الخميني... قائد سياسي أم مجرد «آية الله» آخر؟

معضلات سياسية ودينية أخرت صدور سيرته 40 عاماً

صورة أرشيفية للخميني متوسطاً أنصاره خلال إلقائه خطاباً في طهران (غيتي)
صورة أرشيفية للخميني متوسطاً أنصاره خلال إلقائه خطاباً في طهران (غيتي)
TT

الخميني... قائد سياسي أم مجرد «آية الله» آخر؟

صورة أرشيفية للخميني متوسطاً أنصاره خلال إلقائه خطاباً في طهران (غيتي)
صورة أرشيفية للخميني متوسطاً أنصاره خلال إلقائه خطاباً في طهران (غيتي)

للوهلة الأولى، ربما يبدو من المثير للدهشة أنه بعد 40 عاماً على صعود آية الله روح الله الخميني كعنصر رئيسي بالساحة السياسية الإيرانية، تظهر اليوم فقط سيرة ذاتية رسمية له بالأسواق طرحتها السلطات الرسمية في طهران.
ومع هذا، فإن دراسة هذا الكتاب الضخم تكشف أن هذا التأخير ربما جاء نتيجة عجز المؤسسة الحاكمة عن الوصول لإجماع بخصوص نمط الصورة التاريخية التي يتعين الترويج لها بالنسبة لرجل الدين المثير للجدل.
ومن شأن طرح الخميني باعتباره مجرد آية الله آخر، حتى وإن كان لقب «العظمى» مرتبطاً بلقبه، فإن هذا سيضعه في زمرة المئات من رجال الدين الآخرين الذين حملوا اللقب ذاته على امتداد الأعوام الـ200 الأخيرة، باعتبار أن مثل هذه الألقاب أصبحت رائجة في صفوف رجال الدين.
على الجانب الآخر، فإن طرح صورة الخميني باعتباره قائداً سياسياً، دور اضطلع به بالفعل خلال العقد الأخير من حياته الممتدة، سيقوض الادعاء السائد بين أتباعه بأنه كان شخصاً «مقدساً»، وبالتالي فوق السياسة.
وينطوي تصوير الخميني باعتباره قائداً للحكومة على معضلة مشابهة، خصوصاً أن العقد الذي تمتع خلاله بسلطة إعدامات جماعية وحرب مكلفة في مواجهة العراق وفساد ممنهج بدأ بمصادرة ما يقرب من ربع مليون شركة ومنزل خاص من قبل الملالي الثوريين وحلفائهم.
أما وعود الخميني للإيرانيين فسرعان ما انهارت على نحو يدحض أي ادعاء بنجاحه قائداً للحكومة. وكان الخميني قد أعلن ذات وقت أنه: «لن نجعلكم تزدهرون في حياتكم الدنيوية فحسب، وإنما كذلك الروحية. أنتم بحاجة للحياة الروحية، لكنهم جردونا منها. إننا لن نوفر لكم فقط خدمات مياه وكهرباء مجانية ونبني لكم منازل ونوفر مواصلات مجانية للطبقات المحتاجة، وإنما سنعمل كذلك على الارتقاء بكم كبشر».
بالنسبة للمؤلف الذي وضع هذه السيرة الذاتية، فقد اختار صورة مختلفة تتوافق على نحو أفضل مع الأسلوب الذي ينظر به أتباع الخميني إليه، أي باعتباره شخصية محورية داخل طائفة دينية جديدة، التي رغم أنها استوحت إلهامها من المذهب الشيعي فإنها تجاوزته في عدد من الجوانب المهمة.
يقسم المؤلف هدايت الله بهبودي الكتاب إلى ثمانية أقسام كبيرة و18 فصلاً.
يتناول القسم الأول سرداً تفصيلياً للخلفية الأسرية للخميني يسلط الضوء على جذوره المنتمية لمنطقة ريفية في إيران، حيث لم يطرأ تغيير يذكر على الأفكار السائدة هناك منذ تولي الأسرة الصفوية مقاليد الحكم بالبلاد في القرن الـ16.
