عبد الوهاب البياتي بين صخب الحضور ووطأة النسيان

الشعر عنده منفى الأنا المتفاقمة والحياة حاضنتها

عبد الوهاب البياتي
عبد الوهاب البياتي
TT

عبد الوهاب البياتي بين صخب الحضور ووطأة النسيان

عبد الوهاب البياتي
عبد الوهاب البياتي

لم يكن عبد الوهاب البياتي واحداً من الشعراء الذين ارتضوا الإقامة في الظل، أو التعويل على الصمت، أو ترْك نصوصه وأعماله لتواجه بلا ظهير مصيرها المبهم، كما فعل كثير من أترابه ومجايليه. ولكنه لشدة إحساسه بالتميز، جند نفسه لخدمة شعره، ولتثبيت موقعه المتقدم في حركة الحداثة، موزعاً حياته بالتساوي بين اقتراف الكتابة وخوض المعارك الشخصية والأدبية الصاخبة للدفاع عنها. ورغم ما كانت تشي به ملامح وجهه الظاهرة من بشاشة أبوية وحضور أليف محبب، لم يكن البياتي يتورع، بما أوتي من ذكاء لماح وسخرية جارحة، عن الفتك بكل خصومه ومنافسيه، أو الذين يرى فيهم تهديداً محتملاً لمكانته الشعرية ولأناه المتفاقمة. ولم يكن الشاعر ليرضى في الوقت نفسه أن يقيم هانئاً في مناطق الحياة المعتدلة، بل كان يرى سعادته في المهب العاصف للأشياء، وعلى الأطراف الضدية للأفكار والقناعات، وللعلاقات الإنسانية المتفاوتة صداقة وعداوة. إلا أن البياتي الذي نجح في خسارة كثير من صداقاته، وكسب كثير من العداوات، بدا لحظة رحيله، في دمشق قبل عقدين من الزمن، وفي مثل هذه الأيام بالذات، غريباً شبه وحيد، منبتاً على وجه التقريب، حتى عن أولئك الذين أحاطوا به واحتفوا بتجربته أشد الاحتفاء في لحظات صعوده المتسارع.
على أن أحداً من متابعي البياتي وقرائه لم يكن ليتصور بأي حال أن يتراجع اسم الشاعر ونتاجه الغزير إلى خانة النسيان، وهو الذي اعتبر، مع السياب ونازك، أحد أكثر رواد الحداثة شهرة ومحلاً للحفاوة والمتابعة والتكريم. صحيح أن النجاح الذي أصابه يدين ببعض منه إلى تعهده بالعناية من قبل الأحزاب الشيوعية العربية ومنظومة اليسار الدولي، ولكن الصحيح أيضاً أن بعضه الآخر متصل بثراء تجربته وتنوعها، وبقدرته الماكرة على الخروج من نفق المباشرة والواقعية الفظة. ومع ذلك، فإن المبالغة في احتضان البياتي من قبل المنظومة العقائدية التي تبنته لم تكن ناجمة عن الافتتان بتجربته الإبداعية، بل بدت في لحظة ما بمثابة «مكافأة له على إخلاصه العقائدي»، خصوصاً بعد انعطافة السياب الدراماتيكية باتجاه المشروع العربي القومي. هكذا، تم تطويب البياتي على سدة الشعر «الملتزم» المدافع عن المقهورين والمضطهدين في الأرض، في حين تعرّض صاحب «أنشودة المطر» إلى أنواع السباب والتجريح كافة، ودعاوى الردة والتخوين. وليس أدل على الارتباط الوثيق بين صعود نجم البياتي وصعود القوى السياسية التي تبنته ناطقاً باسمها، ومعبراً عن أفكارها ومعتقداتها، من التراجع الواضح لنجوميته ولمنسوب الاهتمام بشعره بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ومعسكره الحليف في نهاية الثمانينات من القرن المنصرم. حتى إذا ما مر وقت قصير على رحيله، بدأ نجمه الشعري في الخفوت، فيما بدأ اسمه المدوي يترنح شيئاً فشيئاً تحت المطرقة الثقيلة للنسيان. ومن حقنا جميعاً، كتاباً وقراء ومتابعين، أن نطرح الأسئلة التالية: هل كان البياتي ظاهرة إعلامية تراجع وهجها بتراجع الآيديولوجيا التي تبنتها؟ وهل عاد شعر البياتي إلى حجمه الطبيعي بعد أن فقد القدرة، بسبب الموت، على الترويج المفرط لنفسه ولكتاباته؟ وإذا كان تراجع الظهير الآيديولوجي للتجربة الشعرية يفضي بالضرورة إلى تراجعها، فلماذا لم يسقط شعر نيرودا ولوركا وأراغون وإيلوار، وغيرهم ممن اعتنقوا الفكر الماركسي، في حين سقط المئات ممن حولوا الآيديولوجيا إلى رافعة وحيدة لتجاربهم الهشة البائسة؟ ولماذا من جهة أخرى تظل أسماء السياب وقباني ودرويش حاضرة في الأذهان كما في مواقع التواصل، بينما لا تجد أسماء أخرى، وبينها البياتي، الصدى نفسه والاحتفاء إياه؟ ثم هل من الإنصاف في شيء أن نضع كل ما كتبه البياتي في سلة «اليقين» العقائدي، ونتناسى أعماله الأخرى التي تنقب عن الشعر في تربة الشكوك والأسئلة الحارقة؟
لا تتسع هذه الفسحة المحدودة بالطبع للإجابة عن هذه الأسئلة، أو لإعادة قراءة النتاج الغزير للبياتي بشكل هادئ معمق. لكن ذلك لا يمنع من ملاحظة أن كثيراً من نتاج البياتي المبكر كان أشبه بتعميمات عقائدية وكليشيهات سياسية مباشرة يغلب فيها الوظيفي على الجمالي، وتتحول الكتابة إلى أداة لتمجيد قوى الثورة العالمية وهجاء القوى التي تناهضها. وهو ما نجد تمثلاته في أعمال الشاعر الأولى، مثل «المجد للأطفال والزيتون» و«كلمات لا تموت» و«عشرون قصيدة من برلين»، حيث تبدو النصوص أقرب إلى الشعرات والأفكار المعلبة منها إلى أي شيء آخر: «صوت لينين الأخضر العميق لا يزالْ \ يهدر في العالم، والرايات في الجبالْ \ تسدّ درب الشمس \ والآلات والأنوالْ \ أسمعها تنبض في قلوبكم يا إخوتي العمالْ». وفي رثائه لأحد المناضلين ضد الفاشية، يقول البياتي: «سنابل سبعٌ من اليونانْ \ من أم ديمتروف، من صوفيا ومن أطفال كردستانْ \ حملتها إليك يا رفيقنا تيلمانْ \ المجد للإنسان \ لعالم يولد تحت الراية الحمراءِ \ تحت راية العمال، يا رفيقنا تيلمانْ \ لحبة القمح التي تمدّ عبر قبرك الأجفانْ \ للطفل والكادح والفنانْ \ المجد للبحر وللربان». ولم يوفر البياتي من هجائه اللاذع كثيراً من زملائه الشعراء، تحت ذرائع مختلفة، من بينها مواقفهم السياسية المتذبذبة، أو استخذاؤهم للسلطة، أو تهالكهم على الملذات. وإذا لم يكن يعمد إلى ذكرهم بالأسماء الصريحة، فنحن لا نلبث أن نهتدي إليهم من خلال القرائن والنعوت، كما في قصيدة «صورة تقريبية لبورجوازي صغير يقرض الشعر»، حيث نقرأ «رأيته في سنوات الموت والحصارْ \ ممثلاً في الشام \ دور الذي تعبده النساء - دون جوانْ \ دور صديق قائد الأركانْ \ معلقاً من ذيله كالببغاء الأعور السكرانْ \ يشرب بالمجانْ \ ينشد شعراً للصوص الثورة الخصيانْ \ في هيئة الأركانْ».
على أن المشكلة الحقيقية في بعض شعر البياتي لا تنحصر في الرزوح تحت وطأة الشعار السياسي فحسب، بل ثمة تغييب واضح للذات الفردية، في مشاعرها الحميمة وهواجسها المحتدمة، لمصلحة الأنا الجمعية التي تضغط بثقلها على الشاعر الذي يستمرئ من جهته كونه منشد الجماعة وحادي أفراحها وأتراحها. والغريب في الأمر أن التفاقم شبه المرَضي للأنا عند البياتي لم يتم استثماره في شعره بشكل مناسب، بل تم فصل الأنا عن مسارها الطبيعي لاستثمار «تضخمها» في صياغة الكليشيهات والتعاميم السياسية، كتلبية منه لنداء «الواجب» الأخلاقي. هكذا، باتت الأفكار المجردة، لا الحالة الشعورية، هي الأساس والمنطلق، وباتت الكتابة