شح المياه و«التخبط الحكومي» حوَّلا الليطاني إلى مستنقعات ملوثة

خُمس لبنان مهدد بالسرطان والفقر... وتراجع السياحة وصيد السمك

تلوث نهر الليطاني في بر إلياس شرق لبنان (الوكالة الوطنية)
تلوث نهر الليطاني في بر إلياس شرق لبنان (الوكالة الوطنية)
TT

شح المياه و«التخبط الحكومي» حوَّلا الليطاني إلى مستنقعات ملوثة

تلوث نهر الليطاني في بر إلياس شرق لبنان (الوكالة الوطنية)
تلوث نهر الليطاني في بر إلياس شرق لبنان (الوكالة الوطنية)

عشرات الإنذارات القانونية، أرسلتها «المصلحة الوطنية لمياه الليطاني»، لمصانع وبلديات حولت مياه الصرف الصحي إلى مجرى النهر الأكبر في لبنان، ووثقت بمقاطع فيديو نشرتها المصلحة في مواقع التواصل الاجتماعي، كدليل على التجاوزات على نهر بات بؤرة للتلوث نتيجة حجم التعديات عليه، ونتيجة «تخبط» الإدارات الحكومية و«سوء استخدام الثروة المائية» و«إهمال المؤسسات الرسمية»، حتى باتت البيئة الزراعية والحضرية حول النهر مهددة بالسرطان والفقر.
ولم تنفع المناشدات والخطط الحكومية منذ عام 2016 في إنقاذ نهر الليطاني الذي يعبر 20 في المائة من الأراضي اللبناني، بمسافة 170 كيلومتراً، بدءاً من البقاع شرق البلاد، وصولاً إلى البحر المتوسط في جنوبها. لا يزال التعدي على حوض النهر ومجراه، متواصلاً، لجهة تحويل مياه الصرف الصحي والمصانع إليه، ورمي نفايات على ضفافه، إلى جانب مخالفات البناء العشوائية في حوضه، فضلاً عن المخالفات في حفر آبار ارتوازية قلصت التغذية المائية للنهر أكثر من النصف، مما أدى إلى تراجع منسوب المياه في بحيرة القرعون. واللافت أن حفر الآبار الارتوازية غير المرخصة، تزايد قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، وهو ما دفع مصدراً رسمياً للقول إن «الصوت التفضيلي في الانتخابات كان مقابل استثناء حفر بئر ارتوازي»، وهو أكثر توصيف لحجم الاستثناءات على حساب القانون في فترة الانتخابات.
وعلى الرغم من أن مصلحة الليطاني كثفت الإنذارات القانونية خلال الفترة الأخيرة، في متابعة للتعديات على النهر في إطار تطبيق قانون المياه الصادر في 13 أبريل (نيسان) الماضي لحماية نهر الليطاني، فإن التعديات لا تزال مستمرة، وهو ما دفع رئيس مجلس النواب نبيه بري للتشديد خلال لقاء الأربعاء النيابي على «أهمية تطبيق القوانين وعلى ملاحقة كل المخالفين وضبط المخالفات المتعلقة بتلوث الليطاني ومحيطه». وتعقد لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه في البرلمان اللبناني يوم الأربعاء المقبل جلسة لمتابعة الاستماع لكل الوزارات والإدارات والجهات المعنية، من أجل اتخاذ القرارات التي تؤول إلى تسريع الأعمال وإنهائها، تلك العائدة لمنطقة حوض نهر الليطاني من المنبع إلى المصب.
واتبعت مصلحة الليطاني استراتيجية الإنذارات القانونية بوصفها الحق القانوني الوحيد المعطى لها لمواجهة التعديات. في مكتب رئيس المصلحة الدكتور سامي علوية، لا تهدأ الاتصالات من قبل أطراف وُجّهت إليهم الإنذارات. جوابه الوحيد: «القضاء وحده يقرر»، في إشارة إلى تحويل الملفات إلى القضاء اللبناني. فمهمة رفع التعديات، ورفع «الظلم» وإنقاذ الناس من المرض والفقر، «هو خيار أمضي به حتى النهاية»، كما يقول، وذلك «بالطرق القانونية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «من شدة التلوث والظلم، يهدد النهر بالسرطان والفقر لسكان يعيشون حوله»، مستذكراً مقولة لنائب لبناني وصفه بأنه «بات صورة عن إهمال الدولة اللبنانية». ويقول: «بات حوض الليطاني منطقة موبوءة. الحوض الأعلى صار مجروراً لمياه الصرف الصحي، ولا خلاص إلا بتطبيق القوانين اللبنانية وإنقاذه وإنقاذ المحيطين فيه».
محطات الكهرباء مهددة
والحديث عن الفقر، يعود إلى أن النهر الذي يعبر خُمس مساحة لبنان، شُيدت عليه أربع محطات كهرومائية لتوليد الطاقة، باتت مهددة بتوقفها عن العمل نتيجة شح المياه، كما أن الكثير من المزارعين يروون مزروعاتهم منه، وشيدت فيه مزارع لتربية الأسماك. الآن، وبفعل التلوث، توقف المزارعون عن ري مزروعاتهم من مياه النهر، في منطقتي البقاع والجنوب، كما تراجعت تربية الأسماك بفعل التلوث، فضلاً عن أن التعديات على النهر قلصت حجم حوضه. هذا، وأدى الشح في مياه النهر إلى جفافه في بعض المناطق، والقضاء على موسم سياحي بالنسبة لكثير من المتنزهات التي أقيمت على ضفافه في الجنوب، وتحديداً في منطقة القاسمية.
