الكتابة بين أمومة الجذور وأنوثة المنافي

تبدو مشاعرنا وآذاننا موزعة بين قطارين متعاكسين

توفيق الحكيم - الطيب صالح - سهيل إدريس - جورج طرابيشي
توفيق الحكيم - الطيب صالح - سهيل إدريس - جورج طرابيشي
TT

الكتابة بين أمومة الجذور وأنوثة المنافي

توفيق الحكيم - الطيب صالح - سهيل إدريس - جورج طرابيشي
توفيق الحكيم - الطيب صالح - سهيل إدريس - جورج طرابيشي

قد لا تكون الطفولة في شقها الزمني هي الأطول بين مراحل العمر، وقد لا تكون الأوسع في حيزها المكاني، إلا أنها بالقطع الخزان الأكثر غنى بالذكريات، والزمن الأكثر اتصالاً بأسباب السعادة، والرياح التي لا تكف عن رفد الكتابة والفن بكل ما يلزمهما من أسباب النماء والتفتح الدائمين. ففي ذلك العالم السحري الذي يرفع فيه الواقع الكلفة مع الأحلام يبدو كل شيء طازجاً ومثيراً ومفعماً بدهشة المغامرة والاكتشاف. وهناك أيضاً تتحلق حول الينابيع الطرية للنقاء كائناتٌ من مختلف الهويات والمشارب والأشكال، وتسود علاقة من الألفة الحميمة بين الحيوان والنبات والإنسان، قبل أن ينجح هذا الأخير في تسميم المياه المشتركة للإخاء الأرضي، وحرْف وجهة العذوبة عن سياقها. والطفولة الريفية بوجه خاص هي التي تمنح الكتابة والفن مسرحهما الأكثر اتساعاً والأكثر احتشاداً بالمرئيات، وهي التي توفر للمخيلات كل ما تحتاجه من لوازم التحليق واصطياد المجازات، واكتناه أسرار الطبيعة ومفاتن الوجود. ومع ذلك فإن الطفولة لحظة وجودنا فيها لا تمنحنا الشعور بالنشوة والابتهاج، بل تبدو بتفاصيلها ومشقاتها وهمومها الصغيرة أقرب إلى الشقاء منها إلى السعادة، وإلى خيبة الأمل منها إلى الرضا والاكتفاء. كما لو أن الانفصال عن مسرح البدايات هو الشرط اللازم لاستعادته باللغة ولحمْل النوستالجيا على تنقيته من الشوائب.
على أن النوازع الإنسانية لا تسير باتجاه واحد، بل تبدو مشاعرنا وآذاننا متناهبة دائماً بين صفيري قطارين متعاكسين، يشدنا أحدهما إلى الوراء، حيث المكان الأول آهل بالحليب الأمومي ولغة البداهة ودفء الركون إلى البيت، فيما يدفعنا الثاني إلى ارتياد الآفاق وتنكّب المغامرة وتتبع الريح في هبوبها. وإذا كان شوبنهاور قد عرف الحياة بأنها وجود بين عدمين فإنها من جهة أخرى وجود متأرجح كرقاص الساعة بين الإقامة في كنف الدفء الأصلي للأرض الأم، والإنصات الدائم لما يتسرب من وراء الأفق من أضغاث الصبابات ونداءات المجهول الأنثوي، الذي يجد في أساطير عرائس البحر وحورياته، معينه وظهيره المثقل بالرموز. كأن السفر في لاوعينا يتشكل من رغبتنا في مطاردة «الأنوثة الأبدية التي تجرّنا وراءها»، على ما يقول غوته. والنساء اللاتي نصادفهن في السفر هنّ نساء غير ممتلَكات، وفي حالة هروب دائم شبيهة بأولئك اللاتي نقابلهن في الأحلام ثم يتوارين إلى غير رجعة.
