الحوثيون يستخدمون التعليم منصة للتعبئة الطائفية والقتالية

عبر فعاليات مدرسية وأنشطة ودورات ومحاضرات خارج القانون

TT

الحوثيون يستخدمون التعليم منصة للتعبئة الطائفية والقتالية

لم يدرك منصور الأكحلي (16 عاماً) أن العلامة المطبوعة على قميصه الرياضي ستجلب له كل تلك المتاعب. لكنه لمس خطورة ذلك على حياته في 16 فبراير (شباط) 2019. عندما تعرّض للاعتداء على يد زملائه في الصف الأول الثانوي في مدرسة خاصة جنوبي صنعاء، حيث وضعوه أرضاً، وضربوه وشتموه بألفاظ جارحة ثم مزقّوا قميصه.
يقول منصور: «لم يكن القميص هو السبب بل العلم الأميركي المرسوم عليه».
أحد وكلاء المدرسة يعلق على تلك الحادثة: «قبل لحظات من الاعتداء على منصور، تعرّض الطلاب لشحنة عاطفية وحماسية ضد أميركا وإسرائيل وحكومة اليمن المعترف بها دوليا، أحرقوا خلالها أعلام الدولتين وصور بعض قيادات حكومة اليمن، وداسوها بأقدامهم». يضيف وكيل المدرسة الذي فضّل حجب هويته: «عندما شاهدوا العلم على قميص زميلهم اعتبروه نوعا من الخيانة».
قبل تلك الواقعة بثلاثة أيام، كانت المدرسة تلقّت تعميماً من إدارة الإعلام التربوي في أمانة العاصمة صنعاء - التي تسيطر عليها جماعة ما تسمى بـ«أنصار الله»، المعروفة باسم الحوثيين - بفرض إقامة وقفات احتجاجية في طابور الصباح. كما أمرت بتخصيص جميع فقرات الإذاعة المدرسية لمدة أسبوع للحديث عن رفض «التطبيع» والدوس على علمي أميركا وإسرائيل.
تقول مشرفة في مدرسة حكومية إن إدارة المدرسة تتلقّى «يوميا» توجيهات من مكتب التربية في العاصمة صنعاء ووزارة التربية والتعليم، التي يديرها يحيى الحوثي شقيق زعيم الحوثيين. وتوضح المشرفة - التي طلبت حجب اسمها لأسباب أمنية - أن معظم المذكرات الداخلية تركّز على «تنفيذ أنشطة تخدم جماعة الحوثي ولا علاقة لها بالأنشطة المدرسية التي يفترض أن تنمي مهارات الطلاب».
وتوصل معد التحقيق بعد جولة في 20 مدرسة في محافظتين مختلفتين إلى أن جماعة الحوثي تفرض على المدارس - الواقعة ضمن مناطق سيطرتها - إقامة «أنشطة طائفية»، بغرض إقناع الطلاب بأفكارها ومبادئها المذهبية، ما يشكّل تهديداً للنسيج المجتمعي ويدفع بأسر يمنية لنقل أبنائها إلى مدارس في محافظات أخرى خارج سيطرة الجماعة.
كما تتضمن الأنشطة غير المنهجية دعوات للتعصب وحمل السلاح، ودفع طلاب إلى جبهات القتال، فضلا عن إساءات لرموز وقناعات عقيدة الطلبة ممن لا يتبعون المذهب الديني المعتمد لدى الحوثيين، حسبما وثق معد التحقيق خلال جولات ميدانية على مدى ستة أشهر.
على أن وزارة التربية والتعليم الحوثية تنفي سيطرة جماعة الحوثي على العملية التعليمية في المناطق الخاضعة لها أو فرض خطابها على التلاميذ.
المهندس مهيوب القباطي (43 عاماً) نقل ابنه حسام من مدرسة الطبري في صنعاء القديمة إلى مدرسة الشعب في تعز، بعد أن أساء مدرسون وطلاّب معاملته لأنه يرفض ترديد شعار جماعة الحوثي المعروف بـ(الصرخة) في طابور الصباح: «الموت لأميركا... الموت لإسرائيل... اللعنة على اليهود... النصر للإسلام».
يقول القباطي: «كانوا يقولون لحسام أنت لا تردّد الشعار، يعني أنت مع العدوان»، في إشارة إلى التحالف العربي الذي يساند الجيش التابع للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي منذ ربيع 2015 في الحرب ضد جماعة الحوثي.

