سلاح تنظيم العشوائيات يقترب من موالي النظام في دمشق

احتجاجات على قرار الحكومة تطبيق القانون رقم 10 في أحياء شاركت في الحرب

مقاتل معارض في داريا قرب دمشق قبل سيطرة النظام عليها (غيتي)
مقاتل معارض في داريا قرب دمشق قبل سيطرة النظام عليها (غيتي)
TT

سلاح تنظيم العشوائيات يقترب من موالي النظام في دمشق

مقاتل معارض في داريا قرب دمشق قبل سيطرة النظام عليها (غيتي)
مقاتل معارض في داريا قرب دمشق قبل سيطرة النظام عليها (غيتي)

لم تعد سياسية «التهجير القسري» التي يتبعها النظام السوري تقتصر على معارضيه، بل طالت حالياً مؤيديه من خلال الكشف عن خطط لتنظيم مناطق «السكن العشوائي» المحيطة بمدينة دمشق وفق القانون رقم 10.
وكشفت محافظة دمشق الشهر الماضي عن خطة زمنية لوضع دراسات خاصة بمناطق «السكن العشوائي» المحيطة بالمدينة، ومن ثم إعادة تنظيمها وفق القانون رقم «10» الذي صدر بداية العام الحالي. ويجيز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية، والذي جاء تطويراً للمرسوم 66 الصادر عام 2012 والقاضي بتنظيم منطقتين عشوائيتين ضمن دمشق وهما «بساتين المزة» و«كفر سوسة».
تتضمن الخطة، بحسب الإعلام الرسمي، في مرحلتها الأولى التي ستنتهي العام المقبل، وضع دراسة تنظيمية لأحياء «القابون الصناعي»، و«برزة»، و«عشر الورور»، و«جوبر» شمال شرقي العاصمة، حيث سيتم «هدم المناطق المخالفة (العشوائية) ومنح أصحاب الشقق والأراضي أسهماً في المنطقة، ليصار إلى تنظيمها كمناطق أبراج سكنية.
سيتم في المرحلة الثانية الممتدة من 2019 – 2020، وضع دراسة لمناطق «التضامن» و«دف الشوك» و«حي الزهور» الواقعة جنوب شرقي العاصمة ومنطقتي «الزاهرة» و«نهر عيشة» جنوب غربي العاصمة، بينما تشمل الثالثة مناطق «قاسيون» و«مهاجرين» و«معربا»، وسيتم وضع الدراسة الخاصة بها ما بين 2020 - 2021، على حين سيتم في المرحلة الرابعة الممتدة ما بين 2021 و2022 وضع دراسة لمنطقتي «الدويلعة» و«الطبالة»، وفي الخامسة منطقتي «مزة 86» و«مخالفات دمر» ما بين 2022 – 2023، والسادسة «استملاك المعضمية» ما بين 2023 - 2024.
يلاحظ من إعلان محافظة دمشق السابق، أن المناطق والأحياء التي تشملها الخطة، منها ما كان بالكامل تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، وأخرى كانت المعارضة تسيطر على أجزاء منها، وبعضها كان بالكامل تحت سيطرة النظام، وقاتل كثير من سكانها إلى جانب النظام ضد فصائل المعارضة.
نصف السكان في عشوائيات
والعشوائيات أو سكن المخالفات هي مناطق غير منظمة، أنشئت بلا تراخيص، وتطورت مع الوقت من دون أن تحظى بخدمات نظامية من شبكات ماء وصرف صحي وخطوط توتر عالي، بالإضافة إلى عدم وجود حدائق وشوارع عريضة ومراكز ثقافية وظروف الحياة اللائقة الأخرى فيها.