ومع أن اقتراحات حكومية تحدثت عن ضرورة تنظيف مجرى النهر وحوضه من التلوث، إلا أن مشكلة الليطاني لا تُعالج، من دون معالجة الأسباب المؤدية إلى تفاقم الوضع البيئي، وهو ما أكده رئيس مجلس الإدارة المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني سامي علوية بالإشارة إلى القانون 63 الصادر في عام 2016، حيث أقرت اعتمادات مالية بقيمة 1067 مليار ليرة (70 مليون دولار تقريباً)، لتنفيذ مشاريع خلال مدة 7 سنوات، يجب أن تُنجز في عام 2023، موزعة على وزارات معنية، ومن بينها وزارة الطاقة لإنجاز محطات تكرير لمياه الصرف الصحي وتنظيف الحوضين الأعلى والأدنى للنهر، لافتاً إلى أن مجلس الإنماء والإعمار بدأ بالعمل. لكن علوية توقف عند عدة مشكلات أبرزها أن «الدراسات المتعلقة بمحطات التكرير غير منضبطة، بينما المحطات المنجزة لا تعمل بالكفاءة المطلوبة ولا تعالج بالشكل المطلوب»، أما المحطات التي لم تُنجز «فثمة تأخير في الانطلاق بتشييدها، وثمة تأخير في صرف الاعتمادات المالية المخصصة لها».
وقال: «حتى إنجاز محطات التكرير، تفاقم المشكلة، وهو ما دفعنا لاتخاذ إجراءات، أهمها وضع استراتيجية سريعة للبلديات تقوم على وضع مياه الصرف الصحي في برك عبارة عن حفر ترطيب أو منطقة رطبة، قبل نقل المياه إلى مجرى النهر للتخفيف من التلوث حتى معدلات منخفضة جداً، وذلك في حال وجود شبكات صرف صحي قائمة، أما في عدم وجود تلك الشبكات، فيمنع تشييدها ما لا تنتهي إلى محطة تكرير، والاستعاضة عنها بحفر لتجميع مياه الصرف الصحي بشكل مؤقت». وقال: «هذا الحل المنطقي مضينا به حتى استكمال الاستراتيجية القائمة لحل مشكلة الأسباب المؤدية للتلوث».
صرف صحي ونفايات
لكن علوية، اصطدم بعدة مشكلات تعرقل المشروع، وهو ما دفعه للتأكيد بأن المشكلة «لن تعالج طالما أن التعديات مستمرة، والتي يجب إيقافها فوراً». وتتمثل التعديات في مكبات النفايات التي وضعتها القرى قرب حوض النهر أو قرب مجراه، وتعديات البلديات من خلال تحويل مجاري الصرف الصحي باتجاه مجرى النهر، ومياه الصرف الصناعي غير المعالج، وبناء المخالفات على حوض النهر وقرب مجراه، فضلاً عن الحفر العشوائي للآبار الارتوازية، تلك التي أدت لشح في مياه النهر ومنابعه.
والواقع أن المخالفات تصطدم بتعامل أقل صرامة من قبل الوزارات، أبرزها «قرار لوزير البيئة الأسبق محمد المشنوق قضى بمنح مهل إضافية، واكتفاء وزارة الصناعة بإرسال تنبيهات إلى المصانع المخالفة وليس إقفالها، بذريعة أن سلطة إقفالها عائدة إلى مجلس الوزراء وليس للوزارة وحدها»، كما قال علوية، في وقت تنتشر اتهامات للقوى الأمنية بـ«التقاعس» عن قمع مخالفات المصانع التي تلوث المياه، خلافاً لقمعها مخالفات المزارعين الذين يروون مزروعاتهم من المياه الملوثة.
وقال علوية: «بدأنا بإرسال الإنذارات القانونية عبر القضاء اللبناني، وقمنا بجهد كبير بالتعاون مع مفرزة زحلة في قوى الأمن لتثبيت مخالفات المصانع». وإذ دعا وزارة الصناعة «لممارسة صلاحياتها» لجهة إقفال المصانع المخالفة، دعا وزارة البيئة أيضاً «لتصحيح القرار الذي اتخذه الوزير الأسبق». وقال: «المطلوب يتمثل في جدول زمني من وزارات الصناعة والبيئة والطاقة ومجلس الإنماء والإعمار لوضع تصور لتسلسل المشاريع وكيفية إنفاقها» بهدف الإسراع في تنفيذ مشاريع إنقاذ الليطاني.
واللافت أن القانون لا يعطي مصلحة الليطاني القدرة على قمع المخالفات، وهو ما دفعها لاتباع الخطوات القانونية واتخاذ الإجراءات عبر القضاء اللبناني. وقال علوية: «لو كان القانون يسمح لي بإجراءات أكثر ضراوة، لاتخذتها. أنا ذاهب في مشروع إنقاذ نهر الليطاني حتى النهاية». وعن خطوات الضغط في المستقبل لدى انتهاء المهل التي تتذرع بها الوزارات في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، قال علوية: «أتواصل الآن مع الاتحاد العمالي العام لتنفيذ استراتيجية مشتركة لحماية الناس».



