«البيت الأزرق» سجن للمرضى النفسيين من المجرمين في لبنان

أحدهم طلب صداقة نتنياهو عبر «فيسبوك»... وآخر يصر على أنه مخطوف منذ الحرب الأهلية

البيت الأزرق بسجن رومية للسجناء المصابين بأمراض نفسية في لبنان («الشرق الأوسط»)
البيت الأزرق بسجن رومية للسجناء المصابين بأمراض نفسية في لبنان («الشرق الأوسط»)
TT

«البيت الأزرق» سجن للمرضى النفسيين من المجرمين في لبنان

البيت الأزرق بسجن رومية للسجناء المصابين بأمراض نفسية في لبنان («الشرق الأوسط»)
البيت الأزرق بسجن رومية للسجناء المصابين بأمراض نفسية في لبنان («الشرق الأوسط»)

يستوقف بناء مطلية جدرانه باللون الأزرق زائر سجن رومية المركزي، الذي يربض على تلة في قضاء المتن، شرق بيروت. لوهلة، يشعر الزائر بأنه في مكان لا يمتُّ إلى فكرة الاعتقال بصِلة. هو المبنى الاحترازي كما تشير اليافطة. ولدى الاقتراب من باب المبنى نقرأ التالي: «تمت إعادة ترميم البيت الأزرق ضمن مشروع تطوير الظروف الحياتية في السجون. وهو مشروع تقوم به وزارة العدل ومديرية السجون بالتنسيق مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNOD)، والممول من مكتب التعاون التنموي الإيطالي في عام 2017».
المكان نظيف يغمره الضوء والهدوء. لكنه يبقى سجناً يضم أربعين نزيلاً يحتاجون رعاية خاصة. غالبيتهم قتلوا أحد أفراد عائلتهم.
يقول الرائد شادي البستاني المسؤول عن المبنى لـ«الشرق الأوسط» إن «السجناء في البيت الأزرق يشكلون خطراً على الآخرين، غالبيتهم مصابون بانفصام في الشخصية، وهناك ثلاثة يحملون مرض نقص المناعة (الإيدز)، نعزلهم مساءً ونراقبهم نهاراً. يتوزعون على جناحين. في كل جناح 17 غرفة، وكل سجين لديه فراشه، ومنظمةUNOD) ) بصدد تأمين سرير لكل سجين».
هنا الجرائم مختلفة عما في أبنية السجن الأخرى. عندما نسمعها، نفهم خصوصية البيت الأزرق.
يبدأ علي ليقول إنه قتل والده، بناء على إشارات أشخاص يراهم ويسمعهم وحده دون سواه. يوضح: «لم أكن أُعالج آنذاك، فتدهورت حالتي. لكن حالتي (الآن) أصبحت مستقرة، أتناول الدواء بانتظام، كما يؤكد طبيب الاعصاب والطبيبة النفسية».
علي يريد مغادرة السجن، بالكاد يتجاوز الثلاثين من عمره. لا يعرف كم مر عليه من الزمن في السجن. إطلاق سراحه مرهون بكفالة أحد أفراد عائلته. وأهله لا يكفلونه. «أحتاج لكفالة. أريد أن أخرج وأعمل». علي وصل إلى المرحلة الجامعية وبدأ اختصاصاً في العلوم السياسية، لكن الأصوات اعترضت طريقه وعطّلت مستقبله.
تزوره شقيقته من حين إلى آخر. يخبرها أن محاميه انقلب ضده. يقول إنها لا تصدقه.
الزيارات العائلية تتم في إحدى غرف البيت الأزرق، يجلس السجين على راحته من دون أصفاد، في حين تتم المقابلات في المباني الأخرى عبر القضبان.
خالد المحكوم بثلاث سنوات لسرقته دراجة نارية، لا يزوره أحد؛ فهو لا يعرف أهله. تربى في دار للأيتام، بعد ذلك خرج إلى الطريق، يعيش هناك وينام هناك. يجمع الخردوات ويبيعها ليأكل. يجادل بحدة وعنف. يقول: «نمتُ 10 سنوات في سجون لبنان، وفيها تعلمت القراءة والكتابة. لم أعد أحتمل. لا أريد أن آكل أو أشرب. أريد حريتي». ومع هذا يتناول طعامه متلذذاً خلف القضبان، ويقول إنه شهي.
نظرية المؤامرة حاضرة في احتجاجات المصابين بالانفصام. طلال قتل أخاه منذ 8 سنوات. أرسلوه إلى البيت الأزرق. يتهم الطبيب المشرف بأنه يعطيه أدوية متضاربة تزيد من سوء حالته. كذلك طوبيا حامل الجنسية الأسترالية، يقول إنه عاد إلى لبنان بعد مشكلات مع البوليس الأسترالي، وأن أقارب له حرضوا مجموعة من المجانين ليستفزوه، فكان يسجن نفسه في منزله حاملاً سكيناً ليحمي نفسه. عندما ازداد الضغط عليه خرج وطعن جاره حتى الموت.
أما وئام فهو يشكل الحالة الأكثر خصوصية. يدفعه زملاؤه نحو الباب ليحكي حكايته. يقول: «أرسلت Friend request، أي طلب صداقة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكذلك عدة رسائل أخرى عبر (فيسبوك). نتنياهو لم يجب عن رسائلي. لكن الأمن العام ألقى القبض علي بتهمة التعامل». هو في السابعة والعشرين من عمره، نحيل، يتلفت حوله بخوف ومقلّ في الكلام. حاصل على شهادة مهنية في الإلكترونيات، وكان يعمل في معمل للشوكولاته، يتناول أدوية أعصاب ولا يعرف لماذا. يزوره أهله دائماً. ميال إلى الصمت والانعزال عن رفاقه الذين يماحكونه ويزعجوه كأن جريمته لا تليق بمقامهم.

