عوالم المرأة كمحرك أساسي للمخيلة

100 عام على رحيل جوستاف كليمت

جوستاف كليمت - من أعمال الفنان كليمت
جوستاف كليمت - من أعمال الفنان كليمت
TT

عوالم المرأة كمحرك أساسي للمخيلة

جوستاف كليمت - من أعمال الفنان كليمت
جوستاف كليمت - من أعمال الفنان كليمت

بمناسبة الذكرى المئوية لوفاة الفنان «جوستاف كليمت» الذي يعتبر أبرز فنان تشكيلي مثل «حركة النهضة» الشاملة التي شهدتها مدينة فيينا في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تقام في عدد كبير من المدن الأوروبية، فعاليات ثقافية فنية، تشمل عروضاً لأعماله وندوات وإصدارات جديدة من الكتب والكالوكات راقية الطباعة لأعماله في الرسم والتخطيط والتصميم. لقد قدمت هذه «حركة النهضة» للعالم مثالاً حياً على نهوض أمة في مرحلة ما بعد الانحطاط ما بين عامي (1880 - 1938) حيث طبعت الثقافة الأوروبية بطابعها المتميز من خلال تعبيرها عن روح العصر. كانت الفئات المثقفة تتسابق لتعكس وبطرق واقعية روح الحياة القومية التي اعتبرت الأكثر شمولاً في الاستجابة العامة بتأثيراتها الكبيرة على الحقب التالية، فالثقافة الجديدة التي ضمت المفاهيم الجديدة عن الحياة والصراعات الناشئة والطبقات الجديدة التي ظهرت في مقدمة التاريخ عكست النظرة العامة الواقعية التي كان يغذيها العلم والاستكشاف والتجارة وكل أشكال الصراع من أجل التخلص من الإقطاعية والملكية، وذلك في إطار الشكل واللغة الخاصين اللذين يتخذهما الفن في كل بلد من بلدان العالم.
هكذا نشأت في مدينة فيينا ثقافة قومية جديدة صاحبت ولادة مدرسة التحليل النفسي والعلوم الحديثة والمعمار الوظيفي، وفلسفة اللغة، وحركة الموسيقى اللانغمية، وانتهت ببروز الحركتين العنصريتين الشقيقتين، وهما النازية مع هتلر والصهيونية مع هرتزل.
عاشت مدينة فيينا في طور عطائها الفني الكبير بملامحها وآفاقها المكتنزة، وهي تفتح قلبها الساحر لتفيض بالإبداعات الإنسانية الراقية، ولتعكس العلاقة الحقيقية بين الفن والحياة الاجتماعية. إنها فترة تفجرت فيها النزعة الحديثة التي استغلت ما كانت تقدمه خامات العمل الفني باعتبارها الأكثر واقعية في تصوير العادات والسلوك وطرق الحياة والأذواق وأنماط الإنتاج، كما شهدت الفترة نشاطات التروستات والاحتكارات في الحياة الاقتصادية وقسم فيها العالم إلى دول غنية ودول فقيرة.
في هذه الأجواء المحتدمة ساهمت البرجوازية وبشكل عميق في تكوين وتوضيح الفكر القومي المناهض للأمة النمساوية، وقد وصف الكاتب النمساوي روبرت موسيل مدينته كحالة معمارية معروفة لا تخضع إلا لشروطها هي، تتفاعل وتتصاعد مع الأحداث والتحولات والانكسارات على النحو التالي: (مدينة بنيت من عدم الانتظام المتعاقب، تساقطت وتقاطعت وتصادمت من الأشياء والاحتمالات والأوساط لتكون نقاطاً من الصمت في الأعماق).
وهكذا نهضت فيينا من جديد على أنقاض إمبراطورية كبيرة نمساوية - هنغارية، لتزدهر فيها حركة ثقافية حضارية فلسفية مهيمنة، مثلت استجابة عامة لتأثيرات الحقب التاريخية السابقة، إلا أن هذا الازدهار حلت عليه لعنة جديدة، وذلك عام 1938 لتنتهي النمسا كدولة مستقلة، لتصبح جزءاً من ألمانيا الكبرى، حيث اختفى اسمها تحت زحف أرتال هتلر.
وفي هذه الأجواء أيضاً بزغ عالم الفنان «كليمت» الذي وقف في بادئ الأمر ضد منهج الانتقائية والأشكال الأكاديمية، فامتاز أسلوبه المزخرف، بالبحث البسيكولوجي - الجنسي، حيث رسمت لنا أعماله الفنية عوالم إنسانية مسحوبة بتدفق إنساني عاطفي فياض، يتصف بالوداعة والعذوبة، أسوة بكثير من زملائه الذين تأثروا بمدرسة التحليل النفسي، كان همهم إيضاح كثير من الغرائز الجنسية التي حللها فرويد في أعماله، وقد برز إلى جانب «كليمت» كل من «موسير» و«كوكوشكا» و«جيرستيل» و«شونبرغ»، وتلميذ «كليمت» البارع «شيله»، كما برزت مجلة «فرساكرم» لتكون المحور الثقافي المهم لتصعيد وتنشيط ودعم أعمال الفنانين والأدباء على اختلاف تجمعاتهم، وخصوصا تجمع «السيسيون» الذي كان «كليمت» ينتمي إليه في بدايات شهرته قبل أن يتحول إلى تجمع جديد حمل اسم «كونسهاد».
