عرض الكروز لـ2019... في ضيافة الكابتن كارل لاغرفيلد

«شانيل» تُبحر بسفينة «لابوزا» إلى أقصى حدود الابتكار والبذخ

لقطة من نهاية العرض تظهر فيها سفينة «لابوزا» الضخمة
لقطة من نهاية العرض تظهر فيها سفينة «لابوزا» الضخمة
TT

عرض الكروز لـ2019... في ضيافة الكابتن كارل لاغرفيلد

لقطة من نهاية العرض تظهر فيها سفينة «لابوزا» الضخمة
لقطة من نهاية العرض تظهر فيها سفينة «لابوزا» الضخمة

في الأسبوع الماضي، وعلى أصوات طائر النورس وأبواق سفينة «لابوزا» التي رست في «لوغران باليه»، أطلقت «شانيل» الإشارة بانطلاق موسم الـ«كروز». موسم يقوم على السفر والترحال ووجهات شمسها ساطعة، سماؤها صافية ومياهها لازوردية. قالت الدار إن نيتها الأولية كانت حمل 900 ضيف في رحلة بحرية مدتها 24 ساعة على متن سفينة كروز تتنقل بهم على طول شواطئ سانت تروبيه، لكنها لم تنجح في الحصول على سفينة تتمتع بكل المواصفات المطلوبة ومتوفرة قبل نهاية عام 2019، لهذا قررت بناء واحدة في «لوغران باليه».
وفاقت النتيجة ما كانت تتوقعه وما كانت تنويه بالأساس. «فهي أكثر رومانسية» حسب قول كارل لاغرفيلد، وأكثر عملية حسب الرئيس التنفيذي برونو بافلوفسكي. هذا الأخير أضاف أن «لوغران باليه» أصبح بالنسبة إلى «شانيل» بمثابة مسرح أو «استوديو سينمائي قابل لاستعمال كل المؤثرات التقنية التي تتطلبها الأعمال السينمائية». ولم ينسَ أن يشير إلى أنه أيضاً أضمن لأنه يقي من أي مفاجآت غير مرغوب فيها بسبب تقلبات الطقس والموج.
لم تكن النتيجة غريبة على الدار ولا على مصممها المخضرم، كارل لاغرفيلد. فقد تعودنا على قدرته العجيبة على ترويض المصاعب بخياله وقدراته على حد سواء. ففي العام الماضي واجه نفس المشكلة عندما أراد أن يرحل بضيوفه إلى اليونان ليقيم عرضه إما في معبد بارثينون بأثينا وإما في بوسيدون في سونيون. وعندما قوبل طلبه بالرفض من قبل السلطات اليونانية، حوّل أنظاره نحو باريس، وجنّد الخبراء والحرفيين لكي يستنسخوا له هذين المعبدين بدقة متناهية جعلت الحضور يشعرون أنهم انتقلوا فعلاً وفي ثانية إلى اليونان بمجرد أن وطئت أقدامهم المكان. نفس الشيء تكرر الأسبوع الماضي عندما بنى سفينة بطول 148 متراً استغرق بناؤها نحو شهرين. لم يبخل عليها بأي من التفاصيل التي تجعل الحضور يشعرون بواقعية الرحلة، بدءاً من المدخنة التي تعالَى منها دخان خفيف قبل بدء العرض بدقائق إلى صوت الحبال وهي تُسحب إلى أعلى ومنظر بيانو يتوسطها في الداخل ومسبح، وهلمّ جرا من التفاصيل الدقيقة.
فما يُحسب للدار الفرنسية أننا كلما اعتقدنا أنها لا يمكن أن تفاجئنا بالجديد، بعد أن تتفوق على نفسها في موسم ما، تفعل العكس وتبرهن أن نبعها لا ينضب.
على صوت بوق السفينة وصيحات طائر النورس المتعالية من بعيد، بدأ العرض. كان التويد حاضرا كذلك اللون الأبيض فيما تمت الاستعاضة عن الأسود بالأزرق. وطبعا كانت كوكو شانيل حاضرة. فالباخرة الضخمة التي توسطت «لوغران باليه» تحمل اسم «لابوزا»، بيتها في جنوب فرنسا والكثير من التصاميم تستحضر أسلوبها في تلك الفترة بما في ذلك حذاؤها من دون كعب. اللافت منذ الوهلة الأولى أن كارل لاغرفيلد الذي لا يميل في العادة إلى استعراض الجانب الرومانسي بداخله، حتى يخال المرء أنه لا يمتلكه أبدا، قلب المتعارف عليه في هذه التشكيلة، ونفخ فيها نفسا يعبق بالنوستالجيا والرومانسية. بل يمكن القول ببعض «الحلاوة» غير المعهودة، لأن المصمم الألماني الأصل كان مُضربا عنها. فالسفن بالنسبة له ترتبط بالفقد والمغادرة والوداعات الحزينة. لكنه يستثني بواخر الكروز لأنها تعني الانطلاق والمتعة والاستجمام.
