يمنيون ساخطون من تجريف الثقافة بمناطق سيطرة الانقلابيين

TT

يمنيون ساخطون من تجريف الثقافة بمناطق سيطرة الانقلابيين

منذ اجتياح ميليشيات الحوثي صنعاء وسيطرتها على كل مفاصل الدولة؛ بما فيها مؤسسات الثقافة، تعرضت الحياة الفنية والثقافية والأدبية في اليمن لانتكاسة كبيرة، وواجه عدد من الفنانين والمثقفين والمفكرين والأدباء عمليات اعتداء وتشريد ومنع واستهداف وتصفية.
وعبّر فنانون وأدباء ومفكرون ومبدعون يمنيون لـ«الشرق الأوسط» عن أسفهم الشديد للوضع المتردي الذي وصل إليه المشهد الثقافي اليمني.
وأوضح فنان يمني في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الميليشيات المدعومة من إيران عمدت من خلال أساليبها الإرهابية إلى تجريف التراث الفني والثقافي اليمني، وسعت في الفترة الأخيرة للقضاء على تنوعه وتعدده، وفرضت في المقابل نمطاً ثقافياً أحادياً معادياً للثقافة اليمنية. وقال: «الاضطهاد الحوثي نال على مدى 4 أعوام من كل الفئات اليمنية بمختلف أطيافها وتوجهاتها»، وأضاف: «على رأس تلك الفئات الفنانون والمثقفون والأدباء والمبدعون».
وأكد أن «الميليشيات الحوثية سعت إلى تغيير واقع المشهد الفني والثقافي في اليمن، وعملت على محو تفاصيله بالكامل، متخذة وسائل الترهيب والإقصاء والقتل والاعتقال والتشريد سبيلاً لتحقيق ذلك». وقال إن «الميليشيات الإيرانية لم تسمح لأي فكر مخالف لها بإعلاء صوته، واستهدفت كل من له علاقة بواقع المشهد الثقافي».
من جهته، قال مسؤول بوزارة الثقافة الخاضعة للحوثيين في صنعاء، طلب عدم ذكر اسمه: «الميليشيات الإيرانية لم تكفّ عن تدمير المشهد الثقافي في اليمن، واستخدمت طرقاً وأساليب متنوعة للوصول إلى غايتها في فرض لون ثقافي واحد يرفضه معظم مثقفي وفناني وأدباء اليمن».
وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الميليشيات استهدفت الأدباء والكتّاب والفنانين والمبدعين؛ «إما بالتصفية الجسدية، أو الإيقاع بهم في براثن السجون، أو منعهم من مواصلة أعمالهم وتشريدهم من مدنهم ومنازلهم».
وتطرق المسؤول الثقافي إلى مقتل عدد من الفنانين اليمنيين مثل الفنان نادر الجرادي، والفنان الشعبي معين الصبري... وغيرهما؛ على يد الميليشيات في صنعاء، وكذا منع الفنان التشكيلي أيمن عثمان من إقامة معرضه بصنعاء وإحراقه لوحاته احتجاجاً على ذلك.
وفي حين أشار المسؤول الثقافي إلى اختفاء كل مظاهر الاهتمام الرسمي بالثقافة والفن منذ سيطرة الحوثيين على مفاصل الدولة؛ بما فيها الثقافة في صنعاء، أكد أيضا نمو نوع آخر من الفنون والإنشاد تستخدمه الميليشيات حالياً للشحن والتحشيد والتجييش الطائفي.
وتابع: «اليمن شهد منذ انقلاب 2014 موجة من التضييق على الفنانين، بدأت من خلال منعهم من إقامة نشاطات فنية، وانتهت بمنع تشغيل الموسيقى في السيارات، ووصلت في بعض المناطق إلى تحطيم الآلات الموسيقية والتعامل معها كأصنام من جانب الجماعات المتطرفة».
وفي منتصف العام الماضي أصدرت ميليشيات الحوثي تعميماً على جميع المدارس والمؤسسات الرسمية بصنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرتها بمنع الغناء والفرق الموسيقية والاستعراضية أثناء الاحتفالات المدرسية وغيرها، وشددت على ضرورة أخذ إذن مسبق منها بإقامة الاحتفالات الغنائية.
وشملت الوثيقة، التي عممتها الميليشيات حينها، شروطاً عدة؛ منها: إقامة الحفلات المدرسية، ومن بينها احتفال التخرج، ويتم فصل البنين عن البنات، وعمل حفل تخرج لهم؛ كل على حدة، وأن برنامج الحفل يجب أن يكون بعيداً عن الفرق الموسيقية الغنائية والاستعراضية الراقصة، وملء الفقرات بمواهب دينية، ولبس الزي الشعبي، وتجنب الفقرات التي تحمل في طياتها الثقافة الغربية.
وفي هذا الصدد، عبر مسؤول بنقابة الفنانين اليمنيين، فضل هو الآخر عدم ذكر اسمه، عن أسفه لمثل تلك الممارسات التي تنتهجها ميليشيات الحوثي في حق الفنانين والمثقفين، وقال: «إنها لا تختلف كثيراً عما قام به (داعش) مطلع 2014 عندما طبق معايير ونمط الحياة (الخاص به) في (ولاية الرقة السورية)، ومنعه الأغاني والأهازيج والرقصات الشعبية والمقطوعات الموسيقية في المنازل والشوارع والسيارات والحافلات والمحال وجميع الأماكن».
