حفل «غولدن غلوبس» تحوّل إلى منصّة نسائية بامتياز

نجمات هوليوود طالبن بالمساواة ووعدن بنيلها

جانب من كلمة أوبرا وينفري أثناء تلقيها جائزتها (أ.ب) - مقدم الحفل الكوميدي الأميركي سث مايرز (أ.ب)
جانب من كلمة أوبرا وينفري أثناء تلقيها جائزتها (أ.ب) - مقدم الحفل الكوميدي الأميركي سث مايرز (أ.ب)
TT

حفل «غولدن غلوبس» تحوّل إلى منصّة نسائية بامتياز

جانب من كلمة أوبرا وينفري أثناء تلقيها جائزتها (أ.ب) - مقدم الحفل الكوميدي الأميركي سث مايرز (أ.ب)
جانب من كلمة أوبرا وينفري أثناء تلقيها جائزتها (أ.ب) - مقدم الحفل الكوميدي الأميركي سث مايرز (أ.ب)

«مساء الخير، السيدات... وباقي السادة». هكذا استهل مقدم الحفل الخامس والسبعين لجوائز «غولدن غلوبس» سث مايرز كلمته الافتتاحية في الحفل الرسمي الكبير الأول بعد موجة الفضائح الجنسية التي ضربت مشاهير رجال هوليوود في الأشهر الأخيرة. وأكمل قائلاً: «قبل اختياري لتقديم هذه الحفلة اتجه التفكير لاختيار سيدة تقوم بذلك، لكن النساء اللواتي تم ترشيحهن خفن من مقاطعتهن من قِبل الفنادق فاعتذرن»، وذلك في إشارة إلى ما بات معروفاً من قيام المنتج الموصوم هارفي واينستين استدراج الممثلات والطامحات إلى غرفته في بعض الفنادق والتعرض لهن هناك.
باقي نكات مايرز كانت بعيدة عن جو الفضائح فتعرض سريعاً لدونالد ترمب تعليقاً على تغريداته الأخيرة، وقليلاً على مرشحي جوائز الحفل الذي كان من بين أنجح حفلات «جمعية هوليوود للمراسلين الأجانب» وهو ليس أمراً جديداً بحد ذاته، كون الاحتفال، على عكس حفل الأوسكار والبافتا مثلاً، يُقام في قاعة فندقية كبيرة تنتشر فيها الطاولات المستديرة عوض كراسي القاعات المصطفة ما يسمح للجالسين حرية أكبر في الحركة وتناول العشاء أيضاً.