لم يكتف بإيقاظ الجانب الرومانسي النائم بداخله طويلا فحسب بل لعب على المجازي والشاعري بشكل كبير من خلال سفينة «لابوزا»، التي أبقت عليها الدار راسية لمدة ثلاث أيام بعد العرض حتى تستقبل ضيوفا آخرين لم يُسعفهم الحظ لحضور العرض.
علاقة المصمم بالسفن ليست وليدة الساعة أو الحاجة لخلق ديكور جديد. فهي تعود إلى الطفولة حيث كان منظرها، وهي راسية أو مغادرة، يشده. لم يكن يُحبها بقدر ما كانت أصواتها وهي تبتعد أو تقترب من الميناء. «كان أول صوت أتذكر أني أحببته» حسب قوله. لكن رغم هذه الصورة النوستالجية، فإن المصمم بذكائه تعامل مع الأزياء والإكسسوارات من منظور عصري لا علاقة له بالماضي باستثناء لفتته إلى سنوات كوكو شانيل في دوفيل أو بيتها في جنوب فرنسا. فإذا أخذنا كل قطعة على حدة، نكتشف أن أساسها كلاسيكي، سواء تعلق الأمر بالتايورات أو بالبنطلونات الواسعة أو الفساتين أو حقائب اليد التي رافقت كل إطلالة تقريبا. مجموعة محدودة جدا جاءت بأشكال أكثر ابتكارا، لأنه وجهها لفتاة شابة تتكلم لغة الإنستغرام أكثر من اللغة الفرنسية.
تمايلت العارضات بكنزات بلون الكريم مزينة بأزرار بلون الذهبي، وبنطلونات واسعة تنسدل فوق أحذية باللون الأبيض، من دون كعوب لمزيد من الراحة. في المقابل كانت فساتين المساء والسهرة ناعمة من ناحية الخطوط، غنية من ناحية التطريزات. وطبعا لم يغب التايور المصنوع من التويد، إلا أنه جاء هذه المرة على شكل جاكيتات تجلس فوق الخصر، وتنورات قصيرة كان واضحا أنه أراد من خلالها مخاطبة الجيل الجديد من الزبونات. تم عرض ما لا يقل عن 80 قطعة كلها مرت بسرعة البرق بحيث لم تُخلف أدنى شعور بالتكرار أو الملل. تجدر الإشارة إلى أن الدار، وقبل العرض أخذت ضيوفها، فوجا فوجا، إلى مدرسة «لوساج» للتطريز. لم تكن الفكرة لتقضية الوقت أو التذكير بأنها تملك عدة ورشات متخصصة في مجالات لا تكتمل الموضة من دونها، بدءا من التطريز إلى القبعات والأحذية وغيرها، بل كانت تمهيدا للعرض المسائي. فهذه الورشات لم تنجح فقط في إنتاج تفاصيل أضفت على كل قطعة تميزا، بل ساهمت أيضا في إنتاج خامات مستوحاة من مواد بخفة الهواء ظهرت في مجموعة من الفساتين والقطع المنفصلة تلون أغلبها بدرجات من الأزرق. لم يواز خفتها سوى بعض الزخرفات التي أضيفت إلى قطع كانت هي الأخرى بنعومة الريش.
- تدوير الديكورات
> استجابة لمناداة حماة البيئة وكرد فعل على الهجمات التي تلقتها الدار في السابق على أساس بذخها في استعمال الأشجار وغيرها، تؤكد الدار أنها كانت ولا تزال تؤيد فكرة حماية البيئة.
هذا العام فتحت أبواب سفينة «لابوزا» لمدة ثلاثة أيام لضيوف لم يسعفهم الحظ لحضور العرض حتى يستمتعوا بها عن قُرب. بعدها ستُفككها لإعادة تدويرها.
كوكو وموضة «الكروز»
