رواد الإنترنت يصارعون لإصلاح الإمبراطوريات الرقمية

ضرورة تحجيمها و قوننة نشاطها

طابع تذكاري أصدرته سلطات جزيرة مارشال تكريماً لبيرنرز - لي مبتكر الإنترنت
طابع تذكاري أصدرته سلطات جزيرة مارشال تكريماً لبيرنرز - لي مبتكر الإنترنت
TT

رواد الإنترنت يصارعون لإصلاح الإمبراطوريات الرقمية

طابع تذكاري أصدرته سلطات جزيرة مارشال تكريماً لبيرنرز - لي مبتكر الإنترنت
طابع تذكاري أصدرته سلطات جزيرة مارشال تكريماً لبيرنرز - لي مبتكر الإنترنت

ثلاثون عاماً فقط مضت على انطلاق الإنترنت، لكن الجميع يرى أنّها وصلت إلى مرحلة «العطب».
لقد بدأ هذا الاختراع الذي يحمل توقيع العالم تايم بيرنرز - لي، تجربة سعيدة لتبادل المعلومات وتسهيل تناقل المعرفة بين محبّي العلم، ثمّ تحوّل إلى عالم افتراضي مليء ببدع البشر... من الاحتيال والجريمة واستغلال البيانات، إلى الإساءة والكراهية.
- إصلاح الإنترنت
هل بلغت الشبكة العنكبوتية درجة من السوء تدفعنا إلى التخلّص منها؟
قد يكون هذا الأمر مستحيلاً في هذه المرحلة؛ لأن ذلك يشابه رمي طفل يستحم مع مياه الاستحمام إلى الخارج. إننا نعيش اليوم في مجتمع اعتاد على المتاح الذي يغري أفراده لقول: «نعم»، لكنّ الوقت قد حان لإحياء فكرة «الإصلاح» التي اعتاد الناس استخدامها في الماضي.
في البداية، تفاءل روّاد الإنترنت بالاحتمالات التي يحملها هذا الاختراع، لكنّهم اليوم يشعرون بالحنين إلى الأيّام الخوالي التي كان فيها الغرباء الودودون يلتقون عبر الإنترنت ويتبادلون أحاديث صحية سليمة.
وهم يقولون إن هناك وسائل تمكّننا من إدارة الشبكة، وبعض الأمور التي يمكننا القيام بها، على المستويين الفردي والاجتماعي، للبدء بإعادة هيكلة التجربة بوعي أكبر، ولا سيّما بعد أن عرفنا نتيجة ترك مشروع بهذا الحجم والشمولية يتطوّر وحده دون القدر المطلوب من البصيرة والتنسيق والتنظيم.
- إعلان الاستقلال الرقمي
دعا لاري سانغر Larry Sanger، شريك مؤسس في «ويكيبيديا»، أخيراً إلى إضراب عن التواصل الاجتماعي في إطار تحرّكه الناشئ الذي يهدف لتحرير مستخدمي الإنترنت من ارتباطهم بالشركات التي تأسر محتواهم مثل «فيسبوك». وكتب سانغر في مدوّنته أنّ «الإنسانية تتعرّض للاستغلال الوضيع من قبل الإمبراطوريات الرقمية الكبيرة. لذا؛ بات اليوم من الضروري أن نستبدل هذه الإمبراطوريات بشبكات غير مركزية تابعة لأفراد مستقلين كما حصل في سنوات الإنترنت العشر الأولى».
يعتقد سانغر أنّ الحلّ الأمثل لمشاكل الإنترنت - بما تشمله من خروقات للخصوصية، واستغلال للبيانات، وتهديدات للديمقراطية، وخطابات الكراهية، وامتلاك المحتوى، وغيرها - موجود بين يدي أفراد يتعاونون مع بعضهم بعضاً بدل الحكومات التي يعجز ممثلوها غالباً عن فهم الأنماط التقنية للشبكة. ويضيف الشريك المؤسس لـ«ويكيبيديا»، أنّ ابتكار شبكات اجتماعية غير مركزية يتيح لنا تحرير أنفسنا من سيطرة الشركات مع الاحتفاظ بحقّ الاستمتاع بمكاسب التفاعل الإلكتروني. ويحضّنا سانغر على «إعلان ملكيتنا القانونية لبياناتنا» وتمتّعنا «بالحقوق القانونية والأخلاقية الكاملة للتحكّم بها».
ويقول سانغر، إنّ المنشورات الإلكترونية على الشبكات الاجتماعية يجب أن تتلقّى دعمها، كما البريد الإلكتروني والمدوّنات، من خدمات مستقلّة متنوّعة بدل الحصول عليها من منصات مركزية تعود ملكيتها لشركات كبرى. فعندما يصبح المستخدمون قادرين على كتابة منشور يظهر على منصّة «فيسبوك» دون الاضطرار إلى استخدامها، لن تتمكّن الشركة من جمع كمّ البيانات نفسه الذي يعرّض معلوماتكم الخاصة للخطر، ويستغلّ شبكاتكم، أو التأثير على أفكاركم بأسلوب خوارزمي يخدم المكاسب التي تصبّ في مصلحة أهداف هذه الشركات.
وبذلك، سيظلّ بإمكانكم التواصل مع أي شخص على أي منصّة والوصول إلى أشخاص مختلفين عبر الشبكات.
صحيح أن سانغر استخدم الشبكات الاجتماعية للترويج لإضرابه ضدّها، إلّا أنّ النقاط التي اقترحها واقعية، وحقيقة أنّه يرى مساراً واضحاً نحو منطلقات جديدة لاستخدام التواصل الاجتماعي عبر ابتكار معايير تواصل تتيح الاستقلال الفردي، تقدّم لنا وعوداً كثيرة.
- حذف منصّات التواصل الاجتماعي
في كتابه «عشر حجج لحذف حساباتكم في مواقع التواصل الاجتماعي، الآن»، يؤكّد جارون لانيير Jaron Lanier، خبير التكنولوجيا والفيلسوف، وواحد من روّاد الواقع الافتراضي وأحد الداعمين الأوائل للإنترنت، على ضرورة الإقلاع عن استخدام المنصّات المصممة لحثّنا على الإدمان عليها. يطلق هذا الفيلسوف على هذه المنصات (ريديت، وتويتر، ويوتيوب، وإنستغرام، وفيسبوك) لقب المشاكل التي تدعم تغيير سلوكيات المستخدمين وتحويلها إلى إمبراطوريات للإيجار. وأشار لانيير في كتابه إلى أنّنا «نتعرّض للتنويم المغناطيسي شيئاً فشيئاً من قبل تقنيين لا نراهم لخدمة أهداف لا نعرفها. لقد تحوّلنا جميعاً إلى حيوانات للتجارب المخبرية».
