المغول تركوا كثيراً في الهند... الأهم فن الطعام

كتاب «العيد المغولي» ينقل القارئ إلى قالب المطابخ الملكية

المغول تركوا بصمة واضحة في المطبخ الهندي
المغول تركوا بصمة واضحة في المطبخ الهندي
TT

المغول تركوا كثيراً في الهند... الأهم فن الطعام

المغول تركوا بصمة واضحة في المطبخ الهندي
المغول تركوا بصمة واضحة في المطبخ الهندي

كانت الأسرة المغولية واحدة من أقوى السلالات الحاكمة في حقبة العصور الوسطى في الهند، وارتبط المغول، بسبب ذلك، ارتباطا وثيقا لا ينفصل عن تاريخ الهند وثقافتها، من الفنون والثقافات إلى الهندسة المعمارية، لقد تركوا في هذه البلاد إرثا تاريخيا هائلا يستمر ويعيش حتى اليوم.
جلب المغول معهم تاريخا غنيا من فنون الطعام إلى الهند، وأصبح هذا التأثير من الأجزاء المثيرة للاهتمام في ثقافة الطعام في شبه القارة الهندية. ويرجع تاريخ المطبخ المغولي في الهند إلى 5 قرون مضت مع آثار مطابخ بلاد ما بين النهرين، والمطبخ الفارسي القديم، والمطبخ الشرق أوسطي، والمطبخ الهندي كذلك. وأدمج الطهاة المغول بنجاح باهر التأثيرات الأجنبية مع المكونات الواردة من كشمير، والبنجاب، وديكان.
ينعكس شغف مؤرخة الغذاء سلمى يوسف حسين بمعرفة المزيد عن المطبخ المغولي الهندي عن تأليفها لكتاب يعتبر من الأعمال الرائعة الذي ينقل القارئ إلى قلب المطابخ الملكية المغولية وإحياء المآدب الفخمة في بلاط الإمبراطور شاه جاهان، والذي بلغ المطبخ المغولي في عهده ذروة الإبداع والابتكار في فنون إعداد الطعام. وتسجل سلمى حسين الوصفات من مطبخ الإمبراطور شاه جاهان في كتابها الجديد بعنوان «العيد المغولي» - إصدار عام 2019 - وهو عبارة عن استنساخ تدويني لكتابها السابق بعنوان «نسخة شاه جاهاني» المحفوظ في المكتبة البريطانية في لندن.
وسلمى حسين هي خريجة الدراسات العليا في اللغة والأدب الفارسي. وكانت أولى وظائفها بعد التخرج تضمنت ترجمة المخطوطات الفارسية المكتوبة بخط اليد في الأرشيف الوطني لعام 1964.
- تاريخ المطبخ المغولي
عندما وصل بابور، مؤسس الحكم المغولي، إلى الهند قادما من فرغانة في أوزبكستان الحالية، جلب معه أطباق البيلاف والكباب المحببة إلى قلبه في موطنه. ومع ذلك، كان يشكو من قلة بطيخ المسك، والعنب، والفواكه الأخرى المتوفرة بكثرة في موطنه الأفغاني. وينسب الفضل إلى نجله، همايون، في جلب التأثير الفارسي الراقي إلى المطبخ الهندي، وذلك بعد سنوات قضاها في المنفى في بلاد فارس، إثر هزيمته العسكرية على أيدي شير شاه سوري.
وبحلول الوقت الذي كان الحفيد المغولي الأكبر شاه جاهان يعتلي عرش البلاد، كانت الأطباق الخفيفة التي كان أجداده يستمتعون بتناولها قد اكتسبت حرارة التوابل والفلفل القادم إلى الهند عبر رحلات التجار البرتغاليين إلى البلاد، فضلا عن الطماطم، وكميات التوابل الهندية التقليدية.
تشير الدلائل التاريخية إلى أن المطبخ المغولي قد بدأ في التطور الحقيقي في عهد الإمبراطور أكبر. وبفضل كثير من تحالفاته الزواجية، وفد إليه الطهاة من كل أرجاء الهند ليدمجوا أساليبهم في الطهي مع المذاقات والنكهات الفارسية الرائعة. وبدأ الفجر الفضي للمطبخ المغولي في الهند مع الإمبراطور شاه جاهان، والذي يعتبر من أعظم ملوك المغول، وكان الخامس على ترتيب حكام المغول في الهند. وحكم الإمبراطورية مترامية الأطراف التي خلفها جده الإمبراطور أكبر من عام 1628 إلى 1658.