- فرض الشعار
ومن خلال استبيان وزع على مشرفين ومديرين في 20 مدرسة بصنعاء ومحافظة إب (193 جنوب صنعاء) - الخاضعة أيضا لسيطرة الحوثي منذ سبتمبر (أيلول) 2014. توصل معد التحقيق إلى أن الحوثيين لم يفرضوا على جميع الطلاب ترديد شعار الجماعة، لكنهم فرضوا على مدى أربعة أعوام أنشطة تخدم فكرهم.
ويقول معلمون - فضّلوا حجب أسمائهم - إن الحوثيين استقطبوا لذلك عددا كبيراً من المدرسين وعينوا مديري مدارس موالين للجماعة، ما أسهم في نشر ما يطلقون عليه الـ«الثقافة القرآنية» المستقاة من محاضرات مؤسس الحركة حسين الحوثي. وهكذا نجحوا في إقناع عدد كبير من الطلاب بترديد «الشعار» الداعي بالموت لأميركا، وإسرائيل واليهود، والذي يستخدم كغلاف للنشاط المذهبي الحوثي، وفق أحد المعلمين.
تقول مشرفة في مدرسة حكومية إن وزارة التربية تكرر إرسال أحد القيادات التعبوية ويدعى عبد الفتاح الجبري لإلقاء محاضرات على الطلاب في طابور الصباح وتوزيع ملصقات ومطويات تحمل شعارات الحوثيين. وتتابع «كان في البداية يردّد «الصرخة» بعد كل محاضرة بمفرده، لكن مع مرور الوقت درج عدد من الطالبات والمدرسين على ترديدها خلفه».
معلم في مدرسة جمال الحكومية بمديرية التحرير في صنعاء يؤكد ما سبق، ويضيف لمعد التحقيق: «هناك أسر تنتمي إلى السلالة الهاشمية التي تناصر جماعة الحوثي وتعلم أبناءها ترديد هذا (الشعار) وهناك طلاب أصبحوا مقتنعين بفكر الجماعة». لكنه يستدرك أنهم لا يتجاوزون 25 في المائة من عدد الطلاب، وفق ملاحظته الشخصية.

- «كونوا أنصار الله»
قال الله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ»، هكذا اجتزأ أبو هاشم القيادي فيما تسمّى «الهيئة الثقافية» للجماعة الحوثية الآية القرآنية مستهلا بها كلمته أمام أكثر من 600 طالب في مدرسة (أ. ك) الحكومية بصنعاء صباح السبت 23 فبراير(شباط) 2019. وفي غمرة انفعاله، حضّ أبو هاشم الأطفال على المشاركة في إسناد جبهات القتال بمختلف «أنواع الصمود». على مدى ساعة، استشهد أبو هاشم 17 مرة بـ«توجيهات السيّد»، في إشارة إلى عبد الملك الحوثي زعيم الجماعة. وكلما ذكر اسم الحوثي كان العديد من الطلاّب والمدرسين يردّدون شعار (الصرخة).
مدرسة (أ.ك) إحدى أهم المدارس الحكومية التي رفدت جبهة الحوثيين بالمقاتلين، بحسب وكيل المدرسة، الذي يقول إن أزيد من 20 طالبا سقطوا قتلى في الجبهات.
الوكيل - الذي فضّل حجب اسمه - يقدّر بالمئات عدد المقاتلين من خريجي المدرسة. «فجميع من يشارك في القتال ضمن صفوف الحوثيين مؤمنون بثقافة وفكر الجماعة»، حسبما يشرح الوكيل، الذي يقطن في ذات الحي حيث المدرسة.
ويؤكد أن إدارة المدرسة وعائلات طلبة أسهمت في تعبئة الطلاب بالثقافة الحوثية، ذلك أن أحياء منطقة شمال مدينة صنعاء من أهم مراكز تجمع المنتمين للسلالة الحوثية، التي تقدّسها الجماعة وترى أنها الأحق بالحكم امتثالا «لأمر إلهي»، وفق معتقدها.

