استمرار الروايات التآمرية حول مقتل جون كيندي

الأشهر في تاريخ نظريات الاغتيالات السياسية

استمرار الروايات التآمرية حول مقتل جون كيندي
TT

استمرار الروايات التآمرية حول مقتل جون كيندي

استمرار الروايات التآمرية حول مقتل جون كيندي

عملية اغتيال الرئيس الأميركي جون كيندي أصبحت من أكثر عمليات الاغتيال السياسي إثارةً للجدل وللاهتمام داخل وخارج الولايات المتحدة، وطرحت الكثير من الأسئلة وخرج منها الكثير من التفسيرات التآمرية. وشكلت الحادثة التي سجلتها كاميرات التصوير وشاهدها العالم على شاشات التلفزيون أكبر لغز في سجلات الاغتيالات السياسية في التاريخ الحديث بعد مقتل المتهم الأساسي باغتيال الرئيس وهو لي هارفي أزوالد بعد 48 ساعة من وفاة كيندي.

التسلسل الزمني للاغتيال
في صباح الثاني والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1963 كانت مدينة دالاس تستعد لاستقبال الرئيس الأميركي جون كيندي، الرئيس الخامس والثلاثين للولايات المتحدة، الذي حطت طائرته في المطار وسط استقبال حافل من الأميركيين ومسؤولي ولاية تكساس. واستقل الرئيس وزوجته جاكلين سيارة مكشوفة لعبور بعض شوارع المدينة، التي اصطف على جانبيها الناس، بينما كانت كاميرات المصورين والتلفزيونات تنقل أحداث الزيارة، وتبثها شبكات الراديو والقنوات التلفزيونية ويتابعها الملايين من الأميركيين.
وعند مرور السيارة في الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً عند منطقة الديلي بلازا بالمدينة، تعرضت لإطلاق نار، وأصابت كيندي رصاصتان اخترقت الأولى كتفه، أما الثانية فاخترقت رأسه وهشمت جمجمته. ونظراً إلى دقة إطلاق النار كانت التحقيقات تشير إلى أن قناصاً محترفاً وراء هذا الإطلاق. وقفزت السيدة الأولى جاكلين لتحضن زوجها. وانطلقت السيارة إلى مستشفى باركلاند، حيث فارق الرئيس كيندي الحياة بعد نصف ساعة من وصوله المستشفى. وتحدث الطبيب كنيث سايلر ليلتها إلى شبكة «سي بي إس نيوز» الأميركية، مشيراً إلى أن مشد للظهر كان السبب في رجوع جسد كيندي إلى الوراء لا إلى الأمام بعد إصابته بالطلقة الأولى التي أصابت كتفه. وأصيب محافظ مدينة تكساس جون كونيلي، الذي كان يجلس إلى جوار السائق في سيارة الرئيس، لكنه نجا من الموت بأعجوبة. وبعد أقل من ساعة ونصف الساعة أعلنت الشرطة اعتقال المشتبه الأول في عملية الاغتيال، وكان يدعى لي هارفي أزوالد بعد أن قام بقتل شرطي وإصابة آخر بجرح. وأوضحت الشرطة أن أزوالد (24 عاماً) قام بإطلاق النار من الطابق السادس من مجمع للكتب في تكساس.
وقد جرت عملية اغتيال كيندي على مرأى ومسمع الكثير من الناس وسجلتها كاميرات التلفزيونات بوضوح، ورغم ذلك تناقضت أقوال شهود العيان، وأشار بعض التقارير إلى أن كيندي تلقى الإصابة من الأمام، مما قاد إلى الاعتقاد أن إطلاق النار تم من منطقة مختلفة عن مستودع الكتب لمدرسة تكساس، الذي كان يقبع فيه لي هارفي أزوالد، وكان في منطقة خلف سيارة الرئيس. وهو ما قاد إلى التفسير أنه ربما كان هناك أكثر من قناص. ويعتقد الكثيرون أنه كان هناك بالفعل أكثر من قناص رغم عدم العثور على هذا القناص الثاني، واستمر الاعتقاد أن اغتيال كيندي كانت وراءه مؤامرة كبرى، وطرحت التحقيقات وملابسات حادثة الاغتيال الكثير من الأسئلة والافتراضات.
1 - أن إصابة الرئيس كنيدى جاءت من الأمام، كما أصيب حاكم تكساس جون كونيلي ،الذي كان يجلس في المقعد الأمامي في نفس وقت إصابة الرئيس، مما يعني أن شخصين أطلقا الرصاص. وقال بعض شهود العيان إنهم سمعوا 6 رصاصات، لكن لم يتم العثور إلا على رصاصتين فقط، وهو أيضاً ما يشير إلى أن إحدى الجهات قررت إخفاء بعض الرصاصات ربما لكونها تعود لأحد رجال الشرطة أو لحراس الرئيس.
2 - حام الكثير من التساؤلات حول تصرفات نائب الرئيس ليندون جونسون، الذي أصر على حلف اليمين رئيساً للولايات المتحدة على متن الطائرة التي حملت جثمان كيندي، دون أن ينتظر العودة إلى البيت الأبيض. وقام فوراً بتغيير عدة قرارات أصدرها كيندي. ولاحقت أصابع الاتهام عدداً كبيراً من الشخصيات من أبرزهم ليندون جونسون وسائق سيارة الرئيس.