وصارت دلهي وقتذاك ملاذا للمطبخ المغولي المتحضر، والمتطور، بما فيه من ذوق وأناقة ورقي. وبحلول أوائل عام 1730، كانت المدينة قد استوعبت مختلف العناصر من المناطق المجاورة، وخبرت امتزاجا عميقا بالسلالات الدولية والوطنية، فضلا عن تبادل الأفكار، والأعراف، والأطعمة.
كانت العلاقات البرتغالية المغولية قد نشأت بالفعل في تلك الأثناء، ومن ثم شهدت المطابخ الإمبراطورية، إلى جانب المكونات الهندية، عنصرا مضافا من جلب التجار البرتغاليين، ألا وهو الفلفل الحار. وكان الفلفل الحار يشبه إلى حد كبير الفلفل الهندي الطويل، الذي كان مستخدما بالفعل، وبالتالي لم يبد غير مألوف بالنسبة إلى طهاة المطبخ الملكي المغولي، غير أنه يختلف في مذاقه الحار للغاية. وظهرت أيضا، خلال تلك الفترة، الخضراوات مثل البطاطا، والطماطم، ومن ثم صار طعام «القلعة الحمراء»، وهي مقر حكم المغول في دلهي القديمة، والتي كانت معروفة باسم «شاه جاهان باد»، غنيا بالألوان، وحارا في المذاق، ومتنوعا عند مقارنته بالطعام الخفيف الذي عرفه الأسلاف الأوائل. وتزينت الموائد المغولية بأطعمة متنوعة مثل القورمة، والقلية، والبيلاف، والكباب، والخضراوات من شتى أنواعها، فضلا عن الكعكات والحلويات الأوروبية.
- العرض والأساسيات
كان طهي وتقديم الطعام في المطابخ الملكية المغولية عبارة عن حالة عارمة من الألوان، والعطور، والتجارب، وآداب المائدة، والبروتوكولات.
وعلى غرار الأسلاف، استمتع الإمبراطور شاه جاهان كثيرا بالفاكهة الطازجة. ومنح المغول للهند مجموعة متنوعة من الفواكه الجديدة مثل الكرز، والمشمش، والعنب، والبطيخ، ولكن عشقهم للمانجو لم يكن يضاهيه عشق. وكان ولع شاه جاهان بالمانجو كبيرا للغاية لدرجة أنه عاقب نجله، أورنكزيب، بحبسه في القصر لأنه احتكر كل ثمار المانجو في القصر لنفسه! وكان من حب شاه جاهان الشديد للمانجو أن ابتكر المطبخ الملكي وصفات مبدعة لإرضاء شهية الإمبراطور.
ويكشف كتاب «نسخة شاه جاهاني» عن استخدام كميات قليلة من التوابل في الطهي. وتم استيراد كميات من اللوز، والفستق، والجوز، والمشمش، والخوخ، والزبيب، والزعفران على طول الطرق الجديدة التي شيدت بغرض تسهيل التجارة. وكانت المذاقات الحلوة والمالحة التي يتمتع بها المغول واضحة للغاية من خلال اختيار مختلف الوصفات الواردة في المخطوطة. وكان الاستخدام المكثف للمكسرات، والأوراق الذهبية والفضية، والزعفران، والأعشاب العطرية مما أعطى للطعام مذاقه الشهي الرائع.
كانت معظم الأطباق المذكورة في المخطوطة تُحضر بكميات كبيرة، وذلك لتلبية طلبات كثير من الضيوف وأفراد الأسرة، ولذلك كانت كميات المكونات هائلة.
ولم يكن الطهي فحسب، وإنما كانت الطريقة التي يقدم بها الطعام من الأمور المثيرة للاهتمام. وكان الطعام يُقدم في أطباق مصنوعة من الذهب والفضة المرصعة بالأحجار الكريمة، ومن اليشم، الذي كان أثره واضحا في الكشف عن السموم. وكانوا يتناولون الطعام على الأرض، التي بُسطت عليها صحائف من الجلد المغطى بالأقمشة القطنية التي تحمي السجاد باهظ الثمن أسفلها. وكان يطلق عليها اسم «داستارخوان».