وإذا كان كل من الرجل والمرأة يتناوب بشكل دوري على فكرة المطارَد والمطارِد، فإن صورة المرأة الثابتة والرجل الصياد والمرتحل قد ترسخت في الأذهان منذ العصور القديمة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى النصوص. على أن ضمير المتكلم (أنا)، دائم الحضور لا يتكون، وفق رولان بارت، إلا مقابل ضمير المخاطب (أنت)، دائم الغياب. وقد بدت المرأة المعشوقة عند صاحب «شذرات من خطاب العشق»، كما الكتابة نفسها، نوعاً من التعويض عن حضور الأم التي غيبها الموت. وهو عين ما عبّر عنه بقوله: «هاأنذا أتصرف تصرّف من أجاد الفطام، وأعرف كيف أقتات تحت وطأة الانتظار، بأشياء أخرى غير ثدي الأم».
ومع ذلك، فإن الشعور الذي يمنحه السفر بالانفصال يوازيه شعور مضاد بالعودة إلى نقطة الانطلاق. وهو ما ينسحب تماماً على لغة الأدب، حيث على الدوال لكي تكتسب صفة الإبداع أن تغادر مدلولاتها الأصلية لكي تقيم في منافيها البديلة ولو إلى حين، قبل أن تعود إلى بطون أمهاتها في معاجم اللغة. فاللغة بشكل أو بآخر لا تولد إلا في الغياب، أو لعلها حطب جاف لا يشتعل إلا بالفقدان.
والأدب، عربياً كان أمْ عالمياً، مليء بالإشارات المتناقضة التي تمجد الإقامة تارةً، والترحال تارة أخرى. ففي حين يعبر الشريف الرضي عن حنينه إلى الأماكن الأولى بتلفّت القلب إلى الوراء، يحفل تراث بلاد الشام الشعبي بتلفّت التائهين في صحارى العالم ومنافيه نحو طفولاتهم المتنائية، عبر الحداء المعروف «يا حادي العيس سلّم لي على أمي/ واحكي لها ما جرى واشكي لها همي». ومع أن الحداء لا يكشف عما جرى ويبقيه في حالة الغموض التام، فإن في طيات النداء ما يشي بأهوال الطريق ومكابداتها، وما يحول الأم إلى رمز للدفء والطمأنينة المفقودين. والحنين إلى الحدب الأمومي المفقود يتجسد أيضاً في روميات أبي فراس الحمداني الذي يرقّقه الأسر إلى حدود التأنث فيهتف بأمه البعيدة «يا أمّتا هذي منازلنا/ نتركها تارةً وننزلها».
أما أبو الطيب المتنبي فيبدو من جهته ممزقاً بين استمراء الرحيل المحفز على الإبداع «على قلق كأن الريح تحتي/ أحركها يميناً أو شمالا»، وجنوحه المضاد إلى التآلف مع الأشياء الأزمنة والكائنات «خلقتُ ألوفاً لو رجعت إلى الصبا/ لفارقت شيبي موجع القلب باكيا»، أو حنينه إلى الأماكن «لكِ يا منازل في القلوب منازلُ». وهاتان النزعتان المتعاكستان نرى تمثلاتهما جلية عند أبي تمام، الذي يدعو إلى الاغتراب من أجل تجديد الحياة وجلو الصدأ عن اللغة «وطول مقام المرء في الحي مخْلقٌ/ لديباجتيه، فاغتربْ تتجددِ». وحين يغلبه الحنين إلى الحضن الأمومي يهتف قائلاً: «نقّل فؤادك ما استطعت من الهوى/ ما الحب إلا للحبيب الأول».