3 - كان أهم عامل في زيادة الاعتقاد بنظرية المؤامرة أن شخصاً يدعى جاك روبي قام بقتل لي هارفي أزوالد بعد 48 ساعة من القبض عليه بعد اغتيال كيندي في أثناء اقتياد أزوالد إلى سجن المقاطعة، وقد أطلق جاك روبي النار على أزوالد وسط مجموعة كبيرة من الحراس والصحافيين وأمام كاميرات المصورين. والغريب أن جاك روبي نفسه أصيب بمرض غريب ومات قبل أن تتم محاكمته. وتوسعت دائرة الاتهام لتشمل الاتحاد السوفياتي وبعض الدول المعادية لأميركا مثل كوبا، التي نجا رئيسها فيدل كاسترو من 3 محاولات لاغتياله من قبل الاستخبارات الأميركية، وحركات سرية مثل حركة الماسونية، التي حاول كيندي الحد من انتشارها وتخفيف تأثيرها على المجتمع الأميركي. وامتدت أصابع الاتهام إلى بعض الأثرياء المتضررين من خطوات قام بها الرئيس جون كيندي لزيادة الضرائب. وأسهم قتل القاتل لي أزوالد في نسج الكثير من القصص والتحليلات ونشر العديد من الكتب والأفلام الوثائقية روايات تشير إلى أن قتل القاتل كان يهدف إلى إخفاء أي أثر لمؤامرة اغتيال جون كيندي، وأن جهة ما دبرت للقضاء على الرئيس. اُغتيل الرئيس كيندي وهو في عامه الثالث داخل البيت الأبيض، وكان يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية في العام 1964، وقد كان لتاريخه وحياته وصراعاته السياسية دوراً في نسج الكثير من التفسيرات التآمرية، فقد وُلد جون كيندي عام 1917 لأب ثري من أصول آيرلندية كاثوليكية حرص على توفير تعليماً متميزاً لأبنائه. وبعدما أنهي جون كيندي دراسته الجامعية في هارفارد التحق بالأسطول الأميركي وشارك في الحرب العالمية الثانية ونال وسام الشجاعة لمواقفه في بعض المعارك البحرية. وبعد انتهاء الحرب اتجه جون كيندي للعمل في الصحافة، ثم انخرط في العمل السياسي وانضم إلى الحزب الديمقراطي ليتم انتخابه عضواً بمجلس النواب عام 1946، ثم في مجلس الشيوخ عام 1952. وخاض كيندي انتخابات الرئاسة الأميركية وفاز بها عام 1960، متفوقاً على منافسة ريتشارد نيكسون بفارق بسيط.
وخلال السنوات الثلاث التي شغل فيها كيندي منصب الرئيس قام بتفعيل قوانين الحقوق المدنية وحماية الفقراء وفرض ضرائب أعلى على الأغنياء. وشهدت السنوات الثلاث أحداثاً سياسة ساخنة، حيث اشتعلت أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا ووصلت إلى ذروتها في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1962، بعد التأكد من قيام السوفيات ببناء قاعدة صواريخ في كوبا. وتوصل كيندي مع الأمم المتحدة إلى اتفاق يقوم بموجبه السوفيات بإزالة الصواريخ من كوبا مقابل تعهد أميركي بعدم غزو كوبا. واندلعت أزمة سياسية أخرى كانت تُعرف باسم أزمة «خليج الخنازير»، حيث استخدمت أميركا عدداً من المعارضين الكوبيين لضرب نظام كاسترو لكن العملية فشلت، كما شهد عهد كيندي بدايات اندلاع حرب فيتنام. وتمتع كيندي بشعبية كبيرة لدى الرأي العام الأميركي لكنه واجه الكثير من المعارضة التي اتهمته بالفشل في إدارة بعض الملفات، مثل تحسين الوضع الاقتصادي. وفي محاولة منه لتحسين صورته أمام الرأي العام قرر القيام بجولة في أكثر الولايات معارضة له وهي ولاية تكساس. وقد أثار إعلان الزيارة سخط بعض سكان تكساس، حتى إن البعض هدد بقتل الرئيس ما لم يتراجع عن قراره بزيارة الولاية. وأشارت الصحف إلى أن بعض مستشاري كيندي نصحوه بعدم زيارة الولاية لكنه أصر عليها. واعتبر الكثيرون أن مجازفة كيندي بركوب سيارة مكشوفة والسير ببطء في شوارع دالاس رغم معرفته بالتهديدات التي تنتظره جعل الأمر في غاية السهولة على أي قناص مجنون يحاول اغتياله. وعلى مدى 50 عاماً انشغلت عدة دوائر ومراكز بحثية وجهات حكومية بالملابسات المتعلقة بحادثة الاغتيال. وفي المقابل أكدت المصادر الحكومية الأميركية تفنيد كل الادعاءات بوجود مؤامرة، وأطلقت الأفلام التي تشير إلى أن السائق لم يطلق النار على كيندي، وأن إطلاق النار كان من الخلف لا من الأمام، معتمدين على تقارير طبية للرئيس. لكن ظلت التكهنات والتفسيرات المتباينة حول هوية القاتل الحقيقي محل تساؤلات لدى المؤمنين بنظرية المؤامرة. وأسهمت هوليوود بالعديد من الأفلام التي تروّج لنظرية المؤامرة في ترسيخ الاعتقاد أن الأمر لم يكن مجرد عملية لقاتل مختلّ. كما أن مقتل كيندي تلته حوادث كثيرة لأبناء عائلة كيندي، كانت آخرها حادثة سقوط الطائرة التي راح ضحيتها جون كيندي الابن وزوجته عام 1999، بسبب خلل في الطائرة، وهو ما أحيا نظرية المؤامرة على كيندي الأب وعلى العائلة ككل واعتبرتها الصحافة «لعنة عائلة كيندي».