> في الثلاثينات من القرن الماضي ملأت كوكو شانيل ثغرة في السوق بعد أن انتبهت إلى أن المرأة تفتقد إلى أزياء أنيقة ومريحة تخصصها للإجازات المرفهة، إما على شواطئ دافئة أو يخوت فخمة. في عام 1939 أطلقت مجموعة من القطع المصنوعة من الجيرسيه في خطوة غير مسبوقة لأن هذا القماش كان يقتصر على الملابس الداخلية الرجالية فقط. بعدها بست سنوات عرضت أول مجموعة مخصصة للبحر والشمس على سواحل بياريتز والريفييرا الفرنسية. وعندما تسلم كارل لاغرفيلد مقاليد الدار في عام 1983 أحيا هذا التقليد ووسعه ليشمل ديكورات ضخمة والسفر إلى أماكن تدغدغ الخيال. فالأزياء تحقق الربح على المدى البعيد، أي عندما تُطرح في المحلات، والديكورات تحقق ضجة إعلامية لا تقل أهمية وتأثيرا بعد أن تتداولها وسائل التواصل الاجتماعي بنهم وغزارة عبر الصور والتغريدات، وهو ما أصبح يُعتبر من الاستراتيجيات الترويجية اللازمة لمواكبة للعصر.
وسرعان ما انتبهت باقي بيوت الأزياء لتحذو حذوها. ففي شهر مايو (أيار) من كل عام تنطلق دورة جديدة من الموضة تحت اسم «الريزورت» أو الـ«كروز» لتأخذنا إلى أماكن لا نحلم بزيارتها. وكما تدل التسمية فهي تستحضر رحلات إلى منتجعات مشمسة وبعيدة تحتاج فيها المرأة إلى خزانة غنية ومتنوعة تُوفر لها الأناقة والراحة على حد سواء. من هذا المنظور أصبح من تحصيل الحاصل أن تأخذنا بيوت الأزياء ذات الإمكانات العالية تحديدا، إلى وجهات بعيدة مثل سيول بجنوب كوريا أو هافانا بكوبا أو ريو دي جانيرو أو شانغهاي أو «بالم سبرينغز» بالولايات المتحدة أو طوكيو. التكلفة لا تهم، رغم أن مصاريف كل الحضور تكون على الدار الداعية من الألف إلى الياء. والسبب أن ما تجنيه من وراء هذا الكرم لا يُقدر بثمن. فهي من جهة ترسخ مكانتها، بمعنى «بريستيجهت» على المستوى العالمي، ومن جهة ثانية أكد هذا الخط على مر السنوات أنه مُربح من الناحية التجارية. فهو يشكل نحو 70 في المائة من المبيعات إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه يبقى في المحلات مدة أطول مقارنة بالتشكيلات الموسمية الأخرى. وحسبما اعترف به برونو بافلوفسكي في أحد لقاءاته السابقة: «من بين الثماني تشكيلات التي نقدمها سنويا تأتي تشكيلة الـ(كروز) في المرتبة الأولى أو الثانية من حيث المبيعات». عندما قدمت «شانيل» عرضها في دبي مثلا، اعتبرت الخطوة شجاعة وذكية، ويقال إنها كلفت الدار نحو 1.7 مليون دولار أميركي، وهو ما برره الرئيس التنفيذي برونو بافلوفسكي حينها بالقول: إنه رغم أن العرض قد لا يستغرق أكثر من 20 دقيقة فإنه مهم لتسليط الضوء على الدار من دون منافسة بيوت أزياء أخرى. وغني عن القول: إن خط الريزورت ناجح في منطقة الشرق الأوسط، لأنه الأنسب لبيئته، من ناحية تصاميمه الأنيقة والعصرية وما تتميز به من خفة تناسب كل زمان ومكان.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الوجهات التي يقع عليها الاختيار لا تأتي اعتباطا، وغالبا ما تكون لها دوافعها، كافتتاح محل كبير فيها كما حصل عندما قدمت دار «لويس فويتون» عرضها في «بالم سبرينغ» تزامنا مع افتتاحها محلا رئيسيا في «روديو درايف»، أو التقرب إلى سوق مهم، كما الحال بالنسبة لدار «ديور» عندما قدمت عروضها في شانغهاي وطوكيو منذ بضع سنوات. في كلتا الحالتين كانت النتيجة سريعة تمثلت في زيادة مبيعاتها في هذه الأسواق.
- كل الطرق تؤدي إلى فرنسا
> هذا العام، كل الطرق تؤدي إلى فرنسا بالنظر إلى أن العديد من بيوت الأزياء قررت العرض فيها. فبينما توجهت «برادا» إلى نيويورك»، اختارت «غوتشي» التوجه إلى أرلز بالبروفانس، و«لويس فويتون» و«سانت بول دي فنس» أيضا بجنوب فرنسا، بينما وقع اختيار «ديور» على منطقة «شانتيللي» شمال باريس.


