«الكتل الحيوية»... حقول طاقة يحرقها المصريون سنوياً

دراسة: مصر تنتج 40 مليون طن سنوياً يُهدر أكثر من نصفها

حرق المخلفات الزراعية إهدار لأحد مصادر الطاقة
حرق المخلفات الزراعية إهدار لأحد مصادر الطاقة
TT

«الكتل الحيوية»... حقول طاقة يحرقها المصريون سنوياً

حرق المخلفات الزراعية إهدار لأحد مصادر الطاقة
حرق المخلفات الزراعية إهدار لأحد مصادر الطاقة

تعرف طاقة الكتل الحيوية، بأنها الطاقة التي يمكن الحصول عليها من مصادر طبيعية، كالمخلفات الزراعية وروث الحيوانات. وأصبحت هذه الكتل الحيوية تمثل نحو 14 في المائة من استهلاك الطاقة الأولية في العالم، ومن المتوقع أن تصل إلى 50 في المائة بحلول عام 2050.
وفي محاولة لاستنفار الهمم للاستفادة من هذا المصدر المهم، الذي يضيعه المصريون سنوياً بالحرق مسببين مشكلة بيئية باتت تعرف باسم «السحابة السوداء»، قام فريق بحثي مشترك من جامعتي أسوان بمصر، وخايين بإسبانيا، يضم صلاح كامل، الأستاذ بكلية هندسة أسوان، وهدى عبد الستار باحثة الدكتوراه بالكلية نفسها، وفرنسيسكو خورادو، الأستاذ بكلية الهندسة جامعة خايين، ودابيد بيرا، الباحث بالكلية نفسها، بإجراء بحث مشترك لتقييم الإمكانات المتاحة في مصر، لتصبح إحدى دول إنتاج الطاقة الحيوية، خاصة من بقايا المحاصيل الزراعية.
ووفق الدراسة التي نشرتها مجلة الطاقات المتجددة والمستدامة (Renewable and Sustainable Energy Reviews)، فإن مصر تنتج سنوياً كمية كبيرة من الكتل الحيوية تصل إلى 40 مليون طن. وبدلاً من استغلالها على النحو الأمثل للمساهمة في تحسين الإنتاج لقطاع الطاقة والنمو الاقتصادي، يتم التخلص من نحو 52 في المائة منها عن طريق الحرق المباشر في الحقول، مما يتسبب في كثير من المشكلات البيئية.

- «تغويز الكتلة الحيوية»
وكشفت الدراسة عن أن مصر لديها القدرة على إنتاج كمية هائلة من الطاقة الحيوية، خاصة من مخلفات المحاصيل؛ حيث يتوفر نحو 12.57 مليون طن سنوياً من مخلفات المحاصيل المتاحة للاستخدام، مثل سيقان الذرة، وقش الأرز، ومخلفات قصب السكر، وسيقان القطن.
وذهبت الدراسة إلى أن هذه المصادر كفيلة بإنتاج طاقة محتملة تقدر بنحو 189.76 بيتاجول في السنة، مشيرة إلى أن قش الأرز يتمتع بأعلى إمكانات لتوليد الطاقة في مصر؛ حيث يمكن الحصول منه وحده ومن منطقة واحدة فقط هي دلتا النيل على 111.22 بيتاجول في السنة، بينما يمكن الحصول من الذرة الصفراء في منطقة مصر الوسطى على 38.88 بيتاجول، ومن قصب السكر في صعيد مصر على 26.64 بيتاجول. (بيتاجول هي وحدة قياس للطاقة - ومثلاً، فإن مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي يولد 38.2 بيتاجول من الطاقة).
وتستخدم هذه المخلفات في إنتاج غاز صناعي، عبر العملية التي تعرف باسم «تغويز الكتلة الحيوية» (biomass gasification). فمن خلال تفاعل المخلفات بلا احتراق مع كمية مضبوطة من الأكسجين أو البخار في ظروف حرارة عالية تزيد على 700 درجة مئوية، يتم إنتاج غاز صناعي يحتوي بشكل رئيسي على أول أكسيد الكربون والهيدروجين، ويمكن تحويل هذا الغاز إلى ميثانول وأمونيا وبنزين صناعي، أو استعماله مباشرة كبديل للغاز الطبيعي، أو مزجه بالغاز الطبيعي في شبكة الإمداد بالغاز.
وإضافة إلى التغويز، أشارت الدراسة إلى مصدر آخر، وهو الغاز الحيوي المحتمل في مصر، الذي يمكن الحصول عليه من روث 7.2 مليون رأس ماشية. وقدرت الدراسة كمية الغاز الحيوي التي يمكن الحصول عليها يومياً من هذا المصدر بنحو 53.2 مليون متر مكعب في اليوم.