صحيفة بريطانية تتلقى اتصالاً قبل 25 دقيقة من اغتيال كيندي
كشفت إحدى الوثائق المنشورة عن تلقي صحيفة «كامبريدج» البريطانية اتصالاً هاتفياً من شخص مجهول قبل حادثة اغتيال كيندي بـ25 دقيقة، أفاد فيه بحدوث «خبر مهم»، ناصحاً الصحافي بالاتصال بالسفارة الأميركية في لندن للاستفسار. ويبدو أن الوثيقة المكتوبة من المخابرات الأميركية في أواخر السبعينات، اعتمدت في محتواها على ما تم نشره في صحيفة «كامبريدج» البريطانية في ذلك الوقت، إذ أُرسلت الوثيقة كبرقية من مكتب المخابرات في واشنطن إلى جهات اتصال في لندن، إلى مايكل إدويس، المحقق الذي كرس الكثير من حياته للتحقيق في أسرار وفاة كيندي. ووفقاً للصحيفة فإن مايكل إدويس، الذي توفي عام 1992، قال في عام 1981 إنه مقتنع بأن الوثيقة كانت حقيقية، وأن المتصل المجهول كان عميلاً سوفياتياً مولوداً في بريطانيا، واسمه ألبرت أوزبورن، الذي قُتل قبل شهرين من مقتل لي هارفي أزوالد، الرجل المتهم بقتل كيندي.
وتحكي الوثيقة قصة الاتصال الهاتفي الغريب، إذ تلقى كبير الصحافيين البريطانيين في الصحيفة اتصالاً هاتفياً في مكتبه من شخص غريب، قال الرجل خلال الاتصال: «اتصل بالسفارة الأميركية في لندن لبعض الأخبار الكبيرة» وأنهى الاتصال بذلك. وبعد حادثة اغتيال الرئيس كيندي أبلغت الصحيفةُ الشرطةَ البريطانية بما حدث. وأفادت الوثيقة بأن الشرطة البريطانية توصلت إلى أن صحيفة «كامبريدج» تلقت الاتصال الهاتفي الغريب قبل 25 دقيقة من إطلاق النار على الرئيس كيندي وفقاً للتوقيت المحلي لمدينة دالاس بولاية تكساس (6 ساعات متأخرة عن توقيت غرينيتش).
وعن سبب تلقي الصحيفة البريطانية هذا الاتصال الغريب من الشخص المجهول، وعدم الاتصال بإحدى الصحف الأميركية المحلية، يرى مايكل إدويس أن ذلك يعود إلى الاتحاد السوفياتي نفسه، الذي يريد إيصال رسالة إلى العالم تفيد بأن مقتل كيندي عبارة عن مؤامرة، وأنهم على علم بها وكان هذا أقصى شيء يؤدونه.

... وإسرائيل تدخل على خط «المؤامرة»
تحمل وثائق الاستخبارات الأميركية، التي نشرها مركز الأرشيف الوطني الأميركي، في طياتها الكثير من الأحداث والمفاجآت التي انتظرها العالم لخمسة عقود، إذ كشفت إحدى الوثائق السرية عن زيارة جاك روبي، قاتل المتهم الرئيسي في اغتيال الرئيس الأميركي جون كيندي، إسرائيل. وتأتي هذه الوثيقة مؤكدة للأقوال التي أثيرت في فترة ماضية وأثارت الكثير من الشكوك حول المتهم الرسمي في عملية الاغتيال، لي هارفي أوزوالد، بأن يكون المسؤول الوحيد في اغتيال كيندي الذي أصابه بطلقتين في رأسه وظهره. وأبانت الوثيقة أن جاك روبي (يملك ملهى ليلياً) زار إسرائيل برفقة زوجته عام 1962 ما بين 17 مايو (أيار) و7 يونيو (حزيران) من نفس العام، لتكون هذه الوثيقة معززة للشكوك التي دارت حول تل أبيب وعلاقتها بالاغتيال. بيد أن لجنة تحقيق خاصة، تابعة لمجلس النواب، خلصت عام 1979 إلى أن كيندي اُغتيل على الأرجح نتيجة مؤامرة، مرجِّحة أن شخصين أطلقا النار. وكانت اتهامات قد وُجهت إلى إسرائيل، بعد الكشف عن تبادل كيندي رسائل مع نظيره المصري -آنذاك- جمال عبد الناصر تتعلق بالقضية الفلسطينية، وقيل إن كيندي وعبد الناصر اتفقا على حلٍّ للقضية الفلسطينية، يتم تطبيقه بإشرافهما.


