الملح... الملك غير المتوج والعمود الفقري لكل مطابخ الدنيا

منه الصخري ومنه الأسود والوردي

الملح... الملك غير المتوج والعمود الفقري لكل مطابخ الدنيا
TT

الملح... الملك غير المتوج والعمود الفقري لكل مطابخ الدنيا

الملح... الملك غير المتوج والعمود الفقري لكل مطابخ الدنيا

الملح، المادة المتواضعة، والمكون السحري الوحيد في ترسانة كل طباخ. فمقدرة الملح على تغيير مذاق الأطعمة هي من الأعاجيب، يمكنه أن يزيد من المرارة، أو يخفف من شدتها، أو يرفع من مستويات روائح الطعام، أو ربما يجعل النكهات في الطعام تتراقص على نغماته الحانية.
هناك أنواع مختلفة من الأملاح إلى جانب ملح الطعام التقليدي المعروف وملح البحر كذلك. ومن الناحية الفنية، كل الأملاح هي كلوريد الصوديوم في المقام الأول، لكن استناداً إلى مواقع الحصول عليها وكيفية معالجتها، يختلف ما توفره من القوام والألوان والنكهات المميزة. وهناك في الهند أملاح من البيئة المحلية، والتي يتم الحصول عليها من الصخور المتنوعة ومن البراكين الجافة الخامدة.
- الملح الأسود (كالا ناماك)
الملح الأسود من الأملاح الصخرية البركانية الهندية، ويتميز بصبغته الوردية المميزة ومذاقه الكبريتي الخاص. ويأتي لونه الداكن من رواسب الحديد وغيره من المعادن. ولونه الصخري هو الأسود الأرجواني الداكن، وفي الطبيعة يتخذ اللون البني، وعلى المائدة يتحول إلى اللون الأحمر القاني.
وكان مهاريشي شاراك، عرّاب طب الأيورفيدا الهندي التقليدي، هو من اكتشف الملح الأسود الصخري عام 300 قبل الميلاد. ويزعم ممارسو هذا الخط من الطب التقليدي أن الملح الأسود الهندي يحوي خصائص علاجية متعددة، ويستخدمونه في تهدئة الأمعاء، وتخفيف الوزن، وعلاج الهيستريا، وتنطيف الأسنان.
يوضع الملح الأسود الخام في وعاء مع الفحم والأعشاب والبذور واللحاء، ثم يُترك في الفرن الساخن لمدة 24 ساعة كاملة على درجة حرارة أعلى من 1400 درجة فهرنهايت قبل تبريده وتخزينه وتعتيقه. وهذه العملية تمنح الملح الهندي الأسود اللون الأسود المائل للحمرة، ومذاقه اللاذع، ورائحته الكبريتية الهادئة. وهو غالباً ما يستخدم في الأطباق النباتية والخضراء حال امتزاجها مع التوابل والبهارات الهندية الشهيرة. ويستخدم هذا النوع من الملح على نطاق واسع في أطباق جنوب آسيا، في الهند، وبنغلاديش، ونيبال، وباكستان كأحد التوابل، ويُضاف إلى الصلصات، والسلطات، وجميع أنواع الفاكهة، وصلصات اللبن الزبادي، والكثير من الوجبات الهندية اللذيذة الأخرى. ويُخلط الملح الأسود كذلك مع بذور شجرة هليلج كابلي السوداء، أو المعروفة في الهند باسم شجرة الحاراد، وهي من الأعشاب المفيدة للغاية في حالات الإمساك.
الطهاة يفضلونه كثيراً. فهو رفيق رائع لجميع الوجبات المقلية الخفيفة. ويعتاد الشيف فيكرام إضافة الملح الهندي الأسود إلى طبقه المفضل «دجاج كاراج»، إذ تُتبل صدور الدجاج مع فول الصويا، والزنجبيل، والثوم، ومستخلص الأرز، والملح الأسود، ثم يتم قليها وتقدم طازجة.
- الملح الصخري (سيندها ناماك)
هو أنقى أنواع الملح قاطبة على حالته الطبيعية الخام. ويتم في المعتاد استخراجه من الرواسب تحت الأرض التي خلفتها البحيرات المجففة. كذلك، فإن الملمس الخشن للملح الصخري، عند مقارنته بالملمس الناعم لملح المائدة العادي، يُضاف إلى رائحته المعززة على موائد الطعام. وهو من الأملاح الخشنة ذات الحبيبات الكبيرة، ويطلق عليه أيضاً ملح الهالايت أو ملح الأرض. ومحتوى الصوديوم فيه قليل بالمقارنة مع ملح الطعام، ويحتوي على 94 من الآثار المعدنية، على العكس من ملح الطعام الذي يحتوي على ثلاثة نظائر معدنية فقط. ونظراً لدرجة نقاء هذا الملح العالية، فإنه يستخدم خلال الاحتفالات الدينية في الهند. ويقلل هذا النوع من الملح من درجة تجمد الماء، ويمكن استخدامه لتلك الخاصية في ماكينات الآيس كريم.