وتشير الأرقام إلى أن نسبة السكن العشوائي تصل إلى ما يعادل نصف السكن الإجمالي في سوريا، ويتوزع على 147 منطقة، جرى بناؤها منذ عقود من قبل الفقراء الذين لفظتهم المدن إلى أطرافها، مروراً بموجات الهجرة من الأرياف القريبة المترافقة مع تدهور قطاع الزراعة، وصولاً إلى الخروج الكبير بعد موجة الجفاف الأخيرة التي ضربت عمق الريف السوري في منتصف العقد الماضي. وبحسب المكتب المركزي للإحصاء التابع للنظام لعام 2007، فإن 46 في المائة من سكان مدينة دمشق يقيمون في «مناطق المخالفات» أو ما اصطلح على تسميتها بـ«أحزمة الفقر»، ويصل عددهم إلى ما يقارب 700 ألف نسمة، غير أن هناك أرقاماً متداولة غير رسمية توصلها إلى 2.5 مليون في دمشق وريفها، علما أن سكان مدينة دمشق قبل اندلاع الأحداث في البلاد وصل إلى نحو 4 ملايين نسمة، بينما يشير متابعون إلى أن العدد وصل إلى أكثر من 6 ملايين بعد موجات النزوح التي حصلت خلال سنوات الحرب.

ألوان طائفية
وبينما تشير الأرقام إلى وجود 18 منطقة سكن عشوائي في مدينة دمشق تنتشر في محيطها، يلاحظ أن سكانها متعددو المنابت الدينية (مسلمون ومسيحيون) والمذهبية (سنة وعلويون ودروز) والقومية (عرب سوريون وفلسطينيون وأكراد مسلمون). ولكن وسط هذا تتلون كثير من المناطق بألوان طائفية صافية، حيث يتركز المسيحيون في عشوائيتي «الدويلعة» و«الطبالة» والعلويين في «مزة 86» و«عش الورور» و«حي الورود»، في حين تتركز الغالبية السنية في منطقة مخالفات «جوبر»، و«برزة البلد» و«بساتين المزة» وصولا إلى «كفرسوسة اللوان»، و«الدحاديل» و«بيادر نادر» و«نهر عيشة» و«القدم» و«العسالي» و«دف الشوك» و«الزهور».
وعلى حين يقطن الأكراد في عشوائية «حي الرز» أو ما يعرف بـ«زورافار» على تخوم مشروع دمر، يسكن عشوائية «التضامن» خليط ديني وطائفي وقومي من سنة وعلويين ودروز وسوريين ولاجئين فلسطينيين.

الفساد سبب قيامها
وتنامت هذه العشوائيات بسرعة ملحوظة خلال العقود الماضية، حيث كان موظفو البلديات والمحافظة يتقاضون رشى مالية كبيرة من الأهالي مقابل السماح لهم ببناء المنازل في تلك العشوائيات، مما أدى إلى تكوين هؤلاء الموظفين ثروات كبيرة.
ويرى مراقبون، أن النظام شجع على تشكيل بؤر سكانية عشوائية تحيط بالقطع والوحدات العسكرية القريبة من دمشق، يكون تكوينها الأساسي من عائلات الضباط والعساكر الذين يؤدون مهماتهم فيها، مع حرصه على المحافظة على الظروف المعاشية السيئة لمناطقهم الأصلية، وتهميشها وتجهيلها قدر الإمكان، لأغراض قد تتعلق بإبقائها كتلاً بشرية صماء غير قابلة للانفتاح على الآخر، مما يضمن استمرار السيطرة عليها، ويحفظ ولاءها عبر استدامة الخوف فيها من الآخر المتوهَّم.
ويلفت هؤلاء المراقبون إلى أن «مساكن الحرس» و«مزة 86» و«عش الورور» وغيرها ظلت مناطق مغلقة للموالين، وأصبحت لاحقاً المورد البشري الأهم للمسلحين من «الشبيحة»، الذين نجح النظام في تجنيدهم معه، ضمن سياق الحرب.

«التضامن» و«دف الشوك» و«الزهور»
تقع أحياء «التضامن» و«دف الشوك» و«الزهور» جنوب شرقي المدينة، ويعتبر الأول بوابة العاصمة الجنوبية الفاصلة بين المدينة وريفها، ويحده شمالا الثاني والثالث، ومن الغرب «مخيم اليرموك» للاجئين الفلسطينيين وشرقا وجنوبا بلدة يلدا.