بعد سنوات من ذلك ساهم «كليمت» مع المعماري الشهير «هوفمان» والمصمم الصناعي «كولوموسير» بتأسيس تجمع «الشغل الفييني». كانت الفكرة الأساسية لهذا التجمع ترتكز على تجديد العمل الفني من خلال ربطه بالعمل المهني الذي يمكن تطبيقه على جميع المواد المستعملة في الحياة اليومية من أجل كسر الهوة بين الفن والمهنة، ثم تطور هذا التجمع فيما بعد إلى المدرسة الشهيرة التي ارتكزت على إبراز هذا التيار وتعميمه، مدرسة الباوهاوس التي أسسها «والتر غروبيوس» عام 1919 عن أهداف حركة «دوستيل» في هولندا أو المدرسة «البنائية» في روسيا، إذ تؤكد هذه التيارات على أن العمل الفني التزييني المرتبط بالبناء هو وليد للنشاط المشترك للرسامين والنحاتين والمعماريين، ويعتبر المهمة الأرفع شأناً في الفنون التشكيلية.
تعتبر أعمال الفنان «كليمت» عن تمثلٍ واعٍ للمرحلة التاريخية التي عاشها وأدرك قوانين تطورها، كما أدرك ومنذ وقت مبكر سر صنعته، فصارت له لغته الأسلوبية الخاصة المتسمة بأقصى حدود العذوبة.
لقد شحن هذا الفنان المبدع لوحاته بكامل الطاقة المتوهجة في داخله، مدركاً أن اللوحة تشكيل يمتزج به الداخل بالخارج، بأربطة عضوية حرة، وحريتها تأتي من استيعاب التكوينات بالبنائية الموجودة في الوسط، وما يحمله التراث الفني من عطاءات كبيرة. وبالفعل فقد استفاد «كليمت» من التراث الفني البيزنطي في مدينة «رافينا» الإيطالية التي كانت في فترة من الفترات عاصمة الإمبراطورية الرومانية، كما تأثر بفنون الشرق الأقصى، وخصوصا أعمال الفنانين اليابانيين، وبالذات أتباع مدرسة «أوكييوه»، وهي المدرسة التي غذت مخيلة الكثير من الفنانين الغربيين لاتفاقها مع إحساساتهم بالصيرورة التأريخية، تجلى التأثير الشرقي في بادئ الأمر في كثير من المحاولات التي قام بها «كليمت» الاهتمام بالسطح أكثر عمقاً، سواء في الأسلوب (مفردات الشكل) أو في الرؤية الفنية لكتلة الجسد، كما أن «كليمت» تأثر باستعمالات الرقش الخطي العربي الإسلامي لتحديد المساحات اللونية المسطحة، التي تخلى من خلالها عن المنظور ثلاثي الأبعاد، فاكتسبت لوحاته على ضوء تلك التأثيرات، صياغة جديدة للألوان ولتركيب الشكل، وعملية بنائه، كما نجح في أغلب محاولاته في صناعة تقنية لونية بنائية اعتبرت بمثابة قوة أساسية للتعبير.
لقد ظلت المرأة هي المحسوس الأساسي الذي يأخذ هذا الفنان إلى علاقات مع كل الأشياء الأخرى فجمال المرأة هو جمال الصورة والفكر، وهي الحسية الكلية أو الجزئية في وجود الأشياء والإنسان. وعى «كليمت» جيداً ما يحيط به، فاتبع أسلوبا تقنيا له طابع إنساني يعتمد على التماذج المتكافئ ما بين الشكل والمضمون، وتبدو أعماله وكأنها تمثيل سحري ملغز يحمل علاقة عميقة بسمات الأدب الذي شاع في تلك الفترة، حاملاً تأثيرات مدرسة التحليل النفسي والاكتشافات السريرية للوعي الإنساني، عبر تركيزه على الأقوى والأغنى في الشعور. وبعبارة أخرى فإن أعمال «كليمت» الجذابة، أشبه ما تكون برحلات جميلة في تحليل ذات المرأة في مراحل وجودها وتخفيها المتتابع.
إن فن «كليمت» الذي اعتمد عوالم المرأة كمحرك أساسي لمخيلته، تمثل حسب رأي كثير من النقاد المعاصرين، في الوقفات الشعرية الرومانسية المهتمة بالشكل بصورة انتقائية، وتعتبر هذه الأعمال حتى يومنا الحاضر من أبرز العوامل التي عززت الاتجاه التشكيلي المعروف بالليبرتي أي (الاتجاه الحر). تعزز هذا الاتجاه الفني في الفنون التشكيلية بصورة عامة مع مدرسة فيينا وأبرز مظاهر التجديد فيه، اعتماده على التنوع في التأليف وإعطاء وقع لوني لمجمل سطح اللوحة بصورة متجانسة، تتسطح بخطوط منحنية، تتحرك باستمرار من خلال مساحات متداخلة.
لقد غدت لوحاته سطوحاً مزركشة، ومفتوحة، ومتدفقة، حيث استخدم كل ما من شأنه أن يعلي من شأن النزعة الشكلية، من تقنيات أو استغلال بارع للأدوات والخامات، وجعلته نزعته العاطفية الجياشة ينأى عن أحداث عصره وما شهده من أحداث متعاقبة لم يقترب من تلك المعارك الداخلية التي انغمس في أتونها كثير من الفنانين والأدباء، بل اقترب من عوالمه الخاصة بمثالية، صاغ أجزاءها حسب أسلوبه الحياتي، وما تمليه عليه أحاسيسه وتخيلاته، فكانت لغته الفنية تصدر عن وعيه هذا.