وأظهرت الأبحاث أن الملح الصخري أكثر فائدة من أملاح الطعام الأخرى، ولا سيما للمرضى الذين يعانون من أمراض الكلى المزمنة.
ملح الهيمالايا الوردي
تستمد ألواح ملح الهيمالايا المقطعة يدوياً من رواسب الملح الطبيعية المتواجدة في السفوح السفلية من جبال الهيمالايا الهندية ومنطقة البنجاب في باكستان. وهو من الأملاح الغنية للغاية بعنصر اليود. وتُعرف هذه الكتل الملحية وردية اللون بطعمها النقي والنكهة الغنية. ويرجع لونها الوردي الأخاذ إلى توافر أكسيد الحديد فيه.
كان رجل الأعمال الأميركي والكاتب المعني بالأغذية مارك بيترمان يتناول موضوعات الأملاح والكتل الملحية من جبال الهيمالايا منذ سنوات وحتى اليوم. وفي كتابه المعنون «الطهي بالكتل الملحية» يقول «تقل المسامية للغاية في كتل أملاح الهيمالايا الهندية ولا تحتوي على أي نسب من الرطوبة تقريباً، ويمكن تسخينها أو تبريدها إلى أقصى ما تسمح به درجات الحرارة؛ مما يجعها متعددة الاستخدامات». يمكن وضعها على الطعام أو الطبخ بواسطتها. ويستخدم بيترمان كتل الملح في إعداد الخضراوات السوتيه، والشواء، والتبريد، والعلاج، والخبز، وحتى في تقديم أطباق المائدة. وعندما تُطهى الأطعمة على كتل الملح هذه فإنها تكسبها ملوحة مذاقية مميزة للغاية.
المنقوع الملحي (الأملاح المنكهة أو ما يُعرف محلياً باسم «بيسي لوون»)
وهنا يأتي دور السحر – مع إضافة الأعشاب إلى هذا الملح المعدني الشاحب يتغير الطعم تماماً. غالباً ما يتم نقع هذه الأملاح بإضافة نكهات الخردل، والكزبرة، والثوم، والزنجبيل، والكمون، وبذور الكروم، والحلتيت، والقنب الهندي، وأنواع مختلفة من الفلفل بألوانه (الأحمر، والأخضر، والأصفر).
وبصرف النظر عن النكهة القوية التي تضفيها على الأطباق، فإن فائدتها الصحية عظيمة، كما يجري تناولها مع الخبز الهندي المميز، كطعام يشيع الدفء في ليالي الشتاء الباردة. لا بد من إفساح بعض المساحة في مخزن الطعام خاصتك لبضع إضافات جديدة مع ضرورة معرفة كيفية صناعتها في المنزل. والتحذير الوحيد لدينا هو عدم استخدام ملح المائدة في صناعة المنقوع الملحي، بل لا بد من استخدام ملح «بيسي لوون» المستخرج بصورة طبيعية.
وتعتبر أملاح «بيسي لوون» المنكهة من مفضلات سكان مناطق الهيمالايا الأصليين، وهي متوافرة لديهم في 24 نوعاً مختلفاً. ومع قلة الدلائل التاريخية التي تفيد بكيفية وتاريخ دخول أملاح «بيسي لوون» إلى مطابخ الهيمالايا، إلا أن السكان الأصليين هنا لديهم نظرياتهم الخاصة.
تقول ريخا كوثاري، التي تعمل في بيع كيلوغرامات عدة من ملح «بيسي لوون» عبر الإنترنت، إن الناس من سكان التلال يميلون إلى استهلاك كميات قليلة من المياه في الشتاء. ونظراً لأن الملح يزيد من الإحساس بالعطش، فإدخاله ضمن النظام الغذائي يمكن أن يكون وسيلة من وسائل المحافظة على الترطيب. وهناك سكان أصليون آخرون يعتقدون أنه من وسائل إضافة المزيد من الأعشاب إلى النظام الغذائي اليومي. كما أنه يستخدم أيضاً طبقاً جانبياً خلال موسم الجفاف عندما يقل المعروض اليومي من الخضراوات الطازجة. وفي كل يوم بعد الفراغ من الأعمال المنزلية اليومية ترجع ريخا كوثاري إلى حجري الدق والمطحنة الخاصين بها كي تواصل العمل وتحضير المزيد من النكهات الملحية المتنوعة. وفي أوقات سابقة، كانت تعد هذه المنتجات لأجل عائلتها، وفي هذه الأيام تعمل على توفيرها إلى المحال التجارية التي تحاول تلبية الطلبات المتزايدة عليها من خارج منطقة التلال. ومن التوابل والبهارات والأعشاب التقليدية، تضيف ريخا كوثاري نكهات القرنفل، والفلفل للتركيبات الخاصة التي يطالب بها العملاء، كما أنها تُصنع خصيصاً لأولئك الذين يتجنبون تناول البصل أو الثوم لأسباب صحية.
