غوانتانامو: 40 سجيناً تكلفتهم نصف مليار دولار سنوياً

13 مليون دولار سنويًا... تكلفة السجين الواحد في غوانتانامو (غيتي)
13 مليون دولار سنويًا... تكلفة السجين الواحد في غوانتانامو (غيتي)
TT

غوانتانامو: 40 سجيناً تكلفتهم نصف مليار دولار سنوياً

13 مليون دولار سنويًا... تكلفة السجين الواحد في غوانتانامو (غيتي)
13 مليون دولار سنويًا... تكلفة السجين الواحد في غوانتانامو (غيتي)

تكلف احتجاز مجرم الحرب النازي رودولف هيس بصفته محتجزاً وحيداً في سجن سبانداو الألماني في 1985 ما يقدر بنحو 1.2 مليون دولار أميركي بقيمة الدولار اليوم، وفي 2012 بلغت تكلفة السجين الواحد في سجن سوبرماكس في كولورادو بالولايات المتحدة، وهو السجن الذي يضم بعضاً من أكثر السجناء خطورة في الولايات المتحدة، 78 ألف دولار. وهناك معتقل خليج غوانتانامو الذي تبلغ النفقات فيه الآن نحو 13 مليون دولار لكل سجين من الـ40 سجيناً المحتجزين هناك، ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن إجمالي تكلفة احتجاز السجناء في العام الماضي، بما في ذلك المتهمون بالتخطيط لهجمات سبتمبر (أيلول) 2001، تجاوزت 540 مليون دولار، وذلك مقابل دفع تكاليف القوات التي تحرسهم، وإدارة المحاكمات، وعمليات البناء التي تتم هناك.
وتجعل التكاليف البالغة 13 مليون دولار لكل سجين من معتقل غوانتانامو السجن الأغلى في العالم، وبسبب العزلة النسبية لموقعه، حيث يقع داخل قاعدة الولايات المتحدة البحرية على الساحل الجنوبي الشرقي لكوبا، فإن الجيش الأميركي يرسل نحو 1800 جندي إلى مركز الاحتجاز، وهو ما يمثل 45 جندياً لكل سجين، وتعمل هذه القوات في 3 مبانٍ للسجن، ومقرين سريان للغاية، و3 عيادات على الأقل، ومجمعين يستشير فيهما السجناء محاميهم، في حين يعمل بعض الجنود أيضاً في حراسة المباني.
ولدى موظفي السجن كنيسة خاصة بهم، وسينما وسكن، وغرفتان لتناول الطعام، وفريق من العاملين في مجال الرعاية الصحية العقلية، ويتم نقل القضاة والمحامين والصحافيين والعاملين في مجال الدعم بالطائرات إلى مقر المعتقل بشكل أسبوعي.
ويحصل السجناء الـ40، وجميعهم من الرجال، على طعام حلال كما يمكنهم مشاهدة القنوات الفضائية الإخبارية والرياضية، ولديهم معدات للتمرينات الرياضية وأجهزة «بلاي ستيشن»، وأولئك الذين يتصرفون بشكل جيد، وهم غالبية السجناء منذ سنوات، يتلقون وجبات جماعية ويمكنهم أداء الصلاة في جماعة، كما يمكن للبعض حضور دروس في الفن والبستنة.
وتغطي التكلفة السنوية المقدرة بـ540 مليون دولار فترة الـ12 شهراً التي انتهت في 30 سبتمبر الماضي، لكنها لا تشمل المصاريف السرية بما في ذلك استمرار تواجد وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) هناك، لكن الأرقام تشير إلى أن تكلفة إدارة مرافق السجن التي تم بناؤها على مر السنين قد ازدادت بشكل كبير حتى مع انخفاض عدد السجناء.
وحسب تقرير لوزارة الدفاع الأميركية في عام 2013، فإن التكلفة السنوية لتشغيل السجون والمحاكم في خليج غوانتانامو كانت 454.1 مليون دولار، أي أقل بنحو 90 مليون دولار عن تكلفة العام الماضي، وفي ذلك الوقت، كان هناك 166 سجيناً في المعتقل؛ مما يجعل تكلفة كل سجين حينها 2.7 مليون دولار.
وقد حدد تقرير 2013 التكلفة الإجمالية لبناء وتشغيل السجن منذ عام 2002 وحتى 2014 بمبلغ 5.2 مليار دولار، وهو الرقم الذي يبدو أنه قد ارتفع الآن إلى ما يقرب من 7 مليارات دولار.
وقد احتجز غوانتانامو نحو 770 رجلاً وصبياً أجنبياً كسجناء في أوقات الحرب المختلفة، وبلغ عدد النزلاء ذروته في 2003 بوجود 677 سجيناً، في حين وصل آخر سجين إليه في 2008.
وأطلقت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش سراح نحو 540 من المعتقلين، وذلك من خلال إعادتهم إلى باكستان وأفغانستان والسعودية، ثم أطلقت إدارة باراك أوباما سراح 200 شخص آخرين من خلال إعادة التوطين في بلد ثالث، وقد ترشح الرئيس دونالد ترمب لمنصبه في البيت الأبيض بناءً على وعد منه بالإبقاء على السجن مفتوحاً، وربما إرسال المزيد من «الرجال السيئين» إلى هناك، لكن لم يصل معتقل جديد منذ توليه منصبه.