وثائقي عن غزة يفوز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان البندقية

 الصحافيان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراحيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية اليوم عن فيلمهما «نازا»... (أ.ف.ب)
الصحافيان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراحيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية اليوم عن فيلمهما «نازا»... (أ.ف.ب)
TT

وثائقي عن غزة يفوز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان البندقية

 الصحافيان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراحيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية اليوم عن فيلمهما «نازا»... (أ.ف.ب)
الصحافيان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراحيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية اليوم عن فيلمهما «نازا»... (أ.ف.ب)

فاز الفيلم الوثائقي الجديد «نازا»، الذي يتناول عمليات قتل جماعي نفذتها إسرائيل بحق مدنيين في غزة باستخدام الذكاء الاصطناعي، بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي، السبت.

أخرج الفيلم الصحافيان الإسرائيليان الحائزان جائزة أوسكار، يوفال أبراهام وراحيل تسور، ورشحه بعض النقاد لنيل جائزة «الأسد الذهبي» لأفضل فيلم، وذلك بعدما حصد تصفيقاً حاراً استمر 25 دقيقة إثر عرضه الأول، الخميس.

ولدى تسلمه الجائزة، قال أبراهام إنه خلال الأيام العشرة التي أعقبت بدء المهرجان، «قتلت إسرائيل ما لا يقل عن ستة أطفال فلسطينيين في غزة».

