محفزات الثقافة وكوابحها

العمل الأدبي بضاعة متداولة في نظام يحكم إنتاج وتوزيع أشياء أخرى

د. سعد البازعي - ستيفن غرينبلات - إدوارد تيلور
د. سعد البازعي - ستيفن غرينبلات - إدوارد تيلور
TT

محفزات الثقافة وكوابحها

د. سعد البازعي - ستيفن غرينبلات - إدوارد تيلور
د. سعد البازعي - ستيفن غرينبلات - إدوارد تيلور

تعمل الثقافات، كما يقول الأنثروبولوجيون، ضمن نظام للحوافز والكوابح التي تشجع أعمالاً وتمنع أخرى، تحفز وتقيد، تكافئ وتعاقب. والجوائز، على اختلافها شكلاً وقيمة، لا يمكن فهمها إلا في ذلك السياق الذي تعرفه الثقافات جميعها. فالتصفيق مكافأة، والثناء مكافأة، وكذلك هو المال والميدالية والوسام، مثلما أن منعها عند القيام بعمل أو التعبير عن رأي أو فكرة نوع من العقوبة أو الكبح. يتلقى الإنسان ذلك منذ ولادته وحتى مماته. كلنا نكافأ حيناً ونعاقب حيناً، لكن بأقدار وألوان تتفاوت بتفاوت المكان والزمان وطبيعة العمل.
ألفتنا لهذا الوضع تجعله أقرب إلى اللامفكر فيه أو المنسي، نتذكره حين يبهج أو يزعج حسب وقوعه وحسب حجم أو نوع ذلك الوقوع. لذلك كانت دهشتي بالقدر الذي كسر تلك الألفة حين أبلغت بحصولي على جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب التي خصصت هذا العام للنقد الأدبي. كأن نظام الحوافز والكوابح الذي يتحدث عنه دارسو الثقافات غير موجود، أي كأنني لم أكن يوماً واقعاً ضمن ذلك النظام السائد الذي يسيّر الثقافات ويدفع عجلة الإنتاج على نحو ما. ولا شك أن حجم الجائزة كان مبرراً كافياً لحجم الدهشة، وكذلك حجم التهاني التي انهالت عليّ، والمطالبة الكثيفة من الإعلام بأن أشرح شعوري تجاه الفوز بها، الأمر الذي يحدث لكل من فاز بشيء من هذا القبيل. ولم يكن من قبيل المجاملة مطلقاً حين علقت على ذلك السيل من التهاني بأن ما حملته من صادق المشاعر هو بحد ذاته جائزة كبرى، لا سيما أن كثيراً منها جاء من أناس لا أعرفهم شخصياً، فلم تكن المجاملة أو أداء الواجب هاجساً من هواجس تهنئتهم.
لقد كان من المصادفات أن تأتي الجائزة أثناء مناقشتي مع طلابي وطالباتي في مرحلة الماجستير في الأدب الإنجليزي بجامعة الملك سعود منهجاً في النقد الأدبي يعرف بـ«التاريخانية الجديدة»، دعا إليه عدد من النقاد الأميركيين في ثمانينات القرن الماضي بقيادة ستيفن غرينبلات، الأستاذ بجامعة هارفارد، والمتخصص الشهير في عصر النهضة الأوروبي، أدب شكسبير بشكل خاص. وكان مما تداولناه في النقاش مفهوم الحوافز والكوابح بوصفها محركات للثقافة ذكرها غرينبلات في مقالة له حول مفهوم «الثقافة»، اقتبس في أولها كلاماً للأنثروبولوجي الإنجليزي إدوارد تيلور، يتضمن تعريفاً شهيراً للثقافة بوصفها شاملة لما ينتجه الإنسان ويتأثر به من معتقدات وأفكار وأنظمة إلى غير ذلك. لكن التاريخانيين الجدد يتعاملون مع الثقافة من زاوية أكثر تخصيصاً، بحيث تتحول إلى نظام من التبادلات يشبه ما يحدث في الاقتصاد، ويرون أن النظر من تلك الزاوية يفضي إلى فهم أفضل، أعمق