القوة الكامنة خلف الأفكار «المُهملة»

المعرفة... ما قبلها وما بعدها

القوة الكامنة خلف الأفكار «المُهملة»
TT

القوة الكامنة خلف الأفكار «المُهملة»

القوة الكامنة خلف الأفكار «المُهملة»

يقول آينشتاين إن «الخيال أهم من المعرفة»، لأن الخيال يطوف الدنيا والمعرفة محدودة، كما علّل قوله.
أفكار كثيرة لا تكون منتجة، وتبدو عديمة الفائدة في لحظتها وغير مهمة ومسلّية، وقد يكون تجسيدها مُكلفاً! ولكن حين نعود إلى أغلب الاختراعات والأفكار المنتجة، سنجدها نتاج أكثر من شخص وأكثر من مرحلة. فآينشتاين لم يكن يعلم عندما وضع نظرية النسبية العامة، أننا سنستخدمها اليوم في نظام تحديد المواقع، GPS، ولكن الذي جاء بعده جعلها كذلك.
المعرفة مفهوم مائع ونسبي وغير نهائي. ماذا نعرف؟ ما قيمة ما نعرف؟ وهل معارفنا تناسب هذا الزمان أو المستقبل؟
نقضي معظم حياتنا في الانسياق وراء ما نعتقد أنه معرفة، فلكي تعرف شيئا عليك أولاً أن تبحث في احتمال صحته أو نقيضها. فالنقيض أيضاً يخلّف معرفة.
وأسئلة يطرحها الإنسان كل حين، والعلم يقدم آليات لتبرير الثقة في المعرفة التي يولدها - أي أنه ينتصر في النهاية دوماً!
ما أنا بصدد متابعته في هذا المقال، ليس المعرفة تحديداً ولكن ما هو قبلها وبعدها الـ«ما بَعْد» يعتمد على الإمكانات. ولكن ماذا عن الـ«ما قبل»؟ وماذا عن التعامل مع المألوف بطريقة غير مألوفة؟
الاتصالات اللاسلكية، مثلاً، وكل التقنيات التي صاحبتها، لم تكن في حقيقة الأمر من اختراع غولييلمو ماركوني. فهي تدين بالفضل في وجودها إلى ماكسويل وهيرتز، وهما العالمان اللذان توصلا إلى أساسيات الموجات الكهرومغناطيسية، من دون أن يشغل ذهنيهما أي هدف عملي منها، وأنه سيكون هناك هاتف فيما بعد.
ولك أن تتخيل أن مفهوم البطاقة الائتمانية موجود في طيّات رواية «النظر إلى الخلف» لإدوارد بيلامي في العام 1887، وسماعة الأذن ضمن رواية «فهرنهايت 451» لراي براندبوري العام 1953، والاتصال المرئي في كتاب لهوغو جيرنسباك العام 1936، والهبوط على سطح القمر في كتاب «من الأرض إلى القمر» لجول فيرن 1865، قبل نحو قرن من الصعود إلى القمر. وشبكات التواصل العالمية تكهن بها العالم الإنجليزي آرثر كلارك العام 1945.
والكثير من الأفكار التي كانت لا تعدو إلا أفكاراً، أصبح فيما بعد أهم الاختراعات التي تخدم البشرية. وهناك قصتان حدثتا في ذات الوقت:
