على نار هادئة ووسط أجواء مثيرة باستاد لوجنيكي قدم الفريق المذهل الذي تم صناعته على مدار السنوات أداء استثنائيا لكنه ودع كأس العالم بإحصائية مسيطرة هي الأفضل على الإطلاق لفريق خاسر في النهاية.
في النهاية جلس لاعبو اسبانيا في وسط الملعب والإرهاق واضح عليهم منتشرين بالطريقة ذاتها التي مرروا بها الكرة وتحركوا ومرروا الكرة بلا توقف مرة أخرى طيلة 120 دقيقة.
بغض النظر عن أن فريق واحد من بين روسيا وكولومبيا وكرواتيا والسويد وسويسرا وانجلترا سيكون في نهائي كأس العالم بعد نحو أسبوعين فلنق نظرة على الأداء البطولي الصلب لروسيا في المباراة وهو المنتخب الذي واصل التراجع للدفاع ومنح منافسه فرصة التقدم أكثر في المساحات التي ستخنقهم في النهاية.
بالقرب من نهاية المباراة يمكن ملاحظة أن لاعبي اسبانيا كأنهم جاؤوا إلى موسكو بثياب صيفية ممزقة ويتألمون.
الآن من المهم التفكير في اسبانيا في تركيب الفريق والأسلوب الذي بدأ يتهاوى ومع تحرك أصحاب القمصان الحمراء خلال الخطة الموضوعة وتبادل تمرير الكرة بدا الأمر كأنه رحلة إلى أعماق نهاية خطة الاستحواذ على الكرة.
ما الذي يمكن مقارنته بما حدث؟ هذه كانت الطريقة التي تجلب الشعور بالانتعاش والسقوط في النوم الهادئ بسبب دوار البحر الناتج عن دوران غرفة النوم بعد شرب الكحول المصنوع من الليمون.
وروسيا فريق متواضع لكنه يملك روحا والتزاما رائعين وأظهر الفريق الرغبة والروح وكان ذلك كافيا لسقوط الفريق الاسباني المليء بلاعبين يتبادلون تمرير الكرة بسلاسة ونعومة إلى نوع غريب من الظلام.
ولمس ايسكو الكرة 194 في المباراة وأكملت اسبانيا 1029 تمريرة على مدار 120 دقيقة وبنسبة استحواذ 74% لكنها سددت تسع مرات على المرمى.
وتحول الامر إلى عذاب من تكرار الأمر وفقدت اسبانيا أسلوبها المميز وسقطت في حلقة مرهقة لا نهاية لها باستاد لوجنيكي.
وقبل المباراة طالب ارتيم جيوبا بما وصفه "معجزة صغيرة" لكنه ربما لم يكن متسقا مع ذاته ففي الحقيقة كانت روسيا بحاجة إلى معجزة هائلة وبطريقة ما حققتها.
وكان الأمر قاسيا على اياجو اسباس الذي قدم مباراة جيدة أن يهدر ركلة الترجيح الحاسمة التي أنقذها ايجور اكينفييف ببراعة لكن كان هناك شعور لا مفر منه أن أحد أصحاب القمصان الحمراء سيعاني.
مع اقتراب نهاية الوقت الإضافي وكانت النتيجة التعادل 1-1 بفضل الهدف الذي سجله جيوبا من ركلة جزاء وصلت جماهير صاحبة الأرض إلى حالة من الانفعال السابق للاحتفال وكان التساؤل هل ستستطيع اسبانيا التعامل مع ركلات الترجيح بعد كل هذل التدليل للكرة والانطواء عليها؟ هل سيتذكرون كيف يسددون؟ هل سينسى اللاعبون الأمر ويحاولون التمرير إلى ايسكو؟
وأعاد فرناندو هييرو ترتيب تشكيلة فريقه الأساسية ولجأ إلى كوكي الأكثر قوة وماركو اسينسيو الأسرع بدلا من اندريس انيستا وتياجو الكانتارا وبدأت الأمور بشكل جيد وسقط ناتشو فرنانديز بعد تدخل وأرسل اسينسيو تمريرة عرضية من ركلة حرة حولها المدافع سيرجي ايجناشفيتش في مرماه.
لكن النتيجة النهائية لن توضح أن ايجناشفيتش اسقطه سيرجيو راموس على الأرض بطريقة غير شرعية لكن في النهاية مر الأمر.
وبعد ذلك بدأ التراجع قليلا وسط شعور بالاستمتاع بمشاهدة تعامل ايسكو مع الكرة وتمركز جسده والمرور من لاعب أو اثنين ثم التمريرات الرائعة القصيرة أو الطويلة.
لكن كان هناك وهم في كل ذلك بمرور الوقت فاللاعب الرائع يمكن أن يكون خادعا وساحرا ثم يتحول إلى مرهق ويدور في حلقة مفرغة. كرة القدم هذه مثل الجاز أنيقة ورائعة لكن بلا نهاية.
هل تشعر اسبانيا بالملل من أسلوبها؟ بحلول الدقيقة 70 كان الفريق الاسباني في منتصف ملعب روسيا يمرر الكرة إلى الخلف والأمام وبعرض الملعب ويأخذ وقته لكن لا يهدد روسيا وبدون محاولة تضييق الخناق أكثر.
المواجهة بين أسلوب يعتمد على الهجمات المرتدة وأسلوب يعتمد على الاستحواذ يمكن تشبيهه بمباراة ملاكمة متكافئة لكن هذه كانت مباراة سيئة بين أسلوبين غير بارعين لكن دائما من المثير أن ترى يوتوبيا كرة القدم تتحول إلى رذيلة.
وبالنسبة لاسبانيا فمدرسة كرويف-البرشلونية للاستحواذ على الكرة منحتها أعظم عصر في تاريخها وأعادت كتابة خطط كرة القدم بطرق عديدة لكن في هذا الفريق لا يوجد شابي العبقري الذي جعل هذا الأسلوب لا يقاوم.
والمنافسون أصبحوا أكثر حكمة وأقل تأثرا من الناحية الذهنية بالتراجع إلى الدفاع ومشاهدة لأسلوب الفريق الاخر.
في بعض الأحيان يتحول هذا الأسلوب من الاستحواذ على الكرة إلى عبء في حد ذاته وخانق وشاق ويحرمك من المساحات للهجوم.
هناك العديد من المواهب في هذا المنتخب الاسباني لكي يتعرضوا لهذه الصدمة من الخروج المبكر من دور الستة عشر لكن الأسلوب والثقافة اللتين كانتا ساحرتين ولا يمكن مقاومتهما في أحيان أخرى تشعر كأنها وصلت إلى نقطة النهاية.
