الكتابة بين أمومة الجذور وأنوثة المنافي

تبدو مشاعرنا وآذاننا موزعة بين قطارين متعاكسين

توفيق الحكيم - الطيب صالح - سهيل إدريس - جورج طرابيشي
توفيق الحكيم - الطيب صالح - سهيل إدريس - جورج طرابيشي
TT

الكتابة بين أمومة الجذور وأنوثة المنافي

توفيق الحكيم - الطيب صالح - سهيل إدريس - جورج طرابيشي
توفيق الحكيم - الطيب صالح - سهيل إدريس - جورج طرابيشي

قد لا تكون الطفولة في شقها الزمني هي الأطول بين مراحل العمر، وقد لا تكون الأوسع في حيزها المكاني، إلا أنها بالقطع الخزان الأكثر غنى بالذكريات، والزمن الأكثر اتصالاً بأسباب السعادة، والرياح التي لا تكف عن رفد الكتابة والفن بكل ما يلزمهما من أسباب النماء والتفتح الدائمين. ففي ذلك العالم السحري الذي يرفع فيه الواقع الكلفة مع الأحلام يبدو كل شيء طازجاً ومثيراً ومفعماً بدهشة المغامرة والاكتشاف. وهناك أيضاً تتحلق حول الينابيع الطرية للنقاء كائناتٌ من مختلف الهويات والمشارب والأشكال، وتسود علاقة من الألفة الحميمة بين الحيوان والنبات والإنسان، قبل أن ينجح هذا الأخير في تسميم المياه المشتركة للإخاء الأرضي، وحرْف وجهة العذوبة عن سياقها. والطفولة الريفية بوجه خاص هي التي تمنح الكتابة والفن مسرحهما الأكثر اتساعاً والأكثر احتشاداً بالمرئيات، وهي التي توفر للمخيلات كل ما تحتاجه من لوازم التحليق واصطياد المجازات، واكتناه أسرار الطبيعة ومفاتن الوجود. ومع ذلك فإن الطفولة لحظة وجودنا فيها لا تمنحنا الشعور بالنشوة والابتهاج، بل تبدو بتفاصيلها ومشقاتها وهمومها الصغيرة أقرب إلى الشقاء منها إلى السعادة، وإلى خيبة الأمل منها إلى الرضا والاكتفاء. كما لو أن الانفصال عن مسرح البدايات هو الشرط اللازم لاستعادته باللغة ولحمْل النوستالجيا على تنقيته من الشوائب.
على أن النوازع الإنسانية لا تسير باتجاه واحد، بل تبدو مشاعرنا وآذاننا متناهبة دائماً بين صفيري قطارين متعاكسين، يشدنا أحدهما إلى الوراء، حيث المكان الأول آهل بالحليب الأمومي ولغة البداهة ودفء الركون إلى البيت، فيما يدفعنا الثاني إلى ارتياد الآفاق وتنكّب المغامرة وتتبع الريح في هبوبها. وإذا كان شوبنهاور قد عرف الحياة بأنها وجود بين عدمين فإنها من جهة أخرى وجود متأرجح كرقاص الساعة بين الإقامة في كنف الدفء الأصلي للأرض الأم، والإنصات الدائم لما يتسرب من وراء الأفق من أضغاث الصبابات ونداءات المجهول الأنثوي، الذي يجد في أساطير عرائس البحر وحورياته، معينه وظهيره المثقل بالرموز. كأن السفر في لاوعينا يتشكل من رغبتنا في مطاردة «الأنوثة الأبدية التي تجرّنا وراءها»، على ما يقول غوته. والنساء اللاتي نصادفهن في السفر هنّ نساء غير ممتلَكات، وفي حالة هروب دائم شبيهة بأولئك اللاتي نقابلهن في الأحلام ثم يتوارين إلى غير رجعة.
وإذا كان كل من الرجل والمرأة يتناوب بشكل دوري على فكرة المطارَد والمطارِد، فإن صورة المرأة الثابتة والرجل الصياد والمرتحل قد ترسخت في الأذهان منذ العصور القديمة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى النصوص. على أن ضمير المتكلم (أنا)، دائم الحضور لا يتكون، وفق رولان بارت، إلا مقابل ضمير المخاطب (أنت)، دائم الغياب. وقد بدت المرأة المعشوقة عند صاحب «شذرات من خطاب العشق»، كما الكتابة نفسها، نوعاً من التعويض عن حضور الأم التي غيبها الموت. وهو عين ما عبّر عنه بقوله: «هاأنذا أتصرف تصرّف من أجاد الفطام، وأعرف كيف أقتات تحت وطأة الانتظار، بأشياء أخرى غير ثدي الأم».
ومع ذلك، فإن الشعور الذي يمنحه السفر بالانفصال يوازيه شعور مضاد بالعودة إلى نقطة الانطلاق. وهو ما ينسحب تماماً على لغة الأدب، حيث على الدوال لكي تكتسب صفة الإبداع أن تغادر مدلولاتها الأصلية لكي تقيم في منافيها البديلة ولو إلى حين، قبل أن تعود إلى بطون أمهاتها في معاجم اللغة. فاللغة بشكل أو بآخر لا تولد إلا في الغياب، أو لعلها حطب جاف لا يشتعل إلا بالفقدان.
