هوليوود المنحازة للبيض تنتصر للمواطنين الأصليين

بمناسبة افتتاح فيلم «عداوات» مهرجان دبي

TT

هوليوود المنحازة للبيض تنتصر للمواطنين الأصليين

«عداوات» لسكوت كوبر الذي افتتح الدورة الثالثة عشرة من مهرجان دبي السينمائي الدولي، يفاجئ المشاهد على أكثر من نحو. حكاية كابتن أبيض متعصب يتعلم معنى التسامح والسلام مع المواطنين الأميركيين الأصليين للبلاد عبر رحلة صعبة زماناً ومكاناً.
لن يكون الفيلم الذي سيحشد الجمهور من جديد لمشاهدة سينما الوسترن. بكلمات أخرى، ليس الفيلم الذي سيعيد لهذا النوع نتاجاته المتكاثرة التي سادت الأفلام الهوليوودية حتى منتصف الستينات. لكنه، بالتأكيد، الفيلم الذي سيجعل المشاهدين، الجدد على الأقل، التعرف إلى بعض ذلك التاريخ الطويل للشعب الأميركي الذي يُطلق عليه، وعلى نحو خاطئ، «الهنود الحمر».
كانوا، كما نعلم جميعاً الآن، السكان الأصليين لكل القارة الأميركية الشمالية والجنوبية. في الشمال (كندا والولايات المتحدة) تألفوا من 500 أمة، كل منها بثقافات وعقائد وعادات مختلفة وإن تشاركوا في كونهم المواطنين الأصليين للقارة.
حين دلف الغربيون اعتبروا، على نحو غير بعيد مما حدث في فلسطين لاحقاً، أن الأراضي حرة ليست مملوكة لبشر من قبل، على الرغم من مواجهتهم مقاومة واسعة من قبل القبائل التي توزعت فوق تلك القارة.
بالنسبة للأوروبيين البيض، كان هؤلاء شعب همجي لا يعرف الديانة المسيحية ويعيش على القتل والتقاليد غير المتحضرة. وبما أنّ فرنسا وبريطانيا تقاسما شرق وجنوب الولايات المتحدة وكندا، فقد سعى كل طرف لاستقطاب قبائل تقاتل معها ضد الطرف الآخر، حتى استتب الأمر، في القرن الخامس عشر على دحر البريطانيين للفرنسيين إلى ما هو معروف اليوم بمقاطعة كيبوبك الكندية وسيطرة الإنجليز على كل ما هو معروف الآن بالولايات المتحدة. وساد هذا الوضع إلى أن قامت الثورة الأميركية التي انتهت بإعلان استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا في الرابع من يوليو (تموز) سنة 1777.
رؤية رجل هندي
خلال تلك الفترة لازم الأوروبيون المهاجرون إلى شرق وجنوب الأراضي الأميركية، تلك البلاد الشاسعة الممتدة شرق نهر المسيسيبي. تعرضوا لهجوم القبائل الشرقية (بونتياك، وموهيكانز، وسيمينويل وسواهم) واعتدوا بدورهم عليهم لدحرهم على الأراضي التي أرادوا الاستيلاء عليها.
قليلون حتى ذلك الحين اجتازوا المسيسيبي غرباً، لكن ما إن استتب الحال في الشرق حتى بدأت الهجرة الكبيرة صوب الغرب مباشرة بعد استكشافها، وعلى الأخص من بعد أن تداول المستكشفون عن وجود جبال من الذهب والفضة. الاندفاع صوب الغرب لم يختلف في كيانه عن الاندفاع السابق لاحتلال الأراضي الشرقية. في ظاهره التحضر والتطويع والتقدم العمراني والاجتماعي وفي باطنه السعي للاستثمار الصناعي سلماً أو حرباً.
في سبيل ذلك، واجه البيض مقاومة أكبر من قِبل قبائل مختلفة عن تلك الشرقية من بين الشيروكيز والشايين والسيوكس والأباتشي. لكن التاريخ يكشف عن مئات القبائل الأخرى التي يمكن لمن يرغب مطالعتها على الإنترنت. ما هو مهم أنّه من بين 500 أمة (كل منها بقبائل متعددة)، تقلص العدد إلى خمسة أو نحوها. مع الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كان الأمر قد استتب للمواطنين المهاجرين وتحوّل الأصليون إلى شعوب متناثرة ومدمّرة تعيش على ما توفره لهم الحكومة من مؤن وفي محافظات ومعسكرات بعدها لا يزال موجوداً لليوم (على الطريق بين بلدتي تشاندلر وكوليدج تكمن جيوب لقبيلة نافاهو تتبدى من الطريق العام بعيداً).