• دورات للمدرسين والمديرين
«إنه اختطاف وليس دعوة لحضور دورة ثقافية»، بهذه العبارة يلخّص مدير مدرسة خاصة في العاصمة صنعاء تجربة حضور دورة ثقافية أقامتها جماعة الحوثي لنشر أفكارها.
كان مدير المدرسة - الذي تجاوز عمره (الخمسين عاماً) - قد رفض مراراً دعوة مشرف المنطقة للمشاركة في دورة ثقافية، ما اضطر القائمين على النشاط للحضور إلى مكتبه «دخلوا مكتبي بعد انتهاء الدوام وطلبوا مني مرافقتهم رافضين أي عذر وأكدّوا أنهم سيخبرون زوجتي وأبنائي بمكاني» في حال خرج معهم، يستذكر المدير بألم. وبعد خمسة أيام من الانقطاع عن العالم اكتشف أن أسرته لم تبلغ بمكان وجوده، لتعيش أسبوعا من الخوف والقلق على مصيره.
ويؤكد المدير أن معظم المحاضرات التي شارك فيها على مدى أسبوع مع 27 من مديري ووكلاء مدارس أخرى، تركّز على «حق الولاية للإمام علي بن أبي طالب» وأبنائه من بعده (يرجع الحوثي أصوله إلى سلالة علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله). كما تحث على نصرة الجماعة بالمال والرجال وحشد الشباب للالتحاق بالقتال.
ويطالب المحاضرون أيضا بتوظيف الأنشطة والإذاعة المدرسية في تعزيز هذا التوجه وغرس الولاء في نفوس الطلاب للحوثي الذين يعتقدون بأن الله «ولّاه على المسلمين».
في تعميم عبر مجموعة «واتس آب» مخصّصة لمديري ووكلاء ومشرفي المدارس بمديرية «الثورة» بالعاصمة صنعاء، فرض مدير المنطقة التعليمية حينها عصام الخالد في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2018 على كل مدرسة إرسال مدرس أو إداري لحضور دورة ثقافية. وشدّد مرسل التعميم على أن «كل موظف في المدرسة سيأتي عليه الدور لحضور تلك الدورة»، كما طالب «بإيفاد المدرسين والإداريين لحضور الدورات الثقافية واعتبارهم في إجازة رسمية». كما هدّد مرسل التعميم الإلكتروني «من يتساهل بالأمر بتعريض نفسه للمحاسبة».
لدى تحليل محتوى استمارة الاستبيان، وجد معد التحقيق أن 14 من 20 مستجيبا أكّدوا أن «معظم المدرسين يجبرون على المشاركة في الدورات الثقافية»، فيما يعتقد «أربعة من العينة أن المدرسين يذهبون إلى الدورات وفق رغبتهم». وأجاب اثنان من الـ20 بأنهما يشاركان تجنبا للمشاكل.
ولا تنحصر الدورات الحوثية بالمدرسين والإداريين بل تأمر إدارات المناطق التعليمية المدارس باستمرار إرسال التلاميذ خلال إجازات نصف العام والإجازة الصيفية للمشاركة في «دورات ثقافية»، تتمحور حول مواضيع دينية.
ويسعى المحاضرون لإقناع المشاركين بهذا الفكر وصواب الحرب الحوثية التي «تستهدف أميركا وإسرائيل وعملاءهما، وبالتالي مناصرة هذا الحق بالقول والفعل وحمل السلاح».
وفي تعميم عقب امتحانات الفصل الأول من العام الدراسي الحالي، طلب مدير المنطقة التعليمية بمديرية الثورة بصنعاء من كل مدرسة في المنطقة «تجهيز خمسة طلاب في الثانوية لإدخالهم دورة ثقافية مدتها ٢٠ يوما».