مقالات ذات صلة

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

لمسات الموضة بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

قطعة واحدة مصوغة بشكل لافت وحجم كبير يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

ما يجعل تصميماً معيناً يستمر لعقود سؤال لا يشغل بال المستهلك فحسب، بل أيضاً صناع الموضة، لا سيما أن الحظ يلعب دوره أحياناً بشكل يُدهش الجميع بمن فيهم مبتكره

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والندرة، لكي يحافظ على بريقه

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المشهد حالياً يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت لاختبار أفكار مبتكرة، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لم تُعانق ميوتشيا برادا التنورة بصورتها الأنثوية المُغرية، فهي تتعامل معها دائماً بوصفها قطعة أساسية تخدم المرأة، كما تثبت من خلالها أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

جميلة حلفيشي (لندن) جميلة حلفيشي (لندن)

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
TT

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

تتوالى المواسم وتتغيَّر الصيحات، ويستمر بحث المرأة عن ذلك الحذاء الذي يجمع بين الراحة والأناقة، ليُواكب إطلالتها ويمنحها ثقة في كل خطوة. لكن ما الوصفة السحرية التي تجعل تصميماً معيناً يحقق نجاحات مستمرة في عالم الموضة ويُبقي الإقبال عليها مشتعلاً؟

سؤال لا يتبادر إلى ذهن المستهلك أو المتابع فحسب، بل يشغل أيضاً بال صُنّاع الموضة، وعلى رأسهم المصممون أنفسهم: ما الذي يجعل بعض التصاميم تعيش طويلاً، فيما تختفي أخرى بعد مواسم قليلة؟ أحياناً يلعب الحظ دوره إلى حد يُدهش حتى مبتكر التصميم، وأحياناً تكون الجودة والتميز العامل الحاسم في ترسيخ استمراره؛ فكم حذاء أثار ضجة لحظة ظهوره، وأخذ حيِّزاً كبيراً على صفحات المجلات وواجهات المتاجر، ثم اختفى بعد مواسم قليلة وكأنه لم يكن؟

الممثلة روز بيرن في نيويورك بحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

تصاميم أخرى حافظت على جاذبيتها لعقود، من دون أن تبدو قطعاً من الماضي. منها ما اعتمد على أشكال هندسية وتشريح الأقدام بحساب لمنحها الراحة، ومنها ما اعتمد على الألوان وفنية الكعوب والترصيعات وما شابه. رغم أن بعضها وُلد قبل عقود، مثل حذاء «شانيل» ثنائي اللون، و«بيل فيفييه» من روجيه فيفييه، و«فارا» من سالفاتوري فيراغامو، وبعضها أحدث نسبياً، مثل «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» و«روكستاد» من «فالنتينو»، فإن القاسم المشترك لنجاحها واستمراريتها أنها لم تكن مجرد أشكالاً أنيقة، بل تمتلك تفصيلات بصرية وأفكاراً تصميمية تحوّلت إلى هوية تخدم مصممها، كما تخدم المرأة أياً كان أسلوبها أو مكانتها.