وأدق، لوضع الأعمال الأدبية: ظروف إنتاجها، وكيفية تلقيها، وأساليب رواجها. فالكاتب بوصفه عضواً في المجتمع مضطر للعمل ضمن ضوابطها تحفيزاً وكبحاً، والعمل الأدبي ليس مجرد إلهام خارج عن سياق التاريخ ومواضعات الحياة الاقتصادية، وإنما هو منتج، أو بتعبير أشد قسوة ربما، بضاعة متداولة في نظام يحكم إنتاج وتوزيع أشياء أخرى كثيرة. ومن هنا يمكن أن نفهم علاقة الأدب، والنقد بطبيعة الحال، بمؤسسات المجتمع. في عصر شكسبير، مثلاً، كما في العصور التي سبقته، كان لا بد للكاتب من راعٍ يكون عادة من أهل الثراء والجاه ويكون دوره دور المحفز للكاتب والحامي له في مجتمع لم يصل بعد إلى مرحلة من النضج القانوني والحقوقي الذي يمكن للفرد فيه، كاتباً كان أم غير ذلك، أن يعيل نفسه ويحميها بالقدر الذي يمكنه من كتابة مسرحية وإنتاجها. واستمر ذلك الوضع في إنجلترا حتى القرن التاسع عشر مع تغير نوع الرعاية إلى حد ما، فقد ظل كثير من الكتاب بحاجة إلى إهداء أعمالهم إلى شخصية قوية من شخصيات المجتمع توفر الدعم والحماية معاً.
في العصر الحديث لم تعد تلك الحاجة قائمة لا سيما في البلاد التي بلغت مكانة عالية في مضمار الحضارة. لم يعد الكاتب أو المثقف أو العالم بحاجة إلى راع شخصي، إلى ملك أو أمير أو نبيل من النبلاء، يوفر الدعم والحماية. انتقلت العلاقة لتكون بين الكاتب والمثقف من ناحية والمؤسسة من ناحية أخرى، المؤسسة التي قد تكون جامعة أو دار نشر أو غير ذلك، لكن تلك جميعها تتكئ على أنظمة أو قوانين تحمي الحقوق المادية والمعنوية على حد سواء. كما أن المؤسسة صارت هي أيضاً من يوفر الحوافز بتقديمها حين يحسن العمل ويرتفع الإنجاز، مثلما توفر الكوابح التي قد تتمثل إما بعدم المكافأة وإما بإجراءات أخرى حين تحدث مخالفة لقانون أو انتهاك لحقوق.
وتتفاوت الدول، كما هو معروف، في مستوى انضباط العلاقة بين الكاتب/ المثقف والمؤسسة، فهي قوية صلبة حين تشتد القوانين قوة وصلابة، ورخوة حين ترتخي، أو هشة حين تتراجع، وتصبح الأعراف والمواضعات الاجتماعية هي الفيصل. العالم العربي اليوم هو في تقديري أقرب إلى تلك الحالة الرخوة على تفاوت بين دوله في مستوى القرب أو البعد عن الأنظمة التي سبقت في التحول إلى دول مؤسسات وقوانين. لكن ما نشهده هو دون شك سعي حثيث لتسريع ذلك التحول الذي يدفعه الاستقرار وعمليات الإصلاح ويعيقه أو يتراجع به غياب الاستقرار وكثرة الاضطراب سواء كان اجتماعياً أم سياسياً أم اقتصادياً. الثقافة كيان ضخم يتحرك ضمن تلك القوى، تنمو بنموها وتضعف بضعفها. ومن معايير القوة والضعف ازدهار المؤسسة وقدرتها على تنشيط الحياة الثقافية سواء بالجوائز وتوفير الدعم والحماية أو غير ذلك من توجيه للمنتج الثقافي فكرياً كان أم إبداعياً.
ذلك ما تبادر إلى ذهني حين وضعني الدعم والتكريم في بؤرة الضوء بتلقي جائزة عمانية كريمة. فالجائزة مثل غيرها مؤشر من مؤشرات الحياة الثقافية تدعونا إلى مزيد حين تكافئنا على ما تم إنجازه، أو هكذا يجب أن تفهم.



سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
TT

سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)

نميل غالباً إلى الاعتقاد بأن امتلاك شيء باهظ الثمن -كسيارة جديدة بقيمة 100 ألف دولار- سيمنحنا شعوراً دائماً بالسعادة والاكتمال. غير أن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك. فالسعادة لا تتعلق بقيمة ما نملك، بل بطبيعة رغبتنا فيه، وبالآلية النفسية التي تدفعنا إلى السعي المستمر وراء المزيد. فما الذي نبحث عنه حقاً: الشيء ذاته، أم الشعور المصاحب للحصول عليه؟

في الواقع، لدى معظم الناس تسلسل هرمي غير معلن في طريقة تفكيرهم بالإنفاق والرغبة:

- إذا لم ترغب في شيء ولم يكن لديك، فلن يشغل بالك.

- إذا رغبت في شيء وحصلت عليه، فقد تشعر بالرضا.

- إذا رغبت في شيء ولم يكن لديك بعد، فقد تشعر بالحماس والترقّب.

- أما إذا رغبت في شيء ولم تستطع الحصول عليه، فقد تصاب بإحباط شديد.

يوضح الخبير في علم نفس المال، مورغان هاوسل، مؤلف كتاب «فن إنفاق المال»، أن طبيعة «الشيء» ليست هي العامل الحاسم. فكوب ماء لشخص عطشان قد يكون أثمن من طائرة خاصة لملياردير يمتلك اثنتين أخريين. القيمة هنا نفسية وسياقية، لا مادية بحتة.

وقال في حديث ضمن شبكة «سي إن بي سي» إن الأمر يصبح منطقياً عندما نفهم ما الذي يريده الدماغ فعلاً، وهو ما يتضح أكثر خلال فترات العطلات والمواسم الاستهلاكية. فعقولنا -في العموم- لا ترغب في السيارات الفاخرة أو المنازل الكبيرة بحد ذاتها، بل تبحث عن «الدوبامين». فالدوبامين مادة كيميائية تُحفّز الرغبة، وتدفع الإنسان إلى طلب المزيد باستمرار: المزيد من الأشياء، المزيد من التحفيز، المزيد من المفاجآت.

ويتابع هاوسل أن السعي وراء هذا الشعور لا تعوقه العاطفة ولا الخوف ولا حتى الأخلاق. فمن منظور الدوبامين، لا تكمن الأهمية في امتلاك الشيء، بل في الحصول على شيء جديد؛ أي شيء جديد.

بمعنى آخر، لا يرغب دماغك في الأشياء المادية لذاتها، ولا حتى في حداثتها بوصفها صفة مستقلة، بل في عملية السعي والترقّب المصاحبة للحصول عليها. يُشبه ذلك ما عبّر عنه الممثل ويل سميث في وصفه للشهرة: «أن تصبح مشهوراً أمر رائع. أن تكون مشهوراً أمر مختلط. فقدان الشهرة أمر بائس. التغيير، لا الكمية، هو المهم». فالمتعة تكمن في التحوّل والانتقال، لا في الثبات عند مستوى معيّن.

هل تحتاج فعلاً إلى ذلك... أم أنك تُطارد ما لا تملك؟

يظهر هذا النمط بوضوح في علاقتنا بالمال. يقول هاوسل: «عندما تكون شاباً، تحلم بامتلاك سيارة؛ أي سيارة. فإذا امتلكت سيارة بقيمة 10 آلاف دولار، بدأت تحلم بسيارة بقيمة 20 ألف دولار، وإذا حصلت على سيارة بـ20 ألفاً، تطلعت إلى أخرى بـ50 ألفاً. وإذا امتلكت سيارة بـ50 ألفاً، أصبح حلمك سيارة بـ100 ألف دولار. وإذا حققت ذلك، بدأت تفكر في امتلاك عدة سيارات بالقيمة نفسها».

ويضيف هاوسل: «أصحاب الملايين ينظرون إلى مَن يملكون مئات الملايين، وهؤلاء ينظرون إلى أصحاب المليارات، ثم إلى أصحاب العشرات من المليارات. أما أصحاب الملايين، فماذا يريدون في نهاية المطاف؟ الخلود».