- جهود بحثية
إن من أهم ما يميز هذه الدراسة إعطاؤها تصوراً إجمالياً لكمية الطاقة التي يمكن الحصول عليها من كل مخلف في مصر؛ لكن المعرفة بإمكانية استغلال هذه المصادر في إنتاج الطاقة ليست بالجديدة، إذ وضع فريق بحثي من جامعة تينيسي بالولايات المتحدة عام 2017، تصوراً لإمكانية الاستفادة من قش الأرز في إنتاج الطاقة، وذلك عبر إنتاج إنزيمات لتكسير المواد السيليلوزية بما يسهل من عملية التخمر لإنتاج الإيثانول الحيوي.
كما توصل فريق عراقي دنماركي مشترك في 2014 إلى إنتاج حمض جديد له القدرة على تحليل السيليلوز مائياً، ومن ثم إنتاج الإيثانول الحيوي من المخلفات الزراعية، دون الحاجة إلى الإنزيمات المكلفة، ونشروا بحثاً في مجلة «الحفز التطبيقي» نهاية فبراير (شباط) من عام 2014.
وأعلن مختبر تطبيقات التكنولوجيا الحيوية بمعهد بحوث البترول بمصر، عام 2004، عن إنتاجه للإيثانول والغاز والوقود الحيوي الصلب، باستخدام تقنيات النانوتكنولوجيا، والتكنولوجيا الحيوية، وذلك من خلال التوصل إلى عازلات مصرية لها القدرة على إنتاج الإنزيمات الخاصة بتكسير المواد السيليلوزية في المخلفات الزراعية، لإنتاج السكريات الخاصة بعملية التخمر، لإنتاج الإيثانول الحيوي.
وأعلن باحثو المعهد حينذاك، أنهم نجحوا في إنتاج الإيثانول الحيوي بكميات تصل إلى 115 غالوناً لكل طن من مصاصة القصب، وإنتاج 50 غالوناً من الإيثانول لكل طن من قش الأرز، و60 غالون إيثانول من بقايا مخلفات صناعة السكر من البنجر، و70 غالوناً من كل طن مخلفات صناعة السكر من القصب.