وكشف بهبودي أنه منذ وقت مبكر أبدى الخميني الشاب رغبة حثيثة في فعل شيء مختلف. ولكونه رجل أفعال بطبيعته سيطرت عليه الرغبة في فعل شيء داخل منطقة ريفية تحمل اسم خميني، حيث لا يوجد شيء سوى نمط حياة ثابت يتكرر يومياً منذ قرون. في تلك الأيام، بل وربما على مدار حياته، وجد الخميني نفسه في مواجهة الملل والرتابة. وقد راودته الرغبة في أن ينجز أشياء، وأن يكون محور الأشياء من حوله. ومع هذا فإنه باعتباره رجل دين كان لزاماً عليه التحلي بالهدوء وقراءة الكتب ومحاولة إحصاء النعم والشكر عليها.
ويستحق المجهود الذي قدمه بهبودي في هذا الجزء من الكتاب الشكر، نظراً لعدم توافر سوى القليل من الأدلة الموثقة بشأن الحياة المبكرة للخميني.
ومع هذا، أخفق مؤلف هذه السيرة الذاتية في الإشارة إلى حدث بالغ الأهمية: صعود رضا شاه بهلوي إلى عرش البلاد، الملك الذي حاول تحديث إيران، وفي خضم ذلك خلق فرصاً غير مسبوقة أمام أسر مثل تلك التي ينتمي إليها الخميني كي تتطلع نحو حياة أفضل في المستقبل.
وفي هذا الإطار حظي الخميني الشاب بفرصة خوض دراسات دينية في البداية بمدينة آراك القريبة، وفي وقت لاحق بمدينة قم.
ويتناول الجزء الثاني من الكتاب ما يقرب من أربعة عقود من حياة الخميني كرجل دين، ودراسته، ثم تدريسه لاحقاً العلوم الدينية. وحرص المؤلف على المبادرة إلى تحديث موقف الخميني كرجل دين على نحو يتعارض مع حقائق مذكورة في عديد من الكتب والشهادات. الحقيقة أن الخميني لم يصل قط إلى رأس السلطة داخل الهيكل الشيعي التقليدي. ولم يكن الخميني قط سوى رجل من الدرجة الثانية.
أما القسم الثالث فيتناول مغامرات الخميني بعالمي الفلسفة والشعر دون نتائج إيجابية. واليوم ربما لم يتبق شيء من محاولات الخميني خوض مجال الفلسفة، وربما يكون ذلك نتيجة لرغبة ورثته في عدم فضح جهله بالفلسفة. بالنسبة للشعر، يبدو أن الخميني سعى للدخول في مواجهة مع شعراء كبار مثل مولوي وحافظ لكنه عاد بهزيمة مذلة. ولإدراكه أنه شاعر متوسط المستوى، حرص الخميني على إبقاء قصائده سراً في حياته. وبعد وفاته بدأ نشر أشعاره التي جاء مستواها مثيراً للحرج.
في القسم الرابع من الكتاب، نجد أن الخميني يتحول شيئاً فشيئاً إلى ناشط سياسي. فبمرور الوقت أصبح منبهراً بجماعة «فدائيي الإسلام» التي تعد بمثابة النسخة الشيعية من «الإخوان المسلمين»، وزعيمها صاحب الشخصية الكاريزمية محمد نواب صفوي. ونظراً لعشقه المستمر للأفعال، حظي الخميني ببعض اللحظات المثيرة في حياته الأولى بفضل «فدائيي الإسلام»، فقد وفر غطاءً من الفتوى لسلسلة من الاغتيالات السياسية مع إقدام أتباع نواب صفوي على اغتيال الكاتب أحمد كرسوي الذي كان معارضاً لرجال الدين ووزير التعليم أحمد زنغنه ووزير شؤون المحاكم عبد الحسين الزاهر وأخيراً رئيس الوزراء حاج علي رازم آرا.