ويعتبر ملح «دايندوسا» اللاذع المصنوع من الفلفل والخردل هو المفضل لديها. وفي المطبخ الجبلي في أوتاراخاند، فإن صناعة هذه الأملاح من المهارات المهمة. ومن المثير للاهتمام، أن النساء فقط من أهالي هذه المناطق هن اللاتي يتقنّ فنون التشكيلات الملحية المتنوعة، بناءً على الأساليب التقليدية التي يعرفنها من الدق والطحن والمزج. وانتقلت وصفات هذه الأملاح المنكهة من الأمهات إلى الفتيات عبر الأجيال. وهناك الوالدة إنديرا وابنتها ديفيا اللتان تعملان سوياً على جلب وصفات أملاح «بيسي لوون» المنكهة إلى العالم من خلال مشروعهما المسمى «هيمالايا هات». وأسفر اكتساب هذه الأملاح المنكهة للشعبية الكبيرة في المناطق الحضرية من البلاد عن إيجاد إمكانية جديدة لكسب الأموال والاستقلال المالي بالنسبة لهؤلاء النساء الريفيات. وتعمل النساء على زراعة الكثير من الأعشاب المحلية مثل النعناع، والكزبرة، والريحان، والزنجبيل، والثوم، والسمسم، والقنب، والكمون، ومختلف أنواع التوابل الأخرى بهدف التقليل من تكاليف شرائها.
وفي حين الكثير من النساء يعملن لدى المنظمات غير الحكومية أو لدى مجموعات المساعدة الذاتية، فإن الكثيرات منهن يلبين طلبات العملاء بصورة فردية من خلال منصات التواصل الاجتماعي مثل «إنستغرام» أو «فيسبوك». على سبيل المثال، تبيع ريخا كوثاري هذه الأملاح عبر منصة «إنستغرام» مع منظمة «ماهيلا نافجاغران ساميتي» غير الحكومية.
وفي فصل الشتاء، اعتادت وضع السمن على خبز الشاباتي، ورش ملح «دايندوسا» عليه، ثم تناوله في لفائف. وفي الصيف، ترش ملح «دايندوسا» على الفواكه لتحضير وجبة «تشات» الخفيفة. وفي واقع الأمر، تقول ريخا كوثاري، من بلدية شيفناغار المحلية، إن أكثر الناس في المنطقة يستخدمون أملاح «بيسي لوون» المنكهة لتحسين المذاق مع الخبز أو الأرز الهندي.
ويستخدم الشيف آرجون هذه الأملاح المنكهة في إعداد مختلف الأطباق مثل الباستا أو البيتزا. وهو يقول عن ذلك: «يتم رش كمية معتدلة من مسحوق الفلفل الأحمر على البيتزا، والمعكرونة، والبيض المقلي أو خبز الإفطار المحمص. كما أستعين به كذلك في إعداد طبق دال - فراي، أو أضعه مع البطاطا المقلية، أو أضيفه إلى الروبيان، وتضيف هذه التوابل نكهات رائعة لا حصر لها». وقال إنه يصنع مجموعته الخاصة من الأملاح المنكهة. كما يمكن للمرء إضافة الروزماري، واللافندر، وغير ذلك من أشكال الزهور والأعشاب المتوافرة محلياً. وبعض من هذه المستحضرات العشبية يمكن تجربة صناعتها في المنزل بكل سهولة.
- الملح الأحمر والأخضر
يُستخدم نحو 300 - 400 غرام من الثوم (حسب المذاق المطلوب) مع كل 500 غرام من الفلفل (الأحمر أو الأخضر أو مزيج منهما معاً). ثم يتم طحنها سوياً إما بالأسلوب اليدوي أو باستخدام الماكينة. ثم يُضاف إلى المزيج 300 غرام من الملح الصخري، ويُفرد في الشمس ليجف. ومع امتصاص المزيج للملح الصخري، استمر في رش المزيج بمزيد من الملح بواقع 50 غراماً على فترات حتى تعمل الشمس على تجفيف المزيج تماماً. تستغرق هذه العملية من 3 إلى 4 أيام، أو ربما أكثر من العمل المستمر، اعتماداً على الأحوال الجوية ومدى حرارة أشعة الشمس. ومع ذلك، إن كنت تحاول تحضيره داخل المنزل، يمكن صناعة المزيج في ركن المطبخ النظيف والجاف تماماً.
يمكن تحضير نوع آخر من أنواع الملح ذي النكهات عن طريق سحق وطحن أوراق الكزبرة، والفلفل الأخضر، والكمون، وبذور الكروم، والنعناع، والثوم، والزنجبيل، والملح، وخلطها في مزيج شبه جاف. ويستخدم طازجاً، كما يمكن استخدامه مع السلطات أو الفواكه.
ملح الثوم ببذور الفلفل
الطريقة: يشوى كمية معقولة من بذور الفلفل. وتوضع فصوص الثوم، والفلفل الأحمر، والحلتيت، وبذور الكمون، باستثناء الملح في الخلاط وطحنها جيداً. مع إضافة الملح الصخري على فترات ومواصلة الطحن في الخلاط. ويمكن استخدام هذا المزيج في تتبيل اللحوم أو يضاف إلى الخضراوات النشوية مثل البطاطا، أو الأسماك، أو ما شابه ذلك.