ودعا المسؤول النقابي إلى الوقوف في وجه التطرف «الحوثي» ومحاربته عبر الفن والثقافة والفكر والأدب. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المواجهة الفكرية والمعرفية للأسلوب والخطاب الديني الذي تأسست عليه تلك الجماعات العنفية وغيرها من الجماعات المتشددة، تأتي في مقدمة الحرب الشاملة التي ينبغي أن تشن على تلك الجماعات، قبل أن تتحول إلى وباء منتشر يصعب بعد ذلك التعامل معه أو القضاء عليه.
وامتداداً لسجل الجماعة الإيرانية الحافل بالإجرام وتدمير الهوية اليمنية، أغلقت الميليشيات عشرات المؤسسات الثقافية عبر وقف المعونات المادية الشهرية التي تمنحها الدولة للمؤسسات الثقافية والمبدعين، كما نهبت أموال صندوق التراث والتنمية الثقافية باسم (المجهود الحربي)، وقصرت عمليات الدعم فقط على المحسوبين عليها».
وأوضحت سمر عبد الله، وهي ناشطة ثقافية، أن «الميليشيات دأبت على النيل من المؤسسات الثقافية في عملية ممنهجة الهدف منها محو الذاكرة اليمنية والقضاء على شواهدها الحية».
وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «الحوثيين اتبعوا في تحقيق ذلك استراتيجية مزدوجة جمعت بين الاستهداف المباشر للمؤسسات والمرافق الثقافية، والتضييق على المشهد الثقافي في البلاد من خلال مصادرة الآراء وخلق مناخ طارد للتعددية والاختلاف».
وحول ما يتعلق بالتخريب، فقد كانت الميليشيات الحوثية قصفت «مؤسسة السعيد» في مدينة تعز، وهي أهم المؤسسات الثقافية في اليمن، وتسبب القصف في حرق مئات من أمهات الكتب والمخطوطات التاريخية. كما استهدفت بالقصف والاقتحام والتدمير والنهب عشرات المؤسسات الثقافية الأخرى. كما شنت الميليشيا قصفاً مدفعياً طال مبنى المتحف الوطني في مدينة تعز، وأسفر عن حرق مخطوطات أثرية عمرها مئات السنين، وعشرات الوثائق الأثرية والمخطوطات النادرة.
ولم تكن الآثار اليمنية بعيدة عن جور وبطش الحوثيين، فإلى جانب استهداف المتاحف الوطنية، عمدت الميليشيات إلى تهريب كثير من القطع والمقتنيات الأثرية التي يعود تاريخها لآلاف السنين، لتمويل مشاريعها الطائفية في اليمن، وذلك بطريقة منظمة عبر المنافذ البرية والبحرية للبلاد.
ودمرت الميليشيات كثيراً من المواقع التاريخية التي تقع تحت سيطرتها؛ ومنها سد مأرب؛ أبرز معالم اليمن التاريخية والأثرية الذي يعود تاريخه إلى بدايات الألفية الأولى قبل الميلاد، حيث لم يسلم من تخريب الميليشيات التي دأبت على قصفه بعد انتقال المعارك إلى محافظة مأرب التي فشل الحوثيون في السيطرة عليها.
ووفقاً لتصريحات حكومية سابقة، فإن الميليشيات الحوثية وضعت يدها على آثار مهمة جداً؛ جزء كبير منها غير مقيد في السجلات التابعة للمتاحف اليمنية، وغير مصنف لدى الهيئة العامة للآثار التي تتبع وزارة الثقافة اليمنية؛ الأمر الذي يصعب معه تحديد عدد الآثار والمخطوطات التي هربتها وباعتها الميليشيات في الأسواق الخارجية.
وتقول الحكومة إن المعلومات الواردة تؤكد أن الميليشيات الحوثية باعت كثيراً من القطع وتسعى لتنفيذ عمليات بيع أخرى، مشيرة إلى أن قيمة القطع الأثرية التي جرى تهريبها تساوي ملايين الدولارات وأنها باتت تشكل مصدر تمويل مهماً للميليشيات.
وفي تطور أخير يكشف مدى حقد الجماعة الدفين تجاه الفن والفنانين ومحاربتها العلنية لهم ولفنهم، منعت ميليشيات حوثية في صنعاء تعمل في شركات الهاتف الجوال مؤخراً الموظفين من إرسال رسائل لمشتركيها تدعوهم للتصويت للمتسابق اليمني عمر ياسين المشارك في برنامج تلفزيوني تبثه إحدى القنوات العربية.
وأفاد موظفون في الشركة، التي تحتفظ «الشرق الأوسط» باسمها، والخاضعة لسيطرة الجماعة في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط» بأن الميليشيات منعت التصويت للمتسابق ياسين بذريعة «وجود جبهات قتال ومقاتلين هم أولى وأجدر بالدعم المالي وأفضل من البرامج الغنائية التي تفسد الشعوب وتدمرها» على حد زعم الجماعة.
وكشفت المصادر أن الميليشيات، التي تسيطر حالياً على الاتصالات، تقتطع شهرياً من كل مشترك لديها وبشكل إجباري مبلغ 100 ريال يمني (نحو 20 سنتاً) قيمة رسالة نصية تبرعاً لـ«مجهودها الحربي» وما سميت «التعبئة العامة».


مقالات ذات صلة

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.