- محاولات فاشلة
كانت هناك محاولات حكومية مصرية لتدشين مشروع لإنتاج البيوغاز من قش الأرز، في قرية تمى الأمديد بمحافظة الدقهلية في دلتا مصر؛ لكن هذه المحاولات «لم تكتمل» وسرعان ما تم إغلاق المصنع.
وأعلنت وزارة الزراعة المصرية العام الماضي تنفيذ بروتوكول تعاون مشترك مع وزارة البيئة، يستهدف جمع قش الأرز من خمس محافظات مصرية، هي الشرقية، والبحيرة، والدقهلية، والقليوبية، والغربية، وإعادة تدويره واستخدامه في إنتاج الأعلاف والوقود الحيوي؛ لكن لم يتم الإعلان بعد ذلك عن حدوث أي جديد في هذا الإطار.
ويعزو الدكتور صلاح كامل، الباحث الرئيسي بالدراسة، فشل مثل هذه المشروعات، إلى القصور في تعظيم القيمة المضافة لها. وقال كامل في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن إنجاح مشروع للبيوغاز لا ينطوي فقط على جوانب تقنية؛ لكن توجد جوانب أخرى، مثل التخطيط الذي يضع نظاماً متكاملاً يكون من مخرجاته أيضاً إنتاج سماد عضوي جيد ونظيف، خال من الملوثات، وبأقل تكلفة ممكنة.
ويضيف أن الأمر نفسه ينطبق على استخدام قش الأرز، فهو وفق الدراسة يتمتع بأعلى إمكانية لتوليد الطاقة، مقارنة بباقي المخلفات الزراعية، مما يجعله واحداً من أهم مصادر الكتلة الحيوية لإنتاج الكهرباء.
لكن كامل شدد على أنه يمكن تعظيم الاستفادة منه عبر استخدامات مكملة لمشروع إنتاج الطاقة، وذلك باستخدامه للحصول على سماد صناعي، واستخدامه في إنتاج البيوغاز للحصول على طاقة وسماد عضوي. ويمكن أيضاً كبسه وبيعه لمصانع الورق ومصانع الطوب، واستخدامه في مزارع الدواجن كفرشة لأرضية المزرعة.
ويتفق هشام القصاص، عميد معهد الدراسات والبحوث البيئية، مع ما ذهب إليه كامل؛ لكنه يشير في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» إلى بعد آخر قد يعوق تنفيذ مثل هذه الأفكار، وهي الظروف الاقتصادية الصعبة، التي لا تضع مثل هذه المشروعات في قائمة الأولويات.
ومن التجارب السلبية أيضاً المتعلقة بمثل هذه المشروعات، هو عدم وضع نظام واضح يضمن وصول إمدادات المخلفات إلى المصانع. ويضيف القصاص: «هذا يتطلب وجود خطة واضحة تنفذ أسلوب (العصا والجزرة)، فتمنح حوافز للمتعاونين في توصيل المخلفات للمصانع، وتعاقب من يقوم بحرقها».
وأشارت دراسة أجراها فريق بحثي أميركي، ونشرتها مجلة «الطاقات المتجددة والمستدامة» في فبراير من عام 2018، إلى المشكلة التي أشار إليها القصاص.
وقال الفريق البحثي، إن تحويل النفايات العضوية، بما في ذلك حمأة مياه الصرف الصحي، ونفايات الثروة الحيوانية، ومخلفات الطعام، إلى وقود، لا يحتاج فقط إلى التقنيات اللازمة لذلك؛ وإنما يجب أن تكون هناك معلومات تفصيلية عن خصائص النفايات المميزة لكل مكان، ومتطلبات نقل هذه النفايات للمصانع.

- تفاصيل أقل قيمة
وقد فشلت مشروعات استهدفت استخدام قش الأرز في إنتاج الورق، إذ حكى الدكتور جلال نوار، وهو صاحب اختراعات تتعلق بقش الأرز، تجربته؛ حيث قال إنه حصل على دعم وتمويل من صندوق البحث العلمي، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، لتصنيع لب الورق من قش الأرز، ووقع الاختيار على إحدى المحافظات (رفض تسميتها) التي تزرع مساحات كبيرة من الأرز، وتعاني من آثار حرق القش. وقدمت المحافظة قطعة أرض من فدانين لتنفيذ الفكرة، ولكن كل شيء توقف بسبب الاختلاف حول ميزانية بناء السور الذي يحيط بالأرض.
ويعزو الدكتور صلاح كامل، الباحث الرئيسي بالدراسة، حدوث المشكلات التي أوقفت تجارب الاستفادة من المخلفات، إلى عدم الإدراك المستقبلي للقيمة الاقتصادية لهذه المشروعات، والتفكير الوقتي فقط في الأموال التي ستنفق على تدشينها.
ويضيف أن «محافظات البحيرة والشرقية والدقهلية وكفر الشيخ في منطقة الدلتا، بها أكبر قدر ممكن من المخلفات؛ حيث توفر هذه المحافظات مجتمعة ما بين 0.59 و0.87 مليون طن من المخلفات سنوياً، أما منطقة الدلتا الوسطى فتتميز بمخلفات ساق الذرة وقش الأرز وساق القطن، في حين أن مصاصة قصب السكر متوفرة في منطقة صعيد مصر، بالتحديد في محافظتي قنا وأسوان، وبالتالي فإن هذه المناطق تعتبر الأنسب لإقامة مثل هذه المشروعات».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026
TT

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

نادراً ما يُتاح للمهندسين المعماريين اختيار المشاريع التي يعملون عليها؛ وذلك لاعتماد مجال الهندسة المعمارية على كبار المطورين العقاريين المتمتعين بميزانيات ضخمة.

