انطلاق أحدث جولات معركة الرسوم بين واشنطن وبكين

تساؤلات حول إمكانية استمرار المفاوضات تحت الضغوط

انطلقت أمس أحدث جولات الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين عبر تفعيل رسوم جديدة بين البلدين (أ.ف.ب)
انطلقت أمس أحدث جولات الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين عبر تفعيل رسوم جديدة بين البلدين (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أحدث جولات معركة الرسوم بين واشنطن وبكين

انطلقت أمس أحدث جولات الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين عبر تفعيل رسوم جديدة بين البلدين (أ.ف.ب)
انطلقت أمس أحدث جولات الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين عبر تفعيل رسوم جديدة بين البلدين (أ.ف.ب)

بدأت الصين والولايات المتحدة، أمس (الأحد)، فرض رسوم جمركية إضافية على السلع المتبادلة بينهما، وذلك في أحدث تصعيد في حرب تجارية مريرة، رغم الدلائل على أن المحادثات بينهما بشأن تلك القضية ستستأنف هذا الشهر.
وسرت الجولة الجديدة بدءاً من الساعة 04:01 (بتوقيت غرينتش)، مع فرض بكين رسوماً نسبتها 5 في المائة على النفط الخام الأميركي، وهي المرة الأولى التي يتم فيها استهداف نفط الولايات المتحدة منذ بدأ أكبر اقتصادين في العالم حربهما التجارية قبل أكثر من عام.
وبدأت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض رسوم نسبتها 15 في المائة على واردات صينية تتجاوز قيمتها 125 مليار دولار، منها أجهزة التحدث الذكية وسماعات البلوتوث،‭ ‬فضلاً عن أنواع كثيرة من الأحذية. ودخلت رسوم جمركية إضافية على منتجات صينية تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات، حيث يبدو الرئيس الأميركي مصمماً على انتزاع اتفاق تجاري من بكين.
ورداً على ذلك، بدأت الصين فرض رسوم على بعض السلع الأميركية، ضمن قائمة مستهدفة تبلغ قيمتها 75 مليار دولار. ولم تحدد بكين قيمة السلع التي ستفرض عليها رسوماً أعلى بدءاً من أمس.
وفرضت بكين رسوماً إضافية نسبتها 5 و10 في المائة على 1717 سلعة، مما إجماليه 5078 منتجاً أميركياً. وستبدأ بكين تحصيل الرسوم الإضافية على بقية السلع في 15 سبتمبر (أيلول) الحالي.
وكانت إدارة ترمب قد قالت الشهر الماضي إنها ستزيد الرسوم القائمة، والمقررة بنسبة 5 في المائة، على واردات صينية بنحو 550 مليار دولار، بعدما أعلنت بكين عن رسومها الانتقامية على السلع الأميركية.
ومن المقرر أن تسري الرسوم التي تبلغ نسبتها 15 في المائة على الهواتف الخلوية وأجهزة الكومبيوتر المحمولة ولعب الأطفال والملابس بدءاً من 15 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. ويأتي ذلك بينما تواصل فرق تجارية من الصين والولايات المتحدة المحادثات، حيث ستلتقي في سبتمبر (أيلول) الحالي، لكن ترمب قال إن زيادة الرسوم على السلع الصينية المقرر أن تبدأ الأحد لن تتأجل.
وتسعى إدارة ترمب منذ عامين للضغط على الصين كي تحدث تغييرات شاملة في سياساتها بشأن حماية الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا إلى الشركات الصينية والمنح الصناعية والوصول إلى السوق. وتنفي الصين دوماً الاتهامات الأميركية بأنها تعمد إلى ممارسات تجارية غير عادلة، وتعهدت بالرد على الإجراءات العقابية الأميركية بتدابير مماثلة.
وأدى احتدام الحرب التجارية بين البلدين إلى تعطيل تجارة سلع بمئات المليارات من الدولارات، وتسبب في تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، وأضر بالأسواق. وقال خبراء اقتصاديون من معهد «بيترسون» للاقتصاد الدولي، الذي يتخذ من واشنطن مقراً له، إن قيمة السلع التي ستُفرض عليها رسوم جمركية جديدة هي 112 مليار دولار. وتُضاف هذه السلع إلى منتجات صينية تفوق قيمتها 250 مليار دولار تخضع في الأصل لزيادة في الرسوم.