- قصة ليسينكو الذي تسبب في موت ملايين البشر. استغل هذا العالم حالة العصبية والجهل بالنظرية الماركسية وأنتج أبحاثاً مزيفة في مجال الزراعة. وكانت ادعاءاته هي ما يريد سماعه القادة السوفيات آنذاك. وفي أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن العشرين، وضع جوزيف ستالين مخططاً كارثياً لتحديث الزراعة السوفياتية، مبنياً على نظريات ليسينكو، مجبراً ملايين الأشخاص على الانضمام إلى المزارع الجماعية التي تديرها الدولة. وأدى فشل المحاصيل على نطاق واسع في البلاد إلى المجاعة. ومع ذلك رفض ستالين تغيير المسار، وأمر ليسينكو بعلاج الكارثة بأساليب تستند إلى أفكاره الراديكالية. ولم تنتهِ قصة ليسينكو إلاّ بعد وفاة ستالين.
- وقصة أبراهام فليكسنر الذي كان مهتماً بالتعليم الطبي ثم صار يهتم بالتعليم في الجامعات. ذات يوم، جاءه شخص اسمه «فلد» مع أخته «لوي»، وقالا له: لدينا تجارة كبيرة وقد جنينا مالاً وفيراً ونريد أن نكافئ هذه الولاية، ولاية نيوجيرسي، بالتبرع بشيء من المال. ونعلم أنك مهتم جداً بالتعليم الطبي. فهل ترى أن نقدم مالاً لإنشاء مؤسسة لتعليم طب الأسنان؟
قال لهما: هذا ممكن. ولكن عندي فكرة إذا اقتنعتما بها نستغل هذا المال لإنشاء مؤسسة من نوع جديد على الأقل في أميركا. تركّز المؤسسة على إنتاج المعرفة الصرفة غير التطبيقية. فنأتي بعلماء ونقول لهم: ابحثوا فيما تشاءون، أي في الأفكار والنظريات من دون الاهتمام بتطبيقاتها. كما يمكنكم النظر في المواضيع التي لا نجد لها تطبيقات مهما كانت قديمة. وبعد خمسين سنة أو مائة سنة ستأتي لنا بالفوائد الفكرية والاقتصادية والتطبيقية. فلا يمكن حصر أنفسنا من البداية في المواضيع التطبيقية.
وهذا الأمر مطبق في كثير من المؤسسات الأوروبية في ألمانيا، وبريطانيا في أكسفورد، وفي فرنسا في كولاّج دو فرانس، وفي بعض الكليات الخاصة، ونريد أن يكون لنا هذا في أميركا. فوافق المموّلان على ذلك.
ثم قال لهما: سآتي بعلماء كبار من مستوى آينشتاين، وأعطيهم رواتب. وأقول لهم: ابحثوا فيما تشاءون. بالطريقة التي تريدون ولا تكترثوا لشيء آخر. وكان عندما يتصل فليكسنر بأحد العلماء ليدعوه إلى الانضمام لـ«معهد الدراسات العليا». يسأله العالم: ما هي واجباتي؟ فيجيبه: ما عليك أي واجبات، فقط تأتي إلى مكتبك أو لا تأتي، وتتحاور مع زملائك.
وكان من تصريحات آينشتاين حول هذه المؤسسة التي بقي فيها حتى مماته، أنه أمضى أفضل أوقاته وأكثرها إنتاجاً علمياً وفكرياً، وبخاصة تلك النزهات على الأقدام برفقة كوت كودال، عالم رياضيات المنطق الشهير، وعلماء كبار آخرين التحقوا بالمؤسسة، مثل فلنويمن «أبو الحواسيب»، ويويجن فكنر، وإدور تلر «أبو القنبلة الهيدروجينية»، وأيولزراد «أبو القنبلة النووية الانشطارية»، وأوبنهايمر، وأولينتلك... وغيرهم من علماء القرن العشرين الذين التحقوا بالمعهد.
ما أهمية تلك الخطوة؟