السؤال الذي لا يفارق أذهانهم هو: «ماذا بعد؟ ما الذي ينقصني؟ كيف أصل إلى المستوى التالي؟». هذا الصوت الداخلي لا يصمت، لأنه انعكاس مباشر لما يطلبه الدماغ: المزيد، دائماً المزيد.

الاكتفاء بالقليل لا يعني الاستسلام

أوضح هاوسل أنه في المقابل، قد يكون للاكتفاء أثر نفسي يعادل -وربما يفوق- أثر زيادة المال على الصحة النفسية. فالقناعة ليست خياراً سلبياً أو علامة على ضعف الطموح، بل موقف واعٍ يمكن التحكم فيه وتحقيقه. وهي، بخلاف سباق الزيادة المستمر، معركة يمكن الفوز بها فعلاً.

وقال: «الرضا بما تملك يمنحك قدرة أعمق على الاستمتاع بالمنزل الذي اشتريته، والملابس التي ترتديها، والإجازات التي تقضيها، فهو يحوّل ما لديك من أشياء عادية إلى مصادر امتنان حقيقي».

وأشار الخبير إلى أنه في نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل تفضّل أن تكون مليارديراً تستيقظ كل صباح قلقاً بشأن ما ينقصك، وحاسداً مَن يملكون أكثر، أم إنساناً عادياً يستيقظ راضياً، ممتلئاً بالسكينة، قادراً على تقدير ما لديه - مهما كان مقداره؟

قد لا تجعلك سيارة بـ100 ألف دولار سعيداً، لكن فهمك لما يدفعك إلى الرغبة، وقدرتك على تهذيب هذا الدافع، قد يقرّبانك من سعادة أكثر ثباتاً وعمقاً.


حلويات رمضان المصرية... من المنافسة على المذاق إلى «الاستعراض»

كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
TT

حلويات رمضان المصرية... من المنافسة على المذاق إلى «الاستعراض»

كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)

بالتوازي مع منافسات الدراما التلفزيونية، تشتعل منافسة بين أصناف الحلويات الرمضانية في مصر، التي يبدو أنها باتت تؤثر المغامرة على حساب المزاج التقليدي، فلم تعد الكنافة صينية محشوة بالقشطة أو بالمكسرات كما ارتبطت عبر تاريخها، بل باتت رهينة لإضافات «الكريم بروليه» و«الكراميل كرانش» وسواهما من توليفات تندرج تحت «اختراعات» حلويات رمضان.

وتجد هذه «التوليفات» الجديدة لنفسها سوقاً رائجة تغذيها منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما مع تبادل الترشيحات للأصناف المستحدثة، سواء لاختيارها هدية لعزائم الشهر، أو بدافع الفضول وتجربة حلوى جديدة بعد الإفطار، ويعزز ذلك حضور صناع المحتوى المتخصصين في الطعام وتجربة التذوق، الذين يخوضون سباقاً يومياً لتجريب أكثر من صنف خلال أيام رمضان، لترجيح كفة صنف على آخر، بل وربما ترتيبها تصاعدياً من الأقل تفضيلاً إلى «الأفضل»، حسب ذائقتهم.

تُبدي الشيف فاطمة سراج، صاحبة صفحة «فوديز» على «فيسبوك»، حماساً واضحاً لما تصفه بـ«اختراعات» الموسم، وتقول: «هذه السنة هناك تجديد كبير في طريقة عرض أطباق الحلوى، مثل تقديم طبق الكنافة بغطاء مصنوع من الشوكولاته التي يمكن إذابتها في الميكروويف، أو الدمج بين الآيس كريم والشوكولاته الساخنة مع قمر الدين، أو حتى تقديم المكسرات والحليب المكثف في عبوات منفصلة، بحيث يقوم المشتري بدمجها في البيت بنفسه مع طبقات الكنافة، بما يجعل الترند الأكثر رواجاً هذا العام هو تقديم الحلوى باعتبارها تجربة متكاملة لا مجرد مذاق».