وبقي حيا «دف الشوك» و«الزهور» ومنطقة «الزاهرة» خلال الحرب المستمرة في عدد من مناطق البلاد منذ أكثر من سبع سنوات تحت سيطرة النظام، ويحد الأول والثاني من الجنوب حي «التضامن» وغربا منطقة «الزاهرة» وشرقا حي القزاز وشمالا الجسر المتحلق الجنوبي.
لكن فصائل المعارضة المسلحة تمكنت في العام الثاني من الحرب من السيطرة على الجادات الجنوبية من حي «التضامن» إلى أن استعاد النظام السيطرة عليها بداية صيف العام الحالي مع أحياء دمشق الجنوبية (مدينة الحجر الأسود، ومخيم اليرموك، والجزء الشرقي من حي القدم) التي كانت تحت سيطرة المعارضة وتنظيمي «داعش» و«هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقا).
وبحسب الأرقام، كان أعداد قاطني حي «التضامن» قبل بداية الحراك السلمي تقدر بـ200 ألف يشكلون نسيجاً اجتماعياً متفاوتاً في العادات والتقاليد، فجل سكانه من نازحي هضبة الجولان العرب والتركمان، ومن محافظات السويداء وإدلب ودير الزور ودرعا واللاذقية وطرطوس، إضافة إلى قسم لا بأس به من اللاجئين الفلسطينيين.
وشكل المنحدرون من محافظات درعا ودير الزور وإدلب، الذين كانوا يتجمعون في الجادات الجنوبية من الحي، وتقدر مساحتها بأكثر من نصف مساحة الحي، نواة الحراك السلمي في عامه الأولى، في وقت يوجد في الجزء الشمالي المقابل شوارع الجلاء ونسرين والغفاري على التوالي، والتي يوجد فيها أيضاً تنوع في النسيج الاجتماعي للسكان، لكن تسليح النظام للموالين جعل لهم سطوة كبيرة على باقي السكان من الطوائف الأخرى، ليبقى هذا الجزء من الحي تحت سيطرتهم.
وبعد استعادة النظام السيطرة بشكل كامل على الجادات الجنوبية من الحي تدفق الأهالي إليها لتفقد منازلهم وحاجاتهم، وينقل نشطاء عن كثير من الأهالي، بأن أغلب المنازل الواقعة في القسم الغربي من الجزء الجنوبي من الحي طالتها أضرار بسيطة ويمكن ترميهما، وتقدر نسبتها بأكثر من 80 في المائة من نسبة كامل المنازل في الجزء الجنوبي، بينما المنازل الواقعة في القسم الشرقي طالتها أضرار كبيرة وهي مدمرة بشكل شبه كامل.
وفي يوليو (تموز) الماضي شكل محافظ دمشق بشر الصبان، لجنة لتطبيق القانون رقم «3» لعام 2018 في الجادات الجنوبية من الحي والمتضمن إزالة الأنقاض وإعادة تدويرها وتحديد المباني الصالحة للسكن والمباني المتضررة غير الصالحة للسكن.
وفوجئ في أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، الأهالي النازحين من الجادات الجنوبية والذين ينتظرون بفارغ الصبر السماح لهم بالعودة إلى منازلهم، بمضمون قرار اللجنة الذي صادق عليه المحافظ وخلص إلى أن 690 منزلا صالحة للسكن ويمكن للأهالي العودة إليها ريثما يتم تنظيم كامل منطقة التضامن وفق القانون رقم «10»، الأمر الذي قد يستغرق من 4 - 5 سنوات.
وذكر رئيس اللجنة فيصل سرور الذي أعلن عن مضمون القرار عبر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، أن باقي البيوت في الجزء الجنوبي من الحي غير صالحة للسكن، ولا يمكن ترميمها في الوقت الحالي، ويقدر أهالي عددها بأكثر من 8 آلاف منزل.