وقد طلبت المجلة من مهندسين معماريين ومصممين من كبرى الشركات العالمية التفكير في أنواع المشاريع التي يتمنون تنفيذها، بغض النظر عن الزبائن والميزانيات، وربما عن الواقع أيضاً. وشارك سبعة مهندسين معماريين مشاريع بناء يتمنون العمل عليها في عام 2026.

أحلام معمارية

إليكم السؤال الذي طرحناه على لجنة من المصممين وقادة الهندسة المعمارية: ما هو مشروع أحلامكم لعام 2026؟

* «إعادة تصور حي حضري». يقول ترينت تيش، مدير مؤسسة KPF لبناء المدن إن مشروع أحلامي ليس مجرد مَعلم بارز في الأفق أو مشهد مبهر، بل هو نظام مستدام طويل الأمد، مشروع يُعاد فيه استخدام هيكله، وتُحسّن مواده ويُعاد تدويرها بدلاً من استبدالها، ويتحسن أداؤه بمرور الوقت. حيث لا تُخفى استراتيجيات الاستدامة في الأقبية أو على أسطح المباني، بل تُصبح جزءاً لا يتجزأ من التجربة المعمارية.

مشروع أحلامي هو إعادة تصور حي حضري، يُعاد تصميمه بدقة متناهية (بدلاً من هدمه)، حيث تُمنح مبانيه المتدهورة حياة جديدة من خلال تحسينات دقيقة، وتدخلات بسيطة، واهتمام بالحرفية وأداء المبنى.

* «أماكن متكاملة - حلول للأزمات الراهنة». مشروع أحلامي، كما يقول ديفيد بولزين، المدير التنفيذي للتصميم لمؤسسة «كانون ديزاين»، هو تصميم يتجاوز نطاق المبنى الواحد، ليشمل نطاق الحي بأكمله؛ بهدف ابتكار أسلوب حياة جديد. لدينا القدرة على تجاوز التجزئة التي أوجدناها في البيئة العمرانية، والتوجه نحو أماكن متكاملة لا يقتصر فيها الأمر على عيش الناس وعملهم وترفيههم في المكان نفسه، بل يتيح لهم أيضاً الابتكار والتعلم والاهتمام بأنفسهم وببعضهم بعضاً. يتضمن هذا النهج حلولاً للأزمات الراهنة كالسكن، والحصول على الغذاء والرعاية، وغيرها: التفكير في بناء المجتمع وما يحتاج إليه الناس من حولهم لضمان حياة آمنة وحيوية ومُدعمة.

بورصة المناخ و«جنة الأرض»

* «بورصة نيويورك للمناخ». مشروع أحلامي الذي أطمح إليه - كما يقول كولين كوب، شريك في شركة SOM- أن يبدأ العمل فيه مع نهاية هذا العام - بورصة نيويورك للمناخ New York Climate Exchange في جزيرة «غوفيرنيرز». سيكون بلا شك أكثر المشاريع استدامةً على الإطلاق في المدينة، ومثالاً على المسار الذي يجب أن يسلكه التصميم في العقد المقبل.

* رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض». يقول لوك ليونغ، رئيس استوديو الهندسة المستدامة في شركة SOM، إن مشروعي الطموح ذو فلسفة تصميمية راسخة على البساطة والاستدامة والتعبير الواضح عن الوظائف الهندسية، سيُشكّل هذا المشروع مختبراً حياً على نطاقٍ واسع، من الأحياء إلى المناطق، وربما حتى على مستوى الدولة، مُجسّداً التخطيط الحضري المُراعي للإنسان والمُستجيب للمناخ.

وسيُبيّن المشروع كيف يُمكن للهندسة المعمارية أن تُسهِم في خلق بيئات مبنية أكثر صحة، ودفع عجلة خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز رفاهية الإنسان، ودعم النظم البيئية المزدهرة، وتقديم نماذج قابلة للتطبيق لمدن مرنة في جميع أنحاء العالم - رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض» في بيئة مبنية.

اندماج التخصصات ومجمعات التعلم

* «كسر الحواجز بين البرامج والتخصصات». لطالما تشكّلت محفظة مشاريع شركتنا انطلاقاً من فكرة الهندسة المعمارية كبنية تحتية اجتماعية ومدنية، وليست مجرد كيانات معزولة.

