ثلاثون عاماً من تاريخ الفن المستقبلي

معرض في بيزا الإيطالية يمكن فيه {رؤية الماضي بعيون اليوم} من خلال مائة عمل

من المعرض
من المعرض
TT

ثلاثون عاماً من تاريخ الفن المستقبلي

من المعرض
من المعرض

المعرض الذي تنظمه «مؤسسة القصر الأزرق» افتتح في مدينة بيزا الإيطالية، وينتهي نهاية الشهر الثاني من السنة الجديدة، في «القصر الأزرق»، يمكن أن يكون الفرصة المناسبة والملائمة لرؤية الماضي (ليس الفني فقط) بعيون اليوم من خلال مائة عمل لأرباب المستقبلية في الفن وأغلب هذه الأعمال هي لوحات في حيازة إما متاحف وإما ملك خواص من مجمعي الأعمال الفنية، كما يحتوي المعرض على بعض التخطيطات والمجسمات البلاستيكية، والصور الفوتوغرافية، وأشياء فنية متعددة.
المعرض يكشف عن الكيفية التي تمكّن بها أكبر فناني المستقبلية من البقاء أوفياء إلى التأملات النظرية التي سطرّوها في بياناتهم وذلك بترجمتها في صور محدثة لآثار وتأثيرات ولردود أفعال ذات ضجيج وفي صور تجديدية وسعيدة بشكل رائع على المستوى الفني.
ولقد اختير أن كل عمل، بالإضافة إلى شرط جودته، لاشتراكه في النقاط النظرية المؤسّسة للحركة المستقبلية في الفن. وأما من التحقوا في زمانهم بالحركة فلم تندمج أعمالهم في المعرض إلا من كانوا من الموقعين على بياناتهم الشهيرة.
وقبل هذا المعرض بأيام قلائل، اختتم المعرض الذي شهده بروما قصر ميرولانا المخصص للفنان (جاكومو بالّا) تحت عنوان «من المستقبلية المجردة إلى المستقبلية الأيقونية»، بينما افتتح هاته الأيام معرض آخر مخصص لثلاثة فنانين (بالّا، بوتشوني وديبيرو) ويحمل عنوان «بناء مكان المستقبل»، وذلك بمتاحف مدينة دومودوسّولا، ويعرض 75 لوحة، تغطي المنحنى الزمني الممتد من ما قبل المستقبلية إلى الستينيات. بينما في مدينة روفيريتو نجد معرضا آخر بعنون «مثل فيلم» سيظل مفتوحا إلى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، يشمل عروض السينما المستقبلية للثلاثينيات وتركز اهتمامها على المخرج إيمانويل كاراتشولو (1912 - 1944) وهو مخرج مجموعة الفنانين المستقبليين بمدينة نابولي، كما يركز على العلاقة بين ديبيرو وعالم السينما وذلك عبر مقتطفات من فيلم «تاييس» للمخرج أنطون جوليو براغاليا وأخرى من فيلم «عرفتكِ في وقت متأخر جدا» للمخرج كاراتشولو وأخرى من فيلم «الدمى» للمخرج كارمني غالوني.
المعرض الذي نحن بصدده بدأ افتتاحه بأعمال خمسة فنانين (مستقبليي المستقبل): اومبارتو بوتشوني، كارلو كارّا، لويدجي روسُّلو، جاكمو بالّا وجينو سافيريني. والمعرض مقسم إلى أقسام كل منها يحمل عنوان (بيان)، أي بيانات الحركة المستقبلية في الفن. فنجد أن المعرض يستعرض ثلاثين عاماً من الفن المستقبلي، انطلاقا من عام 1910 حيث ظهر بيانان يحملان توقيعات «الآباء المؤسسين للمستقبلية في الفن». ولذلك فالأعمال الفنية المعروضة للفنانين الخمسة كلها مستوحاة من نصي البيانين المذكورين، ثم يتكشف لها من خلال الأعمال الأخرى المعروضة التسجيل الكتابي لبيان الحركة المستقبلية في الفن لعام 1912 الذي صاغه بوتشوني إثر سفره إلى باريس في نفس العام.
