ما وراء تفجيرات بنغازي

خطط جديدة للمتطرفين في ليبيا

ما وراء تفجيرات بنغازي
TT

ما وراء تفجيرات بنغازي

ما وراء تفجيرات بنغازي

هزَّ انفجاران بسيارتين ملغومتين، بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية، الثلاثاء الماضي، ما أدى لسقوط 35 قتيلاً. وخيَّم القلق على البلاد، ودول مجاورة. ويأتي هذا بالتزامن مع تحذير دولي من مغبة أن تتحول الدولة الغنية بالنفط، والواقعة على الشاطئ الجنوبي لأوروبا، لمركز للمتطرفين الفارين من سوريا والعراق.
ويجري محققون فحص تهديدات سابقة ضد الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر، وبعضها صدر أساساً من قيادات جرى طردها من بنغازي لأسباب جهوية وعرقية ومذهبية، وتورطت مع جماعات إرهابية في غرب البلاد وجنوبها.
وكانت تنظيمات متطرفة، على رأسها «أنصار الشريعة» و«شورى المجاهدين»، قد هيمنت على السلطة في المدينة، حتى مطلع 2014، إلا أن المشير حفتر تمكن من جمع ألوف من رجال الجيش والمتطوعين، وطرد هذه الجماعات، مثلما سبق لقوات تابعة للمجلس الرئاسي، طرد «داعش» من سرت. ويعتقد أن خليط المتطرفين هذا، فرَّ أغلبه للصحراء، وأسس قواعد لتنفيذ عمليات خاطفة في ليبيا ودول مجاورة.
وبدأ حفتر، منذ شهرين، التأسيس لمرحلة ما بعد الحرب، والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية، بمساعدة مصر، مع وضع هيكل أمني للمكافحة الشاملة للإرهاب، وسط زخم يدور عن رغبته في خوض انتخابات الرئاسة لاحقاً. وقُتل في التفجيرين اثنان من أهم المسؤولين في إدارة التجسس التابعة للمخابرات، ووحدة التحري والقبض بالقوات المسلحة.
ويعد التفجير الذي وقع عقب خروج مصلين، مساء، من مسجد «بيعة الرضوان» في ضاحية السلماني، بوسط المدينة، الأكبر الذي يسقط فيه كل هذا العدد من الضحايا، مرة واحدة، منذ الإطاحة بالقذافي. ويتشابه الحادث مع ما نفذه متطرفون بمنطقة الشرق الأوسط ضد مصلين في المساجد، كان من بينها، مسجد «الروضة» في سيناء بمصر قبل شهرين.
وأدانت جهات دولية وإقليمية ومحلية تفجير السلماني، لكنها شددت على رفضها لأي عمليات انتقام خارج القانون، وذلك بعد قيام ضباط بالجيش، عقب الحادث المروِّع، بتصفية نحو عشرة ممن يتهمهم بأنهم إرهابيون، بإطلاقه الرصاص على رؤوسهم.
من رائحة الأرض السبخة في منطقة السلماني بمدينة بنغازي، ثاني كبرى مدن ليبيا، يمكن أن تشم تداخل الصراع الجهوي بالمذهبي. وتقع السلماني جنوب «المدينة القديمة» ببنغازي، وكانت حتى مطلع القرن الماضي مجرد مساحات خالية تغمرها مياه ملحية، وتخضع لنفوذ قبائل عدة. بينما كان المستعمرون الإيطاليون يعيشون في مبان رومانية الطراز على شاطئ البحر. أما تلك القبائل فظلت لوقت طويل تفضل الحياة على أطراف المدينة.
وحين بدأت الهجرة من غرب ليبيا، خصوصاً من مصراتة وطرابلس، إلى بنغازي، ردم معظم الوافدين الجدد الأراضي الهشة، وتُركوا للإقامة فيها. لم تكن ليبيا قد عرفت النفط بعد. كانت فقيرة، وتقاس فيها الثروة بما تملكه كل عائلة من قطعان الأغنام والإبل والخيول.
لهذا ظل سكان السلماني فقراء، إلى أن غيَّر النفط الأحوال بالتدريج منذ الخمسينات. وظهرت في الضاحية رؤوس المباني الحديثة والمتاجر. وطوال مدة حكم القذافي، لم يكن أحد يمكنه أن يعترض على الواقع الجديد. ويقول أحد شيوخ القبائل، وهو يتطلع لجدران غرفة الضيافة في بيته، والمعلق عليها صورة للملك السنوسي: «كثير من العائلات القديمة هنا لديها شعور بأن الأغراب هم من تسببوا في تدمير بنغازي، بتحالفهم مع المتطرفين منذ عام 2011».