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)

مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
TT

مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)

تُعدّ لندن واحدة من أبرز العواصم الثقافية في العالم، ويحتل المسرح مكانة مركزية في هويتها الفنية والتاريخية. فمنذ قرون، شكّلت المدينة مسرحاً حياً للإبداع، احتضنت أعمال كبار الكتّاب مثل ويليام شكسبير، وأسهمت في تطور الفنون الأدائية لتصبح مقصداً عالمياً لعشاق المسرح من مختلف أنحاء العالم.

طبق «غوتي فانكايا» (الشرق الأوسط)

وتبرز منطقة كوفنت غاردن بوصفها قلباً نابضاً لهذا المشهد المسرحي، حيث تمتزج العراقة بالحداثة في فضاء يعجّ بالمسارح التاريخية والعروض المتنوعة.

شهرة لندن في مجال المسرح لا تقتصر على عدد مسارحها أو تنوع عروضها فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرها العالمي ودورها في دعم الإبداع وصناعة النجوم، لتبقى واحدة من أهم المراكز المسرحية التي ترسم ملامح الفن الحي على مستوى العالم.

ولم يعد المسرح في لندن تجربة فنية بحتة فحسب، بل أصبح جزءاً من أسلوب حياة متكامل يمزج بين الثقافة والترفيه والطعام، حيث برز في السنوات الأخيرة توجه لدمج تجربة الأكل مع العروض المسرحية.

حلوى أناناس جاليبي (الشرق الأوسط)

باتت الكثير من المطاعم والمقاهي تتعاون مع المسارح لتقديم عروض مشتركة، تشمل وجبات قبل العرض أو بعده، أو حتى تجارب طعام مستوحاة من موضوع المسرحية نفسها.

هذا التداخل بين فنون الطهي والمسرح يمنح الجمهور تجربة حسّية متكاملة، تعزز من جاذبية المشهد الثقافي في لندن، وتكرّس مكانتها بوصفها مدينة لا تكتفي بتقديم الفن، بل تعيشه بكل تفاصيله.َ

ومن الأمثلة اللافتة على هذا التقارب بين الفن والطعام، يقوم حالياً مطعم «كولونيل صعب» Colonel Saab بتقديم تجربة طعام هندية في فرعه في «ترافالغر سكوير» من خلال ابتكار لائحة طعام استوحى أسماءها من شخصيات بارزة في مسرحية «كينكي بوتس» البريطانية العالمية، ويتعاون المطعم مع العرض المسرحي الذي يُعرَض في مسرح «لندن كوليسيوم» في شارع سانت مارتنز لاين مع اهتمام خاص باستقبال رواد المسرح في أجواء مناسبة لما قبل العروض.