وبحلول نهاية العام الجاري، ستتمّ زيادة الرسوم على مجمل الواردات الصينية (تصل قيمتها إلى نحو 540 مليار دولار، بناء على أرقام عام 2018)، في آخر دفعة مرتقبة في 15 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
وتجاهل الرئيس الجمهوري، الذي يقوم بحملته الانتخابية لولاية رئاسية ثانية، التحذيرات الكثيرة بشأن التداعيات السلبية المحتملة على الاقتصاد والأسواق. والأمل في أن يغيّر ترمب موقفه ضئيل، إذ إنه استبعد مساء الجمعة فكرة إرجاء الزيادة على الرسوم إلى موعد لاحق.
ومع ذلك، بدا وكأنه يسعى إلى تهدئة القلق، عبر تأكيد حصول لقاءات بين واشنطن وبكين، وصرح: «ليس باستطاعتي قول أي شيء، لكننا نتحدث مع الصين. لدينا محادثات مع الصين. ومن المقرر عقد اجتماعات. هناك اتصالات جارية»، وأضاف: «أعتقد أن اجتماع سبتمبر (أيلول) لا يزال قائماً. لم يتم إلغاؤه. سنرى ما سيحدث».
ولم يؤكد الطرف الصيني حتى الساعة عقد مثل هذه اللقاءات أو الاجتماعات. ومنذ مارس (آذار) 2018، يشنّ ترمب حرب رسوم جمركية عنيفة لفرض التوصل لمعاهدة تضع حداً لممارسات تجارية يعدها غير عادلة، مثل النقل القسري للتكنولوجيا الأميركية، والإعانة الهائلة التي تحصل عليها الشركات الصينية الحكومية.
وتبدو هذه الاستراتيجية حتى الآن غير مجدية، رغم أنها تُثقل كاهل الاقتصاد الصيني. ورفضت بكين التفاوض تحت التهديد، وهي تظهر أنها صارمة في موقفها. وقد حذر صندوق النقد الدولي مؤخراً من أن هذا التصعيد الجديد في الرسوم الجمركية قد يتسبب بتراجع النمو الاقتصادي الصيني بشكل كبير.
وبالإضافة إلى الصين، سيتراجع كثيراً الاقتصاد العالمي الذي يعتمد بشكل أساسي على المبادلات التجارية، وفق صندوق النقد الدولي.
وفي الولايات المتحدة، يشهد النمو تباطؤاً. لكن ترمب يرى أن الرسوم الجمركية «ليست المشكلة»، منتقداً بشدة السياسية النقدية التي ينتهجها البنك المركزي.
ويلقي الغموض بشأن نتيجة هذا النزاع بثقله على استثمارات الشركات ومعنويات الأسر الأميركية.
وسجلت ثقة المستهلكين في أغسطس (آب) الماضي أقوى تراجع منذ ديسمبر (كانون الأول) 2012، بحسب دراسة أجرتها جامعة ميشيغن. وأوضح ريتشارد كورتن، الخبير الاقتصادي الذي يدير هذه الدراسة التي تُجرى مرتين في الشهر، أن «المعطيات تشير إلى تآكل ثقة المستهلكين بسبب السياسات المتعلقة بالرسوم الجمركية».
وفي مؤشر إلى أن إدارة ترمب تخشى ربما آثار هذا التصعيد الجديد، لن تُفرض رسوم على بعض المنتجات الرئيسية المتعلقة بالتسوق في موسم عيد الميلاد قبل 15 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
وهذا الأمر يشمل الهواتف والحواسيب المحمولة وألعاب الفيديو، وعدداً من الألعاب وشاشات الحواسيب، وحتى بعض الأحذية والملابس الرياضية. وفي الولايات المتحدة، يعتمد النمو الاقتصادي بنسبة 75 في المائة على الاستهلاك.


مقالات ذات صلة

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جانب من مراسم توقيع البرنامج التنفيذي في باريس الجمعة (واس)

تعاون سعودي - فرنسي في مجال الموسيقى

وقَّعت هيئة الموسيقى السعودية مع «فيلهارموني باريس»، برنامجاً تنفيذياً لترسيخ التعاون في عدة مجالات، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي

«الشرق الأوسط» (باريس)

أسعار النفط تتراجع إلى نطاق 100 دولار وسط مساعٍ لفتح مضيق هرمز

يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
TT

أسعار النفط تتراجع إلى نطاق 100 دولار وسط مساعٍ لفتح مضيق هرمز

يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)

انخفضت أسعار النفط، خلال تعاملات جلسة الاثنين، بداية تعاملات الأسبوع، مع دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بذل جهود عالمية لتأمين مضيق هرمز.