مقالات ذات صلة

لعنة آل كينيدي وأسرارهم من الأجداد إلى الأحفاد... قريباً على «نتفليكس»

يوميات الشرق آل كينيدي يحتفلون بعيد ميلاد جوزيف كينيدي الأب في سبتمبر 1963 (مكتبة جون كينيدي)

لعنة آل كينيدي وأسرارهم من الأجداد إلى الأحفاد... قريباً على «نتفليكس»

تصوّر «نتفليكس» حالياً الموسم الأول من مسلسل «كينيدي» الذي يروي سيرة إحدى أكثر العائلات إثارةً للفضول والجدل. وعلى غرار «ذا كراون» يمتدّ المسلسل على مواسم عدة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق جون إف. كينيدي جونيور وكارولين بيسيت قصة حب عاصفة انتهت بتحطّم طائرة (منصة إف إكس هولو)

تراجيديا حب جون كينيدي وكارولين بيسيت تعود إلى الحياة عبر الشاشة

مسلسل جديد يروي قصة حب جون كينيدي الابن وكارولين بيسيت، التي انتهت بموتهما معاً في حادث تحطّم طائرة كان يقودها كينيدي.

كريستين حبيب (بيروت)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب رافعاً القرار التنفيذي المتعلق بالكشف عن وثائق اغتيال الرئيس جون كيندي والسيناتور روبرت كيندي والقس مارتن لوثر كينغ (أ.ب)

تتضمن مقابلات مع المتهم... الكشف عن 60 ألف صفحة إضافية من وثائق كيندي

نشرت الحكومة الفيدرالية الأميركية مساء أمس (الأربعاء) أكثر من 60 ألف صفحة من سجلات اغتيال السيناتور روبرت كيندي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أرشيفية للسيناتور روبرت كينيدي خلال حديثه للصحافيين عام  1968(ا.ب)

واشنطن تفرج عن 10 آلاف صفحة من سجلات اغتيال روبرت كينيدي

أفرجت السلطات الأميركية، اليوم، عن نحو 10 آلاف صفحة من السجلات المتعلقة باغتيال السيناتور روبرت كينيدي عام 1968، من بينها ملاحظات مكتوبة بخط يد المسلح.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جزء من لوحة تصور روبرت إف كيندي (الأرشيف الوطني الأميركي) p-circle

نشر 10 آلاف صفحة من سجلات اغتيال روبرت كيندي عام 1968

أفرجت السلطات الأميركية عن نحو 10 آلاف صفحة من السجلات المتعلقة باغتيال روبرت إف كيندي عام 1968، في إطار مواصلة الكشف عن الأسرار الوطنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

زجاجتا نبيذ ورسائل سرية... فصل جديد في قصة «كوفيد - 19»

صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)
صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)
TT

زجاجتا نبيذ ورسائل سرية... فصل جديد في قصة «كوفيد - 19»

صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)
صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

بعد أكثر من ست سنوات على ظهور «كوفيد-19»، تعود الأسئلة حول أصل الفيروس إلى الواجهة، بعدما أقر مسؤول صحي أميركي سابق بالذنب في قضية تتعلق بإخفاء مراسلات حكومية مرتبطة بأبحاث فيروس كورونا.

ووفقاً لصحيفة «التليغراف»، أقر ديفيد مورينز، المستشار السابق للدكتور أنتوني فاوتشي والمسؤول السابق في المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، بالذنب أمام محكمة اتحادية في ولاية ماريلاند في قضية تتعلق بالتآمر للتحايل على قوانين السجلات الحكومية واستخدام حسابه الشخصي لتفادي خضوع مراسلاته لقانون حرية المعلومات الأميركي.

وتشير وثائق القضية إلى أن مورينز تعاون مع بيتر داسزاك، العالم البريطاني والرئيس السابق لمنظمة «إيكوهيلث ألاينس»، للدفاع عن أبحاث فيروسات كورونا التي كانت المنظمة تمولها في الصين، والعمل على استعادة تمويل حكومي أوقف في بداية الجائحة.

لكن القضية لا تثبت أن فيروس «SARS-CoV-2» خرج من مختبر، كما لا يواجه داسزاك اتهامات جنائية في هذه القضية.

رسائل وهدايا من النبيذ

تكشف وثائق المحكمة وجود علاقة وثيقة بين مورينز وداسزاك، إذ استخدم المسؤول السابق حسابه الشخصي على «جي ميل» في مراسلات تتعلق بعمله الحكومي، في محاولة، وفق وزارة العدل الأميركية، لتجنب ظهورها ضمن طلبات الحصول على المعلومات العامة.

وتتحدث الوثائق أيضاً عن هدايا قدمها داسزاك إلى مورينز، بينها زجاجتا نبيذ، بعدما شكره على ما وصفه بـ«النصيحة والدعم والمناورات في الكواليس».

كما أظهرت المراسلات أن الرجلين ناقشا سبل الدفاع عن أبحاث «إيكوهيلث ألاينس» بعد وقف تمويلها في أبريل (نيسان) 2020، وسط تصاعد الجدل حول احتمال ارتباط أبحاث أجريت في ووهان بأصل الوباء.