وكان من المعتاد أن يخصص الإمبراطور جزءا من الطعام إلى الفقراء قبل تناوله. وكان الإمبراطور يبدأ وينهي طعامه بالصلوات. وكانت المأدبة تستمر لساعات حيث كان الإمبراطور يفضل الاستمتاع بتناول الطعام، وكان يمضي الساعات الطوال في «داستارخوان».
ولم يكن الإمبراطور يكلف أي أحد أدنى من رئيس الوزراء للاعتناء بطعامه، والذي كان يستشير الحكيم أو (الطبيب الملكي)، والذي كان يقرر قائمة الطعام وفقا للحالة المزاجية للملك، ونمط نومه، وما هو مناسب للعقل والفكر، مع التأكد من تضمين المكونات ذات الفوائد الطبية. على سبيل المثال، كانت كل حبة من الأرز مغلفة بالورق الفضي الذي يساعد على الهضم.
وهناك رواية مسجلة لمأدبة أعدها عساف خان، وزير الإمبراطور، أثناء حكم الإمبراطور جاهانغير السابق على حكم شاه جاهان، على الرغم من أنه لم يُسمح لأي شخص من الخارج أن يشاهد الإمبراطور أثناء تناوله للطعام، فإن أحد صبيان القصر تمكن من إدخال الراهب البرتغالي «فريار سيباستيان مانريكي» متسللا إلى مخدع حريم الإمبراطور لمشاهدته وهو يتناول طعامه.
بمجرد تحديد قائمة الطعام الملكية، ينطلق فريق الطهاة في المطبخ - والذين يصل عددهم إلى بضع مئات على الأقل - إلى العمل فورا. ونظرا لأنه يتم تقديم عدد كبير من الأطباق في كل وجبة، يقوم صف طويل من العمال في المطبخ بمهام التنظيف، والغسيل، والطحن. وكان الطعام يُطهى بمياه الأمطار الممزوجة بالماء المجلوب من نهر الغانغ للحصول على أفضل مذاق ممكن. ولم يتعلق الأمر بالطهي وإنما بطريقة تقديم الطعام.
ومن واقع أبحاث سلمى حسين تمكنت من السفر عبر آسيا الوسطى، بما في ذلك زيارة مدن طشقند، وبخارى، وسمرقند، واكتشفت مدى وجود المعكرونة والباستا في المطبخ المغولي.
ومما يؤسف عليه، كانت السنوات الأخيرة للإمبراطور شاه جاهان غير سعيدة. إذ تم عزله على أيدي نجله أورنكزيب الذي أودعه السجن في قلعة آغرا حيث بقي قيد محبسه قرابة ثماني سنوات حتى وافته المنية في عام 1666. تقول الأساطير إن أورنكزيب سمح بدخول مكون غذائي واحد فقط إلى والده من اختياره، وكان شاه جاهان يختار الحمص. وكان يفضل الحمص بسبب إمكانية طهيه بطرق مختلفة. وحتى اليوم، أحد الأطباق المميزة لمطبخ شمال الهند هو طبق (شاه جاهاني دال)، وهو عبارة عن الحمص المطهو بالكريمة الغنية.
وعند سؤالها عن سبب تأليفها لذلك الكتاب، قالت سلمى حسين: «ذات يوم، كنت أتساءل عن الإرث والتراث اللذين خلفهما لنا المغول. لكن لم يهتم الكثيرون بالتأليف عن الطعام، رغم أن المطبخ المغولي من المطابخ الشهيرة اليوم. وحيث إن هناك كثيرا من الكتب عن الإمبراطور أكبر، وجاهانغير، وشاه جاهان، فلماذا لم يكتب أي شخص عن مخطوطاتهم حول الطعام؟» وفي وقت لاحق، عثرت سلمى حسين على مخطوطة «ألوان النعمات»، وهي عبارة عن مجموعة من الوصفات التي كتبت في عهد الإمبراطور جاهانغير، والتي كانت الركيزة التي استندت إليها في تأليف كتابها الحائز على الجوائز والمعنون «مائدة الإمبراطور».