صورة أرشيفية لحذاء «لابيغال» (كريستيان لوبوتان)

صحيح أن تصاميم مبتكرة ظهرت في السنوات الأخيرة وبدأت تفرض مكانتها، مثل «لابيغال» من «كريستيان لوبوتان» وتصاميم أمينة معادي بكعوبها المميزة وتصاميم «جيمي تشو»، إلا أنها لا تزال طور الاختبار من ناحية استمراريتها على مدى عقود مقبلة، لتبقى التصاميم الأيقونية العابرة للزمن والأجيال التي لا تزال تحقق نجاحات تجارية محددة، نذكر منها على سبيل المثال:

1- حذاء «شانيل» ثنائي اللون:

حذاء «شانيل» ثنائي اللون (موقع شانيل)

قدمته غابرييل شانيل عام 1957، ولم تكن تعرف حينها أنها تصنع واحداً من أكثر التصاميم صموداً في تاريخ الموضة. طوَّرته مع صانع الأحذية الفرنسي رايمون ماسارو بلونين متباينين: بيج يغطي الجزء الأكبر، وأسود في المقدمة مع حزام يلتف خلف الكاحل. وراء هذا التصميم فكرة ذكية.

فالبيج، القريب من لون الجلد، يمنح الساق امتداداً بصرياً أطول، بينما تجعل المقدمة السوداء القدم تبدو أصغر. وحتى اللون الأسود لم يكن للزينة فقط؛ فقد كان عملياً أيضاً، لأنه يخفي آثار الاستخدام في أكثر أجزاء الحذاء تعرضاً للاحتكاك. أما الحزام الخلفي من دون إبزيم والكعب المعتدل فمنحا التصميم راحة وعملية.

الممثلة أوليفيا دين في إطلالة من «شانيل» من ضمنها حذاء ثنائي اللون بالأبيض والأسود (شانيل)

الآن يعتبر هذا الحذاء واحداً من أيقونات الدار الفرنسية مثله مثل التويد والحقيبة المبطنة، ما جعل الدار تعود إليه في عهد كل من الراحل كارل لاغرفيلد وخليفته فيرجيني فيار، ومؤخراً ماثيو بلازي في مجموعته الأخرى. أعادت الدار تفسيره بكعوب مختلفة وخامات وألوان متنوعة لكن دائماً من دون المساس بأساسياته.

2- حذاء «بيل فيفييه» من دار روجيه فيفييه:

حذاء «بيل فيفييه» تتغير ألوان وخاماته ويبقى شكله المميز ( موقع روجيه فيفييه)

ظهر في منتصف الستينات، وحصل على دفعة قوية بعد ظهور النجمة كاثرين دونوف به في فيلم «Belle de Jour» للويس بونويل عام 1967. لم يكن الحذاء بحاجة إلى ذلك الظهور كي يكون ناجحاً، لكنه حصل بفضله على واحدة من أثمن الصفات في عالم الموضة: صورة وقصة. لم يكن الكعب المنخفض والشكل البسيط نسبياً أكثر ما يميزه؛ كانت القوة في المشبك المعدني الأمامي ذي الشكل الهندسي، الذي منح التصميم شخصية يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

حذاء «بيل فيفييه» تضفي عليه الدار في السنوات الأخيرة ألواناً تخاطب الجيل الجديد ( موقع روجيه فيفييه)

منذ ذلك الحين، لا تتعامل دار «روجيه فيفييه» معه كقطعة أرشيفية محفوظة في الماضي، بل تعيد تفسيره في كل موسم بشكل وبألوان وخامات وارتفاعات مختلفة، مع الإبقاء على ذلك التفصيل الذي صنع هويتها. أما الإقبال عليه من قبل جيل جديد فيؤكد أنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.

3- حذاء «فارا» من «سالفاتوري فيراغامو»:

حذاء «فارا» من الجلد المبطن (موقع سالفاتوري فيراغامو)

بعد نحو عقدين، وفي عام 1978 تحديداً وُلد هذا التصميم. صممته فياما فيراغامو ابنة المؤسس سالفاتوري في وقت كانت تبحث فيه الدار عن نموذج يجمع بين الأناقة والاستخدام اليومي المريح الذي أرساه المؤسس. الفكرة لم تبدأ باستعراض تقني أو بكعب أنثوي عالٍ، بل بشكل مريح ذي مقدمة مستديرة وكعب منخفض. ثم أضيفت إليه تلك اللمسة التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة: عقدة على شكل فيونكة.