مشروعنا الطموح لعام 2026 - كما تقول كلير وايز، المؤسسة والمديرة الرئيسية لشركة WXY للهندسة المعمارية والتصميم الحضري - هو مشروعٌ يُتيح لنا كسر الحواجز بين التخصصات والبرامج المُقيِّدة، بما يعود بالنفع على مُستخدمي المساحات التي نُصمِّمها. قد يتخذ هذا المشروع شكل حيٍّ جديد متعدد الاستخدامات، أو مبنى سكني مُصمَّم خصيصاً لرعاية الأطفال، أو أكواخٍ وسط الغابات، أو بنية تحتية حضرية مُعاد ابتكارها. لكنّه سيسترشد، كما هو الحال في جميع أعمالنا، بفكرة الإدارة طويلة الأمد والتعاون الوثيق مع المجتمع وزملائنا في مجالات الهندسة المعمارية والهندسة المدنية وغيرها. نهتمّ بشكلٍ خاص بالمشاريع التي يُسهِم فيها التصميم في بناء القدرات وتعزيز الثقة، والتي لا يُقاس نجاحها بما يُبنى فحسب، بل بما يُتيحه من إمكانات على المدى البعيد.

* «أماكن ووجهات للتعلم والتجمُّع». يقول نيك ليهي، الرئيس التنفيذي المشارك والمدير التنفيذي لشركة «بيركنز إيستمان»، إن هناك حاجة مُتزايدة إلى مُحفِّزات ثقافية ومجتمعية تُقرِّب الناس، لا سيما في المجتمعات التي تفتقر إلى وجهات للتعلم والتجمُّع. يُمكن للتصميم أن يُعزِّز الشعور بالانتماء والارتباط بالجوانب المادية للهندسة المعمارية، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في عصرنا هذا الذي يُفضِّل الإشباع الفوري. للطلبات والرغبات.

* مجلة «فاست كومباني»


أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟
TT

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

لطالما حيّر هذا السؤال العلماءَ والأطباء: لماذا يُصاب بعض الأشخاص بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن في وقت أبكر من غيرهم حتى عندما تبدو أنماط حياتهم متشابهة؟

اختلال الحمض النووي والشيخوخة

• دراسة جينية واسعة. تشير دراسة جينية واسعة النطاق إلى أن جزءاً مهماً من الإجابة قد يكون مخبوءاً في أعماق حمضنا النووي نفسه. فحسب نتائج الدراسة تلعب الجينات دوراً محورياً في تحديد سرعة عدم استقرار بعض أجزاء الحمض النووي مع التقدم في العمر، وهي عملية صامتة قد ترفع خطر الإصابة بأمراض خطيرة على المدى الطويل.

الدراسة التي قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس ومعهد برود وكلية الطب بجامعة هارفارد في الولايات المتحدة ونُشرت في مجلة Nature بتاريخ 7 يناير (كانون الثاني) 2026 حلّلت بيانات وراثية لأكثر من 900 ألف شخص، ما يجعلها واحدة من أوسع الدراسات التي أُجريت حتى اليوم لفهم التغيرات الجينية المرتبطة بالشيخوخة. وكشف الباحثون أن بعض الاختلافات الجينية قد تُسرّع أو تُبطئ تمدد تسلسلات وراثية متكررة في الحمض النووي بما يصل إلى أربعة أضعاف وهو تفاوت كبير يكفي للتأثير في خطر الإصابة بالأمراض على امتداد حياة الإنسان.

• ما هي تكرارات الحمض النووي، وما أهميتها؟ يتكوّن جزء كبير من الجينوم البشري من تسلسلات قصيرة من الحمض النووي تتكرر مرات عديدة تُعرف باسم تكرارات الحمض النووي DNA repeats وتبقى هذه التكرارات مستقرة نسبياً لدى معظم الناس لكن في بعض الحالات تبدأ بالازدياد طولاً مع مرور الوقت، وهي عملية تُسمى تمدّد التكرارات repeat expansion، وعندما يتجاوز هذا التمدد حداً معيناً فإنه قد يعطّل الوظائف الطبيعية للخلايا ويؤدي إلى ظهور أمراض خطيرة.

