«المنقوشة»... من المائدة اللبنانية إلى شوارع العالم

يحتفل بيومها العالمي في 2 نوفمبر

«المنقوشة»... من المائدة اللبنانية إلى شوارع العالم
TT

«المنقوشة»... من المائدة اللبنانية إلى شوارع العالم

«المنقوشة»... من المائدة اللبنانية إلى شوارع العالم

تركيبتها بسيطة وطريقة صنعها سهلة، وهي تؤكل باردة وساخنة، كما تتصدر مائدة الفقراء والأغنياء لطعمها اللذيذ. إنها «المنقوشة» المعروفة في لبنان بوصفها من أشهر أصناف الفطور (الترويقة)، ويرتبط اسمها المشتق من كلمة «نقش» ارتباطا مباشرا بالصعتر والسمسم المخلوطين مع زيت الزيتون بحيث يتم مدّ هذا المزيج على عجينة رقيقة تخبز في الفرن فتتصاعد منها رائحة ذكية يسيل لها اللعاب.
«فالمنقوشة» هذه رافقت اللبنانيين عبر التاريخ، فكانت تتنافس مع «المشطاح»، (عجينة مستطيلة «ملوتة» بزيت الزيتون)، ورغيف المرقوق (خبز القرية اللبنانية) المخبوز على الصاج، وكذلك مع «طلمية التنور»، (تخبز في فرن عميق يعرف بالتنور). وجميعها ترتكز صناعتها على العجين ومعروفة بشكل أكبر في المناطق الريفية من لبنان. فلطالما شكل الصعتر مكونا أساسيا لأهالي القرى يصنعون منه الأقراص (أقراص الصعتر المقرمشة) ويخلطونه أحيانا مع اللبنة لإضفاء بعض التغيير على طعمه بعد خلطه مع السمسم وزيت الزيتون. وفيما كان الأقدمون يتحلقون حول جلسة خبز يكون نجمها «الصاج» على الحطب ليتناولوا هذه الأصناف من الفطور المغذي، فإن اللبنانيين اليوم يقفون في صفوف طويلة أمام الأفران والمخابز للحصول على منقوشة الصعتر التي ما زالت تتصدر لائحة أطباق الفطور في لبنان على طريقة «الدليفيري» وحتى على مائدة تتزين بالخضراوات (نعناع وبندورة وخيار) يرافقها كوب شاي ساخن في الشتاء وآخر من العصير أو «لبن عيران» بارد في الصيف.
- تطور المنقوشة مع الزمن
لحقت المنقوشة في لبنان تطورات كثيرة؛ فبعدما كانت أنواعها محصورة بالصعتر، فإنها اليوم تشهد لائحة طويلة من المكونات التي تدخلها تحت اسمها المشهور هذا. وبذلك لم تعد «منقوشة الصعتر» وحدها تتصدرها؛ إذ أضيفت إليها أنواع مناقيش أخرى: «منقوشة الكشك» و«منقوشة الجبن» (من أنواع العكاوي والبلغاري والحلوم والقشقوان) و«منقوشة القاورما مع البيض» و«منقوشة الصعتر مع البصل والسماق» و«منقوشة لبنة وصعتر» و«لحم بعجين» و«منقوشة الكفتا» مع الفلفل الحار... وغيرها. كما عمد البعض إلى تطوير طعمها الحلو الذي كان يقتصر في الماضي على رش العجينة بالسكر ليصبح اليوم شبيها بأنواع «الكريب» مع إدخال الشوكولاته (نوتيلا) وتلك المحشوة بالحلاوة والموز.
- «حنين المنقوشة»... يصيب المغتربين اللبنانيين وكل من يتذوقها
ترمز «المنقوشة» إلى بلاد الشام بشكل عام وإلى لبنان بشكل خاص. فمكوناتها ورائحتها الشهية راسخة ومحفورة في قلوب اللبنانيين، كأنها جزء لا يتجزأ من تراثهم المطبخي. ولذلك عادة ما يعاني المغتربون اللبنانيون المنتشرون بمختلف أقسام الكرة الأرضية من «حنين المنقوشة»، فيستذكرونها كلما رغبوا في التحدث عن بلادهم والتعريف بها. ويطلبونها بالاسم من زائر يقصدهم أو ضيف يحل عليهم في بلاد الاغتراب آتيا من بلاد الأرز، فيكون الجواب مقتضبا ويختصر بكلمة واحدة عندما يسأل عن الهدية التي يرغب في أن يحملها له معه، وهو «منقوشة». ويقصدون فرن الحي الذي يسكنون فيه ليتناولوا منقوشة من أيادي «أبو ساكو» أو «أم نجيب»، فهي بمثابة أول نزهة يقومون بها عندما يصلون أرض الوطن. وهذا الأمر يشمل أيضا السياح الأجانب؛ إذ يبقى طعم المنقوشة منقوشا في ذاكرتهم إلى حين قيامهم بزيارة أخرى إلى لبنان.