وكما سانغر، يؤمن لانيير بوجود طريقة أفضل للنشاط الإلكتروني لا تدفعنا إلى الشعور بالسوء ولا تضعفنا أمام الشركات، وهو حالياً يعمل على تطوير نموذج منصّة بديلة. لكنّه يرى أيضاً أنّ الناس قادرون على التخلّي عن استخدام «تويتر» والاستمرار في حياتهم بشكل طبيعي. وفي مقابلة أجراها مع «لوس أنجلس ريفيو» للحديث عن كتابه العام الماضي، قال الفيلسوف: «أعتقد أنّ الناس يخافون إلى حدّ ما من فكرة أنّ قيامهم بشيء مختلف قد يؤدي إلى تدمير حياتهم بشكل كامل، لكنّهم على الأرجح مخطئون، حتى أنّها خطوة لا بأس بها».
- تفكيك احتكار {التقنية الكبرى}
المشاكل الكبيرة تحتاج إلى حلول مهمّة، ولهذا السبب، يطالب الكثيرون بفرض قوانين حكومية تنظّم الشبكة والشركات الكبرى العاملة التي تديرها. في مايو (أيار)، كتب كريس هيوز Chris Hughes، الشريك المؤسس لـ«فيسبوك»، افتتاحية في صحيفة «نيويورك تايمز» تناول فيها سبب «ضرورة الانفصال عن (فيسبوك)».
واعتبر هيوز أننا نملك الأدوات التي تضمن حثّ الشركات كتلك التي شارك في تأسيسها، على البدء بالعمل بشكل مسؤول، وأوّلها قانون منع الاحتكار. وكتب هيوز: «نحن نعيش في بلد اعتاد كبح الاحتكارات حتى ولو كانت نوايا مالكي هذه الشركات حسنة. يتمتّع مارك زوكربيرغ اليوم بقوّة غير مسبوقة، لكنّها غير أميركية. لقد حان الوقت للانفصال عن (فيسبوك)».
إنّ التركيز الكبير على السوق سمح لـ«فيسبوك» بخذلان المستخدمين حتى مع استمرار نجاحها ونموّها. فحتى عندما «تحذفون (فيسبوك)»، ستستمرّون في استخدام منصات أخرى كـ«إنستغرام» و«واتساب»؛ ما يعني أنّ البيانات الشخصية التي فشل «فيسبوك» في حمايتها، ستصل أخيراً إلى الأيدي غير المسؤولة نفسها. واعتبر هيوز وكذلك المرشحة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية الأميركية إليزابيث وارن، أنّ الحلّ يكمن في استخدام القوانين القائمة حالياً لضمان عدم توحيد السطوة التي تتمتّع بها هذه الشركات كما هو الحال الآن.
- قوننة النشاط
بدأ الاتحاد الأوروبي بمحاولة إصلاح الشبكة العنكبوتية، أو أحد جوانبها على الأقلّ من خلال تبنّي قانون يفرض على المنصّات الكبرى كـ«غوغل»، تحسين عملها لجهة مراقبة المحتوى ومحاربة انتهاكات حقوق الملكية الفكرية.
وحالياً، تعمل هذه الشركات على مراجعة المحتوى المنشور عبر منصاتها للتحقّق من سرقات محتملة في حال تلقّي شكوى من جهة تدّعي امتلاك حقوق ملكية هذا المحتوى. تفرض القوانين الجديدة مراقبة المحتوى خوارزمياً لمنع نشره إذا ثبُت أنّه ينتهك قانون الملكية الفكرية.
لكنّ هذا المنطلق ليس خالياً من المشاكل؛ إذ من الواضح أنّ الآلات لا تستطيع في نقطة محدّدة، أن ترصد الفروق الدقيقة بين الاستخدام الصحيح للأخبار والتهكّم الساخر وبين المحتوى «المستعار» الممنوع قانوناً.
لكن الجهود الجبارة المبذولة اليوم والتي تحاول على الأقلّ تحويل العالم الإلكتروني المتوحّش إلى مجتمع أكثر تنظيماً، تعتبر إشارة إيجابية على إمكانية التغيير.
إنّ الاستمرار في التعبير عن الاستياء والريبة من ثورة الإنترنت أمر ضروري ونافع. ولا بدّ من أنّ نفكّر، فردياً وجماعياً، بكيفية استخدام أدواتنا للمشاركة في هذه الجهود. علينا أن نسأل كيف يمكننا تحسين هذه الأدوات، وخلال عملنا على تطبيق الحلول، علينا أيضاً أن نقوم بالخطوات اللازمة للوقوف في وجه سوء الاستخدام.
لكن علينا أيضاً ألّا نغفل عن رؤية الصورة الكبرى. إذ إنّ شبكة الإنترنت، وعلى الرغم من جميع سلبياتها، قدّمت لنا الكثير من التطوّرات المثيرة، وعندما ننجح في التحكّم بأنفسنا في العالم الإلكتروني كما نفعل في العالم الحقيقي، سننجح في ابتكار مساحات بنّاءة. تمثّل شبكة الإنترنت انعكاساً للإنسانية الموجودة فينا، أي أنّها غير منفصلة عنّا، بل هي مجرّد تعبير عن الخير والسوء والبشاعة الموجودة لدى البشر.
لقد قدّم بيرنرز – لي Berners - Lee، مبتكر الإنترنت، أفقاً ناجحاً للبشرية، فهو يرى في الإنترنت أداة دائمة التطوّر لم تتمّ مرحلة النضوج بعد. في مقابلة أجراها سابقاً مع موقع «كوارتز»، قال لي: «عندما ينضج الإنسان، عليه أن يتحمّل المسؤولية. لذا؛ أعتقد أنه ومع بلوغ الجميع سنّ الرشد الإلكتروني، سنشعر أنّ الجهود التي بُذلت للحفاظ على الإنترنت بصفته محيطاً جميلاً وبنّاءً كانت تستحقّ العناء».