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 92 سنتاً لتصل إلى 102.22 دولار للبرميل بحلول الساعة 12:48 بتوقيت غرينتش، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 3.45 دولار، أو 3.5 في المائة، ليصل إلى 95.26 دولار.

وارتفع كلا العقدين بأكثر من 40 في المائة هذا الشهر، مسجلين أعلى مستوياتهما منذ عام 2022، بعد أن دفعت الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى وقف الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لنحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.

وذكر مصدران، وفقاً لـ«رويترز»، أن إنتاج الإمارات العربية المتحدة اليومي من النفط انخفض بأكثر من النصف؛ حيث أجبر الصراع الإيراني والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز شركة النفط الحكومية العملاقة أدنوك على تنفيذ عمليات إيقاف واسعة النطاق للإنتاج.

وأفاد مصدران آخران باستئناف بعض عمليات الشحن في ميناء الفجيرة، وأشار أحدهما إلى أن اثنين من مراسي الميناء الثلاثة ذات النقطة الواحدة، التي ترسو فيها السفن، يعملان بكامل طاقتهما.

وذلك بعد تعليق «أدنوك» عمليات تحميل النفط الخام في ميناء الفجيرة بالإمارات، بعد أن تسبب هجوم بطائرة مسيرة في اندلاع حرائق في محطة التصدير الرئيسية.

وتعد الفجيرة، الواقعة خارج مضيق هرمز، منفذاً لنحو مليون برميل يومياً من خام مربان، وهو النفط الرئيسي للإمارات، أي ما يعادل نحو 1 في المائة من الطلب العالمي.

وصرحت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، خلال مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، يوم الاثنين، بأن الرئيس دونالد ترمب يجري محادثات مع الحلفاء الأوروبيين والعديد من الدول الأخرى بشأن فتح مضيق هرمز.

وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الاثنين أيضاً، إن بريطانيا لن تنجر إلى حرب أوسع نطاقاً مع إيران، لكنها ستعمل مع الحلفاء على خطة «قابلة للتطبيق» لإعادة فتح مضيق هرمز.

وصرح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لشبكة «سي إن بي سي» بأن وزارة الخزانة لم تتدخل في أسواق النفط، وأن أي إجراء أميركي للحد من ارتفاع الأسعار سيعتمد على مدة الحرب.

وقالت وكالة الطاقة الدولية، يوم الخميس، إن الحرب في الشرق الأوسط تتسبب في أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ؛ حيث خفضت دول منتجة رئيسية للنفط، مثل السعودية والعراق والإمارات، إنتاجها.

ويوم الأحد، أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن أكثر من 400 مليون برميل من احتياطيات النفط ستبدأ بالتدفق إلى السوق قريباً من دول مجموعة السبع بالتنسيق، في سحب قياسي يهدف إلى مكافحة ارتفاع الأسعار الناجم عن حرب الشرق الأوسط.

ويرى المحلل تاماس فارغا من شركة «بي في إم» أن المستثمرين يدركون أن عواقب نزاع مطوّل ستكون وخيمة، لا سيما مع استنزاف المخزونات بشكل مطرد، في ظل الأضرار الجسيمة التي لحقت بالإنتاج والصادرات والتكرير جراء أسبوعين فقط من الاضطرابات في مضيق هرمز.


الاقتصاد الصيني يكتسب زخماً مبكراً في عام 2026

متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

الاقتصاد الصيني يكتسب زخماً مبكراً في عام 2026

متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

بدأ الاقتصاد الصيني العام على أسس أكثر صلابة، مع تسارع وتيرة الإنتاج الصناعي، وانتعاش مبيعات التجزئة والاستثمار في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط)، مما وفر ارتياحاً مبكراً لصناع السياسات، في ظل ما تُضفيه الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران من حالة عدم يقين جديدة بشأن النمو.

وجاءت هذه المرونة في أعقاب طفرة في الصادرات مدفوعة بالطلب المتزايد على التكنولوجيا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والذي دعم أيضاً قطاع التصنيع، على الرغم من تحذير المحللين من مخاطر التوترات الجيوسياسية، وهشاشة ثقة المستهلك، والضغوط في أسواق التجارة والطاقة العالمية على التوقعات.

وأظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء، الصادرة يوم الاثنين، ارتفاع الإنتاج الصناعي بنسبة 6.3 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، متجاوزاً نسبة النمو المسجلة في ديسمبر (كانون الأول)، والبالغة 5.2 في المائة. وقد تجاوز هذا النمو توقعات استطلاع أجرته «رويترز» والتي أشارت إلى نمو بنسبة 5 في المائة، مسجلاً بذلك أسرع نمو منذ سبتمبر (أيلول) من العام الماضي.

وقال هاو تشو، كبير الاقتصاديين في شركة «غوتاي جونان» الدولية: «على الرغم من ازدياد المخاطر التي تهدد التوقعات، وسط التوترات الجيوسياسية والاضطرابات التي تشهدها أسواق التجارة والطاقة العالمية، تشير أحدث الأرقام إلى أن الصين دخلت العام بقاعدة نمو أقوى مما كان يُعتقد سابقاً».

وقفزت مبيعات التجزئة -وهي مؤشر على الاستهلاك- بنسبة 2.8 في المائة، متسارعة من وتيرة 0.9 في المائة المسجلة في ديسمبر، محققة بذلك أكبر زيادة لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي.

وكان المحللون قد توقعوا نمواً بنسبة 2.5 في المائة. ويعود هذا الزخم القوي جزئياً إلى طول عطلة رأس السنة القمرية في البلاد خلال شهر فبراير، وساهمت الاحتفالات في رفع إجمالي الإنفاق السياحي بنسبة تقارب 19 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، والتي كانت أقصر بيوم واحد.

ولكن الإنفاق السياحي الداخلي لكل رحلة انخفض بنسبة 0.2 في المائة، مما يشير إلى استمرار حذر المستهلكين. وعلى سبيل المثال، أظهرت بيانات صدرت مطلع الأسبوع الماضي انخفاض مبيعات سيارات الركاب محلياً بنسبة 26 في المائة خلال الشهرين الأولين.

وتجمع الصين بيانات شهرَي يناير وفبراير لتخفيف حدة التشوهات الناتجة عن عطلات الأعياد التي قد تقع في أي من الشهرين.

انتعاش غير متوقع للاستثمار

وقدمت بيانات يوم الاثنين مؤشراً مشجعاً آخر لصناع السياسات؛ حيث خفف الانتعاش غير المتوقع في الاستثمار من حدة التحدي المتمثل في التراجع المطول في قطاع العقارات الحيوي.

وارتفع الاستثمار في الأصول الثابتة الذي يشمل الاستثمار في العقارات والبنية التحتية، بنسبة 1.8 في المائة خلال الشهرين الأولين، متجاوزاً التوقعات بانخفاض قدره 2.1 في المائة بعد انكماشه بنسبة 3.8 في المائة في عام 2025، وهو أول انخفاض سنوي له منذ نحو 3 عقود.

وقاد الاستثمار في البنية التحتية هذا الانتعاش، مسجلاً نمواً بنسبة 11.4 في المائة، مع بدء تأثير الدعم الحكومي، بما في ذلك أداة تمويل جديدة من البنوك لتمويل المشاريع الرئيسية. ورغم أن البيانات الإجمالية تُظهر بعض الزخم الإيجابي، فإنها لا تزال تشير إلى فجوة واسعة بين الطلب الخارجي القوي وضعف استهلاك الأسر، وهو ما يحذر المحللون من أنه قد يعيق آفاق النمو الصيني على المدى الطويل.

وقال تشاوبينغ شينغ، كبير استراتيجيي الصين في بنك «إيه إن زد»: «لا يمكن استبعاد استمرار تعرض بيانات الطلب المحلي في مارس (آذار) لضغوط نزولية»، مضيفاً أن البيانات الإجمالية لا تدعم خفض أسعار الفائدة على المدى القريب.

وأشارت بيانات الإقراض الصادرة الأسبوع الماضي إلى استمرار تراجع اقتراض الأسر. كما أظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء أن معدل البطالة على مستوى البلاد -وفقاً للمسح- ارتفع إلى 5.3 في المائة في أول شهرين من العام، مقارنة بـ5.1 في المائة في ديسمبر، وهو ما يثير القلق بشأن توليد الدخل.

وقال خريج جامعي يُدعى باي، متخصص في التعليم، في أثناء حضوره معرضاً للتوظيف في بكين: «لا تزال سوق العمل الحالية مليئة بالتحديات، ويصعب العثور على وظائف».