وخاطب الحضور قائلاً: «أبلغنا ضباط في الاستخبارات الإسرائيلية أن عمليات القتل الجماعي هذه ممنهجة، ولم تكن وليدة الصدفة بل ثمرة تخطيط مسبق، وتشمل أفعال قتل وسياسات تقوم على تجريد الفلسطينيين تماماً من إنسانيتهم».

وتُمنح جائزة لجنة التحكيم الخاصة كل عام تقديراً لعمل مميز، لكنها في مرتبة أدنى من جائزتي «الأسد الذهبي» و«الأسد الفضي» من حيث الأهمية.

واستند أبراهام وتسور في عملهما إلى أحاديث مع 24 مصدراً مختلفاً داخل المؤسسة العسكرية أو الاستخباراتية الإسرائيلية، اشترطوا عدم كشف هوياتهم.

وأثار الفيلم الذي تبلغ مدته 80 دقيقة، صدمة لدى عدد كبير ممن شاهدوه، وخصوصاً أن من أجريت معهم المقابلات تحدثوا عن شعور بأنهم يعملون في «مصنع» للقتل أو داخل لعبة فيديو فتاكة في أثناء استخدامهم أنظمة الاستهداف الإسرائيلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لقصف غزة.

ووصفت مجلة «سكرين» (Screen) السينمائية الفيلم بأنه عمل «مؤلم للغاية ويترك أثراً عميقاً في النفس»، بينما ذكرت مجلة «هوليوود ريبورتر» (The Hollywood Reporter) أنه يثير «الغضب... والشعور بالمهانة والاشمئزاز العميق حيال النظام الإسرائيلي الحالي».

وأضاف أبراهام: «كان مهماً للغاية بالنسبة إلينا أن يشاهد الإسرائيليون هذا الفيلم»، مؤكداً أن «بلدنا هو من يرتكب هذه الجرائم».

وأسفرت الحملة الإسرائيلية في غزة التي انطلقت إثر هجوم «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عن مقتل أكثر من 73500 فلسطيني وإصابة أكثر من 174 ألفاً، بحسب أرقام وزارة الصحة في غزة وتعتبرها الأمم المتحدة موثوقاً بها.

وانتقد الجيش الإسرائيلي الجمعة استخدام شهادات مجهولة الهوية في الفيلم، قائلاً إنه «لا يمكن التحقق منها».

«الأسد الذهبي» لمخرجة مصرية - دنماركية

وفاز فيلم «وومان أنّون» للمخرجة المصرية - الدنماركية، مي الطوخي، بجائزة الأسد الذهبي لأفضل فيلم في ختام مهرجان البندقية السينمائي، السبت، ومُنِحَت بطلته جائزة فئة الممثلات.

وكانت الطوخي إحدى المرأتين الوحيدتين بين مخرجي الأفلام المتنافسة في الدورة الثالثة والثمانين من المهرجان، ويتناول فيلمها «وومان أنّون» Woman Unknown (وعنوانه بالدنماركية Kvinde Ukendt أي «امرأة مجهولة») ما وصفته بـ«لا مرئية النساء».

المخرجة المصرية - الدنماركية مي الطوخي وجائزة «الأسد الذهبي» عن فيلمها «امرأة مجهولة» (إ.ب.أ)

ويروي الفيلم قصة العاملة المنزلية ماري التي توشك على الزواج من مخدومها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في الدنمارك، لكنها تكاد تفقد كل شيء بسبب سر ثقيل من النزاع تخفيه ويعاود الظهور.

وكذلك، فاز الممثل ​الأميركي جون مالكوفيتش بجائزة أفضل ممثل، ‌وذلك ​عن ‌أدائه ⁠دور ​عميل متقدم ⁠في السن ومتمرد في وكالة المخابرات المركزية الأميركية ⁠في فيلم ‌«وايلد ‌هورس ​ناين»، كما ‌نالت ‌الدنماركية ماتيلد أرسيل جائزة أفضل ممثلة عن ‌دورها في فيلم «وومان أنون» ⁠الذي أدت ⁠فيه دور خادمة تعود لتطاردها ذكريات علاقة جمعتها بجندي ألماني إبان الحرب ​العالمية ​الثانية.