- «كوارتز»، خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

مواقع إلكترونية عالمية تتوقف مؤقتاً بعد اكتشاف الذكاء الاصطناعي ثغرتين خطيرتين

تكنولوجيا الصفحة الرئيسية لموقع الهيئة الوطنية البريطانية للأمن السيبراني تظهر على شاشة هاتف ذكي في لندن اليوم (رويترز)

مواقع إلكترونية عالمية تتوقف مؤقتاً بعد اكتشاف الذكاء الاصطناعي ثغرتين خطيرتين

شهدت شبكة الإنترنت حالة من الاستنفار الأمني عقب اكتشاف الذكاء الاصطناعي لثغرتين خطيرتين في لغة البرمجة «بي إتش بي PHP».

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)

تحليل إخباري ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

«ستارلينك» و«ستارشيلد»: كيف تداخلت شبكات الإنترنت الفضائي مع القرارات الأمنية والسيادية؟ تفاصيل دقيقة حول التنافس التنظيمي والعسكري الجديد في المدار.

كوثر وكيل (لندن)
صحتك الاستهلاك المفرط للمحتوى السلبي عبر الإنترنت قد يتسبب في ظاهرة يطلق عليها اسم «دماغ المروحية» (رويترز)

«دماغ المروحية»... كيف تؤثر متابعة الأخبار السلبية على صحتك النفسية والجسدية؟

قد يُسهم الاستهلاك المفرط للمحتوى السلبي عبر الإنترنت في ظاهرة يطلق عليها أحد أطباء الأعصاب اسم «دماغ المروحية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملياردير الأميركي إيلون ماسك (أ.ب)

«هل هو الحاكم الفعلي للهند؟»... لماذا يهاجم ماسك الملياردير أمباني؟

صعّد الملياردير الأميركي إيلون ماسك انتقاداته لقطاع الاتصالات في الهند، موجّهاً اتهامات إلى كبار رجال الأعمال بعرقلة دخول خدمة «ستارلينك» للإنترنت.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - نيودلهي)
خاص مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)

خاص الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

تستند الجاهزية الرقمية في السعودية إلى إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال، لضمان توافر الخدمات الحكومية ومواكبة المتغيرات والاحتياجات اليومية.