- ماذا يجري؟
حين يدور النقاش بشأن ما يجري في هذه المدينة من اقتتال بين الجيش والمتطرفين، تجد من يطلب الكشف عن الأسماء الأولى التي أسست «المجلس الانتقالي». وهو المجلس الذي جرى تكوينه كسلطة موازية تقوم بقيادة الحرب على القذافي بمساعدة من حلف شمال الأطلسي (ناتو). لقد اندلعت شرارة الانتفاضة من بنغازي، لكن شيخ هذه القبيلة يزعم أن المخططين لم يكونوا من أبناء المدينة الأصليين.
وفي كثير من المدن تسعى عائلات كبيرة لاستعادة أملاكها التي تعرضت للمصادرة في عهد القذافي. بينما تذهب عائلات أخرى إلى التنقيب في التاريخ القديم عمن يستحق البقاء هنا أو لا، وعمن وقف مع «الناتو»، أو مع المتطرفين. إنها قضايا مثيرة للقلق على مستقبل الدولة.
لقد جرى طرد العميد مصطفى الشركسي، الذي كان آمراً عسكرياً لبنغازي، رغم أنه من أبناء المدينة، مع العلم أن أصوله تعود إلى مصراتة، مثل قادة ميليشيات آخرين ودعاة وسياسيين، لا يعرفون إلا بنغازي كمدينة لهم منذ استقر فيها أسلافهم قبل عقود طويلة. لكن الانتفاضة التي انطلقت في مثل هذا الوقت تقريباً من عام 2011 أوجدت ذرائع لأي اقتتال.
ويقول الجيش إن الشركسي مطلوب لارتكابه جرائم، ولا علاقة للأمر بأصوله. لكن العميد المدرج اسمه في قوائم للإرهاب، يرد مدافعاً بأن سبب المشكلة يعود لخلفيات عرقية. وحين خرج من بنغازي قبل عامين، أخذ معه عدة عشرات من الضباط والجنود والمتطرفين المهزومين أيضاً. وفي مقابلة سابقة معه أشار إلى أن من تم تهجيرهم من بنغازي بلغ الآلاف، ويقيم معظمهم في مصراتة.
لقد لجأ معظم هؤلاء القادة إلى غرب البلاد، واستعانوا بمنصات إعلامية - جرى تصنيفها أخيراً ككيانات إرهابية أيضاً - لكي يهددوا بنغازي، كما يقول الدكتور محمود الغنودي، الباحث الليبي في الشؤون الأمنية... «كانوا في قنواتهم الإعلامية الموجودة في طرابلس، مثل (التناصح) و(النبأ)، قد هددوا مبكراً بأنه في حال تمكن الجيش من طردهم من بنغازي، فإنهم سيعودون. نعم... أقسموا اليمين بأنهم سيعودون بالمفخخات والمتفجرات».
- «مجلس الشورى العسكري»
في العام الماضي - يقول تقرير عسكري - دخل الشركسي في تعاون مع جماعات وصمت بالتطرف، في حروب فاشلة ضد الجيش انطلاقاً من الغرب، بقيادته لما يعرف بـ«سرايا الدفاع عن بنغازي»، التي جرى تصنيفها هي الأخرى ضمن قائمة الكيانات الإرهابية.
ويضيف: حين أصابه اليأس أصبح أنصاره يتعاونون مع منظمة خطرة تضم قادة للمتطرفين، جرى تأسيسها منذ نحو شهرين، وتلقى دعماً من جهات إقليمية، وتسمى «مجلس الشورى العسكري»، برئاسة عميد في المخابرات العسكرية بمصراتة. ونفت هذه الأطراف ضلوع عناصرها في تفجيرات السلماني.
ومن جانبه، كان الجيش أعلن عدة مرات أن المدد من أسلحة ومتفجرات، يأتي للمتطرفين في شرق البلاد، من مصراتة وطرابلس. بيد أنه، وأياً ما كان الحال، توجد ملاحظات قوية لدى أجهزة التحري الأمنية، حول الاختلاط والتعاون بين «الجهوي والمذهبي»، بهدف معاداة الاستقرار ورفض عودة الدولة الموحدة، وهو أمر يستغله متطرفون محليون و«دواعش» قادمون من العراق وسوريا.