جون مالكوفيتش يفوز بجائزة أفضل ممثل في مهرجان البندقية (أ.ب)

القائمة الكاملة للفائزين في مهرجان البندقية السينمائي:

الأسد الذهبي:

فيلم «امرأة مجهولة» (وومان أنون) من إخراج ‌مي الطوخي (إنتاج دنماركي ‌سويدي ​لاتفي)

جائزة ‌لجنة ⁠التحكيم ​الكبرى (الأسد الفضي):

فيلم «حب ⁠موعود» (بروميست لاف) من إخراج لي تشانغ-دونغ (كوريا الجنوبية)

أفضل مخرج: إيليا خرزانوفسكي عن فيلم «داو» (إنتاج ألماني فرنسي ⁠سويدي)

أفضل ممثلة: ماتيلد أرسيل ‌عن ‌فيلم «امرأة مجهولة» (وومان ​أنون) (إنتاج دنماركي ‌سويدي لاتفي)

أفضل ممثل: جون ‌مالكوفيتش عن فيلم وايلد هورس ناين (إنتاج أميركي تشيلي)

أفضل سيناريو: ستيفان بريزيه ‌وكورالي أميديو وأوليفييه جورسيه عن فيلم «جندي صغير ⁠طيب» (إيه ⁠جود ليتل سولدجر) (فرنسا)

جائزة لجنة التحكيم الخاصة:

فيلم «نازا» من إخراج يوفال أبراهام وراشيل تسور (بريطانيا)

أفضل ممثل/ة صاعد/ة: مالو كبيزي عن فيلم «مكان للشفاء» (إيه بليس ​تو ​هيل) (فرنسا)


الحرمان من النوم العميق قد يؤدي للإصابة بألزهايمر

تشير النتائج إلى ارتباط تراكم بروتين «تاو» بفقدان ذاكرة الأحداث (بكسلز)
تشير النتائج إلى ارتباط تراكم بروتين «تاو» بفقدان ذاكرة الأحداث (بكسلز)
TT

الحرمان من النوم العميق قد يؤدي للإصابة بألزهايمر

تشير النتائج إلى ارتباط تراكم بروتين «تاو» بفقدان ذاكرة الأحداث (بكسلز)
تشير النتائج إلى ارتباط تراكم بروتين «تاو» بفقدان ذاكرة الأحداث (بكسلز)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا، بيركلي بالولايات المتحدة، وجود علاقة تربط بين الحرمان من النوم العميق وتراكم بروتين «تاو»، أحد أبرز مسببات الإصابة بألزهايمر.

ووفق نتائج الدراسة المنشورة، الجمعة، في دورية «نيتشر نيوروساينس»، رصد الباحثون وجود صلةً بين التغيرات التي تحدث في أنماط موجات الدماغ في أثناء مرحلة النوم العميق، وضُعف تشكيل الذاكرة العرضية، وتراكم بروتين «تاو» في القشرة الجبهية للدماغ.

وتُعد «الذاكرة العرضية» شكلاً مهماً من أشكال الذاكرة؛ إذ تشكل جزءاً أساسياً من كيفية تكويننا لذكريات طويلة الأمد؛ فقد تتعلق بأحداث وقعت منذ زمن بعيد، مثل يومك الأول في المدرسة الابتدائية، أو بأحداث حديثة وعادية، مثل المكان الذي ركنت فيه سيارتك قبل دخول المتجر. ومع تقدمنا ​​في العمر، تضعف ذاكرتنا العرضية، وإن كان العلماء لا يدركون السبب وراء ذلك حتى الآن.

وقد تُساعد الأبحاث التي أجراها باحث الأعصاب، عمر شارون، وزملاؤه في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، في تفسير هذه العلاقة. يقول شارون، في بيان الجمعة: «هذه هي المرة الأولى التي نُظهر فيها هذه العلاقة بين بروتين (تاو) وكيفية تأثيره سلباً على عملية تثبيت الذاكرة».

النوم العميق والذكريات

يعرف كثيرون منا مرحلة النوم غير المصحوب بحركة العين السريعة (REM)، لا سيما مرحلة النوم العميق. وخلال هذه المرحلة، تتوقف الخلايا العصبية عن العمل ضمن موجات بطيئة ومتزامنة تنتشر عبر الدماغ، بدءاً من القشرة الجبهية. ويوضح شارون قائلاً: «تعكس كل موجة بطيئة توقف مجموعة هائلة من الخلايا العصبية عن العمل، ثم استئنافها نشاطها معاً».