السينما تعاملت مع جوانب مختلفة من هذا التاريخ وحملت إلى المشاهد نتائج متباينة لهذا التعامل. المخرج الأسطوري د. و. غريفيث أنجز أكثر من فيلم حول ما عرف بـ«الهنود الحمر». أحد أفلامه هذه كان «رؤية الرجل الهندي» (The Red Man‪›‬s View) سنة 1909 الذي قدم فيه نقداً واضحاً للبيض وممارساتهم العدائية حيال بقايا قبيلة هندية مسالمة يجبرهم البيض على إخلاء مكانهم، مما يبعثر إحدى العائلات التي يستخدمها غريفيث كنموذج لما هو أشمل.
بالنسبة لسينما ذلك الحين، فإن النتاج الشامل كان تقديم أفلام يسبر الكثير منها جوانب حياة القبائل في الغرب الأميركي. بعض تلك الأفلام كانت من بطولة ممثلين من تلك القبائل. لكن في عام 1930 حقّق مخرج أبيض فيلما عنوانه «العدو الصامت». جله دار حول المصير البائس للهنود الحمر مثّل فيه مواطنون أصليون فقط. إنّه فيلم مغامرات عن شعب يواجه الجوع بعدما رُحّل من موطنه الأصلي حيث يتكاثر الصيد، إلى مناطق ضحلة لا صيد فيها. العنوان ذاته يقصد الجوع الذي واجه أبطال الفيلم.
المخرج كان هـ. ب. كارفر و«العدو الصامت» كان أول فيلم له وبعده حقق فيلما آخر ثم اختفى. لكن العام ذاته كان العام الذي أخذت هوليوود تنحو فيه صوب تصوير الهندي كعدو شرس ومتوحش يهاجم العزل والأبرياء ويحاول إيقاف عقارب الحضارة والمدنية، مما يستوجب محاربته وكسره.
عنصرية فورد
لم تعن تلك الأفلام بالحقيقة بل بتوفير ينبوع لا ينضب من مشاهد القتال حيث وجهة النظر الوحيدة التي يمارسها الفيلم هي تلك التي تؤول إلى «البطل» الأبيض ومن يؤازره.
من بين سيل طويل من هذه الأفلام برز سنة 1939، فيلم جون فورد الشهير «عربة» Stagecoach الذي عمل على نمط تقسيم من فيه إلى أخيار بيض وأشرار هنود. الفيلم رائع في الصورة والشكل وربح أوسكارين في زمانه، لكنّه مبطن بمنهج عدائي واضح للعنصر الآخر تماماً كمعظم أفلام فورد الذي يعتبره كثيرون من أهم مخرجي السينما الأميركية.
أحد أكثر أفلامه بحثاً في موضوع العلاقة بين «البيض والحمر»، ورد سنة 1956 تحت عنوان «الباحثون» حول دافع انتقامي مغلف بطبيعة عنصرية لرجل يبحث عن قريبته البيضاء التي اختطفها زعيم هندي. صحيح أن فورد لا يخفي عنصرية بطله (جون واين)، إلا أنه يباركها ويحميها من التشويه.
قليل من أفلام الفترة الممتدة من الثلاثينات وحتى منتصف الخمسينات احتوت على نظرة عادلة وبطل أبيض يواجه البيض معارضاً المعاملة التي يتعرض لها الهنود. لكنّ الحال تغيّر تدريجاً وحتى اليوم.
نجد في «سهم مكسور» (Broken Arrow) لدلمر ديفز صورة تقترب كثيراً من تقديم وضع استثنائي لما كان سائداً في مطلع الخمسينات. جيمس ستيوارت في دور رجل أبيض مستقل برأيه يقع في حب امرأة هندية تنتمي إلى شعب حي له شخصيته. قبل ذلك وبعده عدد من الأفلام التي بدأت بالحديث عن شرور البيض التي تدفع الحمر إلى الدفاع عن أنفسهم وأراضيهم على الرغم من تفاوت القوى.
وحكاية الجنرال كستر، الكابتن الذي امتلأ بالبغض حيال الهنود الحمر، وكيف سقط قتيلاً وسط جنوده في معركة حاسمة قادتها قبائل الشمال ضده سنة 1839 (آخر موقعة كبيرة انتصر فيها المواطنون الأصليون)، نموذج للمعالجات المؤيدة أو المناوئة لتلك القبائل. فهو بطل في أكثر من فيلم، بينها «كستر الغرب» لروبرت سيودماك (1967) وعسكري أحمق في «سيتينغ بُل» (Sitting Bull) لسيدني سالكوف (1954).
«عداوات» يأتي في أعقاب صف طويل من الأفلام الحديثة نسبياً التي لم تعد تقدّم الأميركي الأصلي على أساس أنه طفرة نباتية بين البشر، بل تعامله اليوم على أساس أنه هو المواطن الأول صاحب الأرض التي انتزعت منه والتاريخ الذي شوه بغية بيع تذاكر الفرجة للمنتصرين.