وقد بدا واضحاً منذ سنوات أنه لا يوجد إجماع سياسي لإنهاء عمليات الاعتقال في خليج غوانتانامو ونقل السجناء الباقين إلى الولايات المتحدة.
إن مقارنة معتقل غوانتانامو بالسجون التقليدية أمر صعب، حيث توظف السجون الفيدرالية المدنيين الذين يدفعون ثمن طعامهم ورعايتهم الصحية، ويقودون سياراتهم الخاصة، ويعيشون في منازلهم، لكن وزارة الدفاع توفر كل هذه الأشياء للجنود في غوانتانامو.
ويضم موظفو السجن وحدة لخفر السواحل، وأطباء من البحرية وممرضات وأطباء نفسيين، ووحدة من مهندسي سلاح الجو ومحامين وقساوسة وأمناء مكتبات وصحافيين عسكريين، ولكل منهم قادة يشرفون على عملهم ويديرون حياتهم في غوانتانامو.
وبالإضافة إلى القوات، يوظف السجن خبراء لغويين في وزارة الدفاع، ومحللي مخابرات ومستشارين وعمالاً وعاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات، وغيرهم من موظفي الحكومة، وفي 2014، بلغ عدد قوة العمل المدنية هناك 300 موظف.
وتقع زنزانات السجناء الـ40 الحاليين في 3 مبانٍ مختلفة، لكن خلال اليوم يمكن أن يتم توزيع السجناء عبر 7 أو 8 مواقع مختلفة.
وخلصت وزارة الدفاع إلى أن دافعي الضرائب الأميركيين أنفقوا 380 مليون دولار على معتقل غوانتانامو وعلى الإفراج المشروط وعلى عمليات المحاكمات، في السنة المالية 2018، أي أكثر من 9 ملايين دولار لكل سجين.
وبإضافة تكاليف القوى العاملة البالغة 108 آلاف دولار في السنة لكل واحد من الـ1800 جندي، فإن التكلفة الإجمالية تصل إلى أكثر من 540 مليون دولار.
وحتى في حال عدم إرسال المزيد من السجناء إلى غوانتانامو، وهو أمر غير مرجح، فإن تكلفة كل سجين لن تنخفض، وتتم إدارة الأمور داخل القاعدة البحرية والسجون والمحاكم في غوانتانامو بشكل معزول تماماً عن الاقتصاد الكوبي، حيث تصل جميع الإمدادات الأساسية تقريباً مرتين شهرياً على متن سفينة حكومية من فلوريدا، كما تجلب طائرة شحن الفواكه والخضراوات الطازجة أسبوعياً.
وتشمل التكاليف الأخرى للمعتقل المحاكم العسكرية، حيث يتهم 8 من سجناء غوانتانامو الحاليين بالإرهاب أو جرائم الحرب، كما يواجه 6 منهم قضايا عقوبتها الإعدام، وتجاوزت تكاليف هذه المحاكم العسكرية، استناداً إلى وثائق الكونغرس، 123 مليون دولار في 2018.
حيث تتطلب كل جلسة نقل عدد كبير من الأشخاص من الولايات المتحدة بتكلفة 80 ألف دولار في الرحلة الواحدة، وقد كانت هناك 52 رحلة بين قاعدة أندروز، خارج واشنطن، وغوانتانامو في 2018.
ولدى القوات الموجودة في غوانتانامو نظام رعاية صحية متعدد المستويات، حيث تهتم عيادة الجنود بالاحتياجات الأساسية للحراس، في حين تتم معالجة المسائل الطبية الخطيرة في مستشفى صغير في القاعدة البحرية، ويتم إرسال الحالات الأكثر تعقيداً، أو الجنود الذين يحتاجون إلى اختبارات متخصصة، إلى مرافق الرعاية الصحية التابعة للبحرية في جاكسونفيل، فلوريدا، أو بيثيسدا، ماريلاند. وفي 2017، قامت القوات البحرية بشحن جهاز للتصوير بالرنين المغناطيسي لغوانتانامو لفحص أدمغة وأجساد المعتقلين الذين ينتظرون عقوبة الإعدام، وذلك بأمر من قاضٍ عسكري قد وافق على طلب من فريق الدفاع لإجراء الاختبارات وتوظيف الخبراء للبحث عن الأضرار التي تحدث جراء التعذيب، لكن نظراً لعدم وجود تقني في الموقع لتشغيل الجهاز، فقد اضطر شخص إلى الانتقال إلى القاعدة لتشغيله. وتتولى مجموعة مكونة من نحو 100 طبيب وممرض من القوات البحرية توفير الرعاية الصحية للمحتجزين، وهم الذين يعملون في عيادة الجنود أيضاً، وكان هذا الفريق الطبي لديه ميزانية قدرها 4 ملايين دولار العام الماضي.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