كما عبر الشعر المهجري في مطالع القرن الماضي عن قسوة الصراع المر بين شغف الشعراء المشرقيين بالمغامرة، وتوقهم المضاد للعودة إلى المهد. حتى إذا شاهد الشاعر اللبناني رشيد أيوب هطول الثلج في الأصقاع الأميركية، تذكّر ثلوج صنين ومواقد الألفة الهانئة في شتاءات بسكنتا. وتذكر أمه المنتظرة عودته منذ أمد بعيد، فهتف قائلاً: «يا ثلج قد ذكّرتني أمي/ مشغوفةً تحار في ضمّي/ تحنو علي مخافة البردِ». ولعل البرد الملازم للغربة هو أشد وطأة من ذلك الذي قصده الشاعر، لأنه يثلم الروح ويصيبها في الأعماق.
في عمله الشعري المدهش «ملحمة بيروت الميمونة» يصف ننوس اليوناني الصراع على بيروت في العصور القديمة بأنه صراع بين إله البر «باخوس» وإله البحر «بوسيدون»، حيث تتعارك الأمواج مع الصخور، وأزهار الزيتون مع زبد البحر. وهو التمثيل الأبلغ للاشتباك بين وجهي المدينة المتصل أحدهما بصلابة الجبال، فيما الآخر تواق إلى الانعتاق والرحيل الأبدي. الروايات العربية المعاصرة تصدت من جهتها للعلاقة بين المكان والمنفى، قسرياً كان أم طوعياً، وتعقبت سعي الأنا المغلوبة على أمرها، للانتقام من الآخر الغربي عبر تأنيثه الواقعي أو الرمزي، مقابل ذكورية الشرق وفحولة أبنائه الطاغية. ولعل أفضل من تصدى على المستوى الفكري لهذه الفرضية المزعومة هو الكاتب والمفكر الراحل جورج طرابيشي في كتابه الشيق «شرق وغرب/ ذكورة وأنوثة».
وقد بدت ثنائية «الشرق - الذكر» و«الغرب - الأنثى» واضحة تماماً في رواية «الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، حيث البطل هو نفسه الراوي القادم من بيروت منقاداً وراء هواماته الجنسية المتخيلة، التي لا توارب الرواية في الكشف عنها «أنت تبحث عن المرأة. تلك هي الحقيقة التي تنساها، بل تتجاهلها، وقد أتيت من أجلها إلى باريس». على أن علاقة الطالب البيروتي بجارته الفرنسية جانين مونترو ما لبثت رغم ضراوتها أن آلت إلى فشل محقق، بسبب اختلاف التقاليد ونظام القيم واتساع الفوارق الحضارية بين الطرفين. والأمر نفسه يتكرر مع مصطفى سعيد، بطل الطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال» الذي يردّ على الظفَر الحضاري الغربي باستعراض فحولي ما يلبث أن يبطل سحره بعد حين، ليعود البطل في نهاية المطاف إلى بيت الطاعة الأصلي.
وفيما كان كلّ من إدريس وصالح يؤكدان مقولة كيبلينغ إن «الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا أبداً»، كان توفيق الحكيم، رغم فشل العلاقة بين بطله الشرقي محسن وبطلته الفرنسية سوزي، يدعو في روايته «عصفور من الشرق» إلى علاقة تكاملية بين روحانية الشرق ومادية الغرب، في محاولة شبه يائسة للمصالحة بين أمومة الجذور وأنوثة المنافي.