في بعض مراحلها عملاً موضوعياً، لا انبثاقاً جامحاً لعواصف الداخل. وإذا كان البياتي في كتابه «حرائق الشعراء» قد استشهد بمقالة لمحمد البطراوي، مفادها أن البياتي، وخلافاً للسياب، يعمل على «إشراك الآخرين في شعره، ويغلب الهم العام على الهم الخاص»، فإن هذه الملاحظة في عمقها تصب في مصلحة صاحب «منزل الأقنان» الذي عرف من خلال حفره الشاق في تربة ذاته كيف يلتقي مع ذوات الآخرين. كما نلاحظ في كثير من دواوين البياتي فقرا ًواضحاً في التوزيعات الصوتية، ورتابة في الشكل، وقصراً مفرطاً في السطر الشعري يترافق مع الإلحاح على التقفية التي تذكرنا بفن السجع، لشدة نمطيتها وقربها بعضها من بعض.
لكن ما ورد ذكره ليس الوجه الوحيد لشاعرية البياتي، ولتجربته المديدة التي يُحسب لها تنوعها وترحلها القلق بين الأشكال والمقاربات المختلفة. فمن الظلم بمكان ألا نستثني من بدايات الشاعر المشار إليها ديوانه المميز «أباريق مهشمة» الذي يتجاوز فقر التشكيل وآفات التنميط الأسلوبي وبرودة الكتابة، ليتلمس الشعر في تدفقه التلقائي وأماكنه اللصيقة بالروح: «سأكون! لا جدوى، سأبقى دائماً من لا مكانْ \ لا وجه لا تاريخَ لي، من لا مكانْ \ الضوء يصدمني وضوضاء المدينة من بعيدْ \ نفس الحياة، يعيد رصفَ طريقها سأمٌ جديدْ \ أقوى من الموت العنيدْ \ وأسير لا ألوي على شيء، وآلاف السنينْ \ لا شيء ينتظر المسافرَ غير حاضره الحزينْ». وسيكون من الإجحاف بمكان ألا نلاحظ ما شهدته أعمال البياتي اللاحقة، مثل «مملكة السنبلة» و«بستان عائشة» و«قمر شيراز» وغيرها، من تطور واضح على مستوى الأسلوب والتكثيف الصوري والرؤية إلى العالم. ففي هذه الأعمال، ينتقل الشاعر من الأشكال الرتيبة والسطور المتقاربة والمسجعة نحو التدوير والنص المفتوح، الخالي من التقفية المعيقة لنموه الداخلي. كما تتوارى الموضوعات السياسية والدعوية المباشرة، ليحل محلها نزوع تأملي صوفي يتحد فيه الماضي بالحاضر والمستقبل، وتتخفى فيه الذات الفردية وراء عشرات الأساطير والرموز التراثية والدينية والإنسانية.
وفي هذه الأعمال يجسد البياتي الوجه الأصفى لشاعرية الهجرة والرحيل، باحثاً في منفاه الجسدي والنفسي عما يجعل من لغة الشاعر موطئاً لروحه ووطناً لأسئلته الحائرة: «أي حبّ هو هذا؟ \ عندما يكتشف الشاعر في منفاه سرّ الآلهة \ عندما يصبح هذا النص مفتوحاً \ وهذا القرْع في شاهدة القبرِ \ حضوراً في الوجودْ \ تنهض الوردة من تابوتها \ حاملة نار جنون العشقِ \ نار الملكوتْ». وفي «كتاب البحر» الذي سبق رحيله بقليل، يستعيد البياتي كثيراً من عذوبة اللغة التي عكستها مجموعته المبكرة «أباريق مهشمة»، ليعلن على الملأ «تعاليمه» الملفوحة برياح الحسرات: «سأقول للكلمات كوني وردة \ سأقول للشعراء كونوا صادقينْ \ سأقول للسنوات عودي \ للحياة تفجّري \ سأقول كوني وردة لغزالة البحر العشيقْ \ سأقول للأزهار كوني خيمة لحبيبتي \ وسأشعل النيران في المدن الغريقة تحت قاع البحر والورق العتيق». وإذا كان بعض شعر البياتي سيسقط بسقوط المناسبة التي أنتجته، أو الأفكار التي استند إليها، فإن بعضه الآخر سيظل، بما يمتلكه من مساحات تأويلية وتبصر حدسي وصور بعيدة الغور، قادراً على مقارعة النسيان والصمود في وجه الزمن.



بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.