السفر و{غواية الجميل}... انعكاسات أدبية

على مدار التاريخ كان هناك مسافرون يتخلون عن بطاقة العودة

السفر و{غواية الجميل}... انعكاسات أدبية
TT

السفر و{غواية الجميل}... انعكاسات أدبية

السفر و{غواية الجميل}... انعكاسات أدبية

يحتاج المسافر إلى ساقين قويتين تحملانه وذراعين قويتين تجران الحقيبة، ومعدة قوية تستجيب لنزواته، لكنه يحتاج إلى عينين أكثر من كل شيء.
العين هي أول وأقوى مداخل الدهشة؛ لذلك أفكر بفاقدي البصر وحظوظهم من السعادة في السفر.
التنافس المحموم أوجد «سياحة المكفوفين» التي تتضمن وسائل الراحة والانتقال وإرشادا سياحيا خاصًا، يوفر إمكانية اللمس ويبتكر طرقًا مختلفة للشرح تمنح الأعمى تصورا أقرب إلى الحقيقة لتمثال أو معبد. لكن هذه الجهود التجارية المأجورة تبقى قليلة الجدوى؛ فغياب العينين لا يعوضه إلا الحب.
في كتابها «معك» تنقل سوزان مقتطفا من رسالة لطه حسين يبثها فيها أشواقه، عندما اضطرت للسفر بطفليها وبقي في مصر لمدة ثلاثة أشهر من عام 1921: «قبِّلي الطفلين وحدِّثيهما عني كثيرًا؛ فذلك يروق لي. وعندما تروق لك البيرينيه أو يروق لك أي مشهد آخر ففكِّري بي بهدوء وجذل. فكِّري أنني إلى جانبك وأنني أرى بعينيكِ وأنني أعاني كل ما تعانينه».
وهي، من جهتها، كانت قد اعتادت خلال 58 عاما من حياتهما المشتركة أن عينيها لهما معا: «وأمُرُّ أمام مقهى الكاردينال حيث كنا ننظر إلى زخرفته، وأتخيل إعجابنا وحماسنا».
في بداية النوفيلا التي كتبها توماس مان عام 1911 نتعرف على آشنباخ، الكاتب المجيد، الذي حاز لقب النبالة بفضل أعماله الأدبية الكبيرة، وقد أراد أن يسافر لأسبوعين أو ثلاثة إلى البندقية؛ لتجديد نشاطه إذ استشعر في نفسه مللا وخفوت همة، فإذا به يلقى موته بسبب تحديقة.
في لحظات انتظار عشاء أول يوم لوصوله، جلس آشنباخ ببهو الفندق، طافت نظرته المتلصصة على الآخرين وتوقفت على أسرة بولندية: ثلاث فتيات بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة ومراهق في نحو الرابعة عشرة مع مربية. وعندما أعلن رئيس النُدل أن العشاء جاهز، بدأ النزلاء يأكلون إلا أن الفتيات والفتى البولنديين ظلوا حول طاولتهم حتى جاءت الأم. لم يأبه آشنباخ بالعشاء، ولا بالنساء الخمس أو بغيرهن، بل وقع ضحية جمال الصبي تادزيو، موقنا بأنه لم يعرف طوال حياته مثالاً في الطبيعة أو الفن يضاهي كماله. ذلك الكمال سيسلبه حريته وينال من مكانته.
الغموض سبب من أهم أسباب عشقنا للسفر، وبالمصادفة هو أهم ركائز الأدب العظيم، وأحد أهم سمات الجميل بشكل عام. وقد اجتمعت لـ«الموت في البندقية» كل عوامل الغموض الممكنة التي جعلت الرواية تتخطى قرنا من الزمان بكامل عظمتها.
جمال تادزيو ينبع من استعصائه على الوصف، كأن الغموض والكمال اسمان لشيء واحد، حيث لا ارتواء أو راحة تقود إلى انتهاء الشغف. ولكن علينا أن ننتبه إلى أن آشنباخ، ربما يكون الوحيد الذي رأى في جمال تادزيو ذلك الكمال المُذل، فتقدير الجميل يدخل فيه كثير من العوامل، من النظرة الذاتية إلى السياق الزماني والمكاني الذي التقت فيه العين الناظرة بالموضوع الذي تحدق به.