مقالات ذات صلة

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

صحتك المعكرونة طبق مشبع... ما يعني أنها قد تساعد على كبح الشهية لفترة أطول (بيكسلز)

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

لطالما ارتبطت المعكرونة في أذهان كثيرين بالأطعمة الغنية بالكربوهيدرات التي يُنصح بتقليلها، خصوصاً عند محاولة إنقاص الوزن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)

السعودية: الأطباق العصرية تنافس الوجبات التقليدية في صباح الأضحى

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد موائد الإفطار في الأعياد مقتصرة على الأطباق الشعبية المتوارثة، بل دخلت إليها خيارات حديثة تُقدَّم بأساليب مبتكرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق أطعمة بسيطة توقظ الحنين وتمنح شعوراً بالأمان (بكسلز)

طعام المواساة و«الطبطبة»... مأكولات تمنح الراحة للنفس والجسد

قد يكون ببساطةِ طبق من المعكرونة باللبن أو صحنٍ من الحساء أو ساندويتش بطاطا مقلية مع المايونيز والمخلّل، ذاك الطعامُ الذي يمنحُك شعوراً بالطمأنينة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)

مطعم جديد في لندن يفتح باباً للنحاتين لتصميم وعرض أعمالهم في حديقته

تصميم حديقة «هارت غاردنز» في ميفير (الشرق الأوسط)
تصميم حديقة «هارت غاردنز» في ميفير (الشرق الأوسط)
TT

مطعم جديد في لندن يفتح باباً للنحاتين لتصميم وعرض أعمالهم في حديقته

تصميم حديقة «هارت غاردنز» في ميفير (الشرق الأوسط)
تصميم حديقة «هارت غاردنز» في ميفير (الشرق الأوسط)

في خطوة جديدة من نوعها، يتيح مطعم جديد في منطقة ميفير بلندن فرصة أمام النحاتين لعرض أعمالهم في أحد المواقع البارزة في قلب العاصمة البريطانية، بالتزامن مع افتتاحه المرتقب، وإعادة تطوير حديقة براون هارت.

التصميم الخارجي المرتقب (أنتوني ويلير)

ومن خلال هذه المبادرة، وبالتعاون مع شركة «ستونمان كولينز»، فُتحت الدعوة أمام النحاتين لتقديم أعمالهم للنظر في عرضها على أربع قواعد مخصصة للمنحوتات، موزعة على زوايا الحديقة. وسيتم اختيار أربعة أعمال من خلال لجنة مستقلة لتُعرض في الموقع لمدة عام، من نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 وحتى نوفمبر 2027.

تقع حديقة براون هارت بالقرب من شارع أكسفورد الشهير (الشرق الأوسط)

وتكتسب هذه الفرصة أهميتها من موقع العرض نفسه؛ إذ تقع الحديقة بين شارع أكسفورد وساحة غروفينور، بالقرب من متجر «سيلفريجز»، وتحديداً مقابل «ذا بومونت هوتيل»، في واحدة من أكثر المناطق حيوية وزيارة في لندن من قبل الزوار العرب. ومن المقرر أن تصبح الحديقة أيضاً مقراً لمطعم «بيرل» عند افتتاحه في الخريف.

التصميم الخارجي للمبنى (ستيفن وايت)

وسيحصل كل فنان يتم اختيار عمله على مبلغ 5 آلاف جنيه إسترليني مقابل عرض المنحوتة ضمن البرنامج، في إطار دعم مشاركة الفنانين، وإتاحة مساحة لأعمال النحت المعاصر في المجال العام.

وتشترط الدعوة أن تكون الأعمال المقدمة مكتملة، وموجودة في المملكة المتحدة عند تقديم الطلب، وأن تكون متاحة طوال فترة العرض، إضافة إلى ضرورة ملاءمتها للعرض الخارجي، وقدرتها على مقاومة الظروف الجوية.

الأعمدة المستخدمة في الحديقة (الشرق الأوسط)

وتأتي المبادرة في سياق توجه الجهة القائمة على المطعم إلى إدخال الأعمال الفنية ضمن المشهد المحيط به، إلا أن الجانب الأبرز يتمثل في إتاحة مساحة عرض عامة أمام أربعة نحاتين، بما يمنحهم فرصة للوصول إلى جمهور واسع من سكان لندن وزوارها، وعرض أعمالهم في موقع بارز في ميفير لمدة عام كامل.