- معاناة مستثمرين
يفكّر أحد المستثمرين بإغلاق المدرسة التي أسسها قبل 14 عاماً، في منطقة بيت بوس وتسريح كادرها المؤلف من 38 مدرسا وموظفا نتيجة الممارسات التي تفرضها وزارة التربية والتعليم الخاضعة للحوثيين.
ويتذمر مالك المدرسة من ضغوط المنطقة التعليمية وإجبار إدارة المدرسة على تنفيذ أنشطة تسهم «في تحويل الطلبة إلى عناصر متعصبة لا يمكن أن تساعد في خدمة المجتمع».
يشكو هذا المستثمر من «الشعور بالإسهام في تدمير المجتمع، من خلال خلق جيل مدمر نفسيا ومتعصب طائفيا». في الأثناء تسعى إدارة المدرسة إلى «تخفيف آثار الممارسات الحوثية وإخفاء بعض الملصقات التي تحمل شعارات متطرفة: كالإساءة لبعض صحابة الرسول أو صور بشعة لضحايا الحرب». لكنهم لا يفلحون دائما في تجنيب الطلاب مثل هذه الأنشطة والمنشورات، حسبما يقول.
وفي معرض التنبيه إلى أثر هذه الأنشطة على الطلاب واهتماماتهم ومستوى تفكيرهم، يتساءل المستثمر: «تخيل طلاب في الصف السابع الأساسي يتجادلون في الخلاف التاريخي بين المذاهب؟» ثم يردف: «ما الذي تنتظر أن يقدمه هذا الجيل للبلد غير مزيد من الصراع؟».

- فعاليات طائفية
تتراوح «الاحتفالات» المفروضة على المدارس بين «أسبوع الشهيد وأسبوع الصمود والمولد النبوي وميلاد فاطمة الزهراء، وذكرى مقتل مؤسس الجماعة» حسين بدر الدين الحوثي في سبتمبر(أيلول) 2004. إذ تأمر وزارة التربية التابعة للحوثيين جميع المدارس الخاصة والحكومية بإقامة فعاليات فنية وثقافية وخطابية ورياضية، وتنفيذ زيارات إلى مقابر قتلى الحرب التي تخوضها الجماعة.
وتراقب الجماعة مدى التزام المدارس بتنفيذ التوجيهات من خلال مشرفين اجتماعيين من عناصر الحوثيين وأنصارهم. ويمثّل هؤلاء المشرفون قناة التواصل الوحيدة التي تتلقى من خلالها المدارس توجيهات وأوامر وزارة التربية والمنطقة التعليمية.
تحليل الاستبيان أفضى إلى أن 80 في المائة من العينة المستهدفة يؤكدون أن الحوثيين يستخدمون تلك الفعاليات والمناسبات لنشر فكرهم الطائفي، فيما تذكر 20 في المائة من العينة أن الحوثيين لا يفعلون ذلك.
في الفترة بين 19 و29 يناير (كانون الثاني) 2019. أجبرت وزارة التربية الخاضعة للحوثي المدارس الحكومية والأهلية على إحياء ما تسميه «أسبوع الشهيد»، من خلال عدّة أنشطة؛ أهمها تخصيص الإذاعات المدرسية للاحتفال بذكرى القتلى وأبنائهم وبناتهم وتنظيم وقفات في هذه الذكرى. كما أمرت بإقامة محاضرات وأنشطة رياضية، وإعداد مطويات ومجلات حائطية، فضلا عن تنظيم زيارات لأسر القتلى وتقديم العون لهم وعرض نماذج من بطولاتهم وزيارات مقابرهم.
وكانت الوزارة الحوثية أصدرت تعميما رقم (429) بتاريخ 25 ديسمبر (كانون الأول) 2018. الخاص بإقامة فعاليات بمناسبة مرور أربعة أعوام على ما وصفته بـ«الصمود في وجه العدوان السعودي - الأميركي».
ومن تلك الفعاليات تنظيم معارض لصور قتلى الجماعة، بالإضافة إلى ندوات وفعاليات ثقافية ورياضية في جميع المدارس مع تخصيص حصص التعبير للحديث عما تصفه الجماعة بـ«الصمود الأسطوري». وكذا تنظيم زيارات تربوية (مدرسين وإداريين) وطلابية لجرحى الحرب في المستشفيات.
آثار نفسية
الطالبة فاتن حمود (15 عاماً) تقول إنها تتجنب النظر إلى لوحة كبيرة معلقة على الجدار الداخلي لمدرسة «عائشة» القريبة من جامعة صنعاء لأنها تشعر بـ«ألم نفسي فظيع واكتئاب يمنعاني من استيعاب دروسي».
وكانت جماعة الحوثيين فرضت على جميع المدارس في صنعاء رفع لوحة «بنر» على الجدار بطول مترين وارتفاع متر ونصف تحمل صور أشلاء أطفال تزعم أنهم من ضحايا قصف طيران التحالف العربي، حسبما يؤكد مشرفو مدارس.
حكيم دبوان - الذي يحمل الماجستير في الطب النفسي - يؤكد أن تعرّض الأطفال لمثل هذه المشاهد يولد لديهم أضراراً نفسية وجسدية كالإحساس بالذنب لعجزهم عن تقديم المساعدة، والاكتئاب والخوف وضعف الشهية والصداع. ويشرح دبوان بأن «الشحن الطائفي المتسم بثقافة الكراهية للآخر التي يتعرض لها الأطفال في المدارس يجعلهم أكثر عدوانية في تعاملهم مع بعضهم ومع المجتمع المحيط بهم، ويصبح من الصعب تقويم سلوكهم أو أفكارهم».
إلى ذلك يرى أن «ما تقوم به وزارة التربية في المدارس من أنشطة طائفية وتحريضية تضر بشكل مباشر وتؤثر على قدرة الطالب في التحصيل العلمي، فتصبح مواجهة الأعداء هي الأولوية عند الطالب وليس التعليم».