دجاج بالكاري (الشرق الأوسط)

ويقدم المطعم هذه التجربة فترة النهار والليل، اخترنا مشاهدة العرض المسرحي الليلي عند الساعة السابعة والنصف مساءً، فتم حجز العشاء الباكر عند الساعة الخامسة بعد الظهر.

لـ«كولونيل صعب» فرعان الأول في «هولبورن» والآخر في «ترافالغر سكوير» وكلاهما يتميز بالديكورات الرائعة والتحف الفنية التي جاء بها صاحب المطعم رجل الأعمال روب بارتاب شوداري من منزل أهله في الهند.

عند وصولك إلى المطعم ستكون لائحة الطعام الخاصة بالعرض المسرحي بانتظارك، رُسم عليها من الخارج صورة الحذاء الأحمر الذي تدور أحداث المسرحية حوله، واللافت أن أسماء جميع الأطباق لها علاقة بأسماء أبطال العرض المسرحي أو مستوحاة من أغانيه.

لحم بقري مشوي على الطريقة الهندية (الشرق الأوسط)

تتألف القائمة من أربعة أطباق بسعر 75 جنيهاً إسترلينياً، تبدأ بمشروب لذيذ يحمل اسم «كينكي بوتس» بممزوج بأزهار البيلسان والرمان والتوت ومقبل صغير بطعم الجوافة على شكل كعب، وصلصة التوت الأحمر، وصلصة التمر الهندي، وكريمة متبلة، ونودلز مقرمشة.

يمكنك اختيار أحد المقبلات من بين طبقين، مثل «لاند أوف لولا» وطبقين رئيسيين مثل Everybody Say Yeah (لحم بقري مقلي بالفلفل)، وHold Me In Your Heart، وهو كاري الباذنجان الصغير بطعم حامض.

وتُختتم هذه التجربة بلمسة حلوة تحمل اسم Raise You Up، وتتكون من كريمة، وجيلي الأناناس (جليابّي)، والفستق.

لقطة من مسرحية كينكي بوتس (الشرق الأوسط)

المعروف عن المطعم أن هدفه هو تعريف ذواقة لندن بالنكهات الأصلية والمتنوعة في الهند وتقديم ما يأكله الهنود في منازلهم والشوارع ، بالإضافة إلى الأكل الذي يقدم في القصور أيضاً.

وبعد تناول ألذ الأطباق ستفصلك دقيقة واحدة مشياً على الأقدام عن المسرح لتبدأ بالاستمتاع بقصة العرض المبهجة احتفالاً بالإنتاج الجديد لهذا العمل الموسيقي الفائز بجوائز «توني» و«غرامي» و«أوليفييه» الذي يجمع نجم برنامج «Strictly Come Dancing» يوهانس راديبي والمغني مات كاردل، وتدور أحداث القصة حول مالك معمل للأحذية يكوّن شراكة غير متوقعة مع شخصية مثيرة للجدل تدعى «لولا» لإنقاذ المصنع الذي ورثه عن أبيه من الإفلاس والإقفال.


ماذا تأكل في زيارتك الأولى لأذربيجان؟

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
TT

ماذا تأكل في زيارتك الأولى لأذربيجان؟

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)

إذا كان هناك بلد يستحق لقب «أرض التناقضات»، فهو أذربيجان؛ إذ يجمع بين استضافة مؤتمرات الذكاء الاصطناعي الحديثة وقمم المناخ العالمية من جهة، والحفاظ على تقاليد الرعي البدوية من جهة أخرى، لتبدو كمساحة يلتقي فيها طموح المستقبل مع جذور الماضي في تفاعل يومي مستمر.

أما ثقافة الطهي الأذربيجانية، فلا تزال ترتكز على عادات متوارثة ومكونات محلية أصيلة؛ مع انتشار اللحوم المشوية على الأسياخ، وأطباق الأرز الغنية بالتوابل، والخبز المسطّح المحشو بالأعشاب، إلى جانب التين والرمان، والزعفران. وقد تأثرت هذه الأطباق تاريخياً بطرق التجارة التي عبرت «طريق الحرير». ويعكس هذا التنوع شغفاً واضحاً لدى المزارعين والطهاة، ما برز خلال رحلة «أفضل 50 مطعماً» مع الشيف فيليم هيليه، صاحب المطعم الذي يحمل اسمه في أوستند البلجيكية، والمصنف في المرتبة 62 ضمن القائمة الموسعة لأفضل 50 مطعماً في العالم لعام 2025، وذلك في أثناء تصوير فيلم وثائقي عن المشهد الطهوي في البلاد.