من المؤكد أن البندقية شهدت في ذات وقت عطلة آشنباخ كثيرا من حالات الشغف لنساء برجال ورجال بنساء، وربما كان هناك فيتشي يجلس بجوار آشنباخ ولم يفتنه تادزيو، بل فتنته قدم من أقدام شقيقات تادزيو أو إصبع أمه أو جوربها أو مشد خصر يبدو تحت الملابس التي رآها آشنباخ كئيبة. ربما كانت هناك حالات شغف بمبان أو مطاعم، أو تحف وأدوات مائدة حقيقية أو زائفة، وربما حالات شغف بطحالب وزهور صغيرة عائمة. السفر يعد بكل تلك الألوان من الشغف غير القاتل.
لا يمكننا أن نرى في تعلق آشنباخ بتادزيو قصة شغف مثلي، ونطمئن ببساطة لهذا التفسير.
ليس بوسعنا أن نرى فيه شيخاً منحرفًا يلاحق الصبي، كما لا يمكننا أن نضع نظرات وإيماءات تادزيو في خانة البراءة باطمئنان؛ فبعض نظراته وإيماءاته صاخبة. لكننا لا نشرع في إدانة الشر الذي يمارسه تادزيو ضد آشنباخ حتى يبدو لنا غافلاً عن الشر الذي ينطوي عليه جماله، ثم لا نلبث أن نتأكد من وعيه بسلطته على الآخرين، وسعادته بالسيطرة عليهم والتلاعب بعواطفهم. للولد سلطة في المطلق، يمارسها على أمه وأختيه ومربيته، ما يجعلنا نميل إلى الاقتناع بأنه يراقب آشنباخ ويستمتع بنظراته، بل ويبادله التحديق، ثم يبدو لنا في لحظة أخرى وكأنه يجهل وجود آشنباخ!
الأذى متأصل في الجمال دون إرادة منه، يكمن بالتحديد في قوة غموضه. الموضوع الجميل له عين ترد على متأمله بتحديقة. ليس تادزيو الحي هو فقط القادر على التحديق بآشنباخ. التمثال الجميل الصامت يرد هجمة نظرتنا، نتوهم أمامه أنه يرى نقصنا.
في نوفيلا «تونيو كروجر» التي كتبها قبل «الموت في البندقية» بعشر سنوات، يشير توماس مان بوضوح أكثر إلى الشعور بالضعف الذي ينتابنا في مواجهة الجميل، البطل تونيو كروجر يؤيد كاتبا آخر هو «الروائي إدلبرت» التقى به في الشارع وتحدثا عرضا عن كراهيتهما لفصل الربيع، الروائي الأكبر سنًا يعتبره شهرًا للتشوش وتفاهة الأفكار، بينما يضع تونيو يده على سر كراهيته للفصل الجميل: «إنني أخجل منه، أخجل من طبيعته النقية وشبابه المنتصر». تونيو كروجر، الذي ذهب في رحلة إلى الشمال متوقفا في الدنمارك ثم السويد، هو نفسه آشنباخ الذي ذهب إلى البندقية بعد أن تقدم في السن.
في منتجع سويدي، على البحر الأدرياتيكي، يفاجأ كروجر بأنه في مواجهة هانس هانزن مع ماجدالينا فيرمين، الأول كان كروجر يميل إليه ميلاً غامضًا عندما كان في الثانية عشرة، والثانية أبدت إعجابها بكروجر في السادسة عشرة لكنه لم يعرها اهتماما، لأن مشاعره الصامتة كانت متعلقة بفتاة أخرى. في النزل السويدي كان الآخران مندمجين في المتعة، عبرته نظراتهما دون أن يجود عليه أحدهما بإيماءة تدل على أنه كان يوما يعرفه؛ فعاد إلى غرفته كسيرا!