وفيما يعتبر تجاوزا للخطوط الحمراء، وسابقة لم تحصل في سنوات الحرب والعقود الماضية، شن النازحون من القسم الجنوبي من الحي هجوما عنيفا على المحافظة واللجنة ورئيسها، وذلك عبر صفحات موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» الخاصة بهم، وتعليقات في صفحات مؤسسات النظام، وصفوا خلالها التقرير بأنه «غير صحيح»، وشككوا بنزاهة اللجنة، وطالبوا بإلغاء التقرير وإحالة اللجنة إلى التحقيق ومحاسبتها.
وجاء في تعليق لأحد النشطاء: «نناشد رئيس الجمهورية الدكتور بشار الأسد لإنصافنا... ربحنا الحرب وخسرنا حق العودة لمنازلنا... أهالي التضامن تستنجد كل ضمير حي من أصحاب القرار الذي هجر 200 ألف شخص».
ولم يقتصر الأمر على تصدر قضية حي «التضامن» مواقع التواصل الاجتماعي، فقد كان لافتا تركيز وسائل إعلام النظام والقريبة منه المرئية والمسموعة على خطط المحافظة لتنظيم مناطق «السكن العشوائي» وخصوصا قضية منع أهالي حي «التضامن» من العودة، وذلك عبر الكثير من البرامج أبدى مقدموها تعاطفا مع الأهالي لأن «أغلبهم عمال وفلاحين وموظفين فقراء ومتطوعين في الجيش والشرطة ووقفوا مع الدولة وكيانها خلف الجيش وقدموا شهداء وجرحى».
وتم خلال كثير من تلك البرامج استضافة رئيس اللجنة لتقديم توضيحات عن الأمر، بينما رد عليه كثير من المداخلين بالتأكيد على أن تقرير اللجنة «غير صحيح» وعملها «غير نزيه».
كما، نشرت جريدة «الوطن»، المقربة من دوائر صنع القرار بدمشق عدة تقارير حول تقرير اللجنة ومطالبات الأهالي بالعودة إلى منازلهم، ونقلت عبرها استنكارهم وتنديدهم بالقرار، وأكدت أنها اطلعت على قائمة تضم آلاف التوقيعات ممن يعترضون على قرار المحافظة من نازحي الحي، وعلى عمل اللجنة المكلفة.
ولفتت «الوطن» إلى أن عشرات من المحامين الذين هم من نازحي الحي وغير أهالي الحي تبرعوا للترافع في القضية أمام القضاء، سيما وأن القانون يعطي للمتضرر حق الاعتراض خلال أسبوعين من تاريخ إعلان القرار.
أحد النازحين من الحي ويقيم حالياً في ريف العاصمة الغربي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «ذهبنا إلى منازلنا أكثر من مرة وجلنا في معظم الحارات. ما جاء في التقرير غير صحيح إطلاقاً. سرور يتحجج بأن هناك أنفاقاً تحت المنازل. هو يكذب»، بينما يقول آخر، وهو في العقد الخامس من العمر: «يريدون الإجهاز على المذبوحين أصلاً. يريدوننا أن نبقى في التشرد لعشرات السنوات. ربما لن نعيش حتى نرى سكنهم البديل».
وإن كان نازحو الجادات الجنوبية من حي «التضامن» كسروا حاجز الخوف وعبروا عن استنكارهم وتنديدهم بقرار اللجنة، فإن الصمت هو سيد الموقف في القسم الشمالي من الحي الذي ما زال سكانه يعيشون في منازلهم، وكذلك في حيي «دف الشوك» و«الزهور»، لكن الموقف لم يخلو من طفرات ترد على ألسنة البعض من السكان، ونقلتها عنهم مصادر أهلية وفحواها أن: «هذه مكافآت لنا في مقابل ما قمنا به خلال الحرب!»، في إشارة إلى وقوفهم إلى جانب جيش النظام في مواجهة فصائل المعارضة المسلحة.

«جوبر» و«الدويلعة» و«الطبالة»
يقع حي جوبر في شمال شرقي دمشق، بين أحياء «باب توما» و«القصاع» و«التجارة» غرباً و«القابون» شمالاً وبلدتي «عين ترما» و«زملكا» شرقاً وبلدة «عين ترما» ومنطقة الدويلعة» جنوباً، ويبعد سبعة كيلومترات من القصر الجمهوري الرئاسي، وهو من أقرب الأحياء إلى ساحة العباسيين بدمشق.