وإذا ما صدف واستمعت إلى مغترب لبناني يتحدث عن «منقوشة الصعتر» التي كان يشتريها من حي يسكنه فسيخيل إليك ولبرهة أنه يلقي عليك قصيدة شعر مكسورة الأبيات غنية بعبارات «رائحتها تشق القلب» و«طعمها يقتل» و«ملمسها غير»، وذلك في مقارنتها بطعم المنقوشة التي يتناولها في أحد المطاعم العربية في بلاد الغربة.
- «المنقوشة» يحتفل بها وذاع صيتها ليصل إلى أميركا
يحتفل في لبنان بـ«اليوم العالمي للمنقوشة» في 2 نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام، وقد استحدثت هذه المناسبة في عام 2017 من قبل مطعم «زعتر وزيت» في لبنان الشهير بوصفات المنقوشة المختلفة.
كما ذاع صيت «المنقوشة» في العالم ليصل إلى أستراليا والمكسيك ودبي وتركيا وفرنسا. ووصلت شهرتها إلى أميركا من خلال مطعم «منقوشة» في منطقة نوليتا بمدينة نيويورك لصاحبه اللبناني زياد هرمز، فشكل العلامة الفارقة لهذا الفطور فيها. وكان هرمز قد قطع عهدا على نفسه بأن يضع حدا لحنين المنقوشة الذي يعاني منه منذ هجرته إلى أميركا، فعاد أدراجه إلى لبنان ليتعلم أصول صناعتها وكيفية تحضيرها من أربابها، وحمل معه إلى أميركا دروسه هذه؛ إضافة إلى مكوناتها الأساسية من بلده الأم ليعطيها فرصة «النجومية» المطلقة في أميركا. ويقول معلقا: «كنت أعيش في لبنان قبل أن أنتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث عشت 10 سنوات، خلالها لم يمر يوم من دون أن أشعر بحنين إلى المنقوشة، ولم أتمكن من العثور على واحدة هناك. وفي خضم بحثي وسؤالي لكل من حولي، أدركت أنهم لا يعرفون عما أتكلم، فكان الأمر صادماً بالنسبة إلي. فقررت ابتكار مكان ليشعر فيه الناس الذين يفتقدون لبنان بأنهم ما زالوا هناك، ولمن لم يسمع به قبلا ليتمكن من التعرف إليه من خلال (المنقوشة)».
- مطاعم «المنقوشة» في لبنان... حدّث ولا حرج
قد يكون عدد مطاعم المناقيش هو الأكبر من نوعه في لبنان؛ فبين فرن وآخر يصنعها في أحد الأحياء، هناك ثالث يخبزها ويقدمها إلى زبائنه ساخنة وطازجة في شارع وطريق آخرين. وتطول أسماء الأفران والمطاعم التي تقدمها لتشمل «أرخص منقوشة» و«أطيب منقوشة» و«منقوشة عالنت» (تطلب عبر وسائل الاتصال الاجتماعي) و«بس منقوشة» و«عالصاج»... وغيرها من الأسماء التابعة لمطاعم اشتهرت بتقديمها بطرق حديثة وأخرى تقليدية مثل «الفلمنكي» و«زعتر وزيت» و«السنيور»... وغيرها. وعادة ما يتراوح سعرها بين ألف ليرة لمنقوشة الصعتر، وما فوق 1500 و3 آلاف ليرة لمنقوشة إكسترا (ملفوفة مع الخضراوات والزيتون) أو لأخرى ذات مكونات مغايرة.
- وصفة «المنقوشة»
ولتحضير منقوشة الصعتر في البيت ما على ربة المنزل إلا أن تحضر عجينة عادية، ومن ثم تقطعها إلى أرغفة صغيرة ترققها بواسطة الشوبك (لا يتجاوز قطرها 25 سنتيمترا) لتمد عليها خليط الصعتر مع السمسم وزيت الزيتون (نصف كوب من الصعتر المخلوط مع السمسم المحمص ومع كوب من زيت زيتون) وذلك حسب الرغبة (بكمية قليلة أو كبيرة). وليتم وضعها فيما بعد في الفرن لمدة لا تتجاوز 12 دقيقة على نار قوية وتقدم ساخنة مع طبق من الخضراوات الطازجة. وبالإمكان استبدال أي مكونات أخرى ترغب فيها بالصعتر؛ كشك مع البصل والبندورة، أو مع شرائح الجبن على أنواعه، وكذلك مع اللحم المفروم والبصل والبندورة والفلفل الأخضر الحلو، مما يكفي لتأليف مائدة فطور لبنانية بامتياز.