«المجيبون»... تماثيل «الأوشابتي» تروي أسرار الحياة الأبدية في المتحف المصري

تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
TT

«المجيبون»... تماثيل «الأوشابتي» تروي أسرار الحياة الأبدية في المتحف المصري

تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)

«أن يكون لك خادم مخلص في الحياة الأخرى... هذا بالضبط ما فكّر فيه المصري القديم عندما صنع هذه التماثيل الصغيرة، التي لم تكن مجرد شكل جنائزي، بل كانت أشبه بموظفين روحيين مهمتهم ضمان راحة وسعادة المتوفى في العالم الآخر»؛ بهذا الكلمات سلّط المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) الأضواء على تماثيل «الأوشابتي» التي عادة ما ترافق الموتى في المقابر المصرية القديمة، موضحاً في بيان، الثلاثاء، أن كلمة «أوشابتي» مشتقة من الفعل المصري القديم «وشب»، الذي يعني «يُجيب». لهذا تُعرف أيضاً باسم «التماثيل المُجيبة» أو «المجيبون».

كانت الفكرة ببساطة أنه عندما يُنادى على المتوفى في العالم الآخر للقيام بعمل شاق، مثل حرث الحقول أو ري الأرض، ينهض هذا التمثال الصغير ويقول «هأنذا»، ليتولى المهمة بدلاً من سيده. لتصبح هذه التماثيل بمنزلة ضمانة دائمة للراحة والخلود. كانت هذه التماثيل في البداية مجرد رؤوس حجرية توضع في المقبرة، وفى عصر المملكة الوسطى (حوالي 2050 إلى 1710 قبل الميلاد) أصبحت تأخذ شكل مومياء صغيرة، وكان يوضع تمثال واحد أو اثنان في المقبرة. وفي الدولة الحديثة وما بعدها وصلت لفكرتها الأكثر تعقيداً، إذ لم يعد تمثال واحد يكفي، بل أصبح هناك «جيش» كامل يقوم على خدمة المتوفى طوال أيام السنة. وبلغ العدد النموذجي 365 تمثالاً، يمثل كل منها يوماً من أيام السنة. وفي بعض الفترات المتأخرة، زاد هذا العدد ليصل إلى أكثر من ذلك.

أحد تماثيل الأوشابتي (المتحف المصري)

تصف المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، تسليط الضوء على تماثيل «الأوشابتي» في المتحف المصري بأنها «خطوة بالغة الأهمية في إعادة قراءة الفكر الجنائزي للمصري القديم بعيداً عن النظرة الشكلية للقطع الأثرية، إذ تكشف هذه التماثيل عن دور رمزي عميق بوصفها (موظفين روحيين) أو وكلاء يعملون نيابةً عن المتوفّى في العالم الآخر».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «وجود (الأوشابتي) لم يكن مجرد عنصر تزييني داخل المقبرة، بل ارتبط بنصوص دقيقة خصوصاً تعاويذ الفصل السادس من كتاب الموتى التي تفعّل وظيفتها لتؤدي الأعمال الزراعية والخدمية بدلاً من صاحب المقبرة، بما يعكس تصوراً متكاملاً للحياة الأبدية قائماً على الاستمرارية والتنظيم والعمل».

وأشارت إلى أن إبراز «الأوشابتي» بهذا المنظور العلمي يؤكد على الدور المتحفي ليس بوصفه قاعة عرض فقط بل منصات للمعرفة وإعادة تفسير التراث في ضوء مناهج علم المصريات الحديثة، ما يبرز قدرة القطع الأثرية على سرد تاريخ روحي وفكري كامل، يربط الإنسان المصري القديم بأسئلته الكبرى حول الخلود.

وصنعت هذه التماثيل من خامات متعددة مثل الخشب والحجر والبرونز، كما تبرز تماثيل «الفيانس» (القاشاني) كأحد أروع الأنواع. وهو خزف زجاجي ملون كان يُنتج في مصر القديمة بألوان ساحرة، خاصة الأزرق الفيروزي والأخضر، التي كانت ترمز للحياة والنماء، وفق بيان المتحف.

وتعرض قاعات المتحف المصري مجموعات متميزة من تماثيل «الأوشابتي»، من بينها القاعة 22 في الدور العلوي التي تضم مجموعة من تماثيل «الأوشابتي» المصنوعة من الفيانس. وحسب البيان، فهي «ليست قطعاً فنية فحسب، بل نافذة على عقلية المصري القديم وفلسفته تجاه الموت. وتعكس إيمانه الراسخ بالحياة بعد الموت، وحرصه على الاستعداد لها بتفاصيل دقيقة، ليستمتع بالأبدية دون مشقة».