عبير حمدي (الرياض)

أميركا والصين: تكتلات الذكاء الاصطناعي تتنافس لكسب دول العالم

زوار يتجولون في أجنحة المعرض المخصصة للذكاء الاصطناعي بمعرض الصين الدولي لسلاسل التوريد في بكين - في يونيو 2026 (أ.ب)
زوار يتجولون في أجنحة المعرض المخصصة للذكاء الاصطناعي بمعرض الصين الدولي لسلاسل التوريد في بكين - في يونيو 2026 (أ.ب)
TT

أميركا والصين: تكتلات الذكاء الاصطناعي تتنافس لكسب دول العالم

زوار يتجولون في أجنحة المعرض المخصصة للذكاء الاصطناعي بمعرض الصين الدولي لسلاسل التوريد في بكين - في يونيو 2026 (أ.ب)
زوار يتجولون في أجنحة المعرض المخصصة للذكاء الاصطناعي بمعرض الصين الدولي لسلاسل التوريد في بكين - في يونيو 2026 (أ.ب)

مع تشكيل القوتين الرائدتين في مجال الذكاء الاصطناعي الولايات المتحدة والصين تكتلاتهما الخاصة، تسعى الدول الأخرى جاهدةً للاستفادة من نقاط قوة كلا التكتلين وتجنب الخسارة. ويرى الخبراء أن الفرصة المتاحة للدول للاختيار بحرية بين هاتين القوتين العظميين في مجال الذكاء الاصطناعي قد تتقلص، ما سيجبرها في مرحلة ما على الاختيار بين تكتل «باكس سيليكا» بقيادة الولايات المتحدة و«منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي» التي تقودها الصين.

كازاخستان... مع القوتين العظميين

وقد يضع ذلك العديد من الدول في مأزق: هل تختار استخدام أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي والتقنيات الأميركية، أم تنضم إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة المصدر والأكثر فاعلية من حيث التكلفة؟

وتُعدّ كازاخستان، الدولة الواقعة في آسيا الوسطى التي يبلغ عدد سكانها نحو 21 مليون نسمة، مثالاً نادراً لدولة سعت إلى سدّ هذه الفجوة. إذ وبعد ثلاثة أسابيع فقط من زيارة وزير الذكاء الاصطناعي الكازاخستاني جاسلان مادييف إلى واشنطن في يونيو (حزيران) الماضي للانضمام إلى المجموعة الأميركية العاملة على تعزيز سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي، توجّه إلى شنغهاي لحضور حفل توقيع جعل كازاخستان عضواً مؤسساً في مبادرة الصين لتشكيل أجندة الذكاء الاصطناعي العالمية.

يعني الانضمام إلى مبادرة «باكس سيليكا» مزيداً من الشراكات التكنولوجية، وفرص عمل في مجال التصنيع عالي التقنية، واحتلال مكانة في سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي العالمية. وفي الوقت نفسه، وبصفتها جزءاً من منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي الصينية، إلى جانب 28 دولة أخرى من الدول المؤسسة، بما في ذلك باكستان وروسيا، تأمل كازاخستان أيضاً في أن يكون لها دور في وضع معايير الذكاء الاصطناعي الإقليمية والعالمية.

ونقلت «وكالة أسوشييتد بريس» عن دانا ماساليموفا، الدبلوماسية الكازاخستانية السابقة والباحثة المستقلة والزميلة في مركز كاثرين دبليو وشيلبي كولوم ديفيس للدراسات الروسية والأوراسية بجامعة هارفارد: «الجميع يتخذون إجراءات احترازية».

الاستفادة من الاستثمارات الأميركية... والصينية

وتأمل كازاخستان في الاستفادة من أفضل ما في كلتا الكتلتين، ومن الاستثمارات الأميركية والصينية... لكنها في «وضع حرج للغاية»، بحسب ماساليموفا.

* التعاون مع أميركا

تمتلك كازاخستان موارد معدنية حيوية غنية ضرورية لتطوير الذكاء الاصطناعي، كما تتمتع بكهرباء رخيصة لتشغيل مراكز البيانات، التي أصبحت محفوفة بالمخاطر السياسية في الولايات المتحدة. وفي وقت سابق من هذا العام، وقّعت حكومة كازاخستان اتفاقية استثمارية بقيمة تصل إلى 10 مليارات دولار مع شركة إنفيديا لإنشاء «وادي مراكز البيانات» في البلاد.

* التعاون مع الصين

في الوقت نفسه، تستثمر المزيد من الشركات الصينية في كازاخستان. ويقول مسؤولون محليون إن الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في كازاخستان بلغ مستوى قياسياً قدره 2.8 مليار دولار أميركي في عام 2025. وقد التقى الرئيس الصيني شي جينبينغ الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف في يوليو (تموز) الماضي لبحث سبل توسيع التعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية لبناء البنية التحتية العالمية.

واشنطن وبكين تعززان نفوذهما التكنولوجي

تستغل كل من الصين والولايات المتحدة إمكانية الوصول إلى الذكاء الاصطناعي لتعزيز نفوذهما العالمي. وأصر الرئيس دونالد ترمب الشهر الماضي على أن «الفائز هو من يفوز في مجال الذكاء الاصطناعي». وقد وجه مسؤولون أميركيون وشركات متخصصة في الذكاء الاصطناعي، اتهامات إلى الصين بـ«استخلاص» القدرات على نطاق واسع من النماذج الأميركية الرائدة. إلا أن بكين رفضت هذه الادعاءات، مؤكدةً أن الولايات المتحدة تسعى إلى احتكار الذكاء الاصطناعي، بينما تحاول تقييد وصول الصين إلى بعض أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي وآلات تصنيعها في العالم.