مقالات ذات صلة

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

صحتك المعكرونة طبق مشبع... ما يعني أنها قد تساعد على كبح الشهية لفترة أطول (بيكسلز)

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

لطالما ارتبطت المعكرونة في أذهان كثيرين بالأطعمة الغنية بالكربوهيدرات التي يُنصح بتقليلها، خصوصاً عند محاولة إنقاص الوزن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)

السعودية: الأطباق العصرية تنافس الوجبات التقليدية في صباح الأضحى

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد موائد الإفطار في الأعياد مقتصرة على الأطباق الشعبية المتوارثة، بل دخلت إليها خيارات حديثة تُقدَّم بأساليب مبتكرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق أطعمة بسيطة توقظ الحنين وتمنح شعوراً بالأمان (بكسلز)

طعام المواساة و«الطبطبة»... مأكولات تمنح الراحة للنفس والجسد

قد يكون ببساطةِ طبق من المعكرونة باللبن أو صحنٍ من الحساء أو ساندويتش بطاطا مقلية مع المايونيز والمخلّل، ذاك الطعامُ الذي يمنحُك شعوراً بالطمأنينة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)

العلا ضمن دليل «ميشلان» السعودية لعام 2026

هابيتاس العلا (الشرق الأوسط)
هابيتاس العلا (الشرق الأوسط)
TT

العلا ضمن دليل «ميشلان» السعودية لعام 2026

هابيتاس العلا (الشرق الأوسط)
هابيتاس العلا (الشرق الأوسط)

تواصل العلا توسيع حضورها في قطاعي الضيافة والمطاعم، مع إدراج عشرة فنادق ومطاعم في نسخة 2026 من دليل «ميشلان» للمملكة العربية السعودية. وشملت القائمة ثلاثة فنادق حصلت على «مفتاح ميشلان»، إلى جانب مطاعم حازت تصنيف «بيب غورماند» وأخرى اختيرت مجدداً ضمن الدليل، فيما سجَّل مطعم «ساموير» حضوره للمرة الأولى.

تاما في هابيتاس (الشرق الأوسط)

فحصل فندق «دار طنطورة ذا هاوس» على مفتاح ميشلان واحد، ويقع في بلدة العلا القديمة ضمن مجموعة من المنازل الطينية التاريخية التي خضعت للترميم، فيما حصل «شيدي الحِجر» على مفتاح ميشلان واحد أيضاً. ويقع الفندق داخل موقع الحِجر، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونيسكو، ويضم مباني تاريخية وأسواراً للحصن ومحطة سكة حديد العلا السابقة.

واحتفظ «بانيان تري العلا» بمفتاح ميشلان واحد لعام 2026. ويقع المنتجع في وادي عشار بين التكوينات الصخرية الرملية، ويعتمد في تصميمه على وحدات إقامة متناغمة مع البيئة المحيطة.

جونتوس في دار طنطورة (الشرق الأوسط)

وتضم قائمة الفنادق كذلك «أور هابيتاس العلا»، الذي يركز على تجارب العافية والإقامة في البيئة الصحراوية، و«كرافان من هابيتاس العلا»، الذي يقدم وحدات إقامة في الهواء الطلق مستوحاة من أجواء الرحلات والمغامرات الصحراوية.

وعلى مستوى المطاعم، أدرج دليل ميشلان «طوفريه» ضمن تصنيف «بيب غورماند»، وهو تصنيف يمنحه الدليل للمطاعم التي تقدم وجبات ذات جودة جيدة وبأسعار مناسبة نسبياً. ويقع المطعم في منزل تقليدي ببلدة العلا القديمة، ويقدم أطباقاً تعتمد على مكونات محلية، من بينها برتقال العلا والتمور المنتجة في واحة العلا.

إحدى الغرف في دار طنطورة (الشرق الأوسط)

كما احتفظ «خونتوس»، الواقع في فندق دار طنطورة ذا هاوس، بتصنيف «بيب غورماند». ويقدم المطعم أطباقاً مستوحاة من المطبخ السعودي التقليدي ضمن معالجة معاصرة.

