لي فرصة مزيد من الوقت ربما أستمر أكثر من ذلك».
وبذلك فإنه في الوقت الذي انغمست معظم جماهير كولشيستر في الاحتفال بالفوز الذي حققه فريقها على كريستال بالاس في أغسطس (آب)، كان لدى نوريس طموحات أخرى.
وقال المهاجم: «عشنا ليلة رائعة بالفعل، وفي صباح اليوم التالي توجهت للصيد ونجحت في اصطياد أكبر سمكة داخل إنجلترا. كان هذا أمر عظيم. وشعرت أن ذلك كان أسبوعاً مثالياً. كانت هناك أسابيع أخرى مررت خلالها بمباريات سيئة وكنت أقول لنفسي: «بإمكاني الخروج من هذا الوضع». وبعد ذلك كنت آتي هنا للصيد وينتهي الحال بعدم اصطيادي أي شيء، وأشعر حينها وكأنني تلقيت صفعتين. إن كرة القدم عالم مجنون للغاية، ويتعرض المرء خلاله لضغوط طوال 24 ساعة يومياً على مدار الأسبوع، حتى في المستوى الذي ننافس به. لذلك أنظر إلى الصيد باعتباره ملاذي، والوقت الذي أهرب فيه من الضغوط والعالم المجنون المحيط بي».
ومع بدء زحف البرد على المياه مع بداية الشتاء، يصبح سمك الشبوط أقل نشاطاً وتزداد صعوبة الإمساك به. وكثيراً ما يقضي نوريس أياماً وليالي بأكملها ممسكا بالسنارة، حيث يشاهد الماء وينتظر وينصت لما حوله دون أن يحدث أي شيء على الإطلاق. ويشرح نوريس: «الصيد في الشتاء أصعب بكثير عن أي وقت آخر من العام. وعادة ما تكون الأسماك في الشتاء أثقل وزناً وتبدو في أفضل حالاتها ـ وتغطيها بعض الألوان الشتوية الجميلة. ودائماً ما تكافئ قيمة سمكة واحدة في الشتاء عدة سمكات في الصيف. وربما يرى البعض هذه فكرة مجنونة، لكن المعنيين بصيد الشبوط يدركون جيداً هذا الأمر».
في مخيم الصيد، ليس هناك استقبال لإشارات الهاتف المحمول ولا أي مصادر بديلة للترفيه، وبالتالي لا يملك نوريس سوى الجلوس والانتظار، على أمل سماع صوت سمكة تقفز خارج الماء، أو الجلبة التي يحدثها عض سمكة للطعم. وعادة ما يكون رفيقه الوحيد كلبه البولدوغ الفرنسي الذي غاب في ذلك اليوم بسبب مرضه، بجانب وجود ثعلب يظهر من وقت لآخر، وكذلك غزال و«الكثير للغاية من الفئران».
ورغم أن البحيرة لا تتميز بجمال طبيعي خلاب على نحو لافت، خاصة في ظل وجود أدوات الحفر التي تشوه منظر الضفة الأخرى منها، فإنها بالتأكيد أكثر هدوءا بكثير عن الواقع الآخر في حياة نوريس، حيث يقود فريقه عبر المنافسات المحمومة بدوري الدرجة الثانية، ويبدو في عالم آخر تماماً عن عالم أرض استاد أولد ترافورد الذي يزيد متوسط الحضور فيه هذا الموسم أكثر عن 20 مرة عن الحضور باستاد كولشيستر. جدير بالذكر أن نوريس اضطلع بدور محوري خلال مباريات بطولة كأس الرابطة، وسجل هدف التعادل في المباراة التي انتهت بفوز فريقه على أرض استاد كرولي في الجولة السابقة من البطولة، بجانب تصديه لركلة الترجيح الأولى وتسديده لها في المرمى أمام كل من كريستال بالاس وتوتنهام هوتسبير، في مواجهتين فاز فيهما فريقه. وقال نوريس: «أعتقد أن ركلات الترجيح نوع من الفن، وأعتقد أن الناس يزيدونها صعوبة عما ينبغي عليه أن تكون. ولطالما شعرت بالثقة تجاه ركلات الترجيح. أعتقد أنه عندما تصوب الكرة على النحو الصحيح، من الصعب للغاية أن يتمكن أحد من صدها».
جدير بالذكر أن ثمة علاقة مصاهرة بين نوريس وقائد فريق مانشستر يونايتد آشلي يونغ، والذي يعتبر مثله، من أبناء منطقة ستيفينيدغ ـ وقد زار نوريس استاد أولد ترافورد مرة أخرى من قبل، برفقة ابن عمه الذي يشجع مانشستر يونايتد، حيث قاما بجولة عبر الملعب.
وقال نوريس: «أعتقد أن شكل الاستاد سيكون مختلفاً بعض الشيء مع وجود 70 ألف متفرج بداخله بدلاً من مجرد التجول عبر أرجائه خاليا. لدينا فتيان داخل النادي يشجعون مانشستر يونايتد، ما يعني أنهم سيقفون في مواجهة فريق هم على أتم استعداد لدفع المال مقابل ارتياد الملعب لمشاهدته. اليوم نحن في موقف ليس به احتمال خسارة، بالنظر إلى أننا فريق من دوري الدرجة الثالثة يستعد لمواجهة واحد من أكبر أندية العالم. حاليا مانشستر يونايتد ليس على المستوى المتألق المعهود منه منذ بضع سنوات، أما نحن فليس لدينا ما نخسره. وقد ينتهي بنا الحال إلى هزيمة ثقيلة، لكن لا أعتقد أن هذا سيحدث بالنظر إلى أسلوب اللعب الذي نتبعه. وأعتقد أننا سنقدم أداءً جيداً. وفي عالم كرة القدم، كثيراً ما تحدث أشياء غريبة. وسيكون من الحمق القول بأننا لا نملك فرصة أمام مانشستر يونايتد، لأنه سبق وأن قال البعض ذلك أمام كل من كريستال بالاس وتوتنهام هوتسبير».
وبغض النظر عما سيحدث اليوم، يبدو من اليسير للغاية توقع أن نوريس سيكون صباح اليوم التالي للمباراة على ضفاف بحيرة، حيث يشيد خيمته ويعد تجهيزات الصيد.
وقال: «لاعبو الكرة يجدون صعوبة في فهم ذلك، لكنني أفضل أن يكون في حياتي الصيد بدلاً من أن تكون خالية تماماً من الأحداث. حياة الكرة شديدة الجنون ـ ورغم أنك لا تمارس الكرة سوى ساعات قليلة، فإنها مجهدة للغاية من الناحية البدنية. وأعتقد أنه لذلك أسير في هواية الصيد على نحو رائع، لأنه ينبغي للمرء أن يخرج للعالم ويرفه عن نفسه. كثيراً ما يقلق الناس اليوم عما يعتقده الآخرون بشأنهم. وعندما تنظر لشبكات التواصل الاجتماعي تجد أن الأمر بأكمله يدور حول عدد علامات الإعجاب التي نلتها وعدد هذا وعدد ذاك. والجميع في حالة حركة محمومة طوال الوقت. أما الصيد فالنقيض تماماً، فهو لطيف وهادئ».