يقول فليكسنر: «أريد أن أعطي فرصة للعلماء أن يسبحوا ضد التيار، تيار الاعتبارات التطبيقية». أي أنه كان يريد أن يعطي فرصة لفضولهم العلمي من دون أي عوائق وعقبات. أي الفضول الحرّ في كل ما تريد.
وكتب روبرت ديكراف الذي جاء بعد أكثر من 60 أو 70 سنة من فليكسنر، وهو حالياً أحد مديري هذا المعهد، أن أبراهام فليكسنر بفعلته هذه، نقل مركز الثقل للأبحاث العلمية والمعارف العليا من أوروبا إلى أميركا. وعندما توفي فليكسنر كتبت جريدة «نيويورك تايمز» في صفحتها الأولى تأبيناً له، قالت فيه: «لم يسهم أميركي من عصره أكثر مما ساهم هو في الحياة وفي الثراء وفي المعيشة بالنسبة إلى بلده، وبالنسبة إلى البشرية جمعاء».
ويقول ديكراف: هل تعرفون أن 30 في المائة من الناتج الوطني العام لأميركا أو الناتج الاقتصادي، أي كل الإلكترونيات والتطبيقات الطبية والاقتصادية الأخيرة تعود بطريقة وأخرى إلى نظريات ميكانيك الكم؟ ويضيف أن هذه النسبة ستتزايد في المستقبل. بمعنى أن أبحاث ميكانيك الكم، حينما بدأت لم يتصور أحدٌ أنه سيكون لها تطبيقات أو استخدامات، ومع ذلك فإنها بعد 50 أو 100 سنة صار لها تطبيقات عظيمة جداً.
عندما قدم روبرت ولسن، وهو مؤسس وأول مدير لمسارع فيرميلب (FermilabTevatron)، في أميركا العام 1969 أحد أكبر المسارعات، إلى الكونغرس لكي يسمعوا منه لماذا يجب أن يمولوا هذا المشروع في زمن الحرب الباردة، سأله أحد النواب: هل سيساهم مشروعكم في الدفاع عن بلدنا؟ حيث إنهم كانوا يعيشون هوس الدفاع وضرب السوفيات، فرد عليه ولسن قائلا: «هذا المشروع مرتبط بشكل قوي جداً بالشرف والوطن، ولكن ليس له أي علاقة مباشرة بالدفاع عن وطننا، إلا أنه سيجعل وطننا جديراً بالدفاع عنه».
كيف يمكننا بلوغ حالة تمكّننا من إنتاج الأفكار والإضافة على ما سبق؟
أود الإشارة إلى أن مكتبات براءات الاختراع تعج بوثائق مهملة مرميّة، وهناك برامج بحثية وتجارب إكلينيكية كثيرة لم تُكلَّل بالنجاح. ويمكن لتحليل هذا الفشل أن يساعد الآخرين على النجاح. وقد يساهم في المساعدة على فَهْم ما الذي يحث على الابتكار وتطوير الأفكار بطرق مختلفة وجديدة. فالابتكار في الحقيقة هو الربط بين الأفكار التي تبدو في ظاهرها غير مترابطة. وقد أصبحنا اليوم محاطين بكَمّ هائل من الاكتشافات، كلّ منها في مجال منفصل عن الآخر، كما يقول الواقع. ولكننا لا نستطيع أن نحكم من خلال تحليلنا على فائدتها في المستقبل.
وكل ما علينا هو المساعدة على إيجاد ميدان للأفكار من خلال النقاش والحوار، والاختلاف واحترام الغرابة، لأن الابتكار لا يحدث إلا بوجود التنوع. ومحاولة تجريب الأفكار وصقلها من خلال المزج بين الطريقة العلمية والمقاربة الفنية. وأن ندرك أن «كل ما يستطيع العقل البشري تخيله هو حقيقة تنتظر التطبيق».