ويقول مسؤول في الاستخبارات العسكرية، دون ذكر اسمه، لأنه غير مخوّل له الحديث للإعلام: «هذا تعاون مقلق... هو لا يقتصر على بنغازي، بل وصل إلى مناطق يفترض أنها تخضع للمجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج. إنهم يثيرون نعرات قبلية وبحثاً عن أصول ملكيات الأراضي، ومن استفاد من نظام القذافي، ومن كان داعماً لحلف الناتو، ومن جاء هنا قبل الآخرين. هذا يحدث بين العرب والعرب، وبين الأمازيغ والعرب».
- الصحراء الليبية
يبدو أن الصحراء الليبية، بظهيرها الأفريقي، أصبحت عاملاً مساعداً، هي الأخرى، بتحولها إلى مخزون لمقاتلين يعملون على ترسيخ أقدامهم في هذا البلد. إنه موسم اللعب على خلافات قبلية وجهوية بعضها قديم، وبعضها يعود لما بعد 2011. ويضيف المسؤول نفسه: «عناصر (داعش) تقدم خدمات القتل والتخريب، لهذا الطرف أو ذاك، مقابل عدم اعتراض سبيلهم. كما أن بعضاً من مثل هذه الصفقات يتم فيها إخلاء سبيل محتجزين من (الدواعش) في سجون طرابلس ومصراتة وبنغازي».
ومن يذهب للصحراء، فهي شاسعة... ويظهر أنها أكبر من قدرة أي من الحكومات المتصارعة على السلطة، وفقاً للباحث في مركز «أميركا الجديدة» في واشنطن، باراك بارفي، المعني بقضايا منطقة الشرق الأوسط.
وتضمّنت أحدث دراسة لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، بشأن ليبيا، قلقاً من تزايد تجنيد المتطرفين في القارة الأفريقية، قائلة إن «ليبيا تقدم مركزاً جهادياً مستقبلاً محتملاً في ظل انهيار مراكز الدولة الإسلامية في العراق وسوريا». وتذكر الدراسة تعاون متطرفين من جنسيات مختلفة، بينهم تونسيون ومصريون. وتقول إن هناك عناصر متطرفة في ليبيا من 43 بلداً، منهم 1500 من تونس، و300 من المغرب، و130 من الجزائر، و112 من مصر.
لكن بارفي يقول إن عدد «الدواعش» في ليبيا كان، قبل سنتين، نحو خمسة آلاف يتمركزون في سرت، وبعد ذلك تم دفعهم إلى الصحراء، وهم كثيرون جداً، حيث لا توجد حكومة، ولا قوة، يمكن أن تستمر في مقاتلتهم في هذه المساحات الخالية المجاورة لصحارى مصر وبلدان أخرى. ومثلما وقع تفجير بنغازي، تحدُث تفجيرات بين وقت وآخر في مدن عدة. ويبدو أن المتطرفين يأتون من الصحراء لتنفيذ عملية سريعة ومُحكمة، ثم العودة للفراغ الخارج عن سيطرة الدولة.
ويوضح بارفي، الذي زار أخيراً تركيا وسوريا، قائلاً إن تفجير بنغازي «لا يدل على وجود (داعش) في المدن، وبالتالي لا يمكنه أن يؤسس ولاية، كما يريد... أعتقد أنه أصبح يلجأ لنفس طريقة تنظيم القاعدة، فمركز القاعدة في أفغانستان، ومع ذلك يمكنه تنفيذ تفجير في العراق، أو سوريا، أو لبنان، أو الأردن».
ومنذ أواخر العام الماضي، أي بعد انهيار مركز «الخلافة الداعشية» المزعومة في مدينة الموصل العراقية، لوحظ أن عناصر التنظيم في ليبيا أصبحوا يقتاتون على التنافس بين الخصوم. وأبرز مثال على «العجينة الجهوية المذهبية»، تلك الحروب الصغيرة الدائرة بعيداً عن الأضواء، وبشكل مستمر حيث تتم مصادرة أملاك ومواشٍ، إضافة لقتل وتعذيب، في مناطق تقع إلى الغرب من طرابلس، حتى الحدود مع تونس.
ويقول المسؤول في المخابرات العسكرية: «هناك شخصيات في التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، ومن (الجماعة الليبية المقاتلة)، تشارك في تسيير حركة المقاتلين إلى ليبيا، وتقوم في الوقت نفسه بدعم قيادات عسكرية، أحدها، مثلاً، بدرجة لواء، وآخر بدرجة رئيس مجلس عسكري، لكي تتمكن من السيطرة على منافذ الحدود الليبية مع تونس».