مقالات ذات صلة

«مهرجان الفيلم العربي»... 6 أيام من العروض والندوات السينمائية

يوميات الشرق ميسا جلّاد تُحيي حفل ختام المهرجان (نادي لكلّ الناس)

«مهرجان الفيلم العربي»... 6 أيام من العروض والندوات السينمائية

منذ تأسيسه عام 1998، يعمل «نادي لكلّ الناس» على أرشفة الأعمال السينمائية والموسيقية، وترميمها وتحويلها إلى نسخ رقمية.

فيفيان حداد (بيروت)
سينما «مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة».

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

الرحلة ليست مغامرة طفولية، بل عبورٌ من البراءة إلى الوعي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

بدأ الفيلم ينمو من السؤال عن كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف

أحمد عدلي (القاهرة )

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.


شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
TT

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)

SENTIMENTAL VALUE

★★★

إخراج:‫ يواكيم تراير‬

النرويج - ألمانيا - الدنمارك (2025)

دراما عائلية مرشّحة لأكثر من جائزة «أوسكار»

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة». تحاول تمزيق ردائها الذي ستظهر به قبل أن يردعها المحيطون بها. تبدو كأنها استسلمت وبدأت تستعد لصعود المسرح، لكنها فجأة تركض بشكل هستيري نحو باب الخروج هاربة. يلحق بها الجميع ويدفعونها إلى المسرح قسراً. تترصَّدها الكاميرا لتسجِّل حالتها وقد أدركت أن عليها مواجهة الجمهور المنتظر. وما إن تفعل ذلك، حتى تستعيد ثباتها وتقدّم عرضاً ناجحاً، يكتفي المخرج يواكيم تراير بعرض نموذج قصير منه، يعقبه تصفيق حادٌّ من الجمهور.

إنها بداية موفّقة للتعريف بالممثلة داخل الفيلم، وكذلك بأسلوب المخرج تراير المتمكِّن في سرد الحكاية بالحيوية المطلوبة. لكن العلاقة بين هذه المقدِّمة وما يليها تبقى في حدود التعريف؛ إذ يتحوَّل المشهد إلى تمهيد للدخول في عالم فني متكامل تتطور حكايته مباشرة بعد ذلك.