- كاتب سعودي، مختص في شؤون الملكية الفكرية والصناعية



حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول
TT

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول

تمتد تجربة الكاتب المصري حجاج أدول في عمق التاريخ والجغرافيا معاً، فهو مسكون بميراث الحكايات الخرافية وأجواء الفانتازيا العابرة للثقافات والحدود عربياً وعالمياً، كما أن جذوره نوبية عبر أقصى جنوب البلاد حيث الخصوصية الثقافية المدهشة، في حين أن نشأته كانت بمدينة الإسكندرية، أقصى الشمال، على ساحل البحر المتوسط.

كتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقال عبر لغة سردية مختلفة وشخصيات تلعب في المنطقة الوسطى بين الواقع والخيال، وهو ما انعكس على العديد من مؤلفاته، من أبرزها «ثلاث برتقالات مملوكية»، و«جبل الصعاليك»، و«سيرة المملوك عنطزة»، و«هضبة المساخيط»، و«بولاق الفرنساوي». كما يحظى فن السينما باهتمام خاص لديه.

هنا حوار معه:

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم» إلى ولعك القديم بأجواء الفانتازيا وعالم القصص الخرافية الشهيرة في التراث العربي والعالمي... ما سر هذا الولع؟

- الإبداع الأدبي ملكة متعددة الأنواع، ما بين شعر ومسرح وقصة ورواية، وكل منها له تفريعات، وبعض التفريعات لها تفريعات، وكل جيل يبتكر الجديد ويضيفه على ما قد سبق. والأديب المبدع يولد بفطرته الخاصة، وأنا مدفوع في أغلب رواياتي على حب الفانتازيا، أي الحكي العجائبي.

والحكي عموماً، بالنسبة إليّ على الأقل، فطرة وجدت نفسي فيها، فقمت بتحقيقها مستمتعاً بها تماماً، ومن ثم، فأنا موقن بأن القارئ سيستمتع أيضاً، لأنه وجد روائياً فطرته الحكي.

والحقيقة أنني أحب الحكي، وأجد أنه ألذ بند في فن الرواية، ولا أتفق مع من يقدمون بنوداً فنية روائية أخرى عليه. أحب أن أسرح مع نفسي وأكتب ما يجذب صديقي القارئ ليسرح معي ونقفز معاً في مياه بحر ممتد الأفق، نسبح سباحة رائقة شائقة مثيرة، ونجد أسماكاً متنوعة من الفكر فنتفكر معاً في هدوء.

> ينتمي العمل إلى الرواية القصيرة «النوفيلا» الذي ينطوي على تحديات فنية قد لا توجد في النص الطويل المسهب... كيف تتحدد مساحة العمل لديك؟

- لا أختار النوع سواء أكان رواية أم قصة أم مسرحاً، فالعكس هو الصحيح والتجربة تختار قالبها، أي أن النوع هو من يأتي ليقول لي اكتبني كما أتيت لك. والرواية عندي تأتيني من عقلي الوجداني بصيغتها الخاصة وتقول لي، على سبيل المثال، أنا نوفيلا، فلا أستطيع أنا بعقلي الواعي أن أشوهها لأجعلها ملحمة.

> من بين أعمالك العديدة، يبدو أن رواية «بولاق الفرنساوي» تحظى بمكانة خاصة لديك... هل السبب يعود إلى أنك تستعيد عبرها مساحة ما من سيرتك الذاتية كمقاتل خاض حرب أكتوبر 1973؟ وما الذي تبقى من تلك التجربة إنسانياً وأدبياً؟

- لحظة القتال المحتدم ليست كغيرها من اللحظات، هي لحظة قاتل أم مقتول، سليم أم مصاب. غريزة الحياة تدفع المقاتل للحرص على حياته فيجبن أحياناً، لكن واجبه الوطني أو الديني أو غيرهما يدفعانه لتخطي الجبن ليكون شجاعاً؟ لحظات رهيبة. لذا سبع سنوات من القتال الشرس التي عشتها ما بين نهاية الستينيات وبدايات السبعينيات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب، سنوات مجيدة وموجعة معاً.

كنت أنتوي كتابة ملحمة عن سنوات القتال، لكن ظروف قاسية حالت دون ذلك، فكتبت قصصاً ثم رواية «بولاق الفرنساوي»، وحالياً أكتب «ذكريات في دفتر العبور».

> كيف ترى مصطلح «أدب الحرب» عموماً وهل ينبغي أن يكون الكاتب المصنف ضمن تلك الدائرة خاض أهوال القتال بالفعل؟

- أي مصطلح أدبي يجب أن يجمع عدداً من التجارب والأعمال الأدبية ذات الخصوصية المشتركة. فنقول أدب البحر لنحتوي روايات وقصص البحر مثل رواية «موبي ديك» لهيرمان ميلفيل أو نقول أدب الصحراء ونأتي بنصوص إبراهيم الكوني.

وأدب الحرب يجتمع تحت جناحه كل سرد أساسه الحرب، والأمثلة عديدة منها «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» لإريش ماريا ريماك. أما أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فليس بالضرورة، فتولستوي كتب «الحرب والسلام» لكنه لم يشارك في حرب روسيا ضد الغزو النابليوني، لكنه قرأ عنها وسمع، وتعمق في مشاعره تجاهها حتى صار وكأنه حارب فيها، لكن أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فهذا أفضل.