ثم هناك أيضاً «كلمات حرة» التي صاغ مبادئها لأول مرة الشاعر مارينيتّي عام 1913 في بيان «الخيال من دون خيوط وكلمات حرة»، ونماذج المعماريات الجديدة التي أملاها سنة 1914 أنطونيو سانت إلييا في بيان «المعماريات المستقبلية» والذي نجد له أعمالا فنية تترجمه في رسومات وصفت بأنها «متنبئة»، ومتبوعة بأعمال وسمت بأنها «حربية».
أما مع البيان «إعادة بناء الكون من وجهة نظر الحركة المستقبلية» لعام 1915 للفنان جاكومو بالّا والفنان «فورتوناتو ديبيرو» فإننا نشهد إرادة جديدة للفنانَين في نشر النماذج الصورية (الشكلية) للمستقبلية: أعمال فنية متعددة؛ رسوم ولوحات، منحوتات، أشياء ونسخ أولى لأعمال فنية، بيانات إشهارية في خليط من الألوان والأشكال والأشياء التي كانت تعد عديمة القيمة الفنية (مثل ألعاب الأطفال). كما نجد وثائق وبيانات أخرى تختتم هذا المسار وهي وثائق تؤكد على أن فكرة المستقبلية هي «نسق فكري» كما في بيان «الفن الآلي» (1922) الموقع من قبل أنريكو ابرانبولينو، وفينيشو بالاديني، وإيفو بنّادجي؛ الذي نجد فيه نماذج هندسية و«صناعية» للفن البصري لعشرية كاملة. كما نجد «بيان رسم الطائرات» لعام 1931 الموقع من قبل الشاعر المؤسس مارينيتّي مع الفنانين: بالّا، مارينيتي وديبيرو، وآخرين من أمثال سومانزي وتاتو الذين كانوا كلهم مصدر إيحاء للثلاثينيات كلها.
إنها «اختراعات تُلعب على حد «الحداثة»، وقادرة على أن تحرك المياه الساكنة وإثارة الفضائح وعلى صنع الخبر (بل وتصنع سياسة أيضا). وربما لأجل كل هذا ظلت المستقبلية في الفن موضة دائمة مع قدرتها على أن تغير من حين لآخر جلدتها. وهكذا فإن مستقبلية الفنان بوتشوني أثرت تأثيرا بالغا وعميقا على الفن الإيطالي ممهدة الطريق إلى «الفن الفقير». وكذلك من ضلع أخرى من ضلوع المستقبلية، مستقبلية بالّا وديبيرو، تفتحت براعم «المستقبليين الجدد» في إيطاليا. ونجد الكاتبة والفنانة صوفيا المارية المتحدرة من أصل سعودي، وقسم يقال من أصل قطري، وهي فنانة مشهورة في الأوساط الغربية،
تتخذ من المستقبلية في الفن مرجعية لها، وكانت قد عرضت أعمالها بمعرض نيويورك «الجمعة السوداء» وبميلانو في «غرفة الإسقاط» التابعة لمؤسسة الفنان الإيطالي الشهير «أرنالدو بومودورو» مختارة بالذات اسم «المستقبلية»، الذي اعتمد منذ 110 سنوات (وتحديدا في 20 فبراير (شباط) 1909) لتعبر لنا عن نمط فني للأجبال الجديدة في الخليج العربي؛ أجيال تبدو اليوم مشحونة بإرادة صياغة وتشكل طموحاتها وفق المخيال (ذي الألوان المتعددة والمفرط إلى حد الغلو) الهيوليودي وألعاب الفيديو وهو نفس العالم الذي سمته الماريا «المستقبلية الخليجية» وهي صيغة «نونية» (أكثر راهنية) للمستقبلية التي ابتدعها المؤسس مارينيتي الذي كتب في «البيان» التأسيسي للمستقبلية ما نصه: «نحن نغني اضطرابات الجماهير الغفيرة تلك الاضطرابات التي يسببها العمل، اللذة أو الانتفاضة: سنغني للمد والجزر المتعدد الألوان والصور للثورات في العواصم الحديثة، سنغني الغليان الليلي المهتز للأسلحة وحظائر العمل المشتعلة بأقمار كهربائية عنيفة. وهي كلمات لا تزال تحتفظ اليوم بحداثة مذهلة».



نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.