«باكس سيليكا» تستهدف الصين ضمنياً

وأشارت واشنطن إلى أن «باكس سيليكا»، التي تستهدف الصين ضمنياً، مخصصة فقط لمن تثق بهم. وقالت وزارة الخارجية الأميركية، مستخدمةً المصطلح الجديد الذي فضّلته إدارة ترمب للذكاء الاصطناعي: «لا يمكن الوثوق بالدول كشركاء في (باكس سيليكا) بينما تنخرط فعلياً في مبادرات تُروّج لرؤية منافسة للذكاء الخارق».

شمولية منظمة التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي

من جانبها، تُشيد بكين بانفتاح وشمولية منظمتها العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي. وقالت السفارة الصينية في واشنطن في بيان: «باعتبارهما دولتين رائدتين في مجال الذكاء الاصطناعي، ينبغي للصين والولايات المتحدة الاستفادة من نقاط قوتهما في هذا المجال بدلاً من التنافس فيما بينهما. لا ينبغي أن يكون الذكاء الاصطناعي حكراً على الدول الكبرى».

ويُشير كايل تشان، الباحث في مركز جون إل. ثورنتون الصيني التابع لمعهد بروكينغز، إلى اختلاف الرسائل التي تتبناها القوتان الرئيسيتان في مجال الذكاء الاصطناعي، ويعود ذلك في الغالب إلى حاجة بكين إلى استمالة دول ثالثة في مسعاها لبناء تحالف بديل، بينما تمتلك واشنطن بالفعل شبكة قوية من الحلفاء.

إندونيسيا وسنغافورة في موقف حرج

يُعزز هذا الوضع قوة ما وصفه تشان بـ«الدول المتأرجحة»، فقد تجد إندونيسيا وسنغافورة نفسيهما أيضاً عالقتين بين الصين والولايات المتحدة.

ومثل كازاخستان، تمتلك إندونيسيا موارد حيوية للذكاء الاصطناعي وتقنيات أخرى، كالنيكل والنحاس. وتسعى إندونيسيا أيضاً إلى الاستفادة القصوى من قوتي الذكاء الاصطناعي، بعد انضمامها إلى منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي الصينية.

وصرحت ماري بانغستو، نائبة رئيس المجلس الاقتصادي الوطني الإندونيسي، للصحافيين في فعالية نظمتها كلية إدارة الأعمال بجامعة هونغ كونغ، بأن إندونيسيا ترغب في الاستفادة من كلتيهما. وأضافت: «ينبغي أن نكون قادرين على المشاركة في كلتيهما، وأن نختار النظام الأنسب».

وتستثمر شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية في دول أخرى مثل سنغافورة، حيث تُنشئ شركة أنثروبيك أحدث مكاتبها في آسيا. وتقول المدينة -الدولة إنها تدرس أيضاً الانضمام إلى منظمة الذكاء الاصطناعي الصينية.

السعودية... تعاون مع أميركا والصين

وفي المملكة العربية السعودية، كشفت شركة «هيوماين» Humain الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي في سبتمبر (أيلول) عن منصة مبنية على نموذج مفتوح المصدر من شركة صينية متخصصة في الذكاء الاصطناعي. كما أبرمت المملكة اتفاقية مع شركة إنفيديا لتوسيع نطاق الحوسبة القائمة على الذكاء الاصطناعي باستخدام رقائقها المتطورة.

فرنسا... طريق خاص

تسعى فرنسا، إحدى أكثر الدول طموحاً في تطوير الذكاء الاصطناعي بعد الولايات المتحدة والصين، إلى شق طريقها الخاص من خلال شركتها الناشئة «ميسترال»، التي يتفوق نموذجها الجديد الذي أُطلق هذا الشهر، على بعض النماذج الصينية المتقدمة.

اليابان مع أميركا... ومع التطبيقات الصينية غير الخطرة

وترتبط اليابان ارتباطاً وثيقاً بالولايات المتحدة في القضايا الاستراتيجية والأمنية، بما في ذلك أشباه الموصلات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي الموثوق، والمعايير. لكنها لن ترفض نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية الأقل تكلفة في «التطبيقات الأقل مخاطرة»، كما صرّح تاكاهيرو تسوتشيا، الأستاذ بجامعة كيوتو للدراسات الأجنبية.


دراسة جديدة: «الدخيل الجديد»...الذكاء الاصطناعي يُهدد المؤسسات بخسائر سنوية عالية وتسريب بيانات حساسة

تحذيرات من تحول الذكاء الاصطناعي والنظم المستقلة إلى ثغرات داخلية
تحذيرات من تحول الذكاء الاصطناعي والنظم المستقلة إلى ثغرات داخلية
TT

دراسة جديدة: «الدخيل الجديد»...الذكاء الاصطناعي يُهدد المؤسسات بخسائر سنوية عالية وتسريب بيانات حساسة

تحذيرات من تحول الذكاء الاصطناعي والنظم المستقلة إلى ثغرات داخلية
تحذيرات من تحول الذكاء الاصطناعي والنظم المستقلة إلى ثغرات داخلية

لم تعد التهديدات السيبرانية التي تواجه المؤسسات تقتصر على الهجمات الخارجية، بل باتت المخاطر الناشئة من داخل بيئات العمل تشكل تحدياً متزايداً لأمن المعلومات واستمرارية الأعمال.