ويرى عالم المصريات والخبير الآثاري، الدكتور حسين عبد البصير، أن «تسليط الضور على هذه التماثيل فكرة جيدة بوصفها عناصر فاعلة داخل منظومة الحياة الأبدية، لا مجرد قطع جنائزية صامتة، وهو طرح يقرّب العقيدة المصرية القديمة من الوعي المعاصر دون إخلال بجوهرها».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن وصف «الأوشابتي» بـ«المجيب» أو «الموظف الروحي» يستند إلى نصوص العقيدة نفسها، لا سيما صيغة الاستجابة الواضحة: «إذا دُعيتُ أُجيب»، وهو ما يكشف عن تصور منظم للعالم الآخر يقوم على الواجب والعمل والاستمرارية.

وعدّ عبد البصير أن هذا المدخل «يفتح أفقاً سردياً وتعليمياً مهماً داخل المتحف، إذ تتحول القطعة الأثرية إلى شاهد على رؤية المصري القديم للحياة بعد الموت بوصفها امتداداً منضبطاً للحياة الدنيا، وهي زاوية تتيح قراءة إنسانية عميقة لـ(الأوشابتي)، وتمنحه صوتاً فكرياً يعبّر عن فلسفة المصري القديم في العمل والعدل والمعنى، لا عن طقوس الموت فقط».

Your Premium trial has ended


مسرح «زقاق» يطفئ أنواره بعد عِقد من الإبداع

فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
TT

مسرح «زقاق» يطفئ أنواره بعد عِقد من الإبداع

فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)

أعلن جنيد سري الدين، أحد مؤسسي «زقاق»، إقفال مسرح الفرقة في الكرنتينا بالعاصمة بيروت. وأوضح أنهم كانوا يأملون استمرار الخشبة التي انطلقت قبل 10 سنوات بدل أن تتحوّل إلى معمل.

تأسس فريق «زقاق» عام 2006 في فرن الشباك، ثم انتقل إلى الكرنتينا، حيث أنشأ مسرحاً نشطاً طوال عِقد كامل. خلال هذه السنوات، قدَّم الفريق أكثر من 40 عملاً مسرحياً، ونظَّم ورشاً درَّبت نحو 7200 مشارك، واستقبل ما يزيد على 129 ألف متفرج.

جنيد سري الدين (مسرح زقاق)

لكن لماذا يُقفل هذا المسرح أبوابه في وقت تحتاج فيه المدينة إلى مسارح جديدة؟

يجيب سري الدين في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نواجه تكاليف تفوق قدراتنا المادية وأكبر من استثماراتنا، فجميع أشكال الدعم والتبرعات التي تلقيناها لم تُفضِ إلى النتائج المرجوة».

ويشير إلى أن ثِقل التكلفة المالية وعدم قدرة الفريق على تحمّلها، يقابله سبب آخر يتمثّل في الحاجة إلى التوجّه نحو آفاق أوسع، ويضيف: «شعرنا بضرورة القيام بنقلة نوعية مختلفة، ولذلك نخطط لمشروع جديد يرتبط ارتباطاً مباشراً بالمدينة».

ورغم الصعوبات التي تواجه الفريق، يؤكد سري الدين أن تغيير المكان لا يعني التوقف عن العمل، بل قد يكون أحياناً ضرورة لانطلاقة أفضل.

علاقة فريق «زقاق» بمسرحه في الكرنتينا تتجاوز البعد المكاني. فهي علاقة مشبعة بالذكريات والتحديات واللحظات الحلوة والمرّة، ويعلّق جنيد: «نحن ممتنون لكل ما أنجزناه في هذا المكان، الذي نعدّه قطعة من روحنا. صحيح أننا نشعر بالحزن لمغادرته، لكن البلد بأكمله يعيش حالة تشتّت، ولن نسمح لهذا الواقع بأن يؤثر سلباً علينا. من الضروري القيام بتحولات مدروسة لنتمكّن من البقاء والاستمرار».