هذه هي عزلة توماس مان نفسه، وهذه هي رؤيته التي يلح عليها: «لا نُحدِّق بالجميل إلا ونصبح أكثر وعيا بعيوبنا».
النظرة المرتدة اللاهية لتادزيو كنظرة تمثال هي التي جعلت آشنباخ يدرك كم هو عجوز ومتداع؛ فيعمد إلى الخضاب كي يداري شيخوخته، رغم أننا رأينا اشمئزازه طوال رحلته على السفينة من مسن مخضب وصفه بـ«الشاب المزيف».
أقدم آشنباخ على فعل استنكره من غيره قبل عدة صفحات، ولم يقنعه هذا التزييف بأنه صار بحال أفضل، بل أحس بإذلال أكبر في مواجهة فتوة الصبي، وفي كل مرة يؤجل الرحيل عن المدينة، تحرفا لنظرة قادمة يعوض فيها خسارة التحديقة السابقة، هكذا عاش أيامه مسلوب الإرادة، حتى إنه لم يقو على اتخاذ قرار بالمغادرة بعد أن علم بتفشي الكوليرا، وبقي حتى غمره زحفها.
على مدار التاريخ كان هناك مسافرون يتخلون عن بطاقة العودة، لأنهم وقعوا في غواية الجميل بمكان ذهبوا إليه ولم يقدروا على مغادرته. المصريون يسمون القاهرة «الندَّاهة» في تفسير أسطوري لسحرها. في المدينة جنية تنادي الغرباء. حامد بطل قصة يوسف إدريس «النداهة» لم يشعر بإذلال أقل، لكنه استطاع أن يعود إلى قريته، لم يستسلم كما استسلم آشنباخ. التي استسلمت هي فتحية زوجته. هي صنو آشنباخ.
بعض تفسيرات «الموت في البندقية» تلقي باستسلام آشنباخ للموت على تشاؤمية وسوداوية توماس مان اللتين استمدهما من إعجابه بشوبنهاور ونيتشه. يوسف إدريس أبعد ما يكون عن تشاؤمية شوبنهاور وسوداوية نيتشه الساخرة، لكنه جعل فتحية زوجة البواب تستسلم لضياعها. كانت تدرك أن الأفندي زير النساء يترصدها، وكانت تفهم طبيعته بوصفه صيادا شرها، ولم تكن مولعة به أو بوسامته، ورأت في ذهنها السيناريو الذي حدث معظمه: «إنها ستستجيب لمطارداته، وإن حامد سيفاجئهما في السرير ويقتلها». ومع ذلك مضت بعدمية في الاستسلام له، وأثناء لقائهما المرتجل السريع، يتلامس خداهما فتدرك كم هو ناعم وطيب الرائحة. لم يقتلها حامد كما رأت في خيالاتها، اعتزم العودة بأسرته إلى قريته. لملم متاعهما القليل، واصطحبها إلى محطة القطار عند الفجر ليفر بها من المدينة، لكنها كانت قد حدَّقت بوجه الأفندي. غافلت زوجها وهربت وسط الزحام.
الطلاب المصريون الذين كانوا يذهبون إلى أوروبا في عطلات الصيف سبعينات القرن العشرين، بعضهم أخذتهم ندَّاهات باريس وروما، فلم يعودوا لاستكمال دراستهم، لكنهم نالوا مصائر أفضل من مصير آشنباخ. أصبحوا أصحاب أعمال. التقيت كثيرا منهم، وهم يرون القاهرة الندَّاهة في أحلامهم فلا يستطيعون تلبية النداء ويعيشون على أسى الحنين الخالص.
هناك نصيحة للدفاع عن النفس، اقترحها توماس مان في «تونيو كروجر» ألا نتعمق في النظر للأشياء إلى الحد الذي يجعلها محزنة، لكن نصيحة الفتى تونيو، لم تنفع الشيخ آشنباخ، للأسف!
ربما، علينا أن نحسد الشغوفين بالتقاط الصور أثناء رحلاتهم؛ هؤلاء المحظوظون تتلقى عين الكاميرا، نيابة عنهم، نظرة الجمال المرتدة المدمرة.



ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
TT

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)

بين التطريز وأناقة النساء علاقة حب قديمة. وكانت هذه المهارة، أي الغرز بالخيوط الملونة على القماش، من الأمور التي لا بدّ للفتاة أن تتقنها منذ الصغر ليكتمل تأهيلها وتستحق صفة ربّة بيت. وإلى جانب التطريز يحضر النسيج «التريكو»، وشغل الإبرة «الكروشيه»، و«الدانتيلا». فإذا كان التطريز قد توارى في فترة من الفترات، فإنه يشهد عودة قوية مع فساتين السهرة، وكذلك مع العباءات والقفاطين والجلابيات التي أصبحت مرغوبة ومطلوبة، لا سيما في شهر الصيام.

مطرّزات تاريخية شاهدة على أناقة الزمن (دليل المعرض)

من هنا تأتي أهمية هذا المعرض، الموجود حالياً وحتى أواخر الخريف المقبل، في متحف الموضة في باريس، المعروف باسم «قصر غالييرا».

يتنقل الزوار بين نماذج من الأزياء المطرزة بفخامة عبر العصور. كل شيء هنا يدعوك لأن تشهق من روعة ما ترى: أزاهير، وشجيرات، وبلابل تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها. تتجول بين الصالات وكأنك تتنزه في حديقة فردوسية الألوان: ورد، وخشخاش، وقرنفل، وعناقيد عنب، وفراشات. معرض يقدِّم لك الطبيعة على الحرير، والقطيفة، والتافتا، والكتان، ويروي لك تاريخ فنٍّ من الفنون الجميلة الذي يترك إبداعاته على قماش الفستان المتنقّل، والوشاح، والحقيبة، والقبعة، بدل أن يسجنها على خامة اللوحة حبيسة المتاحف.

فساتين بتطريزات الأمس (دليل المعرض)

يعرض متحف أزياء مدينة باريس تقنيات التزيين وإبداعات المصممين القدامى والصاعدين، وقطعاً من مجموعته أو مستعارة من دور الأزياء الكبرى. ويهيب بنا عنوان المعرض: «دعوا ألف زهرة تتفتح!». وهي مناسبة للاحتفاء بالمهارات النسيجية الثلاث الرئيسية التي تُشكّل جوهر الموضة الباريسية: النسيج، والتطريز، والطباعة. وهي تقنيات يستلهم المصممون إبداعاتهم مما تتيحه من إمكانات. ففي عشرينات القرن الماضي تجرأ بول بواريه على نثر أنماط تُذكِّر بأسلوب الرسام بوتيتشيلي على سترة خضراء. وبعد عقود، غطّى نيكولا غيسكيير، مصمم دار «بالنسياغا»، هيكلاً مرناً من مادة «النيوبرين» بأكمام من الورد. وإذا اقتربنا أكثر من عصرنا الحالي، نجد المصممة اليابانية ري كاواكوبو تجرؤ على ابتكار فستان على هيئة سلة زهور عملاقة.

تطريز أحذية السهرة (دليل المعرض)

ومنذ العام الماضي، أدرج المتحف في منهاجه تنظيم سلسلة من المعارض المخصصة للحِرف اليدوية، تستكشف من زوايا مختلفة المهارات والتقنيات التي ارتبطت بعالم الأزياء. والهدف هو تسليط الضوء على ثراء مجموعاته ومقتنياته، وكذلك إلقاء نظرة جديدة على تاريخ الموضة منذ القرن الـ18 حتى يومنا الحالي. وهذا هو المعرض الأول في السلسلة؛ إذ يضم أكثر من 350 عملاً ما بين الملابس والإكسسوارات والصور الفوتوغرافية وفنون الغرافيك وعُدّة العمل وأدواته.