أبحاث الخفافيش في ووهان

كانت «إيكوهيلث ألاينس» تعمل مع علماء صينيين، بينهم باحثون في معهد ووهان لعلم الفيروسات، على جمع فيروسات كورونا التي تحملها الخفافيش ودراسة خصائصها.

وأصبحت هذه الأبحاث موضع تدقيق واسع بعدما ظهرت أولى حالات «كوفيد-19» في ووهان أواخر عام 2019.

وكان داسزاك من أبرز المدافعين عن فرضية انتقال الفيروس بصورة طبيعية من الحيوان إلى الإنسان. وفي عام 2021 شارك في بعثة منظمة الصحة العالمية إلى ووهان للتحقيق في أصل الفيروس، وخلص التقرير آنذاك إلى أن احتمال وقوع حادث مختبري كان «مستبعداً للغاية».

لكن منظمة الصحة العالمية أكدت لاحقاً ضرورة إجراء مزيد من التحقيقات، مشددة على أن جميع الفرضيات يجب أن تبقى مطروحة.

هل حاولوا إسكات فرضية المختبر؟

تثير القضية سؤالاً حساساً حول ما إذا كان مورينز وداسزاك قد حاولا بالفعل إضعاف فرضية تسرب الفيروس من المختبر. وتشير وزارة العدل إلى أن الرجلين سعيا إلى مواجهة هذه الرواية، بالتزامن مع محاولات استعادة التمويل الحكومي لأبحاث المنظمة.

كما ظهرت خلال تحقيقات الكونغرس رسائل سابقة لمورينز تحدث فيها عن ضرورة عدم ترك «أدلة دامغة» في البريد الإلكتروني، وعن استخدام حسابه الشخصي عندما تصبح بعض الموضوعات «حساسة».

وأثارت تلك الرسائل اهتمام لجان الكونغرس التي كانت تحقق في أصل الوباء وتمويل أبحاث فيروس كورونا.

مورينز يواجه السجن

يواجه مورينز، بموجب اتفاق الإقرار بالذنب، عقوبة تصل إلى خمس سنوات في السجن، ومن المقرر أن يصدر الحكم بحقه في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

أما فاوتشي، الذي كان مورينز يعمل مستشاراً له، فلم توجه إليه اتهامات في القضية، ولا يعني إقرار مورينز بالذنب تلقائياً تورطه في المخالفات موضوع القضية.

وبالنسبة إلى داسزاك، فقد أصبح منذ بداية الجائحة أحد أكثر الشخصيات ارتباطاً بالجدل حول أصل الفيروس، بسبب علاقته بأبحاث الخفافيش في الصين ومشاركته في التحقيقات الدولية.

ومع ذلك، فإن إقرار مورينز بالذنب لا يحسم السؤال الأكبر: كيف ظهر « SARS-CoV-2»؟

فالقضية تثبت وجود محاولات لإخفاء مراسلات حكومية وتجاوز قواعد السجلات الرسمية، لكنها لا تقدم دليلاً قضائياً على أن الفيروس تسرب من مختبر.

وبعد أكثر من ست سنوات، لا تزال فرضيتا الانتقال الطبيعي والحادث المختبري حاضرتين في النقاش، فيما يبقى الحسم النهائي مرتبطاً بالأدلة العلمية، لا بالمراسلات السياسية أو القضائية.


ترمب يقول إنه سيلتقي زعيم كوريا الشمالية هذا العام

من لقاء سابق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون (أ.ب)
من لقاء سابق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون (أ.ب)
TT

ترمب يقول إنه سيلتقي زعيم كوريا الشمالية هذا العام

من لقاء سابق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون (أ.ب)
من لقاء سابق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأربعاء، إنه سيلتقي الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، هذا العام، في أول لقاء بينهما منذ بدء ولايته الثانية، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورداً على سؤال صحافيين عما إذا كان يعتزم لقاء كيم في وقت لاحق من عام 2026، قال ترمب: «نعم؛ سأفعل»، خلال جولة في مهبط جديد للمروحيات يعمل على إنشائه في البيت الأبيض.

وأعلن ترمب أن كوريا الشمالية تمتلك 57 سلاحاً نووياً، وذلك في تقييم نادر ودقيق بشكل غير معتاد للترسانة النووية لكيم جونغ أون. وقال: «لديه 57 سلاحاً نووياً قوياً للغاية. كان ينبغي ألا يُسمح بحدوث ذلك أبداً. لكنه يمتلكها. وأنا على وفاق تام معه».

وقالت كيم يو جونغ، شقيقةُ الزعيم الكوري الشمالي، الأربعاء، إنّها ليست على علم بتواصل بين كيم جونغ أون والرئيس الأميركي، رغم أن الأخير لمّح إلى ذلك مؤخراً.

وجاء موقف كيم يو جونغ بعد ساعات من إعلان الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية إنهاء مناوراتهما السنوية قبل موعدها المقرر بنحو أسبوع، وذلك عقب أمر من ترمب بتقليص حجمها.