الركوة تتراجع أمام كبسولة الإسبريسو

الركوة تتراجع أمام كبسولة الاسبريسو (إنستغرام)
الركوة تتراجع أمام كبسولة الاسبريسو (إنستغرام)
TT

الركوة تتراجع أمام كبسولة الإسبريسو

الركوة تتراجع أمام كبسولة الاسبريسو (إنستغرام)
الركوة تتراجع أمام كبسولة الاسبريسو (إنستغرام)

كان فنجان القهوة يوماً مرآةً للهوية الشرقية، وطقساً يومياً لا يكتمل من دونه صباح، ولا تُعقد جلسة. في الماضي، كانت الركوة سيّدة المشهد؛ تُوضع على نار هادئة، وتُغلى القهوة ببطء، ثم تُسكب في فناجين صغيرة تحمل نكهة مُرّة ممزوجة بألفة المكان والناس. لم تكن القهوة مجرد مشروب، بل لغة اجتماعية تُروى من خلالها الحكايات وتُبنى بها العلاقات.

خيارات إعداد القهوة تتراوح بين البن الأشقر والبن الأسود المحمّص، يُخلطان مع الهال أو من دونه. وكانت حبوب البن تُطحن يدوياً أو تُشترى مطحونة من الدكان المجاور، حيث تُحضّر أمام الزبون وفق الخلطة التي يطلبها. ويتحلق الجيران والأقارب حول الركوة فتُقدَّم القهوة في فناجين عربية أو زجاجية، تُرافقها أحاديث مطوّلة وهموم يومية متبادلة.

لكن ملامح هذا الفنجان تغيّرت مع مرور الوقت. اختفت الركوة تدريجياً من المطابخ والمقاهي، وبقيت شريحة صغيرة متمسكة بها. حلّت مكانها آلات حديثة تُحضّر القهوة بسرعة ودقة. مع هذا التحوّل، برزت أسماء جديدة مثل الكابوتشينو، واللاتيه، والأميريكانو، والموكا، والفلات وايت، حاملة معها ثقافة استهلاك أقرب إلى النمط الغربي في الذوق والسرعة.

كوب البلاستيك احتل مكانة فنجان القهوة التقليدي (إنستغرام)

أسهم انتشار سلاسل المقاهي الحديثة في ترسيخ هذا التحوّل من القهوة التقليدية المحضّرة بالركوة إلى قهوة الإسبريسو الجاهزة بكبسة زر.

لم يعد فنجان القهوة يقتصر على نكهته المركّزة، بل أصبح مساحة للتنوّع: حليب مبخّر، رغوة ناعمة، ونكهات تُضاف حسب الرغبة. تغيّر المذاق كما تغيّرت طريقة التقديم؛ أكواب أكبر، جلسات أسرع، وقهوة تُشرب على عجل في الطريق، بدل أن تكون مناسبة للتأمل والتلاقي.

تشير اختصاصية القهوة سوزان حلال وهي صاحبة مقهى، إلى أن هذا التقليد شهد تراجعاً بين جيل الشباب. وتقول: «تحوّل كوب القهوة إلى نمط سريع وحديث يواكب إيقاع العصر. لكل زمن أحكامه، فقد أصبحت القهوة المتخصصة هي (الترند) اليوم». وتضيف أن لائحة أصناف القهوة باتت واسعة،

وتشمل مشروبات بعيدة عن البن أحياناً مثل (الماتشا)، إلى جانب أنواع غنية بالكريما ورغوة الفانيليا وغيرها. وتتابع: «أصبح اختيار القهوة مرتبطاً ببلد المنشأ ونوعية الحبوب، مثل البن البرازيلي والإثيوبي والنيكاراغوي. كما احتفظت القهوة التركية والعربية بمساحتهما الخاصة. هذا التطور مرتبط بتقدّم زراعة البن وأساليب تحميصه وتخزينه».