الشيف فيليم هيليه يتعرف على المطبخ الأذربيجانية (أفضل 50 مطعما)

هذا الشغف، إلى جانب الإرث الطهوي العريق وتنوع النكهات، يشكّلان مصدر إلهام لافت، ولا سيما لدى الطهاة العالميين. وفي هذا السياق، يقول هيليه: «أذربيجان تجسّد الضيافة في أبهى صورها. ثمة قوة كامنة في أهلها، وطريقة فريدة في تواصل بعضهم مع بعض. إن ما تختزنه من تقاليد وحِرفية يستحق أن يكتشفه العالم».

ومن العاصمة باكو إلى قرية باسغال التاريخية، وصولاً إلى لانكاران في أقصى الجنوب، تبرز مجموعة من الأطباق، التي تختصر هوية المطبخ الأذربيجاني الغني بالنكهات، والعميق في أساليب الطهي البطيئة.

يدخل لحم الضأن في الكثير من الأطباق (أفضل 50 مطعما)

غوتاب

على طول أزقة «إتشري شهر» (المدينة القديمة في باكو)، تنتشر أكشاك تقدّم خبز الغوتاب الساخن المُحضّر في الحال. وتجري العملية بسرعة لافتة؛ إذ يُفرد العجين ويُحشى بالأعشاب المفرومة أو اليقطين أو الجبن أو اللحم، ثم يُطوى على هيئة نصف دائرة ويُخبز على صاج محدّب يُعرف بـ«الساج». ويقول هيليه، بينما كان يعجن داخل أحد الأكشاك: «من اللافت كم الوصفات، التي يمكن ابتكارها من مكونات بسيطة مثل الدقيق والملح والماء». ويضيف: «مذاقه يجمع بين الملوحة والطزاجة، والحموضة والحلاوة في وقت واحد». ويُفضَّل تناول الغوتاب ساخناً، إما مع قليل من الزبادي أو مرشوشاً بالسماق كوجبة خفيفة بين الوجبات.

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعما)

حلوى باسغال

تُشبه هذه الحلوى لوح طاقة كثيفاً بلون أخضر لافت، وتُعد من الأطعمة التقليدية الراسخة في منطقة باسغال منذ قرون. تُحضَّر بصورة أساسية من القمح المُنبت، الذي يُحمَّص لنحو ثماني ساعات، قبل أن يُطحن إلى مسحوق ناعم. ثم تُضاف إليه حبات الجوز، إلى جانب الشمر والقرنفل والكركم المطحون، لتتكوّن عجينة غنية ومفتتة، تُربط بالعسل أو الدبس. ويؤكد السكان المحليون أن قطعة واحدة منها تكفي لإمداد الجسم بالطاقة طوال اليوم.

يأتي هذا الطبق بمثابة تمهيد للأطباق الدسمة، على المائدة الأذربيجانية التقليدية، ويُقدّم في مرق عظام خفيف. وتتكون دوشبارا من قطع صغيرة جداً من العجين المحشو بلحم الضأن، تشبه «الوانتون» أو «التورتيليني». ولا يتجاوز حجم القطعة فص ثوم، وتكفي ست أو سبع قطع لفتح الشهية.

دولما

أحد أشكال ورق العنب المحشي، وقد أدرجتها «اليونيسكو» ضمن التراث الثقافي غير المادي. ويعود اسمها إلى الكلمة الأذربيجانية «دولدورماك»، وتعني «محشو». تُحشى أوراق العنب أو شجر الزان أو الكرنب بلحم الضأن المفروم والأرز والأعشاب، ثم تُطهى ببطء حتى تنضج، مع اختلاف النكهات بحسب كل منطقة.

الشيف فيليم هيليه أثناء تصويره برنامجه في أذربيجان (أفضل 50 مطعما )

كباب

يُعد الكباب مألوفاً لدى كثيرين: أسياخ من لحم الضأن أو البقر أو الدجاج تُشوى على الفحم. وفي أذربيجان، غالباً ما يُكتفى بالملح والفلفل، دون تتبيل إضافي. وعن ذلك، يقول هيليه: «الأمر يتعلق بنقاء نكهة اللحم»، مشيراً إلى سلالة خراف كاراباخ ذات الذيل الدهني المحلية. ويُلف اللحم في خبز «لافاش» الرقيق، لإبراز طعمه الطبيعي.