«نورا» ممثلة ناجحة، لكن حياتها الخاصة مضطربة. لديها شقيقة أصغر (إنغا إبسدوتر) متزوجة، وعلاقة الشقيقتين بوالدهما «غوستاف» (ستيلان سكارسغارد) تبدو كوترٍ مشدود يكاد ينقطع. يتضح ذلك حين يصارح الأب «نورا» برغبته في أن تؤدي الدور الرئيسي في فيلمه المقبل: «كتبت السيناريو وأنت في البال». لكنها ترفض، مذكِّرة إياه بأنه لم يتابع مسيرتها المهنية، وأنه غاب طويلاً قبل أن يعود الآن بدافع حاجته إليها فقط. يؤكد لها أن الأمر ليس كذلك، لكنها تُصرُّ على الرفض، فيلجأ إلى ممثلة أخرى؛ مما يجعل علاقته بابنته أعلى حدَّة وتوتراً.

هذه هي عتبة الفيلم نحو وضع أعلى سخونة. فالفيلم الذي يود «غوستاف» العودة به إلى السينما بعد انقطاع طويل مبني على قصة حياته منذ شبابه، لا سيما حادثة انتحار والدته. وهذا ما يزيد التوتر؛ لأن الشقيقتين تريان عودتَه بعد غياب طويل عنهما نابعةً من مصلحة شخصية.

الحكاية ليست العنصر الجاذب الأول؛ فهي حبكة جيدة لكنها محدودة التأثير في حد ذاتها. يمنح الفيلم مشاهديه موقع المتابعة وليس المشاركة؛ لأن المسائل العاطفية المطروحة ليست جديدة ولا حاسمة تماماً. ما يمنح الفيلم قيمته الفعلية هو الأداء التمثيلي الجماعي، إضافة إلى قدرة المخرج على توظيف الكاميرا والصوت لالتقاط تفاصيل المشاهد بقوة.

WOLFRAM

★★★

إخراج:‫ وورويك ثورنتون‬

أستراليا (2026)

من أفلام «مسابقة برلين» وأحد الأعمال الجديرة بالاهتمام

هو نوع من أفلام الويسترن الأسترالي؛ نظراً إلى طبيعة المكان والأجواء، لكن مع رسالة واضحة وتنفيذ جيد إلى حدٍّ مقبول. تدور أحداثه في ثلاثينات القرن الماضي فوق أرض صحراوية قاحلة، مع ما يلزم من شخصيات طيبة وأخرى شريرة. خلال تلك الفترة شهدت المناطق الأسترالية البعيدة تنافساً على استخراج حجر التنغستن (الاسم الآخر: وولفرام)، الذي يُقال إنه نافس الذهب في قيمته. شريران يسعيان إلى اكتشافه طمعاً في ثروة كبيرة، لكن أسلوبهما يبدأ خشناً وينتهي عنيفاً، فيما يكون الضحايا غالباً من السكان الأصليين لأستراليا.

«وولفرام» (دارك ماتر دستربيوشن»)

في الوقت نفسه، تبحث أمٌّ من السكان الأصليين (ديبرا مايلمن) عن ولديها اللذين اختفيا، كما اختفى غيرهما من أطفال السكان الأصليين. فقد خُطِف هؤلاء لتشغيلهم في المناجم دون أجر، حيث تصبح حياتهم رهينة الاستغلال، ويمكن التخلّص منهم بالقتل في أي وقت. نتعرَّف إلى الولدين وهما يعملان في منجم يديره رجل قاسٍ. ومع وصول الشريرين إلى المكان، ينقلب حال صاحب المنجم بعدما يدرك أنه أمام منافسة شرسة.

غاية الفيلم نبيلة؛ إذ يسلِّط الضوء على معاناة السكان الأصليين في أستراليا واستغلالهم على يد البيض بوصفهم عبيداً قبل التخلّص منهم. وكان وورويك ثورنتون قد قدَّم قبل 8 سنوات فيلماً آخر عن هذا الشعب المقهور بعنوان «سويت كنتري (Sweet Country)»، في ما يبدو أنه الجزء الأول من ثلاثية قد تكتمل مستقبلاً بالانتقال إلى أربعينات أو خمسينات القرن الماضي.

جماليات الفيلم لافتة، وملتقطة بعناية، ويلعب المكان وألوان الطبيعة دوراً مهماً في ترسيخ القسوة التي يتحدث عنها العمل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.