وانضم «ساموير» إلى دليل «ميشلان» للمرة الأولى في عام 2026. ويقع المطعم في واحة العلا، ويقدم أطباقاً من مطابخ الشرق الأوسط بلمسات معاصرة، في موقع تحيط به بساتين النخيل.

إحدى غرف جونتوس (الشرق الأوسط)

وتشمل قائمة المطاعم المختارة مجدداً كلاً من «حرّة» في بانيان تري العلا، الذي يقدم أطباقاً مستوحاة من مطابخ عربية مختلفة، و«تاما» في «أور هابيتاس العلا»، الذي يعتمد على مكونات محلية وقوائم موسمية ونهج «من المزرعة إلى المائدة».

دار طنطورة في العلا (الشرق الأوسط)

وبذلك تضم قائمة دليل ميشلان السعودية لعام 2026 عشرة فنادق ومطاعم في العلا، تشمل الفنادق الحاصلة على مفاتيح ميشلان، والمطاعم المصنفة ضمن «بيب غورماند»، إضافة إلى مطاعم جرى اختيارها مجدداً ومطعمٍ انضم إلى الدليل للمرة الأولى.

ويأتي إدراج هذه المنشآت ضمن نسخة 2026 من دليل «ميشلان» في وقت تشهد فيه العلا توسعاً في قطاع الضيافة والمطاعم، بالتزامن مع تطوير وجهتها السياحية واستقبالها مزيداً من الفنادق والمطاعم التي تستهدف الزوار المحليين والدوليين.


نهضة البيتزا في روما

نهضة البيتزا في روما
TT

نهضة البيتزا في روما

نهضة البيتزا في روما

كانت مستطيلات بيتزا «أل تاليو» المعروضة خلف منصة التقديم في مطعم «فرومنتاريو» الصغير للغاية، في حي «سان جيوفاني» الصاخب بمدينة روما، أشبه بلوحات فنية رائعة؛ إذ غُطيت إحداها ببيض مخفوق بلطف يتوهج بلون الزعفران تحت ندف من الكراث الأندلسي، بينما زُينت أخرى بأعشاب برية رفيعة تُعرف باسم «أغريتي» تتشابك فوق أشرطة وردية من شرائح اللحم المقدد. أما الثالثة فكانت فسيفساء من الألوان الترابية: فطر «كاردونشيلي» متناثر عبر قشرة ذهبية وتتخلله شظايا ياقوتية من طماطم «كونفي» المطهوة ببطء.

بيتزا بالخضار والنكهات المختلفة (نيويورك تايمز)

وعقب ذلك، أضفى صانع البيتزا الشاب أليساندرو سانتيلي لمسة أخيرة ساحرة على كل طلب؛ حيث وضع مربى البصل و«غوانشالي» (اللحم المقدد) فوق البيض، ورش صوص «الديمي غلاس» فوق لوحة من الخرشوف المقلي ولحم البقر مع جبن «ريكوتا» المصنوع من حليب الغنم. ويشير اسم «فرومنتاريو» إلى قوانين الحبوب التي كانت روما القديمة تزود الجماهير من خلالها. وقال سانتيلي، الذي يقدم عادة نحو 20 نوعاً من الإضافات يومياً (بدءاً من 3 يورو، أي حوالي 3.50 دولار للقطعة الواحدة): «أردت تقديم شيء إبداعي، ولكن بأسعار شعبية تناسب الجميع».

الجبن من أهم المكونات التي ترافق البيتزا (نيويورك تايمز)

ولسنوات طويلة، هيمنت البيتزا النابولية المستديرة ذات الحواف المنتفخة على المشهد العام للبيتزا الإيطالية. غير أن روما باتت اليوم تسحب البساط من تحت أقدامها عبر إعادة إحياء وتطوير تقاليدها الخاصة، بدءاً من بيتزا «أل تاليو» المحلية، التي تعني حرفياً «البيتزا بالقطعة»، وهي تلك الألواح المستطيلة الطويلة أو البيضاوية التي تُقطع حسب الطلب وتُباع بالوزن.