ويعتبر الحي البالغة مساحته كيلومترين وثمانمائة وستين مترا، بوابة الغوطة الشرقية إلى مدينة دمشق وهو شريان اقتصادي لها بما فيه من تعدد مجالات العمل من مهن شعبية وحرفية وطبية وتجارية وصناعات صغيرة. وطبقا لإحصائية رسمية صدرت عام 2008؛ فإن عدد سكان الحي بلغ آنذاك نحو ثلاثمائة ألف نسمة معظمهم من المسلمين السنة.
وعندما انطلقت شرارة الأحداث في سوريا كان حي جوبر أحد الأحياء الأولى التي احتضنت مظاهرات الريف الدمشقي في نهاية (أغسطس (آب)) 2011، وقد هتف المتظاهرون يومها بإسقاط النظام أثناء توجههم إلى ساحة الأمويين، لكن سرعان ما قابلهم رجال الأمن بإطلاق النار والغازات المدمعة مما أوقع قتلى وجرحى في صفوفهم.
وسيطرت فصائل المعارضة المسلحة لاحقاً على الحي في منتصف 2013، وتحول بعد ذلك إلى ساحة جبهة تمتد على القسم الأهم من الطريق الدائري الجنوبي باعتباره إحدى الجبهات المتقدمة باتجاه العاصمة، كما قصفت قوات النظام الحي بالغازات السامة عدة مرات فقضى خلالها العشرات نحبهم بالاختناق.
وصعد النظام قصفه الجوي والمدفعي اليومي من جبل قاسيون على حي جوبر بكل أنواع الأسلحة، في حملة عسكرية مكثفة استخدم فيها صواريخ «الفيل» و«الزلزال» والقنابل الفراغية والعنقودية وغيرها، ليمنع أي تقدم لقوات المعارضة في سبيل تأمين العاصمة وليتمكن من فرض طوق حصار جديد على الغوطة الشرقية.
وبعد سيطرة النظام على الحي بداية الصيف الماضي، اتضح أن نسبة الدمار فيه تصل إلى 80 في المائة، بدءا من تدمير أسواقه ومبانيه وليس انتهاء بمساجده ومدارسه. وقد أصبح منطقة مهجورة ومنكوبة يصعب على أهلها تأمين قوتهم.
وأما منطقة الدويلعة فتقع إلى الجنوب الشرقي من المدينة وترتبط بريف دمشق بمدينة جرمانا ومخيمها وحي كشكول من الشرق والجنوب الشرقي وباب شرقي من الغرب والغوطة مع حي جوبر من الشمال، أغلب سكانها من المسيحيين المنحدرين من مناطق متفرقة من سوريا، ويتبع لها أحياء «كشكول» و«الطبالة» و«الكباس»، ولا يوجد تقديرات دقيقة لعدد سكانها.

«القابون» و«برزة البلد» و«عش الورور»
يقع حي القابون في شمال شرقي العاصمة، ويبعد عن مركز المدينة 4 كلم في منطقة مهمة بين الغوطة شرقا (بلدتي عربين وحرستا) والمدينة غربا (أراضي الصالحية)، ويجاور أحياء برزة من الشمال وجوبر من الجنوب، ويخترقه الأوتوستراد الدولي السريع (طريق دمشق - حمص) وعقدة طرقية مهمة (عقدة القابون)، وفي الحي كراج انطلاق ووصول باصات البولمان فلذلك يعتبر الحي بوابة دمشق الشمالية.
ويقدر عدد سكان القابون بأكثر من 80 ألف نسمة أغلبهم من المسلمين السنة، وعرفوا برفضهم للذل وشاركوا في مقارعة الاستعمار حتى أن فرنسا قصفته بالطائرات وقدم كثير من الشهداء لتحرير سوريا من فرنسا.