وفي عام 2024، وخلال الحرب التي شهدها لبنان في جنوبه، اضطر مسرح «زقاق» إلى إلغاء مشاريع فنية عدّة، فرفع الصوت عالياً، وطالب، من خلال بيان أصدره، بضرورة إيجاد حلول جذرية تحمي الفن في لبنان. ومما جاء فيه: «يُواجه الفن الجريمة، ويحمي التماسك المجتمعي، ويُعزز الشعور بالوجود المشترك». وأضاف: «نعلم أنه بإمكان الجهود الفردية التأثير على النقاش العام وإعادة بناء القيم التي تُحقق إمكانية تغيير عالمي أشمل. ونترقَّب عودة اللقاء بأمان لنتشارك من جديد الأعمال الفنية».

يُطفئ مسرح زقاق أنواره بعد 10 سنوات من العمل الإبداعي (مسرح زقاق)

هذا اللقاء الذي كان يرنو إليه لم يدم إلا نحو سنة. فجاء قرار الإقفال لينسف كل الآمال بإمكانية الاجتماع تحت هذا السقف مدة أطول؛ «لقد كان بإمكاننا استغلال الفترة القصيرة التي تفصلنا عن موعد انتهاء عقدنا مع أصحاب المكان، فنمدِّد حياته الفنية قبل أن نتحوَّل إلى وجهة أخرى. لكن وضعنا المادي وغلاء الإيجارات دفعانا إلى تسريع عملية المغادرة».

ولا يخفي سري الدين عتبه على الدولة اللبنانية، في ظل إهمالها وغياب دعمها للفن وأهله، ما يسهم في شرذمة هذا القطاع، ويقول: «المراكز الثقافية عندنا معرَّضة دائماً للتوقف عن العمل. وتكلفة الإيجارات المرتفعة تُشكل سبباً أساسياً في تخريب مسيرة مسارح تبحث عمَّن ينتشلها من أزماتها. وبصورة عامة، لا توجد رعاية جدية من الدولة للاهتمام بالوجهات الثقافية».

في المرحلة المقبلة، يتجه فريق «زقاق» نحو افتتاح مسرح جديد يحافظ على هدفه الأساسي: دعم الفنان وتشجيعه، وفتح مساحات تتيح له بلورة مواهبه والمشاركة في أعمال مسرحية تعبّر عن أفكاره، ويتابع: «إنها لحظة انتقالية نعوِّل عليها كثيراً. القرار كان صعباً جداً، لكننا نعمل على تحويله إلى طاقة نستمد منها الأمل لولادة مختلفة».

ويأسف جنيد لنيَّة تحويل مسرح «زقاق» في الكرنتينا إلى معمل أو مصنع، قائلاً: «كنا نتمنى الحفاظ على روحه الثقافية والفنية. فهذا المكان تربَّينا وكبرنا في ظلّه، ويعني لنا الكثير كفريق ناضل لنشر ثقافة المسرح الأصيل».

مشهد من إحدى المسرحيات التي عرضت على خشبة زقاق (مسرح زقاق)

يُذكر أن فريق «زقاق» قدّم مئات الأعمال المسرحية، من بينها: «ثلاث أبيات من العزلة»، «بينوكيو»، و«ستوب كولينغ بيروت»، و«نص بسمنة ونص بزيت»، وغيرها.

وكان فريق مسرح «زقاق» قد تأثر مباشرة بتداعيات الانفجارات والحروب في لبنان؛ «لقد اضطررنا إلى ترميمه أكثر من مرة، وكذلك بعد انفجار بيروت. وكما المقاهي والمطاعم المنتشرة في المنطقة، تمسَّكنا برسالة لبنان الثقافية وبدأنا المشوار من جديد. عمر فريقنا اليوم يتجاوز الـ20 عاماً، وشكَّل هذا المكان جزءاً من مشوارنا لا نستطيع بالتأكيد نسيانه».