نكهات لذيذة ومختلفة (نيويورك تايمز)

يقول بييرلويجي روشولي، وهو الخباز من الجيل الثالث القائم على مخبز «أنتيكو فورنو روشولي» وأحد أفراد العائلة التي قدمت لنا مطعم «سالوميريا روشولي» الشهير، إن بيتزا «رومانا» نشأت في مخابز الخبز كوجبة خفيفة متواضعة، تُقدم إما بيضاء (سادة) أو حمراء بصلصة الطماطم. وأضاف أنه في ستينات وسبعينات القرن الماضي، جلب المهاجرون من إقليم أبروتسو بيتزا «إين تيليا» (البيتزا المطهوة في صينية حديدية) إلى العاصمة الإيطالية، ليتحد المساران معاً. وواصل روشولي مسيرته ليحول البيتزا البيضاء إلى أكثر أنواع البيتزا رغبة في روما، وذلك بفضل فترات التخمير الطويلة للعجين والاهتمام الفائق بالتفاصيل. وفي عام 2003، أطلق صانع البيتزا النجم غابرييل بونتشي حركته الخاصة الجديدة عندما افتتح مطعم «بيتزاريوم» بقشرة سميكة من العجينة المخمرة مع إضافات مثل البطاطس المنكهة بالفانيليا.

بيتزا بنكهات مختلفة (نيويورك تايمز)

والآن، يعمل جيل «بيتزا روما 3.0» على إحداث ثورة في هذا المجال. وبناءً على ذلك، واستسلاماً لشغف النشويات اللذيذة خلال إقامتي الأخيرة في روما، انطلقتُ في رحلة لاستكشاف أكثر تطورات البيتزا إثارة في المدينة.

وقالت سارة بوناميني، الشريكة المؤسسة لمخبز «توليباني» والمحررة السابقة لدليل «بيتزيري ديتاليا» الصادر عن مؤسسة «غامبيرو روسو»: «اليوم، لا تقتصر أفضل بيتزا (أل تاليـو) في روما على مجرد العرض الجذاب خلف منصة التقديم؛ وإنما تتعلق بأخذ شيء بسيط وإعداده بعناية فائقة، بحيث تحمل كل قطعة قصتها وتراثها الخاص».

البيتزا في روما تضاهي بيتزا نابولي (نيويورك تايمز)

وكان يمكن لسارة بوناميني أن تصف عمل فرانشيسكو أرنيسانو في مطعم «ليفياتو»؛ إذ أبلغني الخباز وصانع البيتزا البالغ من العمر 31 عاماً، الذي يملك متجرين في حي «إي أور»، أن بيتزا «أل تاليو» العظيمة تتمحور حول استخلاص أقصى درجات التعبير والنكهة من مجرد مكونات مميزة قليلة.

وقد استوعبتُ هذه الحكمة وأنا أتذوق مستطيلاته من البيتزا المغطاة بكريات اللحم المطهوة ببطء في النبيذ الأبيض مع البازلاء الموسمية الخضراء، تليها بطاطا إقليم لاتسيو الهشة المطهوة ببطء في الزبدة، ثم البيتزا البيضاء المحشوة بلحم «فايسونا» المشوي محلي الصنع، مع مخلل «جياردينيرا» والمايونيز بنكهة الحمضيات (بدءاً من 3 يورو للقطعة الواحدة).

مقاهي صغيرة لبيع قطع البيتزا في روما (نيويورك تايمز)

ما هو السر وراء عجينة البيتزا شديدة التعقيد لديه؟ إنه مزيج من أنواع الدقيق التي يطحنها خبير الحبوب الصقلي فيليبو دراغو. وأوضح أرنيسانو بهدوء وأسلوب أكاديمي رصين: «هناك القمح اللين للحصول على القوام الهيكلي، والقمح الصلب للحصول على القرمشة، وحبوب القمح الكاملة مع بعض الشلجم للحصول على النكهة والرائحة». وأضاف أن القمح اللين الذي ينتجه دراغو يأتي من «سلالة متطورة»؛ وهو مزيج متنوع جينياً من أصناف تُزرع معاً لتتكيف النباتات طبيعياً مع الظروف المحلية.

بالنسبة لأولئك الذين لا يرغبون في قطع رحلات طويلة إلى الأحياء والضواحي البعيدة، فإن اثنين من أكثر العناوين إثارة في المدينة يقعان حول منطقة «سيركو ماسيمو». وخلال موجة حر شهدها شهر يونيو (حزيران)، كان الموقع الأثري شديد الحرارة بحيث يصعب التجول فيه؛ وبدلاً من ذلك، جلستُ مع رفيقي على مقاعد مظللة خارج مطعم «روفر تيليا فرازيوناتـا» الصغير، تحت لافتة حمراء وبيضاء كُتب عليها: «دراما أقل، بيتزا أكثر».