ويعتبر القابون شرارة الثورة السورية في دمشق فكان مع حي «برزة» أول الأحياء التي خرجت في مظاهرات منتظمة وشهدت حراكاً سلمياً ابتداء من 25 (مارس) 2011، وقدم مئات الشهداء منذ شهر أبريل (نيسان)) 2011 حيث كان الأهالي يخرجون في مظاهرات سلمية تواجهها قوات الأمن بإطلاق الرصاص واعتقال الشبان ويستهدفها القناصة.
وسيطر «الجيش الحر» في (سبتمبر) 2012 على حي القابون ودارت معارك عنيفة بينه وبين جيش النظام وحلفائه حتى مايو (أيار) 2017 حيث سيطر الأخير على الحي بعد تهجير ساكنيه إلى شمال البلاد.
وعلمت «الشرق الأوسط»، أن النظام وخلال معاركه الأخيرة مع المعارضة و«هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً) في حي القابون أرسل ضابطاً رفيع المستوى إلى الحي للتفاوض مع الأهالي وخيرهم بين الرضوخ لمطالبه أو إزالة الحي، إلا أن الأهالي رفضوا الرضوخ لمطالب النظام، مما يشير إلى أن إدراج الحي في خطة المحافظة لإعادة تنظيمه، هو انتقام من الأهالي وليس لمعالجة السكن العشوائي في محيط العاصمة. وخلال اجتماع ضم صناعيي القابون وممثلين عن محافظة دمشق ووزارة الإدارة المحلية التابعة للنظام مؤخرا، رفض الصناعيون قرار المحافظة القاضي بنقل منشآتهم الصناعية من المنطقة الصناعية إلى مدينة عدرا في ريف دمشق، تحت ذريعة الدمار الذي لحق بتلك المنشآت، بحسب ما ذكرت وسائل إعلام محلية.
وتزعم محافظة دمشق، أن المنطقة الصناعية في القابون تضررت بنسبة 80 في المائة، إلا أن الصناعيين كشفوا، خلال لقائهم مع مسؤولي المحافظة، أن نسبة الدمار لا تتجاوز 10 في المائة، وذلك بالاستناد إلى تقييم نقابة المهندسين ووزارة العدل في حكومة النظام.
أما منطقة «برزة»، فهي تمتد على مساحة 5500 هكتار، بدءاً من مشفى «ابن النفيس» غرباً حتى مشفى «تشرين العسكري» شرقاً، ومن بلدة معربا، التي تعتبر الحد الفاصل بين برزة ومدينة التل شمالاً، وحتى نهر يزيد جنوباً، الذي يفصل بين بساتين القابون وبساتين برزة.
وتقسم «برزة» إلى عدة أحياء هي: برزة البلد - مساكن برزة - مسبق الصنع - حي تشرين - عش الورور.
ومع بدء الأحداث في البلاد، شهدت «برزة» أحداثاً كثيرة انتهت بسيطرة فصائل المعارضة المسلحة على حي «برزة البلد» في السنة الثانية للحرب، وظلت المعارك العسكرية تدور بين الفصائل وجيش النظام وحلفائه حتى تمكن الأخير من استعادة السيطرة عليه عقب حصار خانق امتد عدة سنوات. وإن كان عدد سكان «برزة» وفق إحصاءات 2005 يبلغ نحو 90 ألف نسمة، إلا أنها حالياً تعتبر من أكثر مناطق دمشق كثافة سكانية بالمقارنة مع المناطق المنظمة والعشوائية، ويصل بحسب مراقبين إلى نحو 700 ألف نسمة.
وعلى النقيض من أهالي القابون و«برزة البلد» الذين انخرطوا في الحراك السلمي، وقف أهالي حي «عش الورور» الواقع شمال شرقي حي «برزة البلد» على سفح جبل صخري إلى جانب النظام، فمنذ المظاهرات الأولى في «برزة البلد» راح أهالي «عش الورور» يهاجمونها، مزوّدين بالعصي والسكاكين والمسدسات والبنادق ليقمعوا السكان.