> ما بين جذورك النوبية في أقصى جنوب البلاد ونشأتك بالإسكندرية بأقصى الشمال، كيف تكونت ملامح الخصوصية السردية في تجربة حجاج أدول؟

- جمعت بين أقصى الجنوب النوبي وأقصى الشمال السكندري، فحين يقال حجاج، فأنا البحر الذي يحتوي الإسكندرية، بكل ما يحمله من معانٍ، وحين يقال أدّول فأنا النيل الذي تربطه علاقة خاصة بالنوبة. وفي كتاباتي يحضر النيل مثلما في روايتي «الكُشَر» ومجموعتي القصصية «ليالي المسك العتيقة»، كما يحضر البحر في روايتَيَّ «رحلة السندباد الأخيرة» و«رحلة العنقاء إلى بلاد التبر والألماظ».

> تمتلك علاقة شديدة الخصوصية والعمق بفن السينما الذي وضعت فيه العديد من المؤلفات... ما سر تلك العلاقة؟

- من صغري وأنا عاشق لفن السينما. الشاشة الفضية أفق ساحر ممتع ملهم، وكتبت كثيراً عن «أفلام الويستيرن»، وكيف أنها تكشف جانباً عميقاً من نفسية الشعب الأميركي. ثم واصلت التعمق فأظهرت أن شخصية «الكاوبوي» لم تنحصر في فترة الوصول الأولى للمهاجرين من أوروبا، بل شخصية الكاوبوي متوغلة فيهم حتى الآن، بدليل فيلم «ذئب وول ستريت» على سبيل المثال وبطله ليوناردو دي كابريو الذي يقوم بدور صاحب شركة لها منافسون يتسمون بالشراسة، فيحفز العاملين عنده للعمل العنفواني العاصف، فماذا فعل؟ ينفعل ويقلد الغوريلا الهائجة، فيضرب بيمناه على صدره بقوة ويصيح: هُو هُو هُو، فيقلده موظفوه في حماسة ويعوون مثل الذئاب. إنهم رغم حداثة زمنهم، يبدون كأنهم في حالة توحش. إنهم حالة الكاوبوي الحديث.

> لكن إعجابك بأفلام بعينها كثيراً ما تحول إلى مشاريع كتب كاملة؟

- نشرت كتاب «رائعة خلّي بالك من زوزو» عن الأحداث التي رافقت عرض الفيلم، إنتاج 1972 بطولة السندريلا سعاد حسني وحسين فهمي، والمعارضات الحادة التي واجهته، رغم أنه لا يزال حتى الآن، الفيلم الذي ضرب الرقم القياسي في البقاء معروضاً على شاشات السينما.

بينت في الكتاب عظمة سعاد حسني، وكيف أنها تماهت تماماً مع شخصية بطلة الفيلم «زوزو»، فكان هذا التماهي زيادة في تألقها، ثم انقلب ليكون من أسباب متاعبها النفسية، حين تسرب منها الشباب وبهتت الشهرة.


«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز
TT

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026، أحد هذه الكتب المختلفة القادرة على أن تكون لها قصة مختلفة. كانت المدى، الدار الناشرة للقصص، قد روَّجت، بصورة أولية، للكتاب بتجنيسه بصفة الرواية، فيما كانت الكاتبة المصرية منصورة عز الدين تصرُّ بمقالين سابقين لها وبمحاورة مباشرة معها، أن الكتاب عبارة عن قصص. ثمّ وجدت أن الدار ذاتها قد صحَّحت نشرتها بوصف الكتاب بأنه «قصص». وهذا ما أكَّده المترجم نفسه، هاتف جنابي، برسالة جوابية وصلت إليّ منه، قال إن الكتاب: قصص، وهي كل تراث برونو شولتز القصصي المؤكد، بالإضافة إلى مجموعة قصص ثانية بعنوان: «مصحَّة عند الساعة الرملية» تضمنت 13 قصة قصيرة. لكن القراءة الفعلية لقصص «دكاكين القرفة» الخمس عشرة تنحاز، ربما، للنشرة الإعلانية الأولى للدار الناشرة؛ فالقصص تتضافر في تشكيل عالم سردي بخصائص موحدة ومكرَّرة. ماذا يعني هذا؟ عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