الكابوتشينو الأشهر في عالم القهوة الحديثة (إنستغرام)

هذا التحوّل لا يعني بالضرورة فقدان القهوة لروحها، بل يعكس تغيّر نمط الحياة نفسه. فبين الإيقاع السريع وتأثير العولمة، أصبحت القهوة أكثر تنوعاً وأقل ارتباطاً بطقس واحد ثابت. ومع ذلك، لا تزال الركوة حاضرة في كثير من البيوت، تُقاوم الغياب وتذكّر بأن للقهوة وجهاً آخر أكثر بساطة ودفئاً.

في المقابل، حلّت أكواب الكرتون مكان الفناجين الزجاجية والبورسلين، فأصبحت القهوة ترافق الناس في السيارة والمكتب وخلال تنقلاتهم اليومية، كما تحولت إلى موضة تُضاف إليها نكهات متعددة، من الزنجبيل والبندق والشوكولاته، إلى نكهات تميل إلى الحموضة أو حلاوة الفاكهة.

ومع هذا التحوّل، لم تبرز أسماء مثل الكابوتشينو واللاتيه فقط، بل ظهرت عائلة كاملة من المشروبات المبنية على الإسبريسو. وهو جرعة القهوة المركّزة التي تُشكّل أساساً لمعظم الأنواع الحديثة، ومنها تتفرع وصفات متعددة لكل منها طابعها الخاص، كما دخلت القهوة مرحلة جديدة مع انتشار مشروبات تناسب الإيقاع السريع للحياة، مثل القهوة المثلجة و«الكولد برو» و«الفرابوتشينو»، التي أصبحت شائعة خصوصاً بين فئة الشباب.

تطول لائحة أنواع القهوة العصرية بين باردة وساخنة (إنستغرام)

وهكذا، تبدو القهوة كأنها انتقلت من كونها طقساً ثابتاً إلى تجربة شخصية متجددة. تغيّر الفنجان وتبدّل مذاقه، لكنه بقي رفيق الناس، يتكيّف مع أذواقهم كما تتكيّف حياتهم مع الزمن.

ومع هذا التنوع، برز جيل الشباب كعامل أساسي في إعادة تشكيل علاقة الناس مع القهوة. فهي لم تعد مجرد عادة صباحية، بل أصبحت أسلوب حياة وتجربة متكاملة.

وتشير حلال إلى أن الشباب يميلون اليوم إلى القهوة الأخف نسبياً والغنية بالحليب والنكهات، كما ينجذبون إلى القهوة الباردة مثل «الكولد برو» في الأجواء الحارة، لما تمنحه من انتعاش يدوم طوال اليوم.

ولا يتوقف الأمر عند الطعم، بل يمتد إلى الشكل والتجربة؛ فجيل اليوم يهتم بطريقة تقديم القهوة، من شكل الكوب إلى رغوة الحليب المزخرفة، وصولاً إلى ألوان المشروب. وأصبحت القهوة تُشرب بالعين أيضاً، وتتحول في كثير من الأحيان إلى صورة تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتختم سوزان حلال بالقول إن ذلك لا يعني القطيعة مع القهوة التقليدية؛ فالشباب لا يزالون يعودون أحياناً إلى فنجان القهوة العربية في الجلسات العائلية أو المناسبات الخاصة، كنوع من الحنين إلى الجذور.


سر تحضير شرائح اللحم مع البطاطا المقلية في المنزل

الستيك على الطريقة الفرنسية (نيويورك تايمز)
الستيك على الطريقة الفرنسية (نيويورك تايمز)
TT

سر تحضير شرائح اللحم مع البطاطا المقلية في المنزل

الستيك على الطريقة الفرنسية (نيويورك تايمز)
الستيك على الطريقة الفرنسية (نيويورك تايمز)

بعد عقود قضيتها متنقلاً بين فرنسا والولايات المتحدة، أدركتُ مدى خطورة أن تقدم على طهي طبق يعد من الرموز الوطنية لبلدٍ ليس بلدك. ومنذ فترة ليست ببعيدة في باريس، دعوتُ بعض الأصدقاء لتناول العشاء، وخانني التقدير في الوقت المتاح للتسوق والطهي، فانتهى بي المطاف بتحضير شرائح اللحم مع البطاطا المقلية المجمدة.