وبينما يصف أهالي «برزة البلد»، حي «عش الورور» بأنه «مستوطنة حقيقية»، يشكل العلويون النسبة العظمى من سكانها الذي يصل عددهم إلى نحو 100 ألف نسمة حاليا، ينقل نشطاء عن أهالي في «عش الورور»: أن التنظيم الذي تنوي محافظة دمشق إجراءه «لن يحدث قبل عشرات السنين، فلطالما سمعنا عن التنظيم من قبل وحتى الآن لم يحدث، والآن يكررون ما قالوه في السابق ليس إلا، وحتى لو حدث لن نسمح بأن يطال منطقتنا».

«المزة 86» و«مساكن الحرس»
تعتبر منطقة «المزة 86» من المناطق الشعبية في محيط مدينة دمشق، وهي عبارة عن مناطق من البناء العشوائي تنتشر على الجهة الغربية الجنوبية للمدينة على سفح جبل المزة، وكانت قبل سبعينات القرن الماضي عبارة عن أحراش وصخور وأراضٍ زراعية تعود ملكيتها إلى أهالي المزة، أما قمة الجبل المُمتدّة حتى سلسة جبل قاسيون والأراضي المتاخمة له، فتعود لوزارة الدفاع، يحدها جنوباً المزة أوتوستراد وغرباً مزة فيلات وشمالاً جبل قاسيون وشرقاً الشيخ سعد.
وبعد أن أسس رفعت الأسد، الشقيق الأصغر للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، «سرايا الدفاع» وأطلق عليها «اللواء 86» كان مقره نفس المكان الذي يطلق عليه الآن «مزة 86»، سمح في البداية لبعض ضباطه وعناصره ببناء غرف صغيره لإيوائهم، وكانت وقتها مبنية من اللبن والصفيح، ومع مرور الزمن أحضر هؤلاء العسكريون عائلاتهم من قراهم الساحلية، وأصبحت فيما بعد منطقة سكنية ذات طابع عسكري.
وتقسيم المنطقة إلى «مزة 86 مدرسة» و«مزة 86 خزان»، الأولى نسبة لأول مدرسة فتحت في تلك المنطقة، أما الثانية فأطلق عليه اسم «مزة 86 خزان» بعد بناء خزان للماء يروي كل مناطق المزة.
وبينما كان عدد سكان «المزة 86» في بداية الأحداث يقدر بـ300 ألف نسمة، ذكر رئيس اللجنة تطبيق القانون رقم «3» في حي «التضامن» أن عدد سكانها يصل إلى مليون نسمة.
ومع اندلاع الأحداث في منطقة «المزة بساتين» ومدينتي «داريا» و«المعضمية» بريف العاصمة الجنوبي الغربي والقريبة من حي المزة انحاز أهالي «المزة 86» للنظام، وشكلوا ميليشيات تخصصت بتصدير «الشبيحة» إلى المعضّمية وداريا و«مزّة بساتين» بينما تكفّلت ميليشيات «حي الورود» و«مساكن الحرس» الواقعة غربي دمشق بقمع الحراك الشعبي في «دمر البلد» وبلدتي «قدسيا» و«الهامة» بريف العاصمة.
ومنذ قيام منطقة «المزة 86»، لوحظ تمرد الأهالي على النظام، حيث كانوا يدخلون مواد البناء إلى المنطقة «عنوة» رغم منع النظام لذلك وإقامته حواجز على مداخل المنطقة لهذا الغرض.
ويتساءل مراقبون: هل يستطيع النظام دخول «المزة 86»؟. وإن دخل هل سيقف الأهالي مكتوفي الأيدي متفرجين؟، ويقول هؤلاء المراقبون: من «المتوقع أن يجابه الأهالي الأمر».
وفي إطار عمليات التغيير الديموغرافي التي يقوم بها النظام السوري لإعادة توزيع السكان، قررت الحكومة في (يوليو) الماضي تشميل «مخيم اليرموك» للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق، بالقانون رقم «10»، بعد تدميره خلال حملة عسكرية ومعارك وقصف، مما يعني مصادرة أملاك معارضين ومواصلة تشريد سكانه البالغ عددهم أكثر من 600 ألف نسمة لسنوات طويلة.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي طبيبة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.