بيتزا بجبن البارميزان (نيويورك تايمز)

وكان أليساندرو روفر، وهو تلميذ بونتشي السابق، قد افتتح هذا المكان عام 2023 وهو في التاسعة والعشرين من عمره، وسرعان ما جذب الانتباه بإضافاته المبتكرة الشهيرة، مثل رافيولي الريكوتا والسبانخ المُعاد ابتكاره كبيتزا، ولحم «الراغوفر» الذي يتضمن «راغو» غنياً بالنكهة من لحم بقر «التشيانينا» المشوي لساعات طويلة.

مستطيلات البيتزا بنكهات مختلفة (نيويورك تايمز)

وإلهاماً من زياراته الأخيرة إلى إسطنبول، ابتكر روفر بيتزا كباب «أضنة»؛ وقد ذُهلتُ وأنا أتذوق لحم الضأن والبقر المُنكه بالكمون والمتناثر فوق الباذنجان المشوي وفلفل «فريجيتيلي» الأخضر تحت قطرات من لبن «كيفير» الحامضي المصنوع من حليب الغنم. فهل كان هذا أروع مزيج يتجاوز الثقافات يطرأ على البيتزا على الإطلاق؟ أم كانت تلك الرؤية المبتكرة لشطيرة «كروك مدام» مع اللحم المقدد، والبيض العضوي، والذوبان الفاخر والمغري لجبن «كونتيه» المعتق لمدة 30 شهراً (بدءاً من 2.5 يورو للقطعة الواحدة)؟

البيتزا تباع بالقطعة في روما (نيويورك تايمز)

على الجانب الآخر من «سيركو ماسيمو»، يُعد مطعم «فراتيللي تريكا» أحدث مشاريع الأخوين مانويل ونيكولو تريكاستيلي، اللذين يمتلكان قاعدة جماهيرية عريضة بفضل مطعميهما «بانتير بيتزا روستيكا» وطاولة «تريكا روما» في حي «أوستينسي». وقد حل مطعم بيتزا الأخوين الجديدة، بطاولاتها الرخامية وتذكارات نادي «أي إس روما» لكرة القدم، محل بار «سيركوليتو» للأنبذة الطبيعية المملوك لهما. نعم، ذلك المكان الذي ذاب فيه النجم ستانلي توتشي شغفاً بشطيرة «بانينو» اللسان المدخن و«الباسترامي». ولا يزال بإمكانك طلبها هنا، حيث تُقدم مطوية داخل بيتزا بيضاء دافئة، لتمنحك قضمة غنية ولذيذة ومفعمة بالنكهات.

خدمة «نيويورك تايمز»


الحمضيات تعيد رسم مذاق الأطباق

تارت عنب الثعلب ببشر الليمون من شيف ميدو "الشرق الأوسط"
تارت عنب الثعلب ببشر الليمون من شيف ميدو "الشرق الأوسط"
TT

الحمضيات تعيد رسم مذاق الأطباق

تارت عنب الثعلب ببشر الليمون من شيف ميدو "الشرق الأوسط"
تارت عنب الثعلب ببشر الليمون من شيف ميدو "الشرق الأوسط"

قد تكفي قطرات قليلة من عصير الليمون، أو قدر من بشر البرتقال، أو شرائح من اليوسفي المحمص لتغيير ملامح ومذاق طبق كامل.

فالحمضيات تأتي إلى المطبخ لتعيد ترتيب النكهات، وتمنح الأطباق قدراً من الانتعاش والتوازن المطلوبين في كل المواسم.

فليست الحمضيات مجرد إضافة جانبية إلى الطعام، لكنها تمنحه أيضاً، حسب خبراء الطهي، توازناً بين الحلاوة والملوحة والحموضة، فضلاً عن رائحة أكثر حضوراً.

الحمضيات ذات القشرة الرقيقة تحقق أفضل النتائج عند التحميص

ومع تنوع أصنافها من الليمون والليمون الأخضر والبرتقال والجريب فروت إلى الأنواع الأقل شيوعاً في المطبخ المصري مثل اليوزو والكمكوات، أصبحت الحمضيات مكوناً مرناً يمكن أن ينتقل بسهولة بين الأطباق الرئيسية والسلطات والمخبوزات والحلويات.

وهي، حسب الشيف المصري سيد إمام، من أكثر المكونات قدرة على إضفاء الحيوية على الطعام. يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الحمضيات متعددة الاستخدامات، وتضفي نكهة مميزة على أي طبق؛ فهذا المكون ذو المذاق اللاذع والحلو في الوقت نفسه يصلح للأطباق الجانبية والرئيسية والحلويات».

ويرى أن الحموضة واحدة من الأدوات الأساسية التي يمكن للطاهي الاعتماد عليها لضبط مذاق الطبق، موضحاً: «إضافة الحموضة إلى طعامك، سواء بالليمون أو الليمون الأخضر أو الجريب فروت أو البرتقال أو أي نوع آخر من الحمضيات، هي طريقك لإضفاء الحيوية على أي طبق».