- الأطفال يصرخون
مبروك الجماعي (37 عاماً) يقول إنه تفاجأ عندما رأى ابنه عمر (6 سنوات) يؤدي «الصرخة» في احتفال أقامه مجمع الثورة التربوي في مدينة حجة لتكريم الطلاب المتفوقين في النصف الأول من العام الدراسي الحالي. وعندما سأله أين تعلّم «الصرخة»، رد عمر «يعلموننا إياها في المدرسة».
ويؤكد الجماعي في حديثه لمعد التحقيق «أن عمر وأقرانه لا يدركون معنى «الصرخة» (هي ذاتها الصرخة التي فرضت في إيران عقب الثورة الخمينية مطلع 1979)، لكن حرص الحوثيين على تأصيلها في التركيبة النفسية للصغار سيخلق جيلا طائفيا بامتياز». ويؤكد هذا الأب أنه وأقرانه لم يسمعوا «بالصرخة إلا بعد أن سيطر الحوثيون على المحافظة»، لافتا إلى «أنها ثقافة دخيلة على مجتمعنا».
وأكد تسعة من عشرة معلمين (18 من 20 مستجيبا للاستبيان) أن الحوثيين يمارسون ضغوطا على إدارات المدارس لتنفيذ مثل هذه الأنشطة. كما أجاب تسعة من العشرة أنهم تلقوا دعوة لحضور دورات ثقافية حوثية عرضها عليهم مديرون ومشرفون في المدارس، فيما استجاب سبعة من العشرة لهذه الدعوات.
وحول ما إذا كانت الجماعة أجبرتهم على المشاركة، أجاب أربعة من عشرة منهم أنهم لم يكونوا يرغبون في حضور الدورة، فيما شارك فيها ثلاثة من عشرة «تجنبا للوقوع في مشاكل» مع الحوثيين. ولم يتعرض المدرسون الذين رفضوا المشاركة لأي إجراءات عقابية، لكنهم يؤكدون أنهم لمسوا تغيرا في أسلوب التعامل معهم من المديرين والمشرفين، من قبيل استبعادهم من المشاركة في الأنشطة المدرسية وأي نقاشات تخص المدارس. كما يتعرضون للمحاسبة عن أي تقصير مهما كان بسيطا رغم أنهم يعملون دون مرتبات، حسبما يقول أحدهم، مضيفا: هذه الممارسات «تشعرنا دائماً بالقلق». في المقابل ينفي وكيل وزارة التربية والتعليم الحوثية بصنعاء سيطرة جماعة الحوثي على العملية التعليمية في المناطق الخاضعة لها. وفي رد عبر الهاتف على أسئلة شبكة أريج باتصال هاتفي، يقول النعيمي إن الأنشطة التي تنفذها المدارس تأتي «من باب التفاعل مع المناسبات الدينية وإحياء للموروث الثقافي الشعبي». كما ينفي توظيف المدارس لخدمة صراع جماعته السياسي والديني، أو أن تكون الوزارة قد أجبرت المدرسين على حضور «الدورات الثقافية» التي تقيمها الجماعة.
بمراجعة قائمة المناسبات التي كانت تحييها المدارس الحكومية والخاصة في عموم اليمن حتى عام 2015. تبيّن أن أيا من المناسبات التي فرضتها جماعة الحوثي لم تكن موجودة في إطار المادة 23 من اللائحة المدرسية الصادرة عام 1997.
كما أن الأنشطة التي تفرضها الجماعة ليست ضمن ما كانت تحدّده اللائحة في باب الأنشطة المدرسية، ولا تنسجم مع المادة 129 منها، والتي نصّت على أن الأنشطة المدرسية جزء من المنهج الدراسي بما يخدم تطوير معارف التلاميذ وخبراتهم. وتشدّد المادة 181 من الباب الخامس الخاص بالأحكام الختامية على خلو المدرسة من جميع ممارسات التعصب القبلي والطائفي والحزبي.