ويتابع موضحاً: «جرى خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، رصد لاستغلال المظاهرات في ذلك البلد الجار، لإدخال دفعات جديدة تضم عشرات من عناصر (داعش) الفارين من سوريا والعراق. ولوحظ على من وصلوا لمدينة صبراتة الإنفاق ببذخ على عمليات النقل وشراء السيارات والأسلحة. ولا توجد سلطة تنفيذية قوية لدرء المخاطر التي يرصدها جهاز الاستخبارات هنا».
ولم يتمكن الجيش نفسه من كبح جماح بعض ضباطه ممن يقومون بالانتقام ممن يصفونهم بالإرهابيين. وظهر مشهد صادم لضابط وهو يطلق النار على رؤوس نحو عشرة من هؤلاء في الموقع نفسه الذي شهد تفجير السلماني. ولم تكن هذه العملية الأولى. وطالبت جهات دولية بتقديم الفاعل للمحكمة الجنائية. وتعكس هذه الواقعة ضعف الأجهزة التنفيذية في هذه الدولة بشكل عام.
ويقول بارفي: «أعلم الآن أنه يوجد إعادة انتشار لمقاتلي (داعش) من العراق وسوريا... توقفتْ (دولة الخلافة) هناك، وبالتالي الأجانب يحاولون العودة إلى دولهم في أوروبا، ونفس الشيء مع العرب؛ أي الانتقال من سوريا والعراق إلى ليبيا ومصر وتونس»، مشيراً إلى أن «تنظيم داعش لديه أموال ضخمة جداً، ربما تصل إلى نحو مليار دولار، نتيجة التجارة في تهريب النفط وغيره».
ووسط الفوضى الليبية، ومن خلال هذا التحالف الغريب، تعرّضت معظم محاولات الخروج من النفق المظلم، لعمليات انتقامية، أكثر بشاعة من انفجار يوم الثلاثاء الماضي. فقد اجتياح تحالف من الجهويين والمتطرفين، الشهر الماضي، مناطق نفوذ قبائل عربية وأمازيغية، في غرب البلاد، ما أثار حفيظة هذه القبائل وتقديمها شكاوى للسراج. ويقول تقرير للمخابرات إن الهدف كان تأمين دخول مزيد من المتطرفين القادمين لليبيا من الخارج، حيث إن بعضهم كان يقيم في جبل الشعانبي التونسي قرب الحدود.
- وضع طرابلس
وكلما اشتعلت نار الخلاف في موقع، تجد شهية المتطرفين مفتوحة لاستغلال الموقف، كما جرى في الحرب القصيرة التي وقعت بين قوتين تابعتين للسراج، في مطار إمعيتيقة بطرابلس، منذ أسبوع. لكن عبد الفتاح بنور، الوسيط الذي تدخل لتهدئة الوضع، يقول إن ضعف الحكومة يعد سبباً رئيسياً لاندلاع مثل هذه المشاكل.
ويذهب تقرير أمني آخر إلى أن قيادات عسكرية جهوية في غرب العاصمة استعانت بقتلة محترفين من تنظيم داعش، لتصفية اثنين من قيادات قبيلة ورفلة، هما عبد الله انطاط، وخميس سباق، وذلك حين كانا يسعيان لعقد مصالحة بين قبائل عوينة ومزدة والخلايفة، قبل نهاية العام الماضي... «كان الهدف منع التقارب والتصالح بين هذه القبائل».
ومن بين هؤلاء القتلة، وفقاً للتحقيق، ليبي اسمه مدرج في قوائم الشخصيات الإرهابية، وسبق له تنفيذ عملية إطلاق نار على فندق «راديسون بلو» في باماكو عاصمة مالي. و... «ما زال كثير من المتطرفين الأجانب يتنقلون بين ليبيا ومالي، وحتى وسط أفريقيا... نعم، هؤلاء ليسوا من بلادنا». كما يشرح باجان أغ هاماتو، النائب عن مدينة مينكا في البرلمان المالي، متحدثاً عن تأثير الفراغ الأمني في ليبيا على وسط القارة.
ويخشى سكان طرابلس من تكرار انفجار بنغازي، ووصول السيارات المفخخة لمدينتهم التي كانت تسمى يوماً «عروس البحر»، كما يقول حسين آدم، العضو في حراك «صوت الشعب»، أثناء مشاركته مع ناشطين آخرين يرفعون رايات بيضاء، في وقفة ضد العنف، أمام مسجد القدس. إلا أن الليبيين، والأفارقة عموماً، يبدو أنهم قد تهيئوا لواقع مرير، بعد أن أصبح الإرهاب قادراً على اجتياز الحدود، كما يشير النائب هاماتو.