شمال افريقيا عناصر شرطة ألمانية (رويترز - أرشيفية)

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

قضت محكمة ألمانية بالسماح للموريتاني محمدو ولد صلاحي الذي كان معتقلاً في غوانتانامو والذي جسدت هوليوود قصته في فيلم «الموريتاني»، بالدخول إلى ألمانيا مجدداً.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا صورة أرشيفية غير مؤرخة قدّمتها «القيادة المركزية الأميركية» تظهر أبو زبيدة (أ.ب)

بريطانيا توافق على دفع «مبلغ ضخم» لتسوية دعوى أقامها معتقل في غوانتانامو

قال محامي أحد معتقلي خليج غوانتانامو، الاثنين، إن الحكومة البريطانية وافقت على دفع «مبلغ ضخم» لتسوية دعوى قضائية أقامها المعتقل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ مدخل محكمة «غوانتانامو» (أ.ب)

قضاة جدد في غوانتانامو يتسلمون قضية «أحداث 11 سبتمبر»

عادت القضية المرفوعة ضد الرجال المتهمين بالتخطيط لـ«هجمات 11 سبتمبر (أيلول)» الإرهابية عام 2001 إلى مسار العمل مدة وجيزة هذا الأسبوع.

كارول روزنبرغ (واشنطن)
الولايات المتحدة​ العقيد جوناثان فون انضم إلى سلاح مشاة البحرية قبل أحداث 11 سبتمبر (نيويورك تايمز)

اختيار ضابط سابق في مشاة البحرية لقيادة فرق الدفاع في غوانتانامو

اختير العقيد جوناثان فون، الذي انضم إلى سلاح مشاة البحرية قبل أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، مع عودة القضاة إلى خليج غوانتانامو. واختارت إدارة ترمب عقيداً في مشاة…

كارول روزنبرغ (واشنطن )
الولايات المتحدة​ برج مراقبة... البوابة الرئيسية للمعتقل الموجود بقاعدة غوانتانامو الأميركية في جزيرة كوبا يوم 16 أكتوبر 2018 (أ.ف.ب) p-circle

رفض طلب إدارة ترمب إسقاط دعوى تطعن على احتجاز مهاجرين في غوانتانامو

رفضت قاضية فيدرالية طلباً من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفض دعوى قضائية تطعن على احتجاز مهاجرين في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