أوشحة مطرّزة من شرق أوروبا (دليل المعرض)

كما يكرِّم قصر غالييرا الحرفيين الذين طوّروا هذه المهارات، والذين غالباً ما تغيب أسماؤهم حين يطغى عليها اسم مصمم الأزياء المرموق. ومن هؤلاء من صنعت أناملهم شهرة المصممين المرموقين؛ فقد ظهرت بيوت تاريخية تخصصت في التطريز مثل «لوساج» و«موريل». وبهذا فإن المعرض يعيد الاعتبار إلى مهن غالباً ما يتم تجاهلها في عالم الموضة: مصمِّم النسيج، والمُطرِّز، وصانع الريش، وفنان الزخارف الزهرية. إن هؤلاء ساهموا في تكريس باريس عاصمة للموضة ومنطقة متميزة بالتجديد والاستمرار.


السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
TT

السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

لم يكن الحديث عن الموهبة في «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» نقاشاً تقنياً حول أدوات تعليمية بقدر ما كان عرضاً لتجربة وطنية متكاملة، نضجت عبر عقود، وانتقلت من مبادرات تعليمية مبكرة إلى منظومة مؤسسية باتت اليوم محل اهتمام دولي، وتُعرض من جدة بوصفها نموذجاً قابلاً للنقاش والتطوير.

وفي قلب هذا المشهد، برزت تجربة «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، بوصفها نموذجاً وطنياً ينظر إلى الموهبة لا بكونها استثناءً، بل طاقة كامنة تستدعي الاكتشاف والرعاية والاستدامة.

«الموهبة»... من المفهوم إلى المنظومة

الأمير فيصل بن مشاري آل سعود مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، الأمير الدكتور فيصل بن مشاري آل سعود، قدّم خلال كلمته في المؤتمر قراءة معمّقة لمسار رعاية الموهوبين في المملكة، وأكد أن «الموهبة» ليست مجرد اسم لمؤسسة، بل كلمة عربية تعني الهبة والقدرة الفطرية، وتُشكل جوهر الفلسفة التي قامت عليها التجربة السعودية.

واستعاد الأمير فيصل البدايات المبكرة للتعليم النظامي في المملكة، متوقفاً عند تأسيس مدرسة «دار التوحيد» في الطائف عام 1945، بوصفها تجربة انتقائية هدفت إلى جمع الطلاب المتميزين من مختلف المناطق وتوفير بيئة تعليمية متكاملة لهم، في وقت كانت فيه المدارس محدودة.

وأوضح الأمير فيصل أن مرحلة التحول الأبرز جاءت في نهاية التسعينات، مع تنفيذ مشروع وطني بحثي لدراسة الموهبة ورعايتها، مهّد لتأسيس «موهبة» عام 1999 بوصفها جهة غير ربحية تُعنى باكتشاف الموهوبين وتمكينهم. ومع إنشاء الوقف الداعم للمؤسسة في عام 2011، انتقلت التجربة من منطق المبادرات إلى منطق الاستدامة، ضمن رؤية طويلة المدى لرعاية الموهبة بوصفها استثماراً وطنياً.

رحلة تمتد من المدرسة إلى سوق العمل

طلاب وطالبات «موهبة» على المسرح أثناء افتتاح أعمال «المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

ما يُميّز النموذج السعودي، كما عُرض في المؤتمر، أنه لا يتوقف عند الاكتشاف المبكر. تبدأ الرحلة من التعليم العام، عبر أدوات علمية مقننة للتعرف على الموهوبين من الصف الثالث حتى المرحلة الثانوية، لكنها تمتد لاحقاً إلى برامج إثراء وبحث علمي، ومسارات جامعية، وربط مبكر بالصناعة وريادة الأعمال.

وشدد الأمير فيصل على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اكتشاف الموهبة فقط، بل في استدامة رعايتها وبناء بيئة تعليمية ومجتمعية تسمح لها بالنمو وتحقيق الأثر عبر مراحل الحياة المختلفة، مؤكداً أن نجاح هذه المنظومة يتطلب تكامل أدوار المؤسسات التعليمية والجامعات والقطاع الخاص.

وشهد حفل الافتتاح لحظة رمزية لافتة مع صعود 19 طالباً وطالبة من «موهبة» إلى المسرح، ضمن فقرة حملت عنوان «ثمرة التمكين»، عكست بصورة مباشرة نتائج الاستثمار الوطني في اكتشاف الموهبة ورعايتها.