ويتناول القسم الخامس ظهور الخميني كمنتقد بارز للشاه وقائد للمعارضة ضد عدد من الإصلاحات مثل توزيع الأراضي بين فقراء الفلاحين، ومنح حق التصويت للمرأة، وسيطرة الدولة على ممتلكات الأوقاف، وبالتالي حرمان الملالي من مصدر كبير للدخل.
ويرسم القسم السادس ملامح حياة الخميني في المنفى، في البداية بمنتجع بتركيا ثم في النجف بالعراق. والمؤسف أن بهبودي يكاد يكون قد تجاهل تماماً النشاطات السياسية المحمومة للخميني هناك، بما في ذلك عقد اجتماعات وتحالفات مع زعيم حزب «توده» الشيوعي، رضا رادمنش، والرئيس السابق للشرطة السرية في عهد الشاه الجنرال تيمور بختيار، ناهيك عن عدد من القيادات الفلسطينية بينهم ياسر عرفات.
ويتناول القسم السابع الأحداث التي أطلق عليها «الثورة الإسلامية». وقد استمرت الأحداث المحورية أربعة شهور فقط كان خلالها الخميني في المنفى بباريس. واتسمت هذه الفترة بثماني مظاهرات ضخمة وسلسلة من الإضرابات ضد الشاه بهدف إقناعه بالرحيل عن البلاد دون قتال.
أما القسم الأخير فيتناول ظهور الجماعة الموالية للخميني، التي تحولت على امتداد العقود الأربعة الماضية إلى ما يشبه طائفة دينية جديدة.
فقد نال الخميني لقب «الإمام»، وهو لقب يرى الشيعة أنه يقتصر على ابن عم النبي محمد وزوج ابنته، علي بن أبي طالب و11 من نسله. وتضم العطلات الرسمية في إيران 12 إجازة ترتبط بالخميني وإجراءات اتخذها، بينما يرتبط يومان فقط بعلي نفسه. كما غيرت الجمهورية الإسلامية المناهج الدراسية عما كانت عليه في عهد الشاه من خلال اقتطاع ساعة من الوقت المخصص لتدريس اللغة العربية والشريعة، وتخصيصها بدلاً من ذلك لدراسة أقوال وأفعال الخميني.
ويوجد ضريح خاص للخميني بني بتكلفة ضخمة وبتصميم مبهر. ويطرح حفيد الخميني، حسن، وهو رجل دين، نفسه باعتباره حارس الأضرحة «المقدسة» في مشهد وقم والنجف وكربلاء. ويجري تنظيم رحلات حج بانتظام إلى ضريح «الإمام» قرب طهران، غالباً على نفقة الحكومة. وظهرت صور الإمام الخميني على الكثير من الأشجار والتلال بمختلف أرجاء البلاد، بحيث يمكن رؤيتها من الطائرة. ويحرص كبار المسؤولين، بما في ذلك «المرشد الأعلى» الحالي علي خامنئي، على اقتباس مقولات للخميني باستمرار لتعزيز مواقفهم وحماية أنفسهم من النقد.
بوجه عام يعتبر كتاب بهبودي إضافة قيمة تفيد في فهم أسلوب تفكير النخبة الحاكمة الحالية داخل طهران، باعتبارهم أشبه بمذهب ديني جديد، وهم يبتعدون بمرور الوقت عن المفاهيم السياسية المتفق عليها على نطاق واسع. وبالتأكيد يبقى التعامل مع نخبة سياسية أسهل من التعامل مع طائفة دينية. وهنا تحديداً يكمن لب المشكلة المتعلقة بالتعامل مع الجمهورية الإسلامية في صورتها الراهنة.


مقالات ذات صلة

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً

إلهام بلحاج
كتب «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق

رشا أحمد ( القاهرة)
كتب «فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم،

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.