اضطرابات وراثية

وقد تعرف العلماء اليوم على أكثر من 60 اضطراباً وراثياً ناتجاً عن تمدد تكرارات الحمض النووي من بينها أمراض مدمّرة مثل داء هنتنغتون Huntington’s disease (هو مرض تنكسي عصبي مميت وعادة ما يكون وراثياً). والحثل العضلي التوتري myotonic dystrophy (مجموعة من الاضطرابات الوراثية التي تسبب فقدان العضلات وضعفها التدريجي) وبعض أشكال التصلّب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis (ALS).

ورغم معرفة العلماء منذ سنوات بأن تكرارات الحمض النووي قد تزداد طولاً مع الزمن فإن مدى انتشار هذه الظاهرة في الجينوم البشري والعوامل الجينية التي تتحكم بها لم يكن مفهوماً بالكامل حتى الآن. وتوضح الدكتورة مارغو هوجويل، الباحثة الرئيسية في الدراسة من قسم علم الوراثة في كلية الطب بمستشفى بريغهام والنساء وكلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية، أن النتائج تُظهر أن تمدد التكرارات ليس حدثاً نادراً يقتصر على عدد محدود من الأمراض بل هو سمة شائعة ترافق التقدم في العمر لدى البشر.

• أدوات تحليلية لبيانات ضخمة. وقد اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات التسلسل الكامل للجينوم من مصدرين ضخمين نحو 490 ألف مشارك من بنك المملكة المتحدة الحيوي UK Biobank وأكثر من 414 ألف مشارك من برنامج All of Us البحثي في الولايات المتحدة. وقد أتاح هذا الحجم الهائل من البيانات فرصة فريدة لرصد كيفية تغيّر الحمض النووي مع العمر لدى مجموعات بشرية واسعة ومتنوعة.

وطوّر الفريق أدوات حسابية جديدة قادرة على قياس أطوال تكرارات الحمض النووي باستخدام بيانات التسلسل الجيني القياسية. وتم تحليل أكثر من 356 ألف موقع لتكرارات متعددة الأشكال في الجينوم مع تتبّع تغيّر أطوالها مع التقدم في العمر في خلايا الدم وتحديد المتغيرات الجينية التي تؤثر في سرعة هذا التمدد. كما بحث القائمون على الدراسة عن روابط بين تمدد التكرارات وآلاف الحالات المرضية، ما قاد إلى اكتشافات جديدة وغير متوقعة.

• الجينات واستقرار الحمض النووي. من أبرز نتائج الدراسة أن للعوامل الوراثية تأثيراً قوياً في معدل تمدد التكرارات. فقد حدد الباحثون 29 موقعاً جينياً تؤثر فيها المتغيرات الموروثة في سرعة هذا التمدد؛ بحيث قد يصل الفرق بين الأفراد الأعلى والأدنى خطراً وراثياً إلى أربعة أضعاف.

وكان اللافت أن العديد من هذه المتغيرات تقع في جينات مسؤولة عن إصلاح الحمض النووي، وهي الآليات التي تحافظ عادةً على سلامة المادة الوراثية. إلا أن التأثير لم يكن موحداً ففي بعض الحالات كانت المتغيرات نفسها تُثبّت بعض التكرارات بينما تزيد من عدم استقرار تكرارات أخرى. ويشير ذلك إلى أن إصلاح الحمض النووي عملية معقدة قد تؤدي إلى نتائج مختلفة تبعاً للسياق الجيني ونوع الخلية.

• اكتشاف خطر مرضي جديد وآفاق علاجية. ومن أكثر النتائج إثارة اكتشاف تمدد تكرارات في جين يُعرف باسم GLS. ورغم أن هذا التمدد نادر نسبياً، إذ يصيب نحو 0.03 في المائة من السكان فقد ارتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض كلوي شديد بمقدار 14 مرة وبزيادة خطر أمراض الكبد بنحو ثلاثة أضعاف. ولم يكن هذا الارتباط معروفاً من قبل، ما يشير إلى احتمال وجود اضطرابات أخرى ناتجة عن تمدد التكرارات ما تزال مخفية في قواعد البيانات الجينية.

ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على الفهم العلمي فحسب، بل تمتد إلى تطوير العلاجات. فبما أن تمدد التكرارات يحدث تدريجياً مع الزمن، فإن إبطاء هذه العملية قد يؤخر ظهور المرض أو يخفف حدته. وتفتح هذه الدراسة الباب أمام استخدام قياسات تكرارات الحمض النووي في الدم كمؤشرات حيوية لتقييم فاعلية العلاجات المستقبلية وتقريب الطب خطوة إضافية نحو التدخل المبكر في مسارات الشيخوخة الجزيئية نفسها.


روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
TT

روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)

مع الطفرة اللافتة للذكاء الاصطناعي، تزايد الاهتمام بتوظيف هذه التكنولوجيا في المجال النفسي، لا سيما الروبوتات الاجتماعية التي تتميز بقدرتها على التفاعل مع البشر بطريقة آمنة. ويُعد دمج هذه الروبوتات في التدخلات النفسية، خصوصاً للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من الاتجاهات الحديثة الهادفة إلى تعزيز التعلم الاجتماعي، وتنمية المهارات التفاعلية، وزيادة انخراط الأطفال في الجلسات العلاجية.

وسلّطت دراسة دولية بقيادة جامعة لينشوبينغ السويدية الضوء على أحدث التجارب السريرية في هذا المجال، مستهدفة تقييم فعالية الروبوتات الاجتماعية مقارنة بالطرق العلاجية التقليدية، بهدف تقديم إطار واضح لتوظيف هذه التكنولوجيا بشكل فعّال ومستدام في الممارسات العلاجية.

روبوتات للمصابين بالتوحد

وأظهرت الدراسة، التي أُجريت على أطفال مصابين بالتوحد باستخدام روبوت محمول مناسب للاستخدام في المنزل أو المدرسة، أن العلاج بمساعدة الروبوتات يحقق نتائج تعادل العلاج النفسي التقليدي، مع ميزة إضافية تمثلت في زيادة ملحوظة في مستوى انخراط الأطفال وانتباههم، ونُشرت النتائج، بعدد 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من دورية «Science Robotics».

وتؤكد النتائج فاعلية الروبوتات في تنمية قدرات التقليد والانتباه المشترك وتبادل الأدوار، إلى جانب تعزيز اهتمام الأطفال وتقليل فقدان التركيز أثناء جلسات التدريب، ما يسهم في تحسين جودة التجربة العلاجية ورفع مستوى فاعليتها.

يقول الدكتور توم زيمكه، أستاذ النظم المعرفية في مختبر الإدراك والتفاعل بجامعة لينشوبينغ، والباحث الرئيسي في الدراسة، إن الهدف الأساسي من البحث كان تقييم منهجية العلاج بمساعدة الروبوتات للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من خلال تجربتين سريريتين.

وأوضح زيمكه في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «التجربة الأولى أُجريت في بيئة مختبرية محكومة بدقة، بينما تم في الثانية اختبار نسخة أبسط وقابلة للنقل من هذا العلاج داخل المدارس، مشيراً إلى أن النتائج كانت واعدة في الحالتين».

وأضاف: «نتائج التجربة الأولى أظهرت أن العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي، مع زيادة ملحوظة في مستوى تفاعل الأطفال، في حين بيّنت الثانية أن النسخة المبسطة من العلاج الروبوتي كانت بكفاءة العلاج التقليدي نفسها، ما يبرز إمكانات استخدام تقنيات محمولة ومنخفضة التكلفة في البيئات المدرسية أو المنزلية».

ووفقاً لزيمكه، فإن التدخلات النفسية المعتمدة على الروبوتات تسهم في تقليل العبء الواقع على المعالجين البشر بشكل ملحوظ، من خلال أتمتة بعض المهام العلاجية المتكررة وتوفير دعم منظم ومستمر لجلسات العلاج، بما يتيح للمعالجين التركيز بصورة أكبر على الجوانب التحليلية والإنسانية للتدخل العلاجي. كما تتميز هذه التدخلات بقدرتها العالية على جذب انتباه الأطفال وتحفيزهم على التفاعل، بفضل طابعها التفاعلي والتقني، ما يعزز المشاركة الفاعلة ويحسن استجابة الأطفال للعلاج.