مقالات ذات صلة

بيلينغهام: منتخب إنجلترا افتقد الترابط في «يورو 2024»

رياضة عالمية جود بيلينغهام لاعب المنتخب الإنجليزي (أ.ف.ب)

بيلينغهام: منتخب إنجلترا افتقد الترابط في «يورو 2024»

كشف جود بيلينغهام، لاعب المنتخب الإنجليزي لكرة القدم، إن الأمور لم تكن على ما يرام في معسكر الفريق ببطولة أمم أوروبا «يورو 2024».

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية الألماني يورغن كلوب مدرب ليفربول السابق (د.ب.أ)

يورغن كلوب يحصل على وسام فخري من المملكة المتحدة

سيحصل الألماني يورغن كلوب، مدرب ليفربول السابق، على وسام الإمبراطورية البريطانية برتبة قائد فخري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية إطلاق نار قرب مقر منتخب إنجلترا (أ.ف.ب)

إطلاق نار قرب مقر إقامة منتخب إنجلترا يثير القلق قبل انطلاق المونديال

شهدت المنطقة المحيطة بمقر إقامة وتدريبات «الأسود الثلاثة» حادث إطلاق نار جماعي أثار حالة من القلق والترقب بين الجماهير ووسائل الإعلام.

مهند علي (الرياض)
رياضة عالمية المخضرم هاري كين يسعى لقيادة إنجلترا للقب المونديال (رويترز)

تألق كين يعزز أحلامه بالتتويج بكأس العالم مع إنجلترا

يشعر النجم المخضرم هاري كين بأنه في أفضل حالاته، حيث يعدّ قائد منتخب إنجلترا، صاحب الأهداف الغزيرة، الأيام المتبقية حتى انطلاق بطولة كأس العالم 2026 لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (تامبا)
رياضة عالمية توماس توخيل مدرب منتخب إنجلترا (د.ب.أ)

توخيل: الظروف الصعبة ليست «عذراً»

قال المدرب توماس توخيل إنَّ منتخب إنجلترا، لن يتَّخذ من الحرارة الشديدة والمسافات الطويلة بين المدن المستضيفة ذريعةً، في سعيه إلى خوض «بطولة طويلة».

«الشرق الأوسط» (ويست بالم بيتش (الولايات المتحدة))

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.