تقديم الحلوى الرمضانية في علب فخمة ترفع من تكلفة شرائها (إنستغرام)

وتشير إلى أصناف لفتت نظرها في قوائم هذا العام مثل «بقلاوة بالتراميسو»، و«بروفيترول بالكنافة»، و«الكنافة بالتوت» وغيرها من التركيبات التي تمزج بين الشرقي والغربي في طبق واحد، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «منذ سنوات وهناك ترقب للجديد والغريب في حلوى رمضان، وكثيراً ما تكون تلك الإضافات مبالغاً فيها، بغرض الوصول إلى الترند فقط، حتى لو جاء ذلك أحياناً على حساب المذاق».

ويبدو أن الاهتمام بتقديم الأصناف الجديدة في عروض بصرية «استعراضية» يُعد من أبرز ملامح «ترند» هذا العام، إذ يتكوّن أحد الأصناف من قبة مجسدة مصنوعة من كريمة الفستق، تذوب سرعان ما يُسكب فوقها صوص الشوكولاته الساخنة، لتنساب فوق طبقة الكنافة أسفلها، بما يعزز فكرة الطبقات المتداخلة بين الأطعمة والمذاقات، في صياغة تقوم على الإبهار قبل الاكتفاء بالمذاق.

فوازير شريهان تشارك في «ترند» الحلويات الرمضانية (إنستغرام)

كما يستلهم أحد محلات الحلوى، طابع الفوازير الرمضانية للنجمة شريهان، حيث يقدمون الحلوى داخل علب معدنية تحمل عنوان الفوازير الشهيرة «حاجات ومحتاجات»، لتحمل كل علبة صورة واسم واحدة من شخصيات الفوازير وعلى رأسهن «كريمة» و«فاطيما» و«حليمة»، وتحت غطاء كل علبة «فزورة»، في محاولة لدمج الحلوى بجرعة من الحنين لذكريات رمضان، وواحدة من أشهر فوازيره.

ويعلّق الدكتور أيمن السعيد، استشاري التغذية العلاجية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بأن «تباري المحلات في تعقيد صناعة الحلويات صار لافتاً منذ فترة، بعدما كانت الحلويات تميل سابقاً إلى البساطة وتعتمد على مكونات محدودة وبسيطة»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إضافة طبقات من صوصات الشوكولاته والفستق والكراميل وغيرها من الإضافات التي تُغرق الطبق الحلو تكسبه مزيداً من السعرات الحرارية والسكريات والدهون، وهو ما يضاعف العبء الصحي، خصوصاً لدى الأطفال».

كنافة تعلوها قبة من كريمة الفستق (إنستغرام)

ويضيف أن «فكرة تضخيم الكميات وتكثيف المكونات تحوّل الحلوى من متعة إلى حمل غذائي ثقيل، في شهر يُفترض أن يعزز مفهوم الاعتدال لا الإفراط».

ويبدو أن الإضافات التي تُكسب الحلويات الرمضانية مزيداً من السعرات، تُكسبها كذلك ارتفاعاً في الأسعار، إذ باتت بعض الأصناف الرائجة ضمن «ترندات» الحلوى الرمضانية تتراوح بين 600 و1400 جنيه مصري (الدولار يساوي 49.2 جنيه مصري)، غير أن كثيرين يرون أن هذه الأسعار المبالغ فيها لا تستحق تلك المغامرة.

في المقابل، لا تزال الشوادر التقليدية لبيع الكنافة والقطايف بالكيلو تحتفظ بحضورها في الشوارع، حيث تُباع عجائنها طازجة، لتُعد في المنازل وفق الوصفات المعتادة، بعيداً عن صخب الصوصات والتغليف الباذخ.

وتقول آية محمود، موظفة في شركة مبيعات وأم لطفلين: «لا أزال أعد القطايف المقلية، وصينية الكنافة المحشوة بالكريمة كما كنا نأكلها في بيوتنا وبوصفتها التقليدية»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «قد أُدخل عليها بعض التغييرات، كإضافة صوص النوتيلا مثلاً للتزيين، لكن في النهاية تظل تكلفة إعدادها منزلياً أقل بمراحل من شرائها جاهزة».