حين تطرح سؤالاً في بنغازي عن «الخلايا النائمة» بالمدينة، يجيب الدكتور محمد القشاط، رئيس جبهة النضال الوطني، في سخرية ممزوجة بالغضب: «هذه خلايا مستيقظة، لا نائمة»، قائلاً إن مثل هذا التفجير ليس الأول ولن يكون الأخير. ويشير إلى أن «الهمَّ مشترك... من يقومون بالتفجير في ليبيا، يقومون بالتفجير أيضاً في مصر، وحتى العراق، لنشر الفوضى».
ثم يعدد المرات التي تم فيها تنفيذ عمليات ضد الجيش، وضد الرافضين للمتطرفين في بلاده، قائلا إن «الدواعش أصبحوا منتشرين. يقتلون، ويفرون... وللأسف تحرضهم بعض الدول، وتمدهم بالأسلحة والذخائر، مثلما حدث مع سفينة المتفجرات التي أوقفتها السلطات اليونانية قبل وصولها للسواحل الليبية. كانت مثل هذه السفن تفرغ حمولتها في مصراتة، ومنها يتم تزويد المجموعات المتطرفة في بنغازي ودرنة. خط سير (الدواعش) معروف للدول الكبرى... سواء جاءوا لليبيا عن طريق تركيا، أو السودان، أو غيرهما».
ولا يتوقف اللغط في الأوساط الليبية بشأن تكهنات عدة ذات صلة بتفجير الثلاثاء الماضي، مثل حقيقة انتصار الجيش على المتطرفين، وعلاقة التفجير بتوقيف السلطات اليونانية للسفينة التي كانت في طريقها لمصراتة... وفي لهجة حاسمة يقول الدكتور محمد الورفلي، المسؤول السابق في مؤتمر القبائل الليبية: «البعض يلوم على الجيش، لكن هذا غير صحيح، لأن مثل هذه التفجيرات تقع في مدن كبرى فيها مخابرات قوية، مثل لندن، ومدريد، وباريس. أعتقد أن ما حدث مرتبط بمحاولة للتغطية على توقيف اليونانيين لتلك السفينة».
وفي الجانب الآخر من المدينة، يبث الدكتور علي الأسطى، من هيئة السيطرة بالقيادة العامة للجيش، الطمأنينة بين الأهالي، ويقول إن الإرهاب يقع في أي مكان وزمان، وليس له دين ولا وطن ولا موعد. ويدعو الأسطى إلى تلاحم بين الجيش والشرطة والشعب، للحفاظ على المدينة، وبالتالي الحفاظ على الدولة، قائلاً إن «بنغازي محررة، ومستقرة، والأمور فيها طبيعية».
وبعد الحادث أخذ الدكتور الغنودي، عدداً من زملائه، في جولة بالمدينة، لطمأنة المواطنين، ولحثهم على أخذ الحيطة والحذر. ويقول إنه ينبغي على الناس في هذه الظروف أن يفتحوا أعينهم... «كل واحد لا بد أن يكون فرد أمن... وأي واحد غريب، أو ساكن في المنطقة غريب، لا بد من الإبلاغ عنه»، مشيراً إلى أن نشر الإرهاب يستهدف دول المنطقة وليس ليبيا فقط.


مقالات ذات صلة

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

الخليج الكويت صنفت 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب (كونا)

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

قررت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع»، في الكويت، الأحد، إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)
آسيا تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

أعلن ​تنظيم «داعش» عبر قناته على «تلغرام» ‌مسؤوليته ‌عن ‌هجوم دموي ‌على مسجد للشيعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
آسيا 31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان، والشبهات تحوم حول حركة «طالبان» باكستان وتنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (إسلام أباد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.