وفي الاجتماع السنوي للبرلمان الذي اختُتم الأسبوع الماضي، حدد صناع السياسات هدف النمو الاقتصادي لهذا العام بنسبة تتراوح بين 4.5 في المائة و5 في المائة، بانخفاض عن هدف العام الماضي الذي كان نحو 5 في المائة. وقد تحقق هذا الهدف في عام 2025 بفضل فائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار، مما زاد من قلق شركاء الصين التجاريين.

ويقول المحللون إن الصين تواجه تحديات كبيرة في سعيها لتحقيق نمو مستدام طويل الأجل. وبينما تعهدت الحكومة بارتفاع «ملحوظ» في استهلاك الأسر، فقد أوضحت إجراءات محدودة تشير إلى توجه نحو إصلاحات جذرية في جانب الطلب.

ويُضيف الصراع في الشرق الأوسط مزيداً من عدم اليقين؛ إذ يُؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة العالمية، مما يزيد من أهمية زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بكين في أواخر مارس الجاري للقاء الرئيس شي جينبينغ.

وصرَّح فو لينغ هوي، المتحدث باسم المكتب الوطني للإحصاء، في مؤتمر صحافي، يوم الاثنين، بأن حرب الشرق الأوسط قد فاقمت تقلبات أسعار النفط واضطرابات السوق، ولكن إمدادات الطاقة الإجمالية للصين من شأنها أن تُساعد في تخفيف الصدمات الخارجية. وأضاف أن تأثير الصراع على الأسعار المحلية سيتطلب مزيداً من التدقيق.

وعلَّق تشيوي تشانغ، كبير الاقتصاديين في شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول، بالقول: «من المتوقع أن تظهر آثار الاضطرابات في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي خلال الأشهر المقبلة... وأتوقع أن يستجيب صناع السياسات من خلال السياسة المالية إذا لزم الأمر».


اليوان مقابل الدولار... هل يغير توتر «هرمز» قواعد اللعبة النقدية؟

ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
TT

اليوان مقابل الدولار... هل يغير توتر «هرمز» قواعد اللعبة النقدية؟

ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية حول مضيق هرمز، برزت محاولات إيران لربط عبور شحنات الطاقة بالدفع بعملات غير الدولار خطوةً تكتيكية تهدف إلى الضغط على مراكز القوى الدولية. وعلى الرغم من أن هذا التوجه لا يمثل حتى الآن «حرب عملات» معلنة، فإنه يسلط الضوء على تزايد المساعي الدولية لتقليل الاعتماد على العملة الأميركية في أسواق الطاقة.

يأتي ذلك في وقت يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بتحالف دولي لتأمين مضيق هرمز، مشككاً في استعداد إيران للتفاوض، في حين يبدو باب الدبلوماسية حتى الآن مغلقاً، مع بداية اليوم السابع عشر من الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران.

وبينما نفى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أي تحركات حول طلب التفاوض أو وقف إطلاق النار، حذر ترمب من أن حلف شمال ‌الأطلسي (ناتو) يواجه مستقبلاً «سيئاً ‌للغاية» إذا ‌تقاعس ⁠حلفاء الولايات المتحدة ⁠في مد يد العون بشأن فتح مضيق هرمز، على الرغم من استمرار تل أبيب في ضرب البنية التحتية العسكرية الإيرانية حتى كتابة هذه السطور.

إزاحة الدولار

يرى رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن التحولات في أسواق الطاقة تعكس توجهاً عالمياً أوسع نحو «تنوع العملات» في المعاملات الدولية. وفي تعليقه لـ«الشرق الأوسط» على المقترح الإيراني، يشير بن صقر إلى أن هذا التحرك يعبر عن رغبة متزايدة في استكشاف بدائل نقدية في ظل المتغيرات الجيوسياسية؛ ما يسرع من وتيرة النقاش العالمي حول استقرار العملات المستخدمة في تجارة الطاقة.

ويؤكد بن صقر أن هذا التوجه يندرج ضمن مسار «إعادة هيكلة» تدريجية لنظام المعاملات العالمي، خاصة مع زيادة اعتماد القوى الاقتصادية الكبرى، مثل الصين وروسيا، على عملاتها الوطنية في اتفاقياتها التجارية الثنائية.