الشيف فيليم هيليه (أفضل 50 مطعما)

بلوف

ربما يعد هذا الطبق الأهم في أذربيجان. وتختلف أنواعه بحسب المناطق، لكن مكوناته الأساسية تشمل أرز «سادري» المطهو على البخار والمُعطر بالزعفران، مع طبقات من المشمش المجفف والخوخ والكستناء، ولحم الضأن أو البقر أو السمك المطهو ببطء. وفي بعض المناطق، يُلف الأرز بحواف من الخبز ليشكّل قشرة مقرمشة بعد الخَبز، بينما تُضاف في مناطق أخرى الزبادي والزبدة والبيض لتكوين طبقة تشبه البودينغ. في هذا السياق، يقول هيليه في أثناء تذوق «شاه بلوف»: «هناك توازن رائع بين حلاوة الزبيب وملوحة الأرز، إلى جانب نكهة العجين المحمص ـ إنه طعام الروح بحق».

أطباق مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعما)

شكي بيتي

يُعد هذا الطبق المطهو ببطء من لحم الضأن، أحد أعمدة المطبخ الأذربيجاني. يُحضّر «شكي بيتي» في أوانٍ فخارية صغيرة أسطوانية، تُعرف باسم «دوبو»، حيث تُرص طبقات من اللحم والحمص والكستناء والخوخ، وتُغطى بالبصل المفروم ومرق الزعفران، ثم تُخبز في فرن حجري لمدة تصل إلى ست ساعات. ويُؤكل على مرحلتين: يُسكب المرق أولاً ويُؤكل مع الخبز، ثم يجري تناول بقية المكونات الطرية، أحياناً مع السماق. ويقول هيليه: «تكمن قوته في بساطته، إذ يمكنك تذوق جودة اللحم، ومع القليل من المكونات الإضافية تتحول بفضل الطهي البطيء إلى طبق رائع».

سمك مشوي على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعما)

خبز التندير

نادراً ما تخلو مائدة في أذربيجان من الخبز. وقد أدرجت «اليونيسكو» خبز التندير ضمن التراث غير المادي. تُلصق أقراص العجين بجدران فرن طيني عميق، يُعرف باسم «تندير»، حيث تلتصق وتنتفخ قبل أن تُسحب قبل الاحتراق. والنتيجة خبز مقرمش من الخارج وطري من الداخل، يُؤكل مع كل شيء، من مختلف أنواع الجبن والمربى أو مع الكباب واليخنات. يُمزّق خبز التندر وهو ساخن، ويُستخدم لامتصاص المرق أو لف قطع اللحم الطرية.

لافانغي

يُعد هذا الطبق من أبرز أطباق جنوب أذربيجان، حيث يُحشى الدجاج أو السمك أو الباذنجان، بخليط من الجوز المطحون ومعجون البرقوق والبصل والملح والفلفل، ثم يُخبز ببطء في فرن «تندير» لعدة ساعات. يتميز الطبق بتنوع كبير في النكهات والقوام، من القشرة المدخنة والمكسرات المحمصة إلى الحشوة الحلوة الحامضة، ويبرز بشكل خاص عند تحضيره مع السمك. ويقول هيليه: «كانت النكهة غنية جداً، مع قشرة مقرمشة واضحة. والحشوة كانت مبتكرة في رأيي، بمزيج الجوز وحموضة البرقوق، ما منح الطبق حيوية مميزة».


الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
TT

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)

في كل مرة تُعرض فيها صورة طبق على الشاشة، تمرّ سريعاً... تُرى، تُعجب، ثمَّ تُنسى. لكن ما يقدّمه الشيف عمر السيف لا يمرّ بهذه السرعة؛ لأن ما يضعه أمامك ليس طعاماً فقط، بل تجربة كاملة محمّلة بالشعور.

يقول السيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد للناس أن يكتفوا بالمشاهدة... أريدهم أن يشعروا». بهذه الفكرة تبدأ حكايته.