مصر تحذر من خطورة اتساع العمليات العسكرية بالمنطقة وتدعو لـ«التهدئة»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تحذر من خطورة اتساع العمليات العسكرية بالمنطقة وتدعو لـ«التهدئة»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

حذرت مصر من خطورة اتساع دائرة العمليات العسكرية، مما يضع أمن واستقرار المنطقة بأسرها أمام تحديات جسيمة، ودعت إلى تغليب مسارات التهدئة، والدبلوماسية، لمنع انجراف الإقليم نحو مواجهات أوسع.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين بالمملكة الأردنية أيمن الصفدي، ووزير خارجية البحرين عبد اللطيف بن راشد، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.

وبحسب بيان صادر عن الخارجية المصرية، الأربعاء، فإن الاتصالات «تأتي في إطار الجهود الحثيثة التي تبذلها مصر لخفض التصعيد، والدفع بالتهدئة في المنطقة مع الأطراف الإقليمية المختلفة».

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، إن الوزير أكد في اتصالاته على «ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وتغليب الحلول السياسية، والاحتكام للحوار، والدبلوماسية، لاحتواء الموقف المتصاعد، وعدم اتساع رقعة الصراع»، محذراً من خطورة اتساع دائرة العمليات العسكرية.

وطالب عبد العاطي بضرورة الدفع نحو تغليب مسارات التهدئة، والدبلوماسية، والحوار، للحيلولة دون انجراف الإقليم نحو مواجهات أوسع، مشدداً على إدانة «الاعتداءات على أمن وسيادة دول شقيقة وصديقة»، وعلى أنه لا يوجد أي مبرر أو ذريعة لهذه الاعتداءات.

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد حسن، إن هذه الاتصالات تأتي في سياق «مساعٍ حميدة» يبذلها عدد من دول المنطقة بشأن وقف التصعيد تمهيداً لوقف القتال، والعودة إلى المفاوضات، مشيراً إلى أن الاتصالات «لا ترقى إلى مستوى الوساطة بعد، لكن القلق من أن يتحول الصراع القائم إلى حرب إقليمية ممتدة يفسر تكثيف الاتصالات».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تخشى من تداعيات أكثر سلبية على إمدادات الطاقة، وتأثيراتها على دول المنطقة، إلى جانب التأثيرات السلبية على لبنان الذي شهد تصعيداً خلال الأيام الماضية؛ مشيراً إلى أن الاتصالات مع الجانب الإيراني يجب أن توازيها أيضاً اتصالات مماثلة مع الجانب الأميركي.

وبحسب بيان صادر عن الخارجية المصرية، فإن الاتصال الهاتفي بين عبد العاطي ونظيره الروسي لافروف يأتي في «إطار التشاور، والتنسيق المستمر بين البلدين إزاء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، والجهود الرامية إلى خفض التصعيد، والدفع نحو التهدئة».