والأدب، عربياً كان أمْ عالمياً، مليء بالإشارات المتناقضة التي تمجد الإقامة تارةً، والترحال تارة أخرى. ففي حين يعبر الشريف الرضي عن حنينه إلى الأماكن الأولى بتلفّت القلب إلى الوراء، يحفل تراث بلاد الشام الشعبي بتلفّت التائهين في صحارى العالم ومنافيه نحو طفولاتهم المتنائية، عبر الحداء المعروف «يا حادي العيس سلّم لي على أمي/ واحكي لها ما جرى واشكي لها همي». ومع أن الحداء لا يكشف عما جرى ويبقيه في حالة الغموض التام، فإن في طيات النداء ما يشي بأهوال الطريق ومكابداتها، وما يحول الأم إلى رمز للدفء والطمأنينة المفقودين. والحنين إلى الحدب الأمومي المفقود يتجسد أيضاً في روميات أبي فراس الحمداني الذي يرقّقه الأسر إلى حدود التأنث فيهتف بأمه البعيدة «يا أمّتا هذي منازلنا/ نتركها تارةً وننزلها».
أما أبو الطيب المتنبي فيبدو من جهته ممزقاً بين استمراء الرحيل المحفز على الإبداع «على قلق كأن الريح تحتي/ أحركها يميناً أو شمالا»، وجنوحه المضاد إلى التآلف مع الأشياء الأزمنة والكائنات «خلقتُ ألوفاً لو رجعت إلى الصبا/ لفارقت شيبي موجع القلب باكيا»، أو حنينه إلى الأماكن «لكِ يا منازل في القلوب منازلُ». وهاتان النزعتان المتعاكستان نرى تمثلاتهما جلية عند أبي تمام، الذي يدعو إلى الاغتراب من أجل تجديد الحياة وجلو الصدأ عن اللغة «وطول مقام المرء في الحي مخْلقٌ/ لديباجتيه، فاغتربْ تتجددِ». وحين يغلبه الحنين إلى الحضن الأمومي يهتف قائلاً: «نقّل فؤادك ما استطعت من الهوى/ ما الحب إلا للحبيب الأول».
كما عبر الشعر المهجري في مطالع القرن الماضي عن قسوة الصراع المر بين شغف الشعراء المشرقيين بالمغامرة، وتوقهم المضاد للعودة إلى المهد. حتى إذا شاهد الشاعر اللبناني رشيد أيوب هطول الثلج في الأصقاع الأميركية، تذكّر ثلوج صنين ومواقد الألفة الهانئة في شتاءات بسكنتا. وتذكر أمه المنتظرة عودته منذ أمد بعيد، فهتف قائلاً: «يا ثلج قد ذكّرتني أمي/ مشغوفةً تحار في ضمّي/ تحنو علي مخافة البردِ». ولعل البرد الملازم للغربة هو أشد وطأة من ذلك الذي قصده الشاعر، لأنه يثلم الروح ويصيبها في الأعماق.
في عمله الشعري المدهش «ملحمة بيروت الميمونة» يصف ننوس اليوناني الصراع على بيروت في العصور القديمة بأنه صراع بين إله البر «باخوس» وإله البحر «بوسيدون»، حيث تتعارك الأمواج مع الصخور، وأزهار الزيتون مع زبد البحر. وهو التمثيل الأبلغ للاشتباك بين وجهي المدينة المتصل أحدهما بصلابة الجبال، فيما الآخر تواق إلى الانعتاق والرحيل الأبدي. الروايات العربية المعاصرة تصدت من جهتها للعلاقة بين المكان والمنفى، قسرياً كان أم طوعياً، وتعقبت سعي الأنا المغلوبة على أمرها، للانتقام من الآخر الغربي عبر تأنيثه الواقعي أو الرمزي، مقابل ذكورية الشرق وفحولة أبنائه الطاغية. ولعل أفضل من تصدى على المستوى الفكري لهذه الفرضية المزعومة هو الكاتب والمفكر الراحل جورج طرابيشي في كتابه الشيق «شرق وغرب/ ذكورة وأنوثة».
وقد بدت ثنائية «الشرق - الذكر» و«الغرب - الأنثى» واضحة تماماً في رواية «الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، حيث البطل هو نفسه الراوي القادم من بيروت منقاداً وراء هواماته الجنسية المتخيلة، التي لا توارب الرواية في الكشف عنها «أنت تبحث عن المرأة. تلك هي الحقيقة التي تنساها، بل تتجاهلها، وقد أتيت من أجلها إلى باريس». على أن علاقة الطالب البيروتي بجارته الفرنسية جانين مونترو ما لبثت رغم ضراوتها أن آلت إلى فشل محقق، بسبب اختلاف التقاليد ونظام القيم واتساع الفوارق الحضارية بين الطرفين. والأمر نفسه يتكرر مع مصطفى سعيد، بطل الطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال» الذي يردّ على الظفَر الحضاري الغربي باستعراض فحولي ما يلبث أن يبطل سحره بعد حين، ليعود البطل في نهاية المطاف إلى بيت الطاعة الأصلي.
وفيما كان كلّ من إدريس وصالح يؤكدان مقولة كيبلينغ إن «الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا أبداً»، كان توفيق الحكيم، رغم فشل العلاقة بين بطله الشرقي محسن وبطلته الفرنسية سوزي، يدعو في روايته «عصفور من الشرق» إلى علاقة تكاملية بين روحانية الشرق ومادية الغرب، في محاولة شبه يائسة للمصالحة بين أمومة الجذور وأنوثة المنافي.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.