تقول لنا قراءة قصص شولتز إن هناك راوياً أساسياً واحداً يتكرر في القصص كلها، هو يوسف، فيما تدور أغلب القصص على الطبائع الغريبة للأب يعقوب وشخصيته المتفردة، وهو أبو يوسف نفسه، راوي القصص. وفي شخصية الأب نفسه ألف حجة ودليل تدعم فرضية تهافت منطق القصة القصيرة، نذكر منها بالإجمال اضطراب وصف الأب في القصص كلها؛ فلا صفات مكرَّرة عنه في القصص، وقد نقول إن كل قصة تصف لنا أباً مختلفاً عن الأب في القصة السابقة، عنها في القصة اللاحقة. وربما يكون الأمر الموحد، أو ما يجري تكراره في وصف الأب، أو حتى بناء شخصية الأب، هو تعاطف الراوي مع أبيه. وهناك الأم ذات الملامح الباهتة والشخصية النمطية التي لا يُظهر الراوي تعاطفاً معها. وثمة عم «شقيق الراوي»، وهو شخصية تشابه الأم في التزامها سلوكيات مكرَّرة. وفي القصص ثمة حضور جيد لشخصيات مكمِّلة، تدعِّم غلبة فرضية الرواية على منطق القصة القصيرة، هي: أغاتا، خالة الراوي، وزوجة العم مارك. ومارك نفسه، عم الراوي، وهو أبو لوتسيا وأميل. ولا ننسى كارول، العم الثاني للراوي. وهناك برازيا، خالة الراوي. فضلاً عن الموظف العامل في متجر الأب يعقوب: تئودور أو تيودور. ويقابل هذه الشخصيات «الواقعية» شخصيات تصفها هوامش المترجم، أو حتى الراوي/ الكاتب نفسه بأنها «خيالية»، مثل: أديلا، الشخصية الخيالية، بطلة قصة «دكاكين القرفة» التي اتَّخذت القصص من اسمها عنواناً لها. ويرد عنها في الملحق الخاتمي الإيضاح الآتي: «أديلا خادمة شابة ذات ساقين جميلتين ونحيلتين. في أعمال شولتز، ترمز إلى أنوثة شريرة ومظلمة».

هذه الشخصيات القصصية المكرَّرة، غالباً، تعيد تأسيس السرد بعيداً عن منطق السرد القصير، أو كما يُسمى بالقصة القصيرة، فهي شخصيات إشكالية متطلِّبة لأوصاف كثيرة وحكي متراكم ورؤى فكرية وسردية لتعبِّر عن عالمها وذاتها المأزومة. لذا؛ نراها تعمد إلى مراكمة التوصيفات وسرد الوقائع القصصية من زوايا مختلفة. وليست المشكلة القصصية كامنة في الشخصيات ومنطقها الحكائي المكرَّر فحسب؛ نحن نرى أن السرد وبنياته المتعددة يتلاعب بالقصة القصيرة ويتحرَّر منها، ويسعى إلى تشكيل عالمها بطرائق مختلفة تنسجم مع منطق الرواية القصيرة ذات الفصول المتعدِّدة. لكن تمرُّد السرد على منطق القصة القصيرة غير كافٍ، وحده، للتحول الأجناسي من القصة القصيرة إلى النوفيلا، مثلاً.

وقد نرجح فرضية المتتالية السردية، أو القصصية كما يستقر لدى نقاد عالميين وعرب. والقصص، مجتمعة، بتسلسلها الحالي تنتظم بمنطق التوالي؛ إذ يصعب أن تكتفي القصة الأولى، «أغسطس/ آب»، بعالمها المتفرِّد، وتكتفي به، ويظل العالم القصصي، والحدث، والزمان، والأوصاف، مفتوحة على مصراعيها كي تترحَّل أجزاء أساسية منها للقصة «المتتالية» اللاحقة، وهكذا.


«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن
TT

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

صدر في لندن بالإنجليزية كتاب «بين عالمين: رحلة سورية» للكاتبة دُنى حاج أحمد، عن دار النشر البريطانية «Palewell Press».

وهو عمل يمزج بين السيرة الذاتية والشهادة الإنسانية على واحدة من أكثر المراحل قسوة وتعقيداً في التاريخ السوري المعاصر.