وشدد الوزير المصري خلال الاتصال على ضرورة «العمل بشكل عاجل للحيلولة دون انزلاق الإقليم نحو مواجهات أوسع قد تنعكس تداعياتها السلبية على أمن واستقرار المنطقة بأسرها».

وكان مصدر مصري قد أكد في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» أن القاهرة لم توقف اتصالاتها بأطراف الأزمة العسكرية الحالية، والأطراف ذات الصلة القادرة على معالجة هذه الأزمة.

وأضاف المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن الاتصالات ما زالت جارية مع إيران رغم المعارك، وأن معظم الجهود المصرية تركز على فكرة الوصول إلى مائدة التفاوض، وإيقاف التصعيد، وعدم توجيه ضربات للدول العربية، باعتبار أن هذا الأمر ستكون له انعكاسات سلبية على مستقبل العلاقات بين الجانبين».


العراق: غارة جوية تستهدف معسكراً لـ«الحشد الشعبي» في قضاء الصويرة

أحد أفراد قوات الأمن العراقية يُشرف على برج دفاعي أثناء حراسته لجنازة أحد عناصر الحشد الشعبي العراقي في بغداد (أ.ف.ب)
أحد أفراد قوات الأمن العراقية يُشرف على برج دفاعي أثناء حراسته لجنازة أحد عناصر الحشد الشعبي العراقي في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق: غارة جوية تستهدف معسكراً لـ«الحشد الشعبي» في قضاء الصويرة

أحد أفراد قوات الأمن العراقية يُشرف على برج دفاعي أثناء حراسته لجنازة أحد عناصر الحشد الشعبي العراقي في بغداد (أ.ف.ب)
أحد أفراد قوات الأمن العراقية يُشرف على برج دفاعي أثناء حراسته لجنازة أحد عناصر الحشد الشعبي العراقي في بغداد (أ.ف.ب)

أفادت مصادر أمنية اليوم (الأربعاء) بوقوع غارة جوية كانت تستهدف معسكراً لقوات الحشد الشعبي العراقية في قضاء الصويرة على بعد 60 كيلومتراً جنوب بغداد، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وهيئة الحشد الشعبي هي تحالف فصائل تأسس في عام 2014 لمحاربة تنظيم «داعش»، قبل أن ينضوي رسمياً ضمن المؤسسة العسكرية العراقية، وبات يتبع للقوات المسلحة.

ويضم الحشد في صفوفه أيضاً ألوية تابعة لفصائل مقاتلة موالية لإيران. وتتحرك تلك الفصائل في شكل مستقل، وتنضوي أيضاً ضمن ما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، والتي استهدفت مراراً قوات أميركية في العراق والمنطقة.

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تبنَّت «المقاومة الإسلامية في العراق» تنفيذ هجمات بالمسيَّرات والصواريخ على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، من دون تحديد طبيعة أهدافها، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


تمديد ولاية المؤسسات الصومالية وتأجيل الانتخابات... انقسام جديد بلا أفق حل

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمديد ولاية المؤسسات الصومالية وتأجيل الانتخابات... انقسام جديد بلا أفق حل

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

أثارت تعديلات الدستور الصومالي، بعد اعتمادها رسمياً في الرابع من مارس (آذار)، خلافات سياسية بين الحكومة التي قالت إن ذلك يترتب عليه مد عمل مؤسسات البلاد عاماً ما يعني تأجيل انتخابات 2026، والمعارضة التي ترفض إقرار الدستور على هذا النحو.

ذلك المشهد الذي ترى المعارضة الصومالية أنه يحمل «نذر اضطرابات سياسية وأمنية بالبلاد» المثقلة بهجمات «حركة الشباب» المتشددة، يعتقد خبراء في الشأن الأفريقي أنه يقود لانقسام سياسي عميق بلا أفق حل في المدى القريب.

وحذر ائتلاف المعارضة الصومالية المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال»، الاثنين، من أي «محاولة لتمديد ولاية مؤسسات الحكومة الفيدرالية في ظل التعديلات الأخيرة التي أُدخلت على الدستور الفيدرالي وجعلت مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات».