لم يدخل السيف هذا العالم من بوابة الطهي التقليدي، ولا عبر وصفات محفوظة أو مسار واضح، بل كانت البداية فضولاً، وتجربة، ورغبة في الابتكار. ثم جاءت اللحظة التي أعادت تعريف كل شيء: «اكتشفت أن الطبخ ليس مجرد أكل... بل هو لغة وثقافة وهوية». من هنا تغيّر الاتجاه، وبدأ البحث في مساحة أقرب إليه... الثقافة السعودية. ويضيف: «لدينا كنز ثقافي كبير، لكنه لم يُستثمر بالشكل الذي يستحقه».

محاكاة صندوق أفندي كامل بكيك الأفندي (إنستغرام)

حين تصبح المبخرة قطعة تُؤكل في إحدى تجاربه، لم يقدّم طبقاً تقليدياً، بل صنع مشهداً كاملاً من الذاكرة: مبخرة سعودية مصنوعة من الشوكولاته، وطفل يحمل الحلوى... أيضاً من الشوكولاته. المشهد بسيط في ظاهره، لكنه مشبع بالدلالات: رائحة البيوت، وتفاصيل الضيافة، وصورة «ولد الحارة» بكل ما تحمله من دفء وعفوية. يقول: «لم تكن مجرد تصاميم... كانت تحكي قصة: من نحن؟ وما قيمنا؟ وكيف كنا نعيش؟».

هندسة الطبق... أو كيف يُبنى الإحساس

يعتمد في عمله على ما يسميه «هندسة الطبق»: تفكير دقيق في الشكل، وتوزيع العناصر، وتوازن الألوان، واستخدام الفراغ. كل ذلك لا يأتي لإبهار العين فقط، بل لتهيئة تجربة تبدأ بصرياً وتستمر شعورياً.

فالطبق، في هذه الحالة، يتحول إلى مساحة تعبير، لا إلى مجرد وجبة.

مبخرة بالشوكولاته (إنستغرام)

الصحراء... حيث يصبح الطبق صادقاً

لا يقدّم أعماله داخل استوديوهات مغلقة، بل يخرج بها إلى الصحراء، وإلى الخيام، وإلى البيوت القديمة.

هناك، حيث التفاصيل حقيقية، يتكوّن المشهد. يقول: «لا أختار المكان لأنه جميل فقط بل لأنه يحمل شعوراً». ويضيف: «إذا أردت أن تنقل إحساساً حقيقياً، فلا بد أن تضعه في بيئة صادقة». في هذه المساحات، لا يكون الطبق عنصراً منفصلاً، بل يصبح امتداداً للمكان.

ضد السرعة... وضد «الترند»

في عالم اعتاد على استهلاك الطعام بوصفه محتوى سريعاً، يطرح رؤية مختلفة تماماً: «الناس اعتادت أن ترى الطبخ كشيء سريع وعابر... بينما أراه قصة وهوية». هذا الطرح خلق تحدياً واضحاً: كيف يمكن إبطاء عين اعتادت السرعة؟ الحل جاء عبر التوازن: محتوى بصري جذاب يحمل في داخله رسالة أعمق.

مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاتة (إنستغرام)

ما بعد المشاهدة... اللحظة الأهم

بالنسبة له، لا يُقاس النجاح بعدد المشاهدات، بل بما يبقى بعد انتهاء المشهد؛ في اللحظة التي يدرك فيها المتلقي أن التراث ليس ماضياً جامداً، بل مادة يمكن تطويرها وتحويلها إلى مشاريع معاصرة. يقول: «يمكن أن تنسى كلمات كثيرة، لكن من الصعب أن تنسى طعماً أو شعوراً». هنا تكمن قوة الطعام.

فهو يدخل إلى الذاكرة مباشرة، ومن خلاله تنتقل القيم: الكرم، والعادات، وتفاصيل الحياة اليومية، دون حاجة إلى شرح.

ولا يفصل بين الإبداع والاستدامة: «الإبداع يجذب، والاستمرار يحتاج إلى فكر اقتصادي». لهذا يعمل على تطوير محتوى يمكن أن يتحول إلى تجربة أو منتج، يضمن بقاء الفكرة وانتشارها.

ما يخطط له يتجاوز حدود الشاشة. يسعى إلى تقديم تجربة متكاملة يعيشها المتلقي بكل حواسه؛ فلا يرى القصة فقط، بل يكون جزءاً منها. «أبغى الشخص يعيش القصة، مو بس يشوفها».

في النهاية، ما يقدّمه عمر السيف لا يتوقف عند حدود الطبخ، بل يفتح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تُقدَّم الهوية على طبق؟