ذكريات الإفطار الرمضاني في القصور الأثرية بمنطقة عسير

 إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
TT

ذكريات الإفطار الرمضاني في القصور الأثرية بمنطقة عسير

 إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)

خلال شهر رمضان، تتجدد في أحياء منطقة عسير جنوب غربي السعودية مشاهد الألفة التي عُرفت بها المجالس الشعبية قديماً، إذ يعود المجتمع إلى إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة، في صورة تعكس عمق الترابط الاجتماعي ودفء العلاقات بين الجيران. وتأتي هذه العودة المتنامية في ظل إطلاق مبادرة «أجاويد» التي أطلقها أمير منطقة عسير وأسهمت في تحفيز المجتمعات المحلية على استعادة روح التكافل والتراحم، وإحياء الموروث الرمضاني الذي كان يجمع الصغير والكبير حول مائدة واحدة في مشهد يستحضر بساطة الماضي.

فعاليات رمضان تجمع كبار السن والشباب في موقع تاريخي (واس)

واحتضن حصن آل ثابت الأثري بمركز «الماوين» - شمال مدينة أبها بنحو 50 كيلومتراً - أول من أمس، مبادرة رمضانية نظمها أهالي المركز ضمن فعاليات «أجاويد 4»، جمعت كبار السن والشباب في موقع تاريخي يستحضر ملامح رمضان في الماضي. وشهدت المبادرة عرضاً لأنواع المأكولات الشعبية التي كانت تُقدَّم قديماً خلال الشهر الفضيل، مثل: التمر، والبر، والسمن، والزبدة المستخرجة من الأغنام والأبقار، إلى جانب استعراض طرق إعدادها وأهميتها بوصفها مصدراً رئيساً للغذاء آنذاك، في مشهد أعاد للأذهان بساطة الحياة وتكاتف المجتمع في توفير احتياجاته. وتضمّن المتحف التراثي المصاحب للمبادرة عرضاً لمكونات الحياة اليومية في الماضي، شملت أدوات الحرث والسقيا، والملبوسات القديمة للرجال والنساء، وأدوات الزينة؛ بما يمثل مرجعاً بصرياً حياً يعرّف الأجيال الناشئة بما كان عليه الآباء والأجداد.

وبالنسبة لمسفر بن سعد آل حامد من سكان المنطقة فالمحافظة على العادات والتقاليد وإحياؤها من خلال مثل هذه المبادرات يعدان واجباً مجتمعياً يسهم في ترسيخ الهوية الوطنية، وتحفيز الشباب على الحضور والمشاركة والتعرف على تاريخ آبائهم وأجدادهم. واستعاد آل حامد خلال حديثه مع «واس» الذكريات في بناء البيوت التاريخية، مشيراً إلى ما كان يشهده ذلك من تعاون بين أهالي القرية في تشييد البيوت قديماً، داعياً إلى المحافظة على ما تبقى من البيوت القديمة وإعادة إعمارها، والعناية بالمزارع والإنتاج المحلي الذي كان يمثل مصدر قوت الآباء والأجداد.

مبادرات تستعيد ذكريات الإفطار الرمضاني في منطقة عسير (واس)

من جانبه، عبّر صاحب المبادرة مشبب آل ثابت عن سعادته بإقامة هذه الفعالية ضمن المبادرة المجتمعية «أجاويد 4»، مؤكداً أثرها البالغ في نفوس الحاضرين، لما وفرته من فرصة لاستضافة مختلف شرائح المجتمع، وتفعيل دور التكافل الاجتماعي، وتعريف الأجيال بما كان عليه الآباء والأجداد من عناء ومشقة.

وتُجسِّد المبادرة في مجملها نموذجاً حياً لتعزيز حضور الثقافة والتراث في الفعاليات الرمضانية، وربط الماضي بالحاضر؛ بما يسهم في صون الموروث الشعبي. وأكَّد قائد المبادرة بالمركز عبد الله أحمد شفلوت أن إطلاق المبادرات الرمضانية لم يقتصر على الجوانب الثقافية والاجتماعية والتراثية فحسب، بل شمل حزمة من المبادرات الطبية والبيئية والتوعوية التي جمعت نخبة من أبناء المركز، كلٌّ في مجال تخصصه؛ لتقديم خدمات مجتمعية نوعية لمنسوبي المركز والقرى المجاورة.