تحميص الحمضيات يضفي نكهة كراميلية رائعة

وتأتي الحمضيات في هذا السياق بوصفها بديلاً لطيفاً للخل في كثير من الصلصات والتتبيلات؛ فعصير الليمون، على سبيل المثال، يمكن أن يحل محل جزء من الخل في تتبيلة السلطة، فيمنحها حموضة أكثر انتعاشاً، في حين أن عصير الحمضيات يساعد في إبراز النكهات الأخرى بدلاً من طغيانها عليها.

ويضيف إمام أن «رشة من الحمضيات تجعل تتبيلات السلطة أكثر انتعاشاً، والأسماك أكثر طراوة، والمخبوزات أخف، مع نكهة لاذعة لذيذة توازن أي شيء حلو أو مالح».

ومن هنا يمكن استخدام الحمضيات بطرق تتجاوز عصر الثمرة؛ فالقشر نفسه يحمل زيوتاً عطرية مركزة، ويستطيع بشر القليل منه فوق طبق جاهز أن يضيف طبقة من الرائحة والنكهة من دون زيادة واضحة في الحموضة.

اختيار مثالي مع الخضروات

ويمكن استخدام بشر الليمون أو الليمون الأخضر أو البرتقال مع السلطات، والصلصات، وعجائن المعجنات والحلويات، خصوصاً عندما تكون الوصفة شديدة الحلاوة وتحتاج إلى ما يكسر حدتها.

وفي المطبخ الآسيوي، حسب الشيف المصري، تظهر الحمضيات في صور أكثر تنوعاً، ومن بينها «يوزو كوشو»، وهو معجون ياباني تقليدي يجمع اليوزو والفلفل الحار والملح، ويخضع لتخمير غذائي، مشيراً إلى أن اليوزو هو أحد أنواع الحمضيات اليابانية ذات الرائحة القوية والنكهة العطرية الحامضة، التي تجمع في مذاقها ملامح من الليمون واليوسفي والجريب فروت، ويستخدم في الصلصات والتتبيلات والحلويات، كما يمنح الأطباق لمسة حمضية مختلفة عن الليمون التقليدي.

ويقترح إمام كذلك سلطة الحمضيات بوصفها طريقة بسيطة لإظهار الفاكهة في صورتها الطبيعية، من خلال الجمع بين شرائح متنوعة من الحمضيات والفول السوداني والبصل الأحمر وخيوط الزعفران وخلاصة اللوز وزيت الزيتون.

الشيف ميدو (الشرق الأوسط)

وفي مثل هذه التركيبات تصبح الحموضة نقطة التقاء بين مكونات متباينة في الطعم والقوام، ولا تتوقف استخدامات القشر عند البشر أو التزيين؛ إذ يمكن تحويله إلى عنصر أساسي في بعض الصلصات.

ومن الأفكار التي يطرحها إمام معجون يجمع قشر الحمضيات وعصيرها مع الثوم المفروم وزيت الزيتون والتوابل والفلفل الحار، ليصبح خليطاً مركزاً يمكن استخدامه مع اللحوم أو الدجاج أو الخضراوات.

أما في الأطباق النباتية والسلطات، فتفتح الحمضيات مجالاً واسعاً للجمع بين النكهات، ومن بين الأفكار التي يمكن إعدادها حمص محمص بالسمسم والبرتقال والزنجبيل، أو سلطة من الأفوكادو والفراولة والبرتقال مع صلصة حمضية ببذور الخشخاش.

ويتابع: «يحتل البرتقال مكانة خاصة في تتبيل اللحوم؛ فعلى خلاف الاعتقاد الشائع بأن الليمون وحده هو الأنسب لهذه المهمة، يمكن لعصير البرتقال أن يؤدي دوراً مهماً في التتبيل».

قد تغير ملامح ومذاق طبق كامل

ويعزو الشيف ذلك إلى أن البرتقال يمنح اللحم حموضة خفيفة، ويساعد على جعله أكثر طراوة وعصارة، خصوصاً عندما يتكامل مع التوابل والزيوت والأعشاب.

أما الليمون فيظل واحداً من أكثر الحمضيات حضوراً في المطبخ اليومي، ويمكن استخدام شرائح رقيقة منه مع الأسماك البيضاء مثل القاروص أثناء الطهي، ثم إضافة القليل من العصير الطازج بعد نضج السمك للحفاظ على نكهته وانتعاشه.