- المدرسة طريق إلى الجبهة
تقول سبأ القباطي المشرفة في إحدى المدارس الخاصة بمنطقة بيت بوس إن 12 من طلابها في المرحلتين الأساسية والثانوية التحقوا بجبهة للقتال في صفوف الحوثيين. وتستبعد سبأ ذهاب معظمهم لولا الأنشطة المدرسية التي تفرضها الوزارة على المدرسة.
وفي هذا السياق، اتهم وزير حقوق الإنسان اليمني محمد عسكر في ندوة عقدت بجنيف على هامش أعمال الدورة 38 لمجلس حقوق الإنسان، جماعة الحوثي بتجنيد أكثر من 15 ألف طفل منذ سبتمبر (أيلول) 2014 وإشراكهم في القتال الدائر بين الجماعة وقوات الجيش التابعة للحكومة الشرعية المدعومة من دول التحالف. وكانت منظمة مواطنة الحقوقية في صنعاء اتهمت أيضا جماعة الحوثي وحلفاءها بتجنيد مئات الأطفال. وذكرت في تقرير أصدرته عام 2018 أنها تحققت من تجنيد 510 أطفال خلال 2017 في صفوف جماعة الحوثي وحلفائها، «للعمل عند نقاط التفتيش، في اللوجيستيات القتالية ولأغراض عسكرية أو أمنية أخرى». كما اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش قوات الحوثي والحكومة والقوات الموالية لها وجماعات مسلحة أخرى باستخدام الأطفال كجنود، إذ ذكرت في تقريرها عن الأوضاع الإنسانية في اليمن للعام 2017. أن الأطفال يمثلون نحو ثلث المقاتلين في اليمن حتى أغسطس (آب) 2017، وأن حالتين من كل ثلاث حالات وثّقتها تنخرطان ضمن قوات الحوثي.

• معد التحقيق اضطر لحجب أسماء المدارس ومعظم المصادر لكي لا تتعرض للمساءلة في مناطق الحرب.
• أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية» (أريج).
* شارك في إنجازه أيضا: علي ربيع


مقالات ذات صلة

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

أكد مجلس القيادة الرئاسي اليمني التزام الدولة بالتصدي الحازم لأي محاولات تستهدف تعطيل مؤسساتها الوطنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.