سجناء للأبد
يقول الرائد البستاني: «ينص القانون على أن المصابين بأمراض نفسية يبقون في الاحتجاز لحين الشفاء؛ هذا القانون يجب أن يُعدل. هناك سبعة سجناء لا أمل لهم بالشفاء، ما يعني أنهم سيبقون في السجن ولن يغادروه أبداً».
تلك هي حال طلال، يقارب السبعين من العمر. هو في السجن منذ أكثر من 25 عاماً بتهمة محاولة قتل. لكنه يصر على أنه كان مخطوفاً خلال الحرب الأهلية. يقول: «ربما لا أزال مخطوفاً. ألصقوا بي تهمة القتل، ووضعوني في السجن. لدي جوازا سفر ألمانيان. إذا عرف الألمان بوضعي سيساعدونني». يصر طلال على أنه متزوج ولديه ولد، وزوجته تدّعي زوراً أنها طبيبة. «على أيامي لم تكن دكتورة. تزورني بشخصيات وأسماء مختلفة. ولا أحد يستطيع كشف الأمر. زارتني مع ابني، ثم تركت الولد ورحلت». ويضيف: «أنا ضحية مؤامرة لأنني كنت في الحزب الشيوعي. الطبيب تآمر علي. هو يريد إبقائي في السجن».
حكاية زياد تختلف، يقارب الأربعين ولا تعكس ملامحه اضطراباً، لكنه مصاب بـ«الإيدز». سُجِن عدة أشهر للمرة الأولى عام 2009 بتهمة تعاطي المخدرات، وعندما خرج أقفلت في وجهه أبواب العمل والحياة الصالحة، فعاد إلى التعاطي والسهر والكحول. ووجد أن بيع المخدرات مربح فغرق أكثر فأكثر، ليعود مع حكم بالسجن خمس سنوات أمضى منها ثلاثاً.
يقسم زياد أنه لن يعود إلى ما كان عليه. يقول: «عندما دخلت السجن كنتُ نحيلاً ومريضاً. أما اليوم فقد اكتسبتُ وزناً وصحتي جيدة. أواظب على الرياضة. ولدي منزلي، عندما أخرج سأعمل في التجارة وأرتب حياتي بطريقة سليمة وصحية ولن أعود إلى ما يؤذيني أو يؤذي أهلي الذين احتضنوني».
في البيت الأزرق وسائل الرعاية والترفيه متوفرة. مشاهدة التلفزيون متاحة، والنزهة أيضاً في باحة رحبة، والنزلاء يؤكدون أن الحراس يعاملونهم بلطف وحرص.
يقول الرائد البستاني: «لا يمكن لأي منهم البقاء من دون دواء للأعصاب. مَن يرفض تناول الدواء يصبح عنيفاً ويتم نقله إلى المستشفى». ويضيف: «التعامل مع هؤلاء المرضى يتطلب خبرة. لذا التحقتُ بدورات مع منظمة الصليب الأحمر بشأن الانتباه إلى الأوضاع الصحية والنفسية لنزلاء البيت الأزرق».
ويوضح: «يتولى طبيب من وزارة الصحة معاينتهم مرة في الأسبوع. ولدينا طبيبة نفسية موجودة في السجن تأتي إلى البيت الأزرق عندما تدعو الحاجة. نزودهم بالأدوية المتوفرة في صيدلية قوى الأمن الداخلي، وإذا احتاجوا دواء غير موجود نطلب من الأهل أو من الجمعيات التي تعنى بالسجناء توفيره».
لا ينكر البستاني أن الحالة النفسية لبعض السجناء ليست متردية، لكنهم يدَّعون الجنون، لأن الإقامة في البيت الأزرق أفضل. ويشير إلى أن «وجود جناحين يساعد في الفصل بين النزلاء منعاً للحزازات. تحدث أحياناً بعض الإشكالات التي يمكن ضبطها. لدينا مشاريع مدروسة للترفيه عنهم وتدريب مسرحي إيحائي وعلاج بالرسم».