وفي هذا السياق، جاء انعقاد «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» في جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة بوصفه امتداداً طبيعياً لتجربة وصلت إلى مرحلة العرض والمساءلة الدولية.

المؤتمر، الذي انطلق برعاية وزير التعليم، وبمشاركة أكثر من 40 دولة، وبحضور أكثر من 1000 شخصية من الخبراء وصنّاع القرار، أصبح منصة لتبادل النماذج والخبرات، ومناقشة مستقبل تعليم الموهوبين في عالم سريع التحول.

دكتور عبد الله صادق دحلان رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

وأكد رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا، الدكتور عبد الله دحلان، في كلمته أن الاستثمار في الموهبة يُمثل الاستثمار الأسمى في مستقبل الأوطان، مشدداً على أن قوة الدول باتت تُقاس بما تستثمره في عقول أبنائها وبناتها، لا بما تمتلكه من موارد فقط.

من جانبها، أشارت رئيسة الاتحاد الآسيوي للموهبة، الدكتورة كيونجبين بارك، إلى أن التحولات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي تفرض إعادة التفكير في تعليم الموهوبين، ليس من حيث التسريع الأكاديمي فحسب، بل من حيث بناء الحكمة والمسؤولية والقدرة على التعامل مع التحديات العالمية المعقدة.

من الرعاية إلى القياس

وجاء الإعلان خلال المؤتمر عن إطلاق أول مؤشر عالمي لتقييم رعاية الموهوبين ليُشكّل محطة مفصلية في هذا المسار، ناقلاً النقاش من «كيف نرعى الموهبة؟» إلى «كيف نقيس أثر هذه الرعاية؟»، ومؤكداً انتقال التجربة السعودية من التطبيق المحلي إلى الإسهام في صياغة أدوات تقييم عالمية.

وبين تجربة وطنية تبلورت عبر الزمن، ومؤتمر دولي جمع الخبرات والتجارب في جدة، تتضح ملامح قصة واحدة: قصة بلد اختار أن يجعل من الموهبة ركيزة للتنمية، لا عبر مبادرة عابرة، بل عبر منظومة تُبنى، وتُراجع، وتُقدَّم للعالم اليوم بوصفها نموذجاً مفتوحاً على المستقبل.

Your Premium trial has ended


معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
TT

معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)

في معرضه «استهلاكي»، يطرح الفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة رؤية بصرية تسعى إلى تفكيك مفهوم الاستهلاك، لا بوصفه فعلاً اقتصادياً وحسب، بل نظام يومي متأصل في ثقافة الحياة المعاصرة، وسلوك مكرّس يُعيد تشكيل علاقتنا بالأشياء وبأنفسنا، وذلك ضمن المعرض الذي يستضيفه غاليري «ياسين» بالقاهرة حتى 19 فبراير (شباط) الحالي.

يعتمد جعيصة في أعماله على الأثر بوصفه مدخلاً جمالياً لطرح مفهومه الفني، معتمداً على ما يخلّفه الإنسان وراءه من بقايا، ما يجعلها تتحوّل داخل اللوحات إلى ما يُشبه مروّية بصرية تشهد على تراكمية استهلاكية متنامية، فالإنسان لا يظهر هنا باعتباره فاعلاً مرئياً، بل من خلال نتاج سلوكه، وما يخلّفه من مفردات استهلاكية تتكدّس وتفرض حضورها.

تزاحم عناصر الطعام داخل اللوحة (الشرق الأوسط)

ويُكثّف الفنان من هذا الأثر عبر الاشتغال على الحشد والتكرار، أو ما يصفه هو نفسه بـ«الزخم المقصود بوصفه أداة تعبيرية تنقل حالة الاستهلاك داخل المساحة التصويرية، كما في استهلاك مواد مثل الكاميرات والأحذية والصحف وغيرها من المفردات»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