حذاء «فارا» بنسخة جديدة (موقع سالفاتوري فيراغامو)

والطريف أن الفيونكة نفسها لم تكن، في البداية، نتيجة خطة تسويقية ضخمة، إذ كان هناك نموذج أولي أضيفت إليه قطعة من شريط في مشغل الدار، ثم حدث سوء فهم، أو خطأ، أثناء التنفيذ، فبقيت من شريط نسيجي بدلاً من الجلد، وبالتالي ما كان تفصيلاً صغيراً تحول إلى هوية.

ربما لبساطة تصميمه، يبدو مختلفاً عن كثير من الأحذية الفاخرة. فلا كعب دراماتيكي، ولا زخرفة ثقيلة، ولا شعار كبير، ولا أي محاولة للفت الأنظار، ومع ذلك تتعرف عليه من النظرة الأولى. إنتاجه لا يزال مستمراً إلى حد الآن، لا سيما أنه يحقق مبيعات تُقدر بالملايين. فالمرأة بغض النظر عن عمرها ترتديه مع بدلة أو بنطال جينز، في النهار أو المساء، وفي كل مرة تحصل على التميز والراحة المطلوبَيْن.

4- «هانغيسي» من «مانولو بلانيك»

حذاء «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» أصبح ماركة مسجلة في قاموس الدار (موقع مانولو بلانيك)

احتاج هذا التصميم في المقابل إلى شيء مختلف تماماً وتفصيل لافت لكي يصنع مكانته في مجال مزدحم بالابتكارات.

ظهر للمرة الأولى ضمن مجموعة ربيع وصيف 2008، بألوان الوردي والأسود والأخضر. واستُلهم تصميمه من أكثر من مرجع، من مارلين ديتريش ومن جوزفين بونابرت، وأحذية البلاط الأوروبية، لكن أكثر ما لفت الأنظار فيه وساهم في انتشاره، مشبكه الكريستالي المربع وسط مقدمة الحذاء.

الممثلة سارة جيسيكا باركر وحذاء «هانغيسي» (غيتي)

ومثل «بيل فيفييه»، ساهمت ممثلة في نشره إلى العالم وتعريف العالم باسمه. كان ذلك عندما ظهرت به سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي»، التي لعبت فيها شخصية كاري برادشو. كان من السهل أن يرتبط بالمسلسل، إلا أن وهجه لم يخفت بعد انحسار وهج المسلسل ليؤكد أنه أقوى منه. والفضل يعود إلى تميز مشبكه الذي أصبح مرتبطاً باسم «مانولو بلانيك» في عالم الترف. مثل باقي بيوت الأزياء، لم تجمده الدار في شكله الأول، بل أعادت إنتاجه بأكثر من 100 خامة ولون، وبسبعة ارتفاعات مختلفة للكعب لحد الآن.

5- حذاء «روكستاد» من دار «فالنتينو»:

حذاء «روكستاد» بشكله المتميز ومساميره (فالنتينو)

ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية، واجتاح عالم الموضة بمساميره الهرمية الصغيرة التي اصطفت على الأحزمة والحواف ليحقق للدار أرباحاً منقطعة النظير. كان جديداً بفكرته التي تحمل الكثير من التناقض؛ فـ«فالنتينو» ارتبطت طويلاً بالرومانسية والفساتين الحالمة بينما كان التصميم أقرب إلى لغة البانك والروك أند رول. وربما كان هذا التناقض مكمن الجاذبية.

الممثلة ناعومي واتس وحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

فالمسامير جعلت الحذاء حداثياً وقابلاً للتعرف إليه فوراً. نجاحه فتح شهية الدار على الانتقال بهذه المسامير من حدود الحذاء إلى الصنادل والحقائب، حتى أصبح الاسم نفسه جزءاً من قاموس الدار الإيطالية. لحد الآن تعود إليه كرمز من رموزها القوية في نسخ جديدة لا تبدو عالقة في الماضي. فالمسامير تتغير من حيث العدد والشكل، ما يمنح المرأة سبباً للعودة إليها بدليل ظهوره بنسخة معاصرة في الجزء الثاني من فيلم «الشيطان يرتدي برادا».