شركتان أميركية وسعودية لتسليم كوكبة الأقمار الاصطناعية «SAR» لرصد الأرض

رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
TT

شركتان أميركية وسعودية لتسليم كوكبة الأقمار الاصطناعية «SAR» لرصد الأرض

رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)

وقعت شركة «Antaris»، الأميركية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي للفضاء، وشركة «SARsatX™»، المتخصصة في الفضاء التجارية السعودية، على هامش معرض الرياض الدولي للدفاع، مذكرة اتفاقية، تستهدف تعزيز تطوير وتنفيذ وتسليم مجموعة الأقمار الاصطناعية ذات الفتحة الاصطناعية «(SAR) EO»، للمملكة.

وبموجب الاتفاقية، ستتعاون كل من «SARsatX»، التي تطوّر حمولة رادار ذات فتحة اصطناعية (SAR) متقدمة ومملوكة لها، و«Antaris»، التي توفر أحدث منصات الأقمار الاصطناعية والقطاع الأرضي المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وتشمل المنصات الرقمية، كلاً من «TrueTwin™» الرقمي التوأم وقدرات «Full Mission Virtualization™» معاً لدعم النشر الموثوق، وفي الوقت المناسب لكوكبة أقمار «SAR» الاصطناعية لتحقيق أهداف التنمية السعودية.

ومن المتوقع أيضاً أن تتيح الشراكة زيادة توطين المنتجات والخدمات الفضائية، فضلاً عن تطوير الخبرة الفنية ورأس المال البشري داخل الدولة لإدارة وتشغيل الأبراج المعقدة متعددة الأقمار الاصطناعية.

ويتوقع الطرفان تسليم القمر الاصطناعي الأول في غضون 12 شهراً، تليها الأقمار الاصطناعية المتبقية وفقاً لجدول زمني مرحلي، مع هدف طويل المدى يتمثل في إنشاء قدرات تصنيع محلية، بوصفها جزءاً من برنامج كوكبة الأقمار الاصطناعية المخطط له.

وقال توم بارتون، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «Antaris»، توضح الشراكة مع «SARsatX» في هذه الكوكبة كيف يمكن لمنصة «Antaris Intelligence™» تسريع الوقت للحصول على ذكاء قابل للتنفيذ من خلال دعم العملاء أثناء قيامهم بتوسيع قدراتهم التصنيعية والتشغيلية.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن رؤيتنا في «Antaris» تتمثل في جعل المهام الفضائية أسرع وأبسط وأكثر فاعلية من حيث التكلفة.

من ناحيته، قال الدكتور عمرو العمودي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في «SARsatX»: «تلتزم (SARsatX) ببناء القدرات الوطنية في مجال تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية، وتتيح لنا الشراكة مع (Antaris) تسريع خريطة طريقنا».

وتابع العمودي: «ستعمل الشراكة على تطوير المواهب المحلية، وإظهار النجاح المبكر مع إطلاقنا الأول، وإرساء الأساس للتصنيع المستقبلي في المملكة العربية السعودية، بما يتماشى مع خطتنا الأوسع لإنشاء ونشر قدرات متعددة الوسائط في السنوات المقبلة».

من جهته، قال كارثيك جوفينداسامي، المدير التنفيذي للتكنولوجيا والمؤسس المشارك لشركة «Antaris»: «تُظهر هذه المهمة قدرة منصة (Antaris Intelligence™) على تقليل الوقت اللازم للوصول إلى المدار ووقت الرؤية بشكل كبير».

وتابع: «من خلال نمذجة القطاع الفضائي والأرضي بالكامل ضمن (Antaris Intelligence™)، يمكن لـ(SarsatX) إزالة مخاطر البرنامج، وخفض التكاليف، وتسريع تقديم رؤى قابلة للتنفيذ للعملاء».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» في السياق نفسه، قال عبد الله زيد المليحي، رئيس مجلس إدارة «الشركة السعودية للتميز»، الوسيط المسهل للاتفاقية والشراكة: «إن الدعم الذي توفره القيادة السعودية يعزز نشاط المبادرات القوية لتنمية قطاع الفضاء».

وأضاف المليحي: «من خلال شراكتنا مع (Antaris) و(SarsatX) نستهدف العمل معاً لدفع الابتكار والتنمية الاقتصادية وتعظيم المنافع المجتمعية، ليس فقط في المملكة العربية السعودية، بل أيضاً لصالح الشركات الأميركية والعالمية العاملة في المنطقة. كما سنعمل على توفير وظائف عالية المهارات في المملكة وتنفيذ مشروعات تكنولوجية متقدمة تُسهم في خلق فرص عمل جديدة ومجزية».


توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.