الوضع الصعب
تقديم سث مايرز الجيد والشامل في مجمله لم يكن المحطة الوحيدة التي ميزت الحفل. هناك الممثلة إليزابيث موس التي فازت بجائزة أفضل ممثلة عن مسلسل تلفزيوني درامي التي عكست في كلمتها التوجه الجديد للفنانات العاملات في حقلي التلفزيون والسينما بتحدي الوضع السابق عندما كن يلتزمن بالصمت حيال سوء التعامل والمعاملة وأنواع التحرش الجنسي.
أفضل الكلمات الملقاة بالمناسبة كانت تلك التي فاحت بها الإعلامية أوبرا وينفري التي مُنحت جائزة سيسيل ب. ديميل الفخرية، وبذلك هي أول شخص أميركي من أصول أفريقية ينال هذه الجائزة منذ إنشائها قبل 66 سنة.
بعد أن عادت بذاكرتها إلى عام 1964 عندما شاهدت الممثل سيدني بواتييه يقف على منصة الأوسكار لتسلم جائزته عن بطولته لفيلم «براعم في الحقل» لرالف نلسون وكيف أنها كانت المرّة الأولى التي شاهدت فيها ممثلاً أسود البشرة يعتلي مثل هذه المكانة، وبعد أن شكرت الجمعية على هذه الجائزة وطالبت صحافييها بالمزيد من نشر الحقائق «في هذا الوضع الصعب»، حكت كيف أن امرأة اسمها رايسي تايلور تعرضت لاغتصاب عشر رجال بيض ثم تم تهديدها بالقتل إذا أعلنت ما أصابها وأضافت: «رايسي ماتت منذ عشرة أيام من دون أن تنال العدالة التي تستحق». وبعد أن أهابت بنساء ورجال هوليوود العمل على التعاون الوثيق والمنصف وقف الحضور لها في تصفيق وشوهد البعض منهم يمسح دموعه.
إذا ما أضفنا تعليقات وخطب فائزات أخريات (بينهن نتالي بورتمن وفرنسيس مكدونالد) فإن الليلة كانت تذكيراً بجو جديد يعم هوليوود داعماً المطالبة بالمساواة، ليس بين البيض والسود كما كان الحال في حفل أوسكار عام 2016 بل بين رجال ونساء هوليوود. والمؤكد أن هذا الحفل سيكون «ورقة كربون» حفل الأوسكار المقبل، حيث لا مفر من التعرض للموضوع ذاته، وللوضع السياسي بأكمله.
والوجوه الفائزة ليلة أول من أمس، الأحد، كانت متنوعة بما تسمح به الأعمال المشاركة ذاتها، صحيح أن الممثلة نتالي بورتمن أعابت على خلو مسابقة أفضل مخرج من وجود مرشحة أنثى، لكن ماذا يمكن فعله إذا لم تكن هناك مخرجة أنثى قدّمت فيلما يضاهي أيا من أعمال المخرجين الرجال؟ لا صوفيا كوبولا أنجزت عملاً جديراً عندما قدّمت في العام الماضي «المنخدعات»، ولا حتى كاثلين بيغيلو عرفت كيف تستغل فرصة تحقيق فيلم عن الأحداث العنصرية في الستينات عندما أنجزت في العام نفسه «دترويت».