«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
TT

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

غابت حقيبة «بيركين» من منصة عرض هيرميس لربيع وصيف 2027، ولم تغب من الذاكرة، ولا عن المشهد بحضورها محمولة بأيدي المدعوات. يبدو أن الدار اختارت في هذا الموسم تسليط الضوء على تصاميم أخرى، فيما تظل «بيركين» بمنأى عن الحاجة إلى حضور منتظم على المنصة كي تحافظ على موقعها كواحدة من أكثر حقائب الدار شهرة، وتأثيراً.

حقائب متنوعة ظهرت في عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2027 (أ.ف.ب)

اكتسبت هذا التأثير من هالتها كمنتج نادر يصعب الحصول عليه، ومن مكانة تجعل الوصول إليها امتيازاً محدوداً على قلة من المقتدرين. ما يؤكد أن مكانتها لا تزال راسخة أن حقيبة «بيركين» الأصلية التي صُنعت خصيصاً لجاين بيركين في عام 1985 بيعت في مزاد سوذبيز مؤخراً مقابل 8.5825 مليون يورو، أي نحو 10.1 مليون دولار، لتصبح أغلى حقيبة تُباع في مزاد على الإطلاق. لكن هذه الحقيبة التي استغرقت المزايدة عليها نحو عشر دقائق لم تكن مجرد حقيبة من الجلد، بل كانت القصة كلها.

فمنذ أن ظهرت في منتصف الثمانينات، بعد اللقاء الشهير بين الفنانة جاين بيركين ورئيس Hermès آنذاك جون لويس ديما، على متن طائرة، وهي تتحدى الفكرة التي وُلدت منها، وهي حاجة عملية لمتطلبات امرأة وأم وسيدة أعمال. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى رمز عالمي للفخامة، والمكانة المتميزة.

الندرة والحلم

ما صنع أسطورتها لم يكن التصميم وحده، ولا الحرفية، والمواد، بل صعوبة الحصول عليها. فهي لم تكن معروضة في متاجرها للبيع، وعلى من تريدها أن تُسجل اسمها ضمن لائحة انتظار قد تمتد لعدة أشهر. كانت هذه العملية جزءاً من قيمتها، وذكاء تسويقياً يُحتذى به، لأنه رفع من أسهمها، وجعلها حلماً بالنسبة لملايين من عشاق الموضة.

حقيبة «بيركين» بلون الفستق (هيرميس)

لكن ندرتها أصبحت في خطر بالنسبة لشريحة من الزبائن، كانوا إلى الأمس القريب ينتمون إلى نادٍ خاص جداً، من الأثرياء والذواقة على حد سواء. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحقيبة منتشرة بشكل بدأ يصيبهم بالتخمة من مشاهدتها. فهي حاضرة الآن في فيديوهات على «التيك توك»، حيث تخضع للتشريح، والتمحيص من الخارج، والداخل، وأيضاً متوفرة بشتى الألوان والأحجام في محلات متخصصة في إعادة بيعها لمن لم تستطع إليها سبيلاً بالطرق التقليدية. ثم أصبحنا نراها على يد مؤثرات ومؤثرين في جولات التسوق كما في المناسبات المهمة، لأنها وبكل بساطة لم تعد مجرد رمز لمكانة اجتماعية معينة، بل تحوَّلت إلى محتوى.

بين الوفرة والنُّدرة

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والنُّدرة لكي يحافظ على بريقه؟

حقيبة آل «بيركين» الأيقونية أصبحت خارج المنافسة بالنسبة للعديدين (من الأرشيف)

أرقام المبيعات تؤكد أن ذلك لم يؤثر فيها حتى الآن. ربما لم تعد المرأة الثرية تحملها بالوتيرة نفسها التي اعتدناها، مفضِّلة عليها حقائب أكثر هدوءاً، وخالية من الشعارات، إلا أن الراغبات في دخول هذا النادي الخاص ما زلن يسعين إليها، ويواصلن تغذية الطلب عليها.

أما تأثير المؤثرين والمؤثرات على صورة الحقيبة، فالإجابة عنه أكثر تعقيداً. ربما ساهموا في تبديد شيء من الحلم، وفي تقليص هالتها كحقيبة بعيدة المنال، لكنهم في المقابل حوَّلوها إلى جزء من الثقافة البصرية المعاصرة، فنقلوها من منتج نادر لا يُرى إلا في أيدي قلة، إلى موضوع للاستهلاك البصري، والمعرفة، عبر استعراض تفاصيل حرفيتها وقصتها أمام جمهور واسع.