وكان ترمب قد صرّح، الأحد، بأنه طلب من وزارة الحرب الأميركية تقليص مناورات «أولتشي فريدوم شيلد (Ulchi Freedom Shield)» السنوية، وذلك قبل يوم واحد من بدئها، متحدثاً عن «علاقته الجيدة» بالزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.

ورداً على سؤال، يوم الاثنين، عمّا إذا كان كيم قد استجاب لطلباته بإجراء محادثة، قال ترمب: «نعم؛ لقد فعل ذلك».

إلا إن شقيقة كيم، كيم يو جونغ، قالت الأربعاء إنها ليست على علم بأي تواصل من هذا القبيل بين شقيقها وترمب.

وقالت كيم يو جونغ، التي تتمتع بنفوذ واسع في بيونغ يانغ: «بشأن المعلومات الأخيرة الصادرة من واشنطن بشأن التواصل بين قائدي كوريا الشمالية والولايات المتحدة، فليس لديّ علم بها على الإطلاق».

وأضافت: «قد تكون هذه المسألة الوحيدة المتعلّقة بالسياسة الخارجية لسلطاتنا العليا، التي لا أكون على دراية بها»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومع ذلك، فقد ذكرت كيم يو جونغ أن شقيقها لا يزال يحتفظ بـ«ذكريات ومشاعر طيبة» تجاه ترمب، وأن العلاقة بين الرجلين لا تزال «ممتازة».

وفي وقت سابق الأربعاء، أعلن الجيش في كوريا الجنوبية أن المناورات ستختتم يوم الجمعة المقبل، وليس في 27 أغسطس (آب) الحالي كما كان مقرراً في الأصل.

وقالت هيئة الأركان المشتركة لكوريا الجنوبية، في بيان: «لقد قررنا تعديل فترة المناورات لتُجرى بين 17 و21 أغسطس» 2026.

وأضافت أن القرار اتُخذ «بناءً على اقتراح من الجانب الأميركي».

وذكرت وزارة الحرب الأميركية أن المناورات «المقلصة بشكل كبير» تحافظ على «الأهداف الأساسية المتعلقة بالاستعداد والتدريب».

وقالت القيادة العسكرية الأميركية: «لن يكون هناك أي تقليص في أهداف التدريب الأميركية».

وقد صُممت هذه المناورات للتحضير لاحتمال وقوع هجوم من جانب كوريا الشمالية.

وكان من المفهوم أن المناورات تتألف من مرحلتين: الأولى تركز على الدفاع ضد التهديدات الكورية الشمالية المحتملة وكان من المقرر أن تستمر حتى الجمعة، والثانية تركز على هجوم مضاد وكان من المقرر إجراؤها في الفترة من 24 إلى 27 أغسطس الحالي.

ويبدو الآن أن المرحلة الثانية قد أُلغيت. غير أن كيم يو جونغ قللت من شأن هذا التقليص، قائلة: «لا نرى أنه يستحق التعليق، ولا نجد فيه أي شيء يثير اهتمامنا».

وأضافت أن تقليص حجم المناورات أو مدتها لا يغير من طابعها «الاستفزازي والعدواني».

ولطالما أعربت كوريا الشمالية، التي تمتلك أسلحة نووية، عن استيائها الشديد من هذه المناورات، عادّاً إياها تدريبات تحضيرية لغزو محتمل.

وجاء في تعليق نشرته «وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية» الرسمية، في وقت مبكر من صباح الأربعاء، أن هذه المناورات تشكل «أكبر التهديدات مباشرة وعلنية» لكوريا الشمالية وكذلك لـ«الأمن الإقليمي».

ولم يتطرق ذلك التعليق إلى قرار ترمب أو رغبته في استئناف المحادثات مع كيم، الذي لمح الرئيس الأميركي إلى وجود تواصل معه.


استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي

استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي
TT

استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي

استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي

تدفع أحدث استراتيجية تكنولوجية للبيت الأبيض نحو تسريع تطوير التقنيات الناشئة للاستخدام العسكري، وتمنح المبتكرين في مجال الدفاع مساحة أكبر للتجريب، كما ستوسع السوق الفيدرالية أمام الشركات الناشئة الواعدة في مجال تكنولوجيا الدفاع. لكنها في الوقت نفسه تكرس نهجاً محدداً لتطوير الذكاء الاصطناعي؛ نهجاً يحابي حفنة من شركات التكنولوجيا الأميركية ذات العلاقات القوية على حساب أساليب مبتكرة أخرى. وقد يصب هذا في مصلحة الصين ويعيق حصول الجيش الأميركي على الأدوات التي يرغب القادة فعلياً في امتلاكها.

وفيما يلي استعراض للأطراف الرابحة والخاسرة:

الرابحون: أسراب الطائرات المسيّرة وأنظمة الذكاء الاصطناعي الميدانية والتقنيات العسكرية الأسرع تطوراً

تضع الاستراتيجية تركيزاً كبيراً على أساليب جديدة للحرب تعتمد على التكنولوجيا، ولا سيما استخدام الطائرات المسيرة (الدرونز) - وحتى أسراب منها - جنباً إلى جنب مع النظم المأهولة والأنظمة التقليدية القائمة. وتدعو الاستراتيجية تحديداً، إلى «مزيج أمثل من المنصات منخفضة التكلفة (التي قد تكون أحياناً أقل تعقيداً من الناحية التقنية أو قابلة للاستنزاف/الخسارة في المعارك)، بحيث يمكن نشرها بأعداد كبيرة لتتكامل مع أعداد أقل من المنصات المتطورة».