كنتُ أنوي الاعتراف بحيلتي، لكنني لم أضطر لذلك؛ فقد كشف أصدقائي أمر البطاطا على الفور. عرفوا أنها من متجر «بيكار» للأغذية المجمدة، لأنهم يستخدمون النوع نفسه تماماً.

خطوات سهلة لتحضير الستيك والبطاطس (نيويورك تايمز)

في الواقع، كان الشعور بالانتماء إلى «رابطة محبي بيكار» ممتعاً. أما طهي البطاطا المجمدة فكان بمثابة انتصار شخصي لي؛ إذ إنني تسببتُ في إحداث كوارث بمطبخ والديّ في أثناء محاولتي إعدادها عندما كنتُ في المرحلة المتوسطة، ومنذ ذلك الحين حرصت على تجنب خوض هذه المغامرة تماماً.

أما الآن، فأحرص على الاحتفاظ بكرتونة من هذه البطاطا عندما أكون في أميركا، ليس لأنها شهية وسريعة الإعداد فقط، بل لأن تحضير اللحم مع البطاطس المقلية في لحظة صفاء يذكرني بأماكن مثل مطعم «بيسترو بول بير» في الدائرة الحادية عشرة بباريس، حيث تحمل سبورة سوداء عبارة: «اللحوم الحمراء تُقدم نيئة، أو متوسطة الطهي، أو مطهوة بشكل سيئ». هناك، تُقطع البطاطا الذهبية وتُطهى لتكون هشة وطرية من الداخل ومقرمشة من الخارج، ودون أي أثر للكاتشب.

أعلم أنني لا أستحضر التجربة الكاملة لتناول وجبة بسيطة في المطاعم الفرنسية الكلاسيكية داخل مطبخي، لكنني مع استخدام البطاطا المجمدة للتقديم في الوقت المناسب، بدأت أقترب كثيراً من تجربة الطعم الأصلي، ويمكنني فعل ذلك في أي ليلة من الأسبوع.

ستيك وبطاطس مقلية (نيويورك تايمز)

بوجه عام، تبدو البطاطا المجمدة المقطعة في شكل شرائح سميكة الأقرب للوصول إلى النكهة الفرنسية الأصيلة، والصورة المثالية التي وصفها تشارلز آيزنشتاين، وهو طاهٍ سابق في مطعم«فرينشيت» بنيويورك؛ عندما تكسر حبة بطاطا مقلية جيدة بينما ما تزال ساخنة، يبدو الجزء الداخلي من البطاطا وكأنه بلورات دقيقة، حيث يتبخر الماء ولا يتبقى سوى القليل من البخار. ولتقريب النسخ المجمدة من هذا المستوى المثالي، أقوم بخلطها بقليل من الزيت وفردها على شبكة معدنية فوق صينية خبز. ولمحاكاة طريقة القلي المضاعف التقليدية المستخدمة في تحضير البطاطا الطازجة، أخبزها في الفرن على درجة حرارة 200 درجة مئوية حتى تنضج تقريباً، ثم أرفع الحرارة إلى 230 درجة لاكتساب اللون الذهبي والقشرة المقرمشة. وكما الحال مع جميع أنواع البطاطا المقلية، تكون في أفضل حالاتها عندما تُقدم ساخنة للغاية لدرجة تلسع الأصابع.

أما البديل الأمثل لشريحة اللحم (الستيك) على طريقة «البيسترو» الفرنسية الشهيرة، الغنية بالدهون المتداخلة، التي لا يتجاوز سمكها عادةً بوصة إلى بوصة ونصف بوصة، فهو «شريحة ريب آي» (شرائح الريش)، سواء بالعظم أو دونه. إذا كنت تفضل شريحة أكثر طراوة، فاختر شريحة «سكرت» (من منطقة الحجاب الحاجز) أو «هانجر ستيك» (اللحم المعلق). وأياً كان نوع شريحة اللحم الذي تختاره، يكمن سرّ طهيها في مقلاة ثقيلة (أستخدم مقلاة من الحديد الزهر)، ونار عالية، إذا لم يتناثر رذاذ الدهن، فهذا يعني أن المقلاة ليست ساخنة بما يكفي.