ويضيف: «تُظهر دراستنا أن توالي هذه الأحداث في تسلسل عبر أجزاء واسعة من الدماغ ضروري لعملية الذاكرة، ولم تُرصد عملية التوقف المنسق هذه إلا في أثناء النوم العميق».

أظهرت الفحوصات تراكم بروتين «تاو» بمرور الوقت في قشرة الفص الجبهي (نيتشر نيوروساينس)

ومع التقدم في العمر، تتراكم بروتينات «تاو» في أدمغة الكثير من الناس؛ وعند هؤلاء، تصبح هذه الموجات غير منتظمة وأقل تزامناً، كما تقطع مسافات أقصر. ويرتبط هذا الخلل في الموجات البطيئة -بدوره- بتراجع عملية تثبيت الذاكرة، والتدهور المعرفي، والإصابة بألزهايمر.

لدراسة هذه العلاقة، استخدم الباحثون تخطيط كهربية الدماغ (EEG) لقياس الموجات الدماغية في أثناء النوم، وقارنوا النتائج بين مشاركين يتمتعون بصحة إدراكية جيدة، وتتراوح أعمارهم بين أوائل العشرينيات، ومشاركين تتراوح أعمارهم بين منتصف الستينات ومنتصف السبعينات. لدى البالغين الأصغر سناً، كانت مجموعات من الموجات الدماغية البطيئة تنتقل عبر فروة الرأس لمسافة تعادل تقريباً طول «شبر اليد» في أثناء مرحلة النوم غير المصحوب بحركة العين السريعة، أما لدى كبار السن، فكانت الموجات تقطع مسافات أقصر، وتظهر بشكل أكثر تفرداً وانعزالاً.

وباستخدام التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET) تتبَّع الباحثون علامات مشعة حُقنت في مجرى الدم لقياس وظائف الدماغ. وأكدت عمليات المسح أن تراكم بروتين «تاو» في القشرة الجبهية لدى المشاركين الأكبر سناً يرتبط بتلك الاضطرابات في الموجات الطويلة.

قاس الباحثون التغيرات المقابلة في عملية تثبيت الذاكرة، أي تحويل المعلومات إلى ذاكرة طويلة الأمد، وقد تبيَّن أن الأشخاص الذين لديهم موجات بطيئة أكثر تفرداً وأقصر مدى، تذكروا قدراً أقل من المعلومات.

وبعد مرور سنوات عدَّة، أُعيد اختبار مجموعة فرعية من المشاركين؛ فأظهرت النتائج أن أولئك الذين زادت لديهم مستويات بروتين «تاو» في المنطقة الجبهية بمرور السنين، عانوا من تدهور في تنسيق الموجات البطيئة وانخفاض في القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات في الذاكرة طوال الليل. وهو ما يشير إلى وجود علاقة بين هذا البروتين وفقدان الذاكرة العرضية المرتبطة بالأحداث.


تكرار الاعتداء على «أفراد أمن» منتجعات سكنية فاخرة يثير تساؤلات بمصر

لقطة من المقطع المتداول لاعتداء سيدة على فرد أمن كمبوند (إكس)
لقطة من المقطع المتداول لاعتداء سيدة على فرد أمن كمبوند (إكس)
TT

تكرار الاعتداء على «أفراد أمن» منتجعات سكنية فاخرة يثير تساؤلات بمصر

لقطة من المقطع المتداول لاعتداء سيدة على فرد أمن كمبوند (إكس)
لقطة من المقطع المتداول لاعتداء سيدة على فرد أمن كمبوند (إكس)

أعادت واقعة اعتداء سيدة على موظف أمن إداري داخل أحد التجمعات السكنية الفاخرة بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة)، وتوقيفها عقب تداول مقطع مصور للحادث، إثارة التساؤلات في مصر بشأن تكرار الاعتداءات على أفراد الأمن، وما تعكسه بعض هذه الوقائع من «تعالٍ اجتماعي» في التعامل مع العاملين في الوظائف الخدمية.