قائمة الفائزين
حفل «غولدن غلوبس» مهم لجمعية تعرج تاريخها ماراً بسنوات لم تشأ هوليوود التعامل معها فيها. تلك السنوات البعيدة الذي بدت فيها الجائزة مجرد نتاج لمجموعة صغيرة من الصحافيين الباحثين عن مكان ما من الشهرة في عاصمة السينما. وبعد أن اكتسبت الجمعية حضورها المؤكد في مطلع السبعينات هزّتها فضيحة منح ممثلة رديئة هي بيا زادورها جائزة خاصة (باسم «نجمة العام»)، وذلك في مطلع الثمانينات، عن بطولتها لفيلم بعنوان «فراشة»، وذلك نتيجة ضغوط وإغراءات وفرها زوجها الذي كان يريد لزوجته الشهرة والنجاح بأي وسيلة ممكنة.
لكن الجمعية عملت على تصحيح اعوجاجها مرّة واحدة وإلى اليوم مدركة أن عليها مسؤولية أن تكون جادة ومهنياً محترفة في قراراتها. منذ ذلك الحين استطاعت طي صفحات التعرج تلك والانتقال إلى ثاني أهم مناسبات الجوائز الهوليوودية بعد الأوسكار.
جوائز هذا العام تدعم هذا التوجه مرّة أخرى والأفلام والشخصيات الفائزة هي من بين أفضل ما تم لهوليوود تقديمه بالفعل. بطبيعة الحال تختلف بعض المعايير والتفضيلات، ولهذا كان هناك مبدأ التصويت والاقتراع السريين وما ينتج عنهما من ترقب ومفاجآت.
• الفائز بغولدن غلوبس كأفضل فيلم درامي يعكس هذه الحقيقة. هو «ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميسوري» واختير من بين خمسة أفلام اثنان منها كانا يستحقانها كونهما فنياً أفضل هما «دنكيرك» و«شكل الماء».
الفائز الكوميدي في هذا النطاق كان، وكما توقعنا قبل ثلاثة أيام، فيلم «لايدي بيرد» وهو - عملياً - أفضل النخبة التي ترشحت ومنها «أنا تونيا» و«أخرج» و«فنان الكارثة».
• المخرج غويلرمو دل تورو فاز بجائزة أفضل مخرج، وكان مطروحاً كذلك في توقعاتنا، عن فيلمه «شكل الماء». حين وقف المخرج ليلقي كلمته داهمه الوقت ليرتفع عزف الفرقة الموسيقية إيذانا له بذلك فما كان منه إلا أن التفت إليها وقال: «انتظرت 25 سنة لمثل هذه الجائزة، تستطيعون إعطائي دقيقة إضافية». ونال ما أراد. كل المخرجين الذين شاركوه الترشيح كانوا يستحقون شرف المنافسة: ريدلي سكوت عن «كل المال في العالم» وستيفن سبيلبرغ عن «ذا بوست» وكريستوفر نولان عن «دنكيرك» ومارتن مكدوناف عن «ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميسوري». اللافت بالطبع أن مكدوناف خرج بجائزة أفضل فيلم درامي لكنه فشل في الحصول على جائزة أفضل مخرج، والعكس صحيح بالنسبة لغويلرمو دل تورو.
• سباق أفضل فيلم كوميدي أو موسيقي انتهى بفوز «لايدي بيرد» الذي توقعنا له الفوز هنا، ملاحظين بأنه أفضل الأفلام المتبارية في هذا المضمار، وهي «فنان الكارثة» و«أخرج» و«الاستعراضي الأعظم» و«أنا، تونيا».
• لم أكن مصيباً عندما استبعدت فرنسيس مكدورمند من جائزة أفضل ممثلة رئيسية في فيلم درامي. ربما طغا الإدراك بأن تعبيرها الأحادي طوال الفيلم أخفق في ترك التأثير الصحيح، علماً بأن شخصيتها في ذلك الفيلم تشهد أكثر من تبلور كان يتيح بعض التلوين في الأداء. لكن باقي أعضاء الجمعية منحوها ثقتها، ما يعزز احتمال فوزها بالأوسكار المقبل.
• على الجانب الرجالي فاز غاري أولدمان بالجائزة عن دوره في «الساعة الأدكن» (Darkest Hour) وهو كان ضمن التوقعات الأكثر احتمالاً. ثلاثة من منافسيه كانوا ثلة من الأقوياء في المهنة: توم هاكس ودانيال دي - لويس ودنزل واشنطن. الرابع كان شطحة خيالية أصابت لوثتها الممثل المبتدئ تيموثي شالاميه.