من جانبي، أحب إضافة زبدة الأعشاب في اللحظة الأخيرة. من الأفضل أن تبدأ في تحضيرها أثناء تسخين الفرن، وستكون جاهزة تماماً عند التقديم. ومع ذلك، تظل شريحة اللحم العادية طبقاً فرنسياً بامتياز ولذيذاً للغاية، وكذلك إضافة قطعة من الزبدة الباردة وكمية وفيرة من الفلفل الأسود.

الكمية: تكفي شخصين

المدة الإجمالية: 50 دقيقة

المكونات:

للزبدة:

٣ ملاعق كبيرة زبدة غير مملحة، طرية

نصف حبة كراث فرنسي (شالوت) مفرومة

ملعقة كبيرة بقدونس مفروم

ليمونة واحدة

ملح وفلفل أسود مطحون طازجاً

للبطاطا المقلية:

ملعقة كبيرة زيت زيتون

450 غراماً من البطاطا المقلية المجمدة المقطعة إلى شرائح رفيعة

للشريحة:

شريحة لحم ريب آي أو بورترهاوس (بسمك 2.5 إلى 4 سنتيمترات تقريباً) مع العظم أو من دونه، بزنة نحو 700 غرام، في درجة حرارة الغرفة

ملعقتان كبيرتان من الزيت

ملح وفلفل أسود مطحون طازجاً

التحضير:

ـ ضع رفاً في منتصف الفرن وسخّنه على حرارة 200 درجة مئوية. غطِّ صينية خبز بورق زبدة أو ورق ألومنيوم، وضع فوقها رف تبريد.

ـ بمجرد تشغيل الفرن، ابدأ بتحضير الزبدة. في وعاء صغير، اهرس الزبدة مع الكراث والبقدونس. ابشر نصف ليمونة فوق الزبدة، ثم قطّع الليمونة إلى نصفين، وأضف إليها القليل من عصير الليمون، واخلط المكونات. تبّل بالملح والفلفل حسب الرغبة. شكّل الخليط على هيئة أسطوانة بطول 5 سنتيمترات تقريباً، غلّفها بالبلاستيك أو ورق الألومنيوم، ثم جمّدها لحين الحاجة.

ـ لتحضير البطاطا المقلية: ضع الزيت في وعاء متوسط، أضف البطاطس المقلية المجمدة وقلّبها لتتغطى بالزيت. رتّب قطع البطاطا مع ترك مسافة بينها. اتركها بالفرن لمدة 10 دقائق، ثم ارفع درجة حرارة الفرن إلى 230 درجة مئوية. استمر في تركها داخل الفرن حتى يصبح لون البطاطا ذهبياً فاتحاً، لمدة 15 إلى 20 دقيقة إضافية. قد يصبح لون البطاطا داكناً، لكن شرائح البطاطا السميكة ستكون مثالية. تذوق واحدة، ثم رشّ الكمية المتبقية بقليل من الملح إذا لزم الأمر (غالباً ما تكون البطاطا المجمدة متبلة مسبقاً).

ـ عند تسخين الفرن إلى 230 درجة مئوية، ابدأ بتحضير شريحة اللحم: ضع مقلاة ثقيلة - يُفضل استخدام مقلاة من الحديد الزهر - على نار عالية. جفف شريحة اللحم بمنشفة ورقية وتبلها بالملح والفلفل. ابتعد عن الموقد، واسكب الزيت في المقلاة، وحركه جيداً، ثم ضع شريحة اللحم. (تحذير: قد يتناثر الزيت). اطهِ شريحة اللحم لمدة 3 دقائق، ثم اقلبها واطهِها لمدة دقيقتين إضافيتين إذا كنت ترغب في شريحة لحم نصف ناضجة. اطهِها لمدة دقيقة أو دقيقتين إضافيتين إذا كنت تفضلها ناضجة تماماً. انقل شريحة اللحم بحرص إلى طبق تقديم دافئ، وغطها بورق ألومنيوم بشكل غير محكم، واتركها تبرد لمدة 5 دقائق على الأقل، أو حتى تنضج البطاطا المقلية.

ـ عندما تصبح جاهزة للتقديم، أخرج الزبدة من المجمد، وقطعها إلى 4 دوائر وضعها على شريحة اللحم.

* خدمة «نيويورك تايمز»