وأظهر مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي سيدةً توجّه السباب إلى موظف أمن داخل نطاق «نيو جيزة» بمدينة السادس من أكتوبر، وتردِّد أمامه عبارة: «إنت متعرفش أنا بنت مين»، في تلويح واضح بالنفوذ والمكانة الاجتماعية، قبل أن تعتدي عليه بالركل خلال مشادة نشبت بشأن دخولها إلى مرآب أحد الأندية.

وقالت وزارة الداخلية المصرية، في بيان السبت، إن موظف الأمن أفاد بأنه منع السيدة من الدخول، موضحاً لها أن البوابة مخصصة للأعضاء فقط، فتعدَّت عليه بالسباب والركل، مما أدى إلى إصابته بكدمة في ساقه اليسرى، وفق تقرير طبي أُرفق بالمحضر.

وتمكَّنت الأجهزة الأمنية من تحديد هوية السيدة وضبطها، وبمواجهتها أقرَّت بوقوع المشادة والاعتداء، لكنها اتهمت موظف الأمن، في المقابل، بالتعدي عليها بالسباب. وقرَّرت جهات التحقيق إخلاء سبيلها بكفالة مالية قدرها 10 آلاف جنيه (نحو 195 دولاراً)، كما قرَّرت صرف موظف الأمن بضمان محل إقامته.

وترى الدكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة بنها، أن النموذج الذي ظهر في الواقعة «يتكرَّر داخل التجمعات السكنية المغلقة، وكذلك في بعض مراكز التسوق، حين يتحوَّل الخلاف مع أحد العاملين إلى تطاول قد يصل إلى حدِّ التعالي الطبقي».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «وجود طبقات اجتماعية مختلفة داخل المجتمع أمر طبيعي، فالمجتمعات تتكون في الأساس من طبقات، لكن المشكلة تبدأ حين تتجاوز طريقة التعامل بينها حدود المساواة والاحترام المتبادل، وبالطبع احترام القانون».

وتعيد هذه الواقعة إلى الأذهان واقعة الاعتداء على موظف أمن إداري ورجل آخر داخل أحد المجمعات السكنية بمنطقة التجمع الخامس (شرق القاهرة)، في فبراير (شباط) الماضي. وأعلنت وزارة الداخلية حينها ضبط المتهم، بينما أكد موظف الأمن تمسكه بحقه القانوني، وسط حديث عن تعرضه لضغوط من أجل التنازل.

كما عادت إلى الواجهة، في أغسطس (آب) الماضي، قضية لاعب كرة القدم ناصر ماهر، عقب توقيفه تنفيذاً لحكم غيابي بحبسه 6 أشهر مع الشغل، صدر على خلفية اتهامه بالاعتداء على موظف أمن خاص بأحد المجمعات السكنية في القاهرة الجديدة، في واقعة تعود إلى عام 2023. وأكد الموظف عدم التصالح وتمسكه باستكمال الإجراءات القانونية للحصول على حقه.

وأثار تكرار هذه الوقائع نقاشاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول الطريقة التي يتعامل بها بعض رواد المجمعات المغلقة مع العاملين في الوظائف الخدمية، خصوصاً عندما يطبِّق هؤلاء تعليمات الدخول أو الانتظار التي وضعتها إدارات الأماكن.

وبحسب منصور، تؤدي مواقع التواصل الاجتماعي دوراً في تشكيل ما تشبه «محكمة اجتماعية» حول تلك الوقائع، بما تمارسه من ضغط يدفع إلى كشف ملابساتها وتحريك الإجراءات الرسمية، رغم ما قد تصاحب ذلك أحياناً من أحكام متعجلة.

وترى أن ما تردّد عن تمسك موظف الأمن، في الواقعة الأخيرة، بحقه عبر الطرق القانونية يحمل دلالة مهمة، «إذ لا ينبغي أن ينتهي النقاش عند مشهد الاعتداء وحده، بل يجب أن يُرسَّخ حق العامل في اللجوء إلى القانون، بصرف النظر عن موقعه الوظيفي أو المكانة الاجتماعية للطرف الآخر».