ناجية تروي تفاصيل النهاية المروعة لمهمة إنقاذ على جبل سنجار

مراسلة صحيفة «نيويورك تايمز»: شاهدت الأرض تقترب وكنت أعلم أن سيئا سيحدث

إيزيديون يحاولون الصعود إلى طائرة الهليكوبتر (نيويورك تايمز)
إيزيديون يحاولون الصعود إلى طائرة الهليكوبتر (نيويورك تايمز)
TT

ناجية تروي تفاصيل النهاية المروعة لمهمة إنقاذ على جبل سنجار

إيزيديون يحاولون الصعود إلى طائرة الهليكوبتر (نيويورك تايمز)
إيزيديون يحاولون الصعود إلى طائرة الهليكوبتر (نيويورك تايمز)

لو لم أتعرض لحادثة سقوط طائرة الهليكوبتر يوم الثلاثاء الماضي فوق جبل سنجار، فماذا كان بوسعي أن أكتب عن معاناة الإيزيديين؟
كنت سأبدأ، حسبما أعتقد، بهذا الجبل الذي صار موضوع حديث للجميع أخيرا، والذي فر إليه الإيزيديون. من الصعوبة بمكان المبالغة في تقدير حجم هذا الجبل، الذي يُعدّ من الأماكن المقدسة لدى الإيزيديين، وهو المكان الذي قصدوه فرارا من الإرهاب الذي فرضه تنظيم «داعش» في العراق وسوريا عليهم.
إن نطاق الجبل أكبر قليلا من الجبل العادي، حيث يبلغ 60 ميلا طولا وارتفاعه خمسة آلاف قدم، وليس من المستغرب أن عملية الإغاثة، التي لفتت انتباه العالم بأسره، قد فرضت ذلك القدر من التحديات.
ثم كان ينبغي عليّ الكتابة عن الطيار، اللواء ماجد أحمد السعدي، وهو ضابط عراقي عربي مخضرم كان يساعد الأكراد في إنقاذ الإيزيديين، وآدم فيرغسون، المصور لدينا، وقد كنت أنتظر طيلة اليوم في قاعدة عسكرية كردية في بيشخابور، بالعراق، انتظارا للطائرة الهليكوبتر التي تقلنا إلى جبل سنجار.
ووصل اللواء ماجد من دورته الأولى فوق الجبل ناقلا معه حمولة كاملة من اللاجئين الإيزيديين، وقد قال له أحد الصحافيين من التلفزيون البريطاني: «لماذا تخاطر بإثقال حمولة طائرتك على هذا النحو؟».
أجابه اللواء ماجد قائلا: «لقد راجعت أرقامي، وراجعت الوزن لدي، فوجدت أنه من الممكن القيام بذلك».
كذلك كانت هناك عضوة في البرلمان من الطائفة الإيزيدية معنا، التي أدمى خطابها الذي ألقته في البرلمان العراقي، بتاريخ الخامس من أغسطس (آب)، قلوب الناس. كان تبدو متماسكة للغاية، ومنظمة لأقصى درجة (رغم أنها كانت ترتدي الكعب العالي لسبب غير مفهوم) وكذلك، بالطبع، كانت تشوبها عاطفة غامرة حيال مأساة شعبها.
عندما استقللنا الطائرة الهليكوبتر أخيرا، كانت الساعة تقارب الرابعة إلا الربع عصرا، ولم يبق من ضوء النهار الشيء الكثير. اتخذت لنفسي مقعدا فوق حمولة من الخبز، خلف واحد من أبواب الرماة بالطائرة. بخلاف ذلك، لم تكن هناك مقاعد، ولا أحزمة أمان، كانت نوعا من الرحلات الجوية التي لم يكن جيش الولايات المتحدة ليسمح بها أبدا.
كانت الطائرة ممتلئة بالخبز، وربما الرصاص أيضا: وكان الخبز للإيزيديين والرصاصات لقاعدة جنود البيشمركة الأكراد على قمة الجبل.
خلّف الطيار بالفعل انطباعا كبيرا. كما تعرفون، يشعر الإيزيديون بالخيانة الكبيرة من جانب جيرانهم من العرب الذين عاشوا بينهم لسنوات كثيرة، ولقد انقلبوا جميعا على الإيزيديين حينما جاء تنظيم «داعش». والكثير من الفظائع التي تعرض لها الإيزيديون لم تكن من المتشددين فحسب، بل من جيرانهم كذلك.
ورغم ذلك كان هنا اللواء ماجد، وهو عراقي عربي، ابتعد عن وظيفته الأساسية، حيث كان مسؤولا عن تدريب القوات الجوية العراقية، ليساعد أولئك الناس. وقد أخبرني أنه أهم شيء فعله في حياته، وأكثر الواجبات أهمية خلال 35 عاما من الخدمة في الطيران.
كانت كما لو كانت المهمة التي تعني له حياته بأكملها، كان أكثر ما يؤثر فيه الأطفال الإيزيديون.
الأولوية كانت توصيل الغذاء إلى أعلى الجبل. كانت هناك الكثير من الأماكن التي يكن فيها أي إنزال جوي للأغذية نهائيا، لذلك كان الإنزال الجوي من قبل السلطات الكردية من الأهمية بمكان.