حادثة احتيال خطيرة في بنك إيطالي

وفي حادثة تعكس الخطورة الفائقة لهذا التحول، كشفت السلطات القضائية في ميلانو قبل شهر عن تعرض أحد البنوك الإيطالية البارزة لاحتيال سيبراني ضخم أسفر عن خسارة 108 ملايين دولار. واعتمد المهاجمون في الاختراق على أدوات الذكاء الاصطناعي لاختراق قنوات التراسل الرقمية وإجراء مكالمات هاتفية بصوت مزيف وتقديم أنفسهم على أنهم موظفون تنفيذيون معروفون في البنك وفي شركة المحاماة التي يعمل البنك معها، متسببين بتنفيذ تحويلات مالية ضخمة وصلت إلى 93 مليون يورو تحت غطاء من الموثوقية الزائفة.

وتُظهر هذه الحادثة أن التهديدات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لم تعد تقتصر على التصيّد البسيط، بل امتدت لتشمل استغلال الصلاحيات الموثوقة ومحاكاة الأنماط السلوكية للمسؤولين داخل البيئات المغلقة. ومع التطور السريع لهذه الأدوات، أصبحت المؤسسات تُواجه تحدياً غير مسبوق يتعلق بكيفية التمييز بين المعاملات الرسمية وتلك المدارة عبر أدوات ووكلاء ذكاء اصطناعي خبيثة.

دراسة عن «الدخيل الجديد»

وفي هذا السياق، كشفت شركة «تريليكس» Trellix المتخصصة بمجال الأمن السيبراني وحلول الحماية المدعومة بالذكاء الاصطناعي عن تقرير بعنوان «عقل رئيس أمن المعلومات: الدخيل الجديد» Mind of the CISO: The New Insider يسلط الضوء على تأثير الذكاء الاصطناعي والنظم المستقلة في تشكيل المخاطر الداخلية والتبعات الناجمة عن إساءة استخدام صلاحيات الوصول الموثوقة ومدى انعكاس ذلك على دور رؤساء أمن المعلومات.

منهجية الدراسة

كلفت الشركة وكالة أبحاث مستقلة بإجراء استطلاع شمل 600 من رؤساء أمن المعلومات أو كبار المسؤولين الأمنيين عبر الشرق الأوسط والأميركيتين وأوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، خلال شهري أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) 2026. وشملت عينة الشرق الأوسط 40 مشاركاً من المملكة العربية السعودية و40 مشاركاً من دولة الإمارات العربية المتحدة. واستند احتساب متوسط التكاليف إلى إجابات المشاركين الذين تعرضت مؤسساتهم لحوادث أمنية داخلية خلال الاثني عشر شهراً السابقة وقدموا بيانات حول التكاليف المرتبطة بها.

أما النتائج المشار إليها على مستوى الشرق الأوسط، فتجمع بيانات المشاركين من السعودية والإمارات.

تكاليف الحوادث الأمنية: خسائر مالية وتأثيرات تشغيلية وعلى السمعة

وأظهرت نتائج الدراسة أن متوسط تكلفة الحوادث الأمنية المرتبطة بالتهديدات الداخلية في المؤسسات في المملكة العربية السعودية بلغ 1.95 مليون دولار أميركي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. ورغم ضخامة هذا المبلغ، لكنه يمثل جانباً واحداً فقط من الأضرار؛ إذ أظهرت الدراسة أن 63 في المائة من المؤسسات التي شهدت حوادث داخلية تعرضت لفقدان أو تسريب بيانات حساسة، في حين عانت 43 في المائة منها من تعطل العمليات التشغيلية، وأفادت 45 في المائة بتضرر سمعتها وفقدان ثقة العملاء. وتؤكد هذه الأرقام أن الحادثة الأمنية الواحدة كفيلة بتهديد البيانات وتعطيل الخدمات وإلحاق الضرر بالعلاقات التجارية الرئيسية للمؤسسة.

مسببات التهديدات: من الإهمال البشري إلى «سرعة الآلة»

وتتنوع المسببات وراء هذه الأضرار، إذ شكلت الأخطاء غير المقصودة أو الإهمال من قبل الموظفين والمستخدمين الموثوقين نسبة 47 في المائة من الحوادث الداخلية، بينما تسببت الهجمات المتعمدة من العنصر البشري في 31 في المائة منها. واللافت للأمر أن العمليات التي تنفذها نظم الذكاء الاصطناعي والنظم المستقلة باتت تتسبب وحدها بـ20 في المائة (حادثة من بين كل خمس حوادث) من الإخفاقات الأمنية الداخلية. ومع توسع الاعتماد على هذه النظم وتصرفها بنطاق صلاحيات موثوقة وبسرعة فائقة (سرعة الآلة)، فإن الأخطاء أو الاستخدام الخاطئ قد ينتشر قبل أن تتمكن فرق الأمن من التدخل. وتُحذّر الشركة من أن غياب الحوكمة الصارمة وآليات الاستجابة السريعة سيفاقم الخسائر المالية للمؤسسات مستقبلاً.