ويرى أن انخفاض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية خلال العقد الأخير - من 65.3 في المائة في 2016 إلى 59.3 في المائة في 2024 - يشير إلى تحول تدريجي، ويعكس توجه الدول نحو إدارة المخاطر الجيوسياسية والبحث عن خيارات اقتصادية أكثر مرونة، وهو ما يُعدّ تطوراً طبيعياً في هيكل النظام المالي العالمي المتجه نحو التعددية النقدية.

وفي قراءته لدور الصين وروسيا في ذلك، يرى بن صقر أن كلا البلدين يروج لعملته، حيث تعمل الصين على ذلك، من خلال مبادرة الحزام والطريق، بينما تعمل روسيا على ذلك، من خلال اتفاقيات التجارة الثنائية.

مضخة نفط في حقل نفط مهجور في سارجينتيس دي لا لورا بالقرب من بورغوس شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

تأثير رمزي

على الجانب الآخر، يرى مدير مركز «فيجن» الدولي للدراسات الاستراتيجية، الدكتور سعيد سلّام، أن تأثير المطالبة الإيرانية محدود «عملياً» على المدى القريب، لكنه يحمل ثقلاً «رمزياً» استراتيجياً طويل الأمد.

وقال سلّام، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن التأثير على أسواق الطاقة يزيد التقلبات وعدم اليقين، مع تعقيد الصفقات بسبب نقص سيولة اليوان، إضافة إلى ارتفاع التأمين البحري، وتكاليف النقل بنسبة 20 - 30 في المائة عبر طرق بديلة.

وأوضح أن هذه الخطوة تزيد من حالة عدم اليقين والتقلبات في الأسواق؛ فبدلاً من الاستقرار، قد تنشأ سوق نفط منقسمة، حيث تُدفع كميات محدودة باليوان للصين عبر هرمز، في حين تُعاد توجيه الكميات المتبقية عبر طرق بديلة باهظة التكلفة؛ ما يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الغاز والأسمدة والمواد الغذائية، وهو ما قد يهدد بدفع الاقتصاديات الآسيوية والأوروبية نحو الركود.

استراتيجية الصين

ويوضح سلّام أن بكين، رغم طموحها لتعزيز اليوان، تتبنى استراتيجية «الموازنة الدقيقة»؛ فهي تقبل صفقات محدودة لتأمين وارداتها النفطية، لكنها ترفض أي تصعيد يهدد استقرار المضيق الذي تعبر منه 40 في المائة من وارداتها.

في المقابل، توظف موسكو المقترح الإيراني «رمزياً» ضمن إطار «بريكس» لإحراج واشنطن وتمويل أجندتها الدفاعية، رغم أن استقرار أسواق الطاقة يظل مصلحة روسية عليا لضمان عوائدها التصديرية.

تاجر عملات يمر أمام شاشة إلكترونية تعرض أسعار خام برنت وخام دبي في غرفة تداول العملات الأجنبية ببنك هانا (أ.ف.ب)

ارتدادات الأزمة

ويرى سلّام أن هذه الضغوط الإيرانية – بين المتوسطة والقوية – تتجاوز حدود المنطقة لتطول مراكز القوى العالمية. أميركياً، يؤدي الربط باليوان إلى إذكاء التضخم ورفع تكاليف الطاقة؛ ما يضع الاقتصاد الأميركي أمام «خطر الركود» في توقيت سياسي حساس، ويُضعف فاعلية سلاسل العقوبات.

أما دولياً، فإن «صدمة الأسعار» الناتجة من اضطراب الإمدادات تهدد الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، كأوروبا واليابان، وتخلق واقعاً نقديّاً منقسماً يزيد من تكاليف التجارة العالمية؛ ما يعزز في المحصلة شعوراً عاماً بتآكل الهيمنة النقدية الأميركية.

ويخلص سلّام إلى أن المطالبة الإيرانية تسرّع رمزياً من وتيرة التحول عن الدولار (De-dollarization)، وتخلق صدمات سعرية واضحة في الأسواق العالمية، إلا أن تأثيرها الفعلي يظل مقيداً بعوائق دبلوماسية وعملية جمّة. ويشدد على أن «جوهر الأزمة» يظل في الإغلاق الفعلي للمضيق وليس في شرط العملة بحد ذاته. ومع ذلك، يظل الدولار يحتفظ بهيمنته الراسخة على تجارة الطاقة العالمية، رغم أن هذا المشهد يبقى رهناً بالتطورات العسكرية والدبلوماسية المتسارعة التي قد تغير موازين القوى في الأيام المقبلة.