على مدى العقد الماضي، اتسمت الجهود الرامية لنشر طائرات ذاتية القيادة إلى جانب الطائرات المقاتلة أو السفن - على سبيل المثال - بالتفاوت وعدم الاتساق في أحسن الأحوال، إذ اصطدمت تلك الجهود - حتى عندما غيّر البنتاغون خطابه حول ضرورة امتلاك أعداد كبيرة من المسيرات منخفضة التكلفة - بقيود ناجمة عن سياسات الشراء الداخلية للبرامج والالتزامات السابقة باستثمارات في برامج أخرى. ويُعد برنامج «ريبليكاتور» (Replicator) مثالاً بارزاً على ذلك؛ فقد أُشيد به بوصفه مبادرة رائدة وأساسية، لكنه لم يحصل سوى على تمويل بقيمة مليار دولار.

أولويات محددة في الإنفاق على البحوث

تحدد الاستراتيجية الجديدة «مجالات ذات أولوية» محددة للبحوث والإنفاق العسكري الجديد، وهي:

* العمليات تحت سطح البحر، والفضاء، والذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية القيادة. وتُعد هذه الأولويات الأكثر ارتباطاً بمسألة «الردع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ» - أي منع الصين من إشعال صراع واسع النطاق.

وضمن هذه المجالات ذات الأولوية، تصنّف الاستراتيجية «الأنظمة متعددة الوكلاء» (multi-agent systems) وذكاء الأسراب (swarm intelligence)، إلى جانب الاستخدامات المتنوعة للأنظمة ذاتية القيادة - بدءاً من الروبوتات ووصولاً إلى أنظمة القيادة والسيطرة - بصفتها عناصر «حاسمة».

* تسريع أعمال الشراء العسكري. كما تستهدف الاستراتيجية بشكل مباشر السياسات والممارسات التي تبطئ عمليات الشراء العسكري للتقنيات الجديدة. ولعل الأهم من ذلك أنها تتخذ خطوات لتنمية السوق فعلياً أمام الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الدفاعية، لتتجاوز النطاق العسكري البحت؛ إذ تستهدف الاستراتيجية قواعد المبيعات العسكرية الأجنبية وضوابط التصدير التي تعيق بيع كثير من التقنيات الدفاعية للحلفاء.

الخاسرون: النماذج مفتوحة الأوزان وتقنيات الذكاء الاصطناعي الصغيرة

* انحياز في مجال الذكاء الاصطناعي. في حين تدعم الاستراتيجية الشركات الصغيرة والأكثر ابتكاراً في قطاع الدفاع، فإنها تتدخل أيضاً في الجدل الدائر حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، منحازةً إلى شركات التكنولوجيا الكبرى التي تروج لمستقبل محدد للذكاء الاصطناعي - الذي يتسم باستهلاك كثيف للطاقة ويواجه معارضة واسعة - على حساب الاستراتيجيات الناشئة التي تحظى بتأييد كبير بين الباحثين.

* التقنيات الحيوية. وفي القسم المخصص للتقنيات الحيوية التي تتطلب الدعم، تدرج الاستراتيجية «النماذج التأسيسية (Foundation models)، بما في ذلك النماذج اللغوية الكبيرة، والنماذج متعددة الوسائط (multimodal)، ونماذج أنظمة العالم (world systems)». كما يشمل القسم مجالات تقنية متخصصة مثل واجهات الدماغ والحاسوب، ولكنه يغفل تماماً النماذج مفتوحة الأوزان (open-weight models) وتطوير البرمجيات مفتوحة المصدر.

النماذج التأسيسية

تُعد «النماذج التأسيسية» مثل النماذج اللغوية الكبيرة الحالية التي تطورها شركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» مجرد أسلوب واحد محتمل لبناء أدوات الذكاء الاصطناعي. وهو أسلوب يعتمد بشكل كبير على معالجة أكبر قدر ممكن من البيانات باستخدام أضخم بنية تحتية حاسوبية متاحة، وذلك بهدف تحقيق نتائج تحاكي «الاستدلال المنطقي»، في حين أنها في الواقع لا تعدو كونها مجرد عمليات حسابية احتمالية تقليدية.

وقد أسهم داريو أمودي، الشريك المؤسس لشركة «أنثروبيك»، في تحويل هذا المفهوم من مجرد مسعى بحثي إلى مشروع ضخم يهدف إلى حشد الموارد الحاسوبية والبيانات بأقصى سرعة ممكنة. وقد أوضح أمودي ذلك ببساطة خلال نقاش أجراه عام 2023 مع دواركيش باتيل، قائلاً: «لقد تبين أن الحجم الهائل - أي توفير مزيد من القدرات الحاسوبية ومزيد من البيانات - هو المحرك الأقوى للقدرات التقنية، مقارنةً بالابتكارات الخوارزمية المعقدة أو التعديلات الهيكلية المصممة يدوياً».