تنطلق دُنى حاج أحمد، في كتابها، من حياتها في سوريا قبل أن تتغير ملامح ذلك العالم، مع اندلاع الحرب السورية. ومن خلال تجربتها الشخصية، تروي ما تعنيه الحرب حين لا تعود خبراً سياسياً أو رقماً في نشرات الأخبار، بل تصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية: الخوف، والفقد، والانفصال عن الأماكن والأشخاص، والاضطرار إلى اتخاذ قرارات يمكن أن تغيّر مسار حياة كاملة.

لكن «بين عالمين» ليس كتاباً عن الحرب وحدها. فهو يتابع رحلة اللجوء وما يأتي بعدها: الوصول إلى بلد جديد، ومحاولة البدء من الصفر، وتعلّم العيش داخل مجتمع مختلف، والبحث عن الأمان والاستقرار، ومواجهة الأسئلة المعقدة المتعلقة بالهوية والانتماء والذاكرة.

تتابع المؤلفة التحولات التي مرّت بها حياتها، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل وطنه معه حتى بعد أن يصبح بعيداً عنه جغرافياً. ومن هنا يأتي عنوان الكتاب «بين عالمين»، إذ يعكس حالة العيش بينهما: عالم بقي في الذاكرة، وشكّل الهوية، وعالم جديد أصبح واقعاً يومياً ومكاناً لبناء مستقبل جديد.

ويحاول الكتاب كذلك أن يذهب أبعد من الصورة النمطية للاجئ بوصفه رقماً أو حالة إنسانية عابرة. فمن خلال التفاصيل الشخصية والعائلية والمهنية، يظهر اللاجئ إنساناً يحمل تاريخاً وذاكرة وأحلاماً وعلاقات وطموحات، ويواجه بعد وصوله إلى الأمان معركة أخرى لإعادة بناء حياته واستعادة الشعور بالاستقرار والانتماء.

في بلد اللجوء والأمان تبدأ أسئلة، مثل؛ ماذا يبقى من الوطن عندما يصبح بعيداً؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يبني حياة جديدة من دون أن يشعر أنه يتخلى عن حياته الأولى؟ وكيف تتغير علاقتنا بالمكان والذاكرة والهوية عندما نجد أنفسنا، حرفياً ومجازياً، بين عالمين؟

ومن خلال قصتها الشخصية، تفتح دنى حاج أحمد نافذة على تجربة عاشها كثير من السوريين الذين حملوا معهم إلى المنافي أكثر مما يمكن أن تحمله حقيبة سفر؛ ذكريات البيوت والشوارع، تفاصيل العائلة والأصدقاء، اللغة والعادات، صورة حياة كانت تبدو يوماً عادية وبديهية، قبل أن تصبح جزءاً من الماضي. ولهذا، لا يحاول الكتاب أن يروي قصة الحرب بقدر ما يروي قصة الإنسان الذي عاشها، وما الذي يحدث له بعد أن تتغير حياته ومكانه وعلاقته بفكرة الوطن إلى الأبد.

وفي الوقت نفسه، لا يبقى الكتاب أسيراً للحزن أو الفقد. فإلى جانب ما ضاع، هناك أيضاً ما يُبنى من جديد؛ حياة جديدة، وعلاقات جديدة، ومساحة جديدة للانتماء والأمل. وبين العالم الذي تركته دُنى خلفها، والعالم الذي أصبحت جزءاً منه، تظهر رحلة أكثر تعقيداً من مجرد الانتقال من سوريا إلى بريطانيا؛ إنها رحلة البحث عن طريقة للتصالح بين ماضٍ لا يمكن التخلي عنه ومستقبل لا يمكن التوقف عن بنائه.

وربما هنا تكمن إحدى أكثر الأفكار حضوراً في الكتاب؛ أن الإنسان قد يغادر وطنه لكن الوطن لا يغادره بالسهولة نفسها، وأن البدء من جديد لا يعني محو ما سبق بل تعلّم كيف نحمل ما فقدناه معنا، من دون أن يمنعنا ذلك من الاستمرار في الحياة.