عندما كنا على مقربة من قمة الجبل، كان الناس قد جمعوا أنفسهم بالفعل. وأتذكر أن إحدى الأمهات كانت تحتضن طفلها بيدها على جانب، وتوجد ابنتها على الجانب الآخر، وكانوا يحاولون البقاء في وضع عمودي في مواجهة تيار الهواء الهابط من دوران المروحية حتى يتمكنوا من المضي قدما واعتلاء متن الطائرة. وقد استطاعوا فعل ذلك أخيرا.
ظل وجه إحدى النساء العجائز محفورا في مخيلتي، كان وجهها متجهما للغاية ومحزنا بشكل كبير.
هبطنا على الأرض في خلال عشر دقائق تقريبا. وكان الإيزيديون في حالة يُرثى لها. كان بعض من كبار السن بلا أحذية، والأقدام متورمة من كثرة المشي، ونال الآخرين الجفاف تماما، وأصابت حرقة الشمس بشرات الأطفال. والأطفال ذاتهم (الكثير منهم) كانوا يبكون، وخائفين ومرتبكين، وكان بعضهم في صمت عجيب، يغلبهم الخوف.
حينما هبطنا على الأرض، كان الأمر مروعا بحق، حيث تجمهر الناس للوصول إلينا. كل أولئك الناس كانوا يريدون بشدة اعتلاء متن طائرة الهليكوبتر ومغادرة ذلك الجبل. وأنا على يقين أن غالبيتهم لم يشاهدوا هليكوبتر من قبل في حياتهم. كانت ساق إحدى النساء متورمة للغاية حتى إنها لم تستطع المسير، فحُمِلت على محفة يحملها بعض الرجال.
تسلق عدد كبير منهم الطائرة، معتلين سلم الطائرة الخلفي، ولم يتمكن طاقم الطائرة من إغلاق السلم. فاضطروا إلى إعادة فتحه لينزل منها بعض الناس.
حينما حاولوا الإقلاع، لم يستطيعوا، واضطروا إلى الهبوط بالطائرة مرة أخرى.
ثم جاءت تلك اللحظة الحزينة؛ أخرجوا تلك المرأة وطفليها خارج الطائرة. كانوا يبكون بشدة، وكانت الأم نحيفة للغاية.
كان الطيار شديد التأثر بكل ما يجري. أراد فعلا مساعدة كل هؤلاء الناس، وخصوصا الأطفال.
ثم أقلع اللواء ماجد بطائرته، ولكن كنا نرى أنه سيستخدم منحدر الجبل للمساعدة في الإقلاع، حتى يتمكن من الحصول على قوة رفع مناسبة، كانت مقدمة طائرة الهليكوبتر متجهة إلى الأسفل حينما بدأت في الطيران. شعرت بأن الطائرة اصطدمت بشيء ما، لاحقا، قال أحدهم إنها كانت صخرة، ظننت أن الطيار سيصلح من الأمر، لكنني شاهدت الأرض تقترب من جديد. لم أكن أعرف ماذا سيحدث، لكنني كنت أعلم أنه شيء سيئ.
في وقت لاحق، أخبرني أحدهم أن مساعد الطيار أغلق الوقود حينما فقدوا السيطرة على الطائرة، مما جعلنا نتباطأ. وبخلاف ذلك، ربما كانت النيران قد نالتها وانفجرت.
عندما هبطنا للأسفل، اعتقدت، حسنا، نحن على الجبل، وأنها ستنزلق في شوط طويل قبل أن تتوقف تماما. وقعت بعض الأشياء علي، ولم أميز أكانت أناسا أم أشياء. ثم سقطت السيدة (النائبة فيان) دخيل على رأسي. كان الجميع يئنون. ولم تكن هناك صرخات. كان آدم رابط الجأش، فقد سحبني خارج المروحية، حيث لم أكن أقوى على المشي. وربط آدم وشاحه حول رأسي ليوقف النزيف.
وخلع جندي من البيشمركة كوفيته وربط ذراعي معا حتى لا يتحركا كثيرا. ظننت أنه شيء طيب في وقته، لكنني أدركت لاحقا أنه تصرف في منتهى العقلانية؛ فقد كان يوقف حركة ذراعي، لأن كلا معصمي تعرض للكسر.
قبيل حلول الظلام، جاءت طائرة الإنقاذ.
التقطني كثير من الناس وحملوني بطريقة غير حاذقة أبدا، وكان أمرا مؤلما للغاية، لسوء الحظ. سمعت تأوهات نفسي مثل كل من حولي. وفي هذه اللحظة، كان الألم عميقا. ولكن فكرت بعد ذلك، ذلك أمر جيد، فأنا على قيد الحياة على أقل تقدير.
وظننت أن الكثيرين منهم ليسوا كذلك.
كيف حال الطيار؟ هل نجا؟ لقد أراد المساعدة فحسب.
كانت طائرة الهليكوبتر طراز «مي - 17» تقل 25 إيزيديا، مع خمسة من طاقم الطائرة، وخمسة سياسيين أكراد، وأربعة من الصحافيين الغربيين، وهي طائرة روسية الصنع مخصصة لأغراض النقل. كان الجميع مصابين تقريبا، ولكن ليسوا مثل السيدة روبين والسيدة دخيل التي جرى إخلاؤها أيضا إلى إسطنبول، مع كسر في الساقين وكثير من الأضلاع.
لكن الشخص الوحيد الذي توفي كان الطيار، اللواء ماجد.

* خدمة «نيويورك تايمز»



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.