وأشار إلى أن هذا النوع من العلاج لا يحقق نتائج مماثلة للعلاج التقليدي فحسب، بل يتفوق عليه في قدرته على إشراك الأطفال وتحفيزهم على التفاعل المستمر، إلى جانب إتاحة إمكانية نقل هذه التقنيات من البيئات البحثية إلى الواقع العملي في المدارس أو المنازل، عبر نماذج مبسطة ومحمولة ومنخفضة التكلفة، ما يوسع نطاق التدخلات النفسية ويحسن فرص الوصول إلى العلاج.

العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي للتوحد (جامعة لينشوبينغ)

تخفيف الضغوط

تُستخدم الروبوتات الاجتماعية بوصفها أداة داعمة للتفاعل الاجتماعي وتقديم الدعم العاطفي، بما يسهم في تقليل الشعور بالوحدة والعزلة لدى مقدّمي الرعاية، لا سيما من يعتنون بكبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن التفاعل المنتظم مع هذه الروبوتات يمكن أن يحسّن المزاج ويخفف من مستويات التوتر والإرهاق النفسي المرتبط بأعباء الرعاية المستمرة.

وفي هذا السياق، أجرى باحثون بجامعة موناش في أستراليا تجربة اعتمدت على محادثات منتظمة بين مقدّمي الرعاية وروبوت اجتماعي مثل «بيبر» (Pepper). وكشفت النتائج أن التفاعل مع الروبوت مرتين أسبوعياً على مدار خمسة أسابيع أتاح مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، وأسهم في تقليل الشعور بالوحدة والإجهاد، وتحسين الحالة المزاجية للمشاركين.

وأظهرت الدراسة أن هذا النوع من الدعم النفسي المستمر يساعد مقدّمي الرعاية على تنظيم عواطفهم والتعامل بشكل أفضل مع الضغوط اليومية، ما يعكس إمكانات الروبوتات الاجتماعية باعتبارها وسيلة مساندة فعالة لتخفيف الأعباء النفسية والعاطفية المصاحبة لدور الرعاية.

دعم الأطفال

تشير مراجعات بحثية إلى أن الروبوتات الاجتماعية يمكن أن تلعب دوراً داعماً في تخفيف التوتر والقلق لدى الأطفال أثناء الإجراءات الطبية المؤلمة، ما يسهم في تحسين تجربتهم النفسية داخل المستشفيات.

وفي دراسة أجرتها جامعة سنغافورة الوطنية، جرى تحليل بيانات لأطفال تتراوح أعمارهم بين عام واحد و12 عاماً خضعوا لإجراءات طبية وتلقوا تدخلات باستخدام روبوتات اجتماعية. وأظهرت النتائج أن هذه الروبوتات كانت فعالة في خفض مستويات التوتر والانزعاج، وأسهمت في تقليل القلق لدى الأطفال المرضى أثناء العلاج. وخلصت الدراسة إلى أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في بروتوكولات رعاية الأطفال يمكن أن يعزز الرفاهية النفسية، ويجعل التجربة الطبية أقل إجهاداً للأطفال وأولياء أمورهم.

رعاية كبار السن

أظهرت دراسة أُجريت في مستشفى بروكا بفرنسا أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في رعاية كبار السن، خاصة المصابين باضطرابات معرفية عصبية مثل الخرف، يحقق فوائد واضحة في تحسين التفاعل الاجتماعي والمزاج. وتُستخدم هذه الروبوتات، سواء الشبيهة بالبشر مثل «ناو» (NAO) أو الشبيهة بالحيوانات الأليفة مثل «بارو» (PARO)، لدعم التفاعل الاجتماعي وتنشيط القدرات الذهنية والجسدية، وتقديم معلومات صحية، فضلاً عن دورها بوصفها وسيطاً بين المستفيدين والمعالجين. وقد أثبتت هذه التقنيات فعاليتها في تحسين الرفاهية النفسية لدى كبار السن، لا سيما في بيئات الرعاية طويلة الأمد، مما يعزز مكانتها باعتبارها أدوات مساندة بأنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية الحديثة.