ويختم جنيد سري الدين: «في غياب دعم من الجهات الرسمية، لا بد أن نصل إلى نهايات من هذا النوع. لكن في المقابل، يبقى افتتاح مسرح جديد الخطوة الأهم. فالمدينة تعاني اليوم خسارة مساحات متتالية في المجال الفني عامة، والثقافي المسرحي خاصة. وسنكمل المشوار ونتحدَّى الصعاب رغم كل شيء».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


المتحف البريطاني ينجح في بقاء قلادة ذهبية للملك هنري الثامن

قلادة ذهبية (رويترز)
قلادة ذهبية (رويترز)
TT

المتحف البريطاني ينجح في بقاء قلادة ذهبية للملك هنري الثامن

قلادة ذهبية (رويترز)
قلادة ذهبية (رويترز)

نجح المتحف البريطاني في جمع مبلغ 3.5 مليون جنيه إسترليني لضمان بقاء قلادة ذهبية ذات صلة بزواج الملك هنري الثامن من زوجته الأولى، كاترين أراغون، ضمن مقتنياته الدائمة، حسب «بي بي سي» البريطانية.

وكان المتحف، الواقع في قلب لندن، قد أطلق حملة تبرعات في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي للاستحواذ على قلادة «قلب تيودور» بصفة نهائية، وهي التي عثر عليها أحد هواة الكشف عن المعادن في حقل بمقاطعة وارويكشاير عام 2019.

وقد أعلن المتحف أخيراً عن بلوغ هدفه التمويلي بعد تلقيه تبرعات شعبية بقيمة 360 ألف جنيه إسترليني، إلى جانب سلسلة من المنح المقدمة من صناديق ائتمانية ومؤسسات فنية.

وفي السياق نفسه، صرح نيكولاس كولينان، مدير المتحف، قائلاً: «إن نجاح هذه الحملة يبرهن على قدرة التاريخ على إلهام الخيال، ويوضح أهمية أن تستقر قطع مثل (قلب تيودور) في المتاحف».

هذا، وقد كشفت الأبحاث التي أجراها المتحف عن أن القلادة ربما صُنعت للاحتفال بخطوبة ابنتهما الأميرة ماري (التي كانت تبلغ عامين آنذاك) من ولي العهد الفرنسي (الذي كان يبلغ ثمانية أشهر) في عام 1518. وتجمع القلادة بين «وردة تيودور» ورمز «الرمان» الخاص بكاترين، كما تحمل شعاراً مكتوباً بالفرنسية القديمة «tousiors» وتعني «دائماً».

وعقب اكتشافها، أُدرجت القلادة بموجب «قانون الكنوز لعام 1996»، والذي يمنح المتاحف والمعارض في إنجلترا فرصة الاستحواذ على القطع التاريخية وعرضها للجمهور. ومن أجل عرضها بشكل دائم، تعين على المتحف سداد مكافأة مالية للشخص الذي عثر عليها وصاحب الأرض التي اكتُشفت فيها.

وقد حرص المتحف على اقتناء القلادة نظراً لندرة القطع الأثرية الباقية التي توثق زواج هنري الثامن من كاترين أراغون. وأوضح المتحف أن أكثر من 45 ألف فرد من الجمهور أسهموا في الحملة، وهو ما غطى ما يزيد قليلاً على 10 في المائة من المبلغ المطلوب.

كما حصل المشروع على دعم بقيمة 1.75 مليون جنيه إسترليني من «صندوق ذكرى التراث الوطني»، المعني بحماية الكنوز التراثية المتميزة والمهددة بالضياع في المملكة المتحدة. وشملت قائمة الجهات المانحة أيضاً جمعية «صندوق الفنون» الخيرية، وصندوق «جوليا راوزينغ»، وجمعية «أصدقاء المتحف البريطاني الأميركيين».

وفي حديثه لبرنامج «توداي»، عبر إذاعة «بي بي سي 4»، أضاف كولينان: «إن تكاتف 45 ألف مواطن وتبرعهم بالمال لإبقاء هذه القطعة في البلاد وعرضها أمام العامة، يعكسان الحماس الشعبي تجاه هذا الأثر. إنها حقاً قطعة فريدة من نوعها».