كما يدخل عصيره في صلصات الخل، فيما يمكن استخدام بشره في عجائن المعجنات والحلويات لتخفيف الإحساس بالحلاوة وإضافة رائحة حمضية واضحة.

ويؤكد إمام أن توقيت إضافة الليمون مهم أيضاً؛ فإضافته إلى بعض الأطعمة في وقت مبكر جداً قد يؤثر على لونها أو يمنحها مرارة خفيفة مع طول فترة تعرضها للحموضة.

لذلك يكون من الأفضل في كثير من الوصفات إضافة العصير في المراحل الأخيرة، أو بعد اكتمال الطهي، بحسب طبيعة الطبق.

ولا يتوقف التعامل مع الحمضيات عند استخدامها طازجة؛ فالنار نفسها يمكن أن تكشف عن وجه آخر لنكهتها، وهنا يقترح الشيف المصري أحمد نبيل تحميصها.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «تعريض شرائح اليوسفي أو البرتقال أو الليمون لحرارة مرتفعة يركز العصارة ويمنح اللب مذاقاً أقرب إلى المربى، بينما تضيف القشرة قدراً من المرارة المحببة؛ لتتشكل في النهاية نكهة تجمع بين الحلاوة والحموضة والعمق».

ويرى نبيل أن «تحميص الحمضيات يضفي نكهة كراميلية رائعة، مع عمق من الحلاوة والحموضة المحمصة»، مشيراً إلى أن الحرارة العالية تجعل الشرائح أكثر تركيزاً، وتمنحها قواماً غنياً يمكن أن يضيف شخصية واضحة إلى الطبق، منوهاً بأن الحمضيات ذات القشرة الرقيقة تحقق أفضل النتائج عند التحميص؛ ولذلك يأتي اليوسفي في مقدمة الخيارات المناسبة.

ويمكن استخدام الشرائح المحمصة فوق السلطات، ومنها سلطة سيزر، أو مع أطباق أخرى تحتاج إلى نكهة مركزة ولمسة حلوة وحامضة في الوقت نفسه، كما يمكن إدخالها في حشوات التاكو مع الفطر؛ لتمنح الطبق تبايناً بين النكهات والقوام.

وتمتلك الحمضيات حضوراً واسعاً في المخبوزات والحلويات كذلك؛ فمن تارت الليمون والتوت الأزرق إلى كعك الليمون وبذور الخشخاش، وكيك الكوسا بالبرتقال وكريمة البرتقال، وصولاً إلى لفائف الشوكولاته والبرتقال، تتحول الحموضة إلى وسيلة لكسر كثافة المكونات الحلوة وإضفاء خفة عليها وفق قول نبيل.

ويتابع: «ويمكن أن تدخل الحمضيات كذلك في خبز الإفطار، مثل توست الريكوتا والليمون والعسل مع التين والفستق؛ حيث يضيف الليمون نغمة عطرية توازن حلاوة العسل وغنى الريكوتا».

ويكمل: «كما يمكن الجمع بين الليمون والتوت الأزرق في الفطائر والخبز، وهي تركيبات تسمح للحموضة والفاكهة بأن تعملا معاً بدل أن تطغى إحداهما على الأخرى».

وتأتي تجربة الشيف ميدو الذي يقدم جانباً منها عبر حسابه على «إنستغرام» لتضيف بعداً بصرياً إلى استخدام هذه الحمضيات؛ فهو يتعامل معها بوصفها جزءاً من بناء الطبق مذاقاً وشكلاً، ويربط ألوانها بأجواء الصيف والبحر، خصوصاً درجات الفيروزي والأزرق المخضر.

ومن أبرز تجاربه موس الشوكولاته بالبرتقال؛ حيث يجد في الجمع بينهما انسجاماً خاصاً، رغم أنه لم يكن من محبي مزج الشوكولاتة بالفواكه الحامضة.

ويضيف ميدو إلى الموس مربى الكمكوات، فتمنحه الثمرة الصغيرة نكهة حمضية مركزة تتكامل مع غنى الشوكولاته وعطر البرتقال.

ويقول ميدو لـ«الشرق الأوسط»: «من أكثر التجارب الناجحة التي خضتها مع الحمضيات، استخدام زيت الزيتون المنكه بالبرتقال».

وينتهي ميدو إلى أن نكهة الليمون تظهر بوضوح في الكب كيك المحشوة بكريمة الليمون، لتؤكد أن الحموضة يمكن أن تمنح الحلويات خفة وانتعاشاً من دون أن تطغى على مكوناتها.