في هذا الإطار تبرز ملاحظة أن الفيلم الذي حمل عدة ترشيحات لكنه لم يفز بأي منها، وذلك على عكس توقعات نقاد «ذا هوليوود ريبورتر» و«فاراياتي» وسواهما من مصادر المعلومات السينمائية هو الفيلم الذي ترشح عنها تيموثي شالاميه وهو «نادني باسمك». وهو كان جمع أصواتاً لا بأس بعددها داخل وخارج الجمعية نسبة لمعالجة رومانسية وموضوع (عن المثلية) بات البعض يتباهى بتأييده بصرف النظر عن قيمة الفيلم المنتج.
• كان مفاجئاً فوز جيمس فرانكو بجائزة أفضل ممثل عن فيلم كوميدي لكنه فعل. وبالمقارنة مع خلانه المنافسين قدّم أفضل تنويعاً ممكناً وهو ما لم يتح لمنافسيه دانيال كالويا (عن Get Out) وهيو جاكمان («الاستعراضي الأعظم») وأنسل إلغورت («بايبي درايفر») وستيف كارل («معركة الجنسين»).
• في المقابل النسائي نالت الجائزة سواريس رونان عن «لايدي بيرد» متقدمة على جودي دنش («فيكتوريا وعبدل») وهيلين ميرين («طالب وقت الفراغ») ومارغوت روبي («أنا، تونيا») و«إيما ستون» («معركة الجنسين»). حقيقة أن هذه الأفلام - باستثناء «أنا، تونيا» - لم تصل لترشيحات أفضل فيلم كوميدي ألقت ظلالاً عليها ما ساعد «لايدي بيرد» على ربح جائزته الثانية بعد جائزة أفضل فيلم كوميدي.
• أما جائزة أفضل ممثل في دور مساند ففاز بها سام روكوَل عن دوره المستحق في «ثلاث لوحات...». الممثلون الآخرون في هذا الحفل كانوا جيدين وهم حسب تفوقهم ويليام دافو (عن «مشروع فلوريدا») وكريستوفر بلامر («كل المال في العالم») ورتشارد جنكينز («شكل الماء») ثم أرمي هامر عن «نادني باسمك».
• نسائياً فازت اليسون جيني بـ«غولدن غلوب» أفضل ممثلة مساندة عن «أنا، تونيا» ومنافساتها كن على جدارة خصوصاً أوكتافيا سبنسر في «شكل الماء».
• إذا لم يفز مارتن مكدوناف بجائزة أفضل إخراج عن «ثلاث لوحات...» فإنه فاز بجائزة أفضل سيناريو عن ذلك الفيلم. في الواقع هناك هنات كتابية في هذا الفيلم لكن كذلك الأمر في الأفلام الأربعة الأخرى المنافسة في هذا المجال وهي «لعبة مولي» و«لايدي بيرد» و«ذا بوست» و«شكل الماء».
• هذا الفيلم الأخير، «شكل الماء» عوض خسارته في سباق الكتابة بفوزه في سباق الموسيقى. وهو سباق حوى على موسيقى تقليدية من جون ويليامز لفيلم سبيلبرغ «ذا بوست» وأخرى ركيكة محاطة بأجواء مناسبة وضعها هانز زيمر لفيلم «دنكيرك». الموسيقيان الآخران هما جوني غرينوود عن «تهديد شبحي» وكارتر بوروَل عن «ثلاث لوحات...».
• «كوكو» كان أحد فيلمين توقعنا لهما الفوز في مسابقة أفضل رسوم. الآخر كان «في حب فنسنت». الفيلم الآيرلندي - الكندي «رابحة الخبز» كان بين تلك المتنافسة أيضاً.
• وأخيراً، هنا، فاز «في الاختفاء» للألماني (من أصل تركي) فاتح أكِن بالجائزة التي تعبر عن ذوات جمعية من الأجانب العاملين في هوليوود وهي جائزة «أفضل فيلم أجنبي». دراما حول امرأة تسعى للانتقام من قتلة زوجها وطفلهما تجاوز أعمالاً فنية بديعة أهمها «بلا حب» و«امرأة رائعة»، لكن لكل جائزة هفوتها.
• تلفزيونياً، فازت لورا ديرن بجائزة أفضل ممثلة مساندة عن دورها في مسلسل محدود (خمس حلقات عادة) «أكاذيب صغيرة كبيرة». وعن المسلسل نفسه فاز ألكسندر سكارغارد بجائزة أفضل ممثل مساند.
• عزيز أنصاري، الكوميدي الذي يشق طريقه بنجاح منذ بضع سنوات، عزز مكانته بالفوز بجائزة أفضل ممثل عن مسلسل كوميدي في «سيد في لاشيء» (Master of None) والجائزة الدرامية في هذا القسم ذهبت إلى سترلينغ ك. براون عن «هذا نحن».
• في الجانب النسائي ذهبت جائزة أفضل ممثلة كوميدية إلى راتشل بروسناهن عن دورها في «السيدة مويسل البديعة»، والمقابل الدرامي حصدته الممثلة إليزابيث موس عن «حكاية خادمة».


مقالات ذات صلة

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».