لا يعمل الزخم داخل اللوحات بوصفه ازدحاماً شكلياً فحسب، بل حالة بصرية ضاغطة تعكس منطق الاستهلاك ذاته، فالتداخل الكثيف للعناصر المادية ينتج عنه ثقل بصري ودلالي، ويجعل العين في مواجهة مباشرة مع فائض لا يُتيح مسافة للراحة أو التأمل، ويتجلّى ذلك بوضوح في اللوحات التي ترصد تكدّس الكراتين، في إحالة مباشرة إلى تصاعد معدلات الشراء عبر الإنترنت وشركات الشحن، في حين تتخذ أعمال أخرى منحى أكثر إدهاشاً، بفعل الكم الفانتازي لاستهلاك الطعام والحلوى، وأكواب القهوة، والمشروبات الغازية؛ حيث تتحول الوفرة إلى مشهد إشكالي، لا إلى علامة رخاء.

الاعتماد على الزخم والتكدس في تناول موضوع المعرض (الشرق الأوسط)

وعبر 28 لوحة، تتحوَّل السلعة المستهلكة إلى بطل للمشهد، فلا يحضر الإنسان بجسده بقدر ما يحضر بسلوكه، ويبدو اختيار الفنان لأحجام لوحات كبيرة مقصوداً، ليصبح المنتج المستهلك هو صاحب السطوة والسيطرة في مقابل الإنسان، وكأن اللوحة تعكس انقلاب الأدوار بين الفاعل والمنتَج، فلا يعمل التكديس عنصراً شكلياً، بل استراتيجية فنية تكشف تحوّل الاستهلاك من فعل مؤقت إلى نظام ضاغط، يحوّل الكثرة إلى عبء بصري ودلالي.

ورغم هذا الغياب شبه الكامل للجسد البشري في اللوحات، فإن العنصر الإنساني يتصدّر عدداً محدوداً من الأعمال، كما في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء»، ويُشير جعيصة إلى هذه اللوحة بوصفها تعبيراً عن «حالة من الاستهلاك العكسي، عن أصدقاء يدخلون حياتنا ثم لا يلبثون أن يختفوا»، وهو ما يوسّع أفق قراءة الاستهلاك، بحيث لا يعود محصوراً في بُعده المادي، بل يمتد إلى علاقاتنا الإنسانية نفسها، وإلى منطق الاستبدال والتخلّي الذي يحكمها أحياناً.

ظهور العنصر البشري في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء» (الشرق الأوسط)

ويلعب اللون دوراً أساسياً في تعميق هذا المعنى، فاختيارات الفنان اللونية عبر خامتي الزيت والأكريليك تعزّز من الإحساس بالزخم، وتتدرّج اللوحات بين ألوان داكنة ومحايدة تحيط بمفردات مثل الأحذية والقهوة، وألوان زاهية ومشبعة تطغى على لوحات استهلاك الأغذية والألعاب، في تدرّج بصري يعكس تفاوت أنماط الاستهلاك وحدّتها، وما تحمله من إغواء بصري متعمّد.

أما مفردات مثل «البيوت» و«السيارات»، فتفتح مسارات دلالية إضافية داخل المعرض؛ تحيل البيوت إلى فكرة البدايات والحميمية التي تتآكل مع كثافة التنقل والاستهلاك، في حين تشير السيارات إلى الاقتناء بوصفه نمطاً اجتماعياً وربما وجاهة رمزية، ولا تسعى الأعمال إلى تقديم إجابات مغلقة بقدر ما تترك للمتلقي مساحة للتفاعل مع قصته الشخصية مع الاستهلاك، بوصفه «كائناً استهلاكياً» قد يشترك مع غيره أو يختلف في طبيعة هذا النمط ومستواه.

جانب من معرض «استهلاكي» (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، تتحول لوحات المعرض إلى مساحة مساءلة بصرية، تضع المتلقي أمام مفارقة أساسية: «أصبح الشخص الواحد يستهلك اليوم ما كانت تستهلكه أسرة كاملة في السابق؛ فهل صار الاقتناء رغبة أم غريزة أم شرهاً؟»، وهو السؤال الذي يطرحه جعيصة لا بوصفه إدانة، بل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في علاقتنا بالأشياء، وبما نكدسه أو نتخلص منه، وبما يكشفه ذلك عنا.