ويؤكد رئيس أمن المعلومات في الشركة أنه مع عمل وكلاء الذكاء الاصطناعي داخل البيئات الموثوقة للمؤسسات وبسرعات فائقة، فستكون المؤسسات الأكثر قدرة على الصمود هي تلك التي تُخضع هذه النظم للحوكمة باعتبارها هويات تتمتع بصلاحيات وصول عالية المستوى، بالتوازي مع تطوير مراكز عمليات أمنية ذاتية القيادة Agentic SOC مدعومة بوكلاء الذكاء الاصطناعي، قادرة على الاستجابة للتهديدات بالسرعة نفسها التي تتطور بها، بدلاً من الاعتماد على إجراءات العمل البشرية التقليدية.

ضغوط على رؤساء أمن المعلومات وفجوة في إدراك مجالس الإدارة

ويضيف الدور المتنامي للنظم المستقلة عبئاً جديداً على كاهل رؤساء أمن المعلومات إلى جانب المخاطر البشرية التقليدية. ففي المملكة العربية السعودية، أجمع 100في المائة من رؤساء أمن المعلومات الذين شملهم الاستطلاع على أن مسؤوليتهم تجاه إدارة المخاطر الداخلية قد ارتفعت خلال العام الماضي، بينما أعرب 70في المائة منهم عن قلقهم من التبعات والمسؤولية الشخصية في حال وقوع حادث أمني داخلي. وفي المقابل، أشار 80 في المائة منهم إلى أن الإدارات العليا وأعضاء مجالس الإدارة يفتقرون إلى الفهم الواضح لطبيعة المخاطر الداخلية وآثارها المحتملة، مما يضع رؤساء أمن المعلومات تحت ضغط لتفسير نطاق واسع من الأنشطة الموثوقة وبيان تبعاتها التجارية لإدارات قد لا تستوعب المشهد بكامله بعد.

مسار المواجهة الذكية

ومن جانب آخر، تُبرز النتائج الفرص المتاحة أمام رؤساء أمن المعلومات لتعزيز منظومتهم الأمنية، إذ أقر 80 في المائة من مسؤولي الأمن السيبراني في المملكة بعدم وجود رؤية واضحة لكيفية استخدام الموظفين لأدوات الذكاء الاصطناعي، كما أفاد 80 في المائة بأن مؤسساتهم غير مستعدة تماماً لإدارة المخاطر المرتبطة بهذه الأدوات والنظم المستقلة. ومن شأن تحسين مستوى الرؤية الشاملة وتحديد ملكية «الهويات غير البشرية» أن يمنح القادة الأمنيين ركيزة أوضح لتحديد المخاطر واتخاذ القرارات في الوقت المناسب.

ولكن الرؤية الشاملة لا تكتمل قيمتها إلا إذا اقترنت بالاستجابة السريعة، حيث تستغرق المؤسسات في المملكة ما متوسطه 5.1 ساعة لاكتشاف الحادث الداخلي، و8.4 ساعة أخرى للاستجابة له، أي ما يعادل 13.5 ساعة إجمالاً. وتؤكد هذه الفجوة الزمنية الحاجة الماسة للتحقيق في الأنشطة المشبوهة ضمن سياقها الصحيح واحتوائها بسرعة، لا سيما عندما تتصرف النظم المستقلة بسرعات فائقة.

وأكدت الشركة أنها تلمس اهتماماً متزايداً بفهم آلية عمل نظم الذكاء الاصطناعي الموثوقة وكيفية التعامل مع التهديدات قبل تحولها إلى خسائر تؤثر على الأعمال. وتحتاج فرق الأمن السيبراني اليوم إلى الاستفادة من بياناتها الأمنية والاستجابة بسرعة أكبر. وبالنسبة لرؤساء أمن المعلومات، يتطلب ذلك القدرة على تتبع أنشطة المستخدمين ووكلاء الذكاء الاصطناعي وتحليلها ضمن سياقها الصحيح واحتواء أي نشاط ضار قبل اتساع نطاق تأثيره.

ويمكن الرد على تنامي الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي باستخدام الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال حل Trellix Wise for Private Cloud الذي يُعدّ محركاً أساسياً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي لمراكز العمليات الأمنية الذاتية يتم نشره داخل البيئة الخاصة بالشركات. وصُمم هذا الحل لتقليص الفجوة بين اكتشاف التهديدات والاستجابة لها عبر تحقيقات أسرع، مع إبقاء البيانات الأمنية تحت السيطرة الكاملة للمؤسسة.


بحث جديد: حذف محادثاتك مع الذكاء الاصطناعي لا يزيل آثارها دائماً من الهاتف

تكشف الدراسة أن حذف محادثة مع مساعد ذكاء اصطناعي لا يعني بالضرورة إزالة جميع آثارها من ذاكرة الهاتف (أدوبي)
تكشف الدراسة أن حذف محادثة مع مساعد ذكاء اصطناعي لا يعني بالضرورة إزالة جميع آثارها من ذاكرة الهاتف (أدوبي)
TT

بحث جديد: حذف محادثاتك مع الذكاء الاصطناعي لا يزيل آثارها دائماً من الهاتف

تكشف الدراسة أن حذف محادثة مع مساعد ذكاء اصطناعي لا يعني بالضرورة إزالة جميع آثارها من ذاكرة الهاتف (أدوبي)
تكشف الدراسة أن حذف محادثة مع مساعد ذكاء اصطناعي لا يعني بالضرورة إزالة جميع آثارها من ذاكرة الهاتف (أدوبي)

طوّر باحثون في معهد جورجيا للتكنولوجيا أداة جنائية رقمية قادرة على استعادة أجزاء من محادثات محذوفة من مساعدين يعملون محلياً على هواتف «أندرويد»، ثم إعادة استخدام المعلومات المسترجعة لبناء جلسة تفاعلية جديدة. ويعد الخبراء أن حذف محادثة مع مساعد يعمل بالذكاء الاصطناعي على الهاتف قد لا يؤدي إلى إزالة جميع آثارها من الجهاز.