تركيز الثروة والسلطة

تخوض مجموعة صغيرة من مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة - مدعومةً بشركات كبرى توفر خدمات الحوسبة السحابية - سباقاً فعلياً من أجل البقاء؛ نظراً لمحدودية موارد الطاقة والرقائق الإلكترونية اللازمة لمواصلة السعي نحو تحقيق هذا «الحجم الهائل». فإذا كان مجرد توفير «مزيد من القدرات الحاسوبية» و«مزيد من البيانات» - كما يرى أمودي - كفيلاً بإنتاج نماذج ذات أداء فائق، فإن الجهة التي تمتلك أكبر قدر من هذه الموارد ستكون قادرة على إقصاء أي منافس لها.

الجمهور: الذكاء الاصطناعي ليس قوة إيجابية

ولا عجب أن سباق الذكاء الاصطناعي قد أدى إلى تركز الثروة والسلطة في أيدي عدد قليل من المختبرات وداعميها من شركات الحوسبة السحابية الكبرى. كما لا عجب أيضاً في تراجع النظرة العامة للجمهور تجاه الذكاء الاصطناعي؛ إذ أظهر استطلاع جديد للرأي أن 18 في المائة فقط من الأميركيين يعتقدون أنه سيشكل قوة إيجابية للولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن نهج النماذج التأسيسية يحظى بمؤيدين، وهم مقدمو خدمات الحوسبة السحابية الأميركيون الكبار الذين استثمروا المليارات في المختبرات المطورة لهذه النماذج.

إن الطريقة التي تؤطر بها هذه الاستراتيجيةُ المسألةَ تعزز فكرة أن للذكاء الاصطناعي مستقبلاً واحداً، وأن الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي أو تحقيق الهيمنة فيه يعني بالضرورة تفضيل عدد قليل من اللاعبين الرئيسيين. وهي فكرة تتجلى أيضاً في كثير من سياسات البيت الأبيض والأوامر التنفيذية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

مناهج بديلة

وفي الوقت نفسه، بدأت تظهر مناهج بديلة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ فبدلاً من التسابق لبناء مزيد من مراكز البيانات وجمع مزيد من البيانات لتغذية أنظمة الذكاء الاصطناعي، تعتمد هذه المناهج على استخدام «المعاملات» (parameters) الموجودة والمتاحة مجاناً - فيما يُعرف بـ«نماذج الأوزان المفتوحة» (open weight models) - وذلك على النقيض من «نماذج الأوزان المغلقة» التي تُعد ملكية فكرية محمية. وتستخدم هذه التقنيات بالتزامن مع هياكل بديلة تجعل استخدام تلك النماذج أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة. ويُقدم كثير من هذه الأساليب البديلة لبناء الذكاء الاصطناعي أداءً يضاهي تقريباً ما توفره شركتا «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، مع إمكانية تحقيق ذلك بتكلفة طاقة أقل بكثير.

لماذا تعد هذه الأمور مهمة للجيش؟

قد تتحول الموارد المحدودة - من قدرات حوسبة وبيانات ودعم عام - المتعلقة بالذكاء الاصطناعي إلى مشكلة استراتيجية تواجه الجيش الأميركي. ويخشى المسؤولون أنه في حال أدى الرأي العام إلى تقويض الدعم المالي والبرلماني (من الكونغرس) لأنشطة البحث والتطوير في هذا المجال، فقد تفقد البلاد تفوقها في مجال الذكاء الاصطناعي لصالح الصين، التي أعلنت صراحةً عن عزمها تصدّر هذا المضمار.

وفي الوقت نفسه، تفرض نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة (الرائدة) تحديات تكتيكية وتشغيلية على الجيوش التي تستخدمها؛ إذ لا يمكن للقوات والوحدات العسكرية الميدانية الاعتماد على استمرارية الاتصال التي تتطلبها الأدوات القائمة على النماذج الضخمة. وفي تقرير جديد أعدّه لصالح «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي»، يكتب جيك ستيكلر: «البنية التحتية الحوسبية في أوكرانيا - التي تتألف من خدمات سحابية غربية، ومراكز بيانات محلية، وعُقد حوسبة منتشرة في الخطوط الأمامية - بدأت تعاني بالفعل من ضغوط كثيرة مع دمج مزيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات تحديد الأهداف والتنسيق».

هدية محتملة للصين

ورغم أن الاستراتيجية الجديدة تُصنّف مفاهيم متخصصة أو بعيدة المنال - مثل واجهات الدماغ والحاسوب - بوصفها تقنيات «حاسمة»، إلا أنها تغفل تماماً ذكر النماذج ذات الأوزان المفتوحة. ويرى شيفر أن هذا الإغفال يمثل خطأً جسيماً وهدية محتملة للصين.

ويقول شيفر: «لقد كشف التقدم الذي أحرزته الصين في مجال الذكاء الاصطناعي ذي الأوزان المفتوحة عن حدود الاستراتيجية الأميركية التي تعتمد بشكل مفرط على فكرة حرمان الصين من الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق الأميركية».

* مجلة «ديفنس وان» خدمات «تريبيون ميديا»