وقال المجلس المعارض في بيان إن مدة ولاية البرلمان الفيدرالي، وفق الدستور المؤقت لعام 2012، تنتهي في 14 أبريل (نيسان) 2026 فيما تنتهي ولاية الرئيس حسن شيخ محمود في 15 مايو (أيار) من العام نفسه، مضيفاً أنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

ولفت إلى أن الصومال «سبق أن شهد تداعيات سلبية نتيجة محاولات تمديد الولاية»، مشيراً إلى الأزمة السياسية التي شهدتها البلاد عام 2021، عندما أدى مقترح لتمديد ولاية المؤسسات إلى مواجهات مسلحة بين فصائل من قوات الأمن في شوارع العاصمة مقديشو.

وأكد المجلس أن تلك التجربة تمثل تحذيراً واضحاً من العودة إلى مسار قد يقود إلى اضطرابات سياسية وأمنية جديدة في البلاد.

وكان رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، قد أعلن عقب إقرار الدستور قبل نحو أسبوع تمديد ولاية المؤسسات الدستورية لمدة عام بموجب الدستور الجديد المعتمد يوم الأربعاء الماضي.

وأوضح أن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه الرئيس، وينص على أن تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات بدلاً من أربع.

وقال الخبير في الشؤون الأفريقية ومدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، عبد الله أحمد إبراهيم، إنه رغم عدم صدور قرار رسمي من الرئاسة، فإن إعلان رئيس البرلمان تمديد فترة الرئاسة والبرلمان على حسب الدستور الذي تم إقراره يُعد تأكيداً رسمياً، معتقداً أن الخلافات الحالية ستثير «انقساماً وتباعداً أكبر بين الحكومة والمعارضة».

ويشير الخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، إلى أن الدستور الجديد يتضمن تعديلات جوهرية في بنية النظام السياسي في البلاد، مثل تعزيز صلاحيات الحكومة الفيدرالية المركزية على حساب بعض الصلاحيات التي كانت تتمتع بها الولايات الفيدرالية، وتقليص أو إلغاء بعض السلطات التي كانت بأيدي حكومات الولايات، إضافة إلى تمديد مدة الولاية الدستورية لكل من رئيس الجمهورية والبرلمان من أربع إلى خمس سنوات.

ونبه إلى أن «هذه التعديلات تمثل تحولاً مهماً في شكل العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، كما تعكس توجهاً نحو مركزية أكبر في إدارة الدولة، وهو ما يكشف سبب الخلافات».

وفي حال استمرار هذا الخلاف السياسي من دون التوصل إلى تسوية، فإن ذلك قد ينعكس سلباً على العملية السياسية في البلاد، ومن أبرز السيناريوهات المحتملة أن تجد حكومة الرئيس حسن شيخ محمود مبرراً لتمديد ولايتها، وهو ما تخشاه قوى المعارضة، بحسب كلني، الذي لم يستبعد احتمال انقسام المعارضة نفسها مع مرور الوقت نتيجة طول أمد الأزمة.

وعقب إقرار الدستور، خاطب الرئيس الصومالي السياسيين المعارضين الذين أعربوا عن مخاوفهم من آلية مراجعة الدستور، داعياً إياهم إلى احترام النتائج والحفاظ على الدستور الجديد، مؤكداً أن أي تعديلات مستقبلية ستتم من خلال الإجراءات الدستورية المعتمدة.

وشدد شيخ محمود على حل أي نزاعات سياسية مستقبلية وفقاً للأطر الدستورية، بدلاً من اللجوء إلى اتفاقات سياسية خارج الدستور، مؤكداً أن الدستور هو اتفاق اجتماعي يحدد صلاحيات السياسيين ويضع قواعد إدارة الدولة.

وفي ضوء تمسك الحكومة والمعارضة بموقفيهما، لا يرى إبراهيم، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا»، بوادر أي تحرك دبلوماسي أو مبادرة لحل المشكلة، خاصة أن المعارضة هددت بالاجتماع في غاروى عاصمة بونتلاند في 10 أبريل، وهو موعد انتهاء عمل المؤسسات، للمشاورة واحتمال إجراء انتخابات موازية وتشكيل حكومة موازية.

في حين يرى كلني أن الحل الأكثر واقعية للأزمة يتمثل في التزام الحكومة الحالية بإنهاء ولايتها الدستورية في مايو القادم، والعمل على تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات في موعدها المحدد دون تأجيل، وإرجاء تطبيق الدستور الجديد إلى عهد الحكومة القادمة التي ستنبثق عن الانتخابات.

ومن دون ذلك، فهناك احتمال حدوث اضطرابات أمنية وسياسية إذا تم اللجوء إلى التمديد أو استخدام القوة لقمع المعارضة، وفق تقديرات كلني.