الأداة التي تحمل اسم (أوريسا) «ORISA» تستهدف المساعدين الذين يشغّلون نماذج لغوية كبيرة مباشرة على الهاتف، بدلاً من الاعتماد بالكامل على خدمات سحابية خارجية. وفي هذه الحالات، يمكن أن تبقى أجزاء من المحادثة في الذاكرة العاملة للجهاز لبعض الوقت حتى بعد حذفها من واجهة التطبيق.

استعادة ما تبقى في الذاكرة

تعتمد «ORISA» على تقنيات تحليل الذاكرة للبحث عن أجزاء من البيانات التي لم تُمحَ فعلياً بعد انتهاء الجلسة أو حذفها. ويشير الباحثون إلى أن حذف المحادثة لا يضمن بالضرورة إزالة كل نسخة مؤقتة من محتواها فوراً، خصوصاً إذا كانت بعض البيانات لا تزال موجودة في ذاكرة التشغيل.

وفي أحد الاختبارات، أنشأ الفريق مساعداً افتراضياً باسم «Project Note Keeper» باستخدام تطبيق «ChatterUI» على «أندرويد»، ثم زوّده بمائة معلومة وهمية عن مشروع قبل حذف المحادثة.

وعندما حاول الباحثون لاحقاً استعادة الجلسة باستخدام «ORISA»، تمكنت النسخة المعاد بناؤها من استرجاع 26 معلومة من تلك البيانات. وفي المقابل، كانت الجلسة الأصلية قبل حذفها قادرة على الوصول إلى 14 معلومة فقط، لأن بقية المعلومات خرجت من نطاق الذاكرة النشطة للنموذج. وتوضح هذه النتيجة أن بعض المعلومات قد تظل موجودة في ذاكرة الجهاز حتى بعد أن يتوقف النموذج نفسه عن استخدامها بصورة نشطة في أثناء المحادثة.

أظهرت الاختبارات أن بعض المعلومات قد تبقى في ذاكرة الجهاز حتى بعد أن يتوقف النموذج نفسه عن استخدامها (أدوبي)

اختبارات عبر تطبيقات ونماذج مختلفة

اختبر الباحثون الأداة على عشرة تطبيقات تعمل بنظام «أندرويد» وثلاثة نماذج للذكاء الاصطناعي، ضمن 60 إعداداً اختبارياً مختلفاً. وفي هذه الاختبارات، تمكنت الأداة من استعادة معلومات من المحادثات عندما ظلت أجزاء منها موجودة في ذاكرة الهاتف. ولا تعني النتائج أن كل محادثة محذوفة يمكن استعادتها بالكامل. فالباحثون يشيرون إلى أن عملية الاسترجاع تصبح أكثر صعوبة كلما استمر استخدام الهاتف، لأن الأنشطة الجديدة قد تكتب فوق البيانات القديمة الموجودة في الذاكرة. كما تركز الدراسة على مساعدين محليين يعملون على أجهزة «أندرويد»، ولا تقدم دليلاً على أن المحادثات المحذوفة من خدمات الذكاء الاصطناعي السحابية يمكن استعادتها بالطريقة نفسها.

قيمة للتحقيقات الرقمية

يرى الباحثون أن الأداة يمكن أن تمنح المحققين الرقميين وسيلة إضافية لمعرفة نوع المعلومات التي شاركها مستخدم مع مساعد ذكاء اصطناعي، وكذلك طبيعة المساعدة أو الإجابات التي تلقاها منه.

وقال كين شو، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن هذه التقنية يمكن أن تساعد في تحديد المعلومات التي قدمها المستخدم إلى المساعد وما تلقاه في المقابل، حتى في الحالات التي لم تعد فيها المحادثة ظاهرة داخل التطبيق. غير أن القدرة نفسها تثير تساؤلات تتعلق بالخصوصية، خصوصاً مع تزايد استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التي تعمل مباشرة على الهواتف بهدف إبقاء البيانات بعيداً عن الخوادم السحابية.

حدود الأداة

لا تعمل «ORISA» كأداة استرجاع عادية متاحة للمستخدمين، بل كأداة جنائية تتطلب الوصول إلى بيانات ذاكرة الجهاز وتخزينه. كما يعتمد نجاحها على ما إذا كانت البيانات المطلوبة لا تزال موجودة ولم يتم استبدال بيانات جديدة بها.

وقد أُنجز البحث داخل مختبر الابتكار في الأدلة الجنائية السيبرانية في معهد جورجيا للتكنولوجيا، بمشاركة باحثين من مجالي الأمن السيبراني والهندسة الكهربائية والحاسوبية.