إيران و«الإخوان»: الجذور الآيديولوجية للشراكة الحلقة (1): طهران كرّست آلتها الإعلامية لتأييد مرسي.. وبعد انتخابه حاولت التأثير على مساره السياسي

منع استخدام تعبير «الربيع العربي» وترسيخ مفهوم «الصحوة الإسلامية»

الرئيس المصري السابق محمد مرسي أثناء القاء كلمته في مؤتمر حركة عدم الانحياز بطهران في أغسطس (آب) 2012 وعلى يمينه نظيره الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد وأمين عام الامم المتحدة بان كي مون (أ.ف.ب)
الرئيس المصري السابق محمد مرسي أثناء القاء كلمته في مؤتمر حركة عدم الانحياز بطهران في أغسطس (آب) 2012 وعلى يمينه نظيره الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد وأمين عام الامم المتحدة بان كي مون (أ.ف.ب)
TT

إيران و«الإخوان»: الجذور الآيديولوجية للشراكة الحلقة (1): طهران كرّست آلتها الإعلامية لتأييد مرسي.. وبعد انتخابه حاولت التأثير على مساره السياسي

الرئيس المصري السابق محمد مرسي أثناء القاء كلمته في مؤتمر حركة عدم الانحياز بطهران في أغسطس (آب) 2012 وعلى يمينه نظيره الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد وأمين عام الامم المتحدة بان كي مون (أ.ف.ب)
الرئيس المصري السابق محمد مرسي أثناء القاء كلمته في مؤتمر حركة عدم الانحياز بطهران في أغسطس (آب) 2012 وعلى يمينه نظيره الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد وأمين عام الامم المتحدة بان كي مون (أ.ف.ب)

خلال الأسبوع الماضي، أصدر آية الله ناصر مكارم الشيرازي، أحد رجال الدين الخمسة الذين عينتهم الجمهورية الإسلامية كسلطة دينية في «قم»، بيانا يدين فيه ما أطلق عليه «الإجراءات الإجرامية التي اتخذتها السلطات المصرية ضد جماعة الإخوان المسلمين في مصر». كما انتقد «الصمت المخزي لوسائلنا الإعلامية وعلمائنا بشأن القضية». وأعرب عن أمله أن تصبح مصر في يوم ما مثل «إيران الإسلامية»، كما نفى آية الله الرؤية التقليدية حول الخميني باعتباره ممثلا للرؤية الشيعية للإسلام الراديكالي التي لا يمكنها تكوين تحالف مع الرؤية العربية السنية التي تدعو لها جماعة الإخوان المسلمين. وفي هذه السلسلة الجديدة من المقالات، يشير أمير طاهري إلى أن الخمينية والإخوانية لديهما تاريخ طويل من التواصل والتعاون الذي كان يتجاوز الانقسامات الطائفية، وأنهما ربما ما زالا يحاولان البحث عن دور يلعبانه في إعادة تشكيل توازن القوى في الشرق الأوسط وما بعده.
في يوم صيفي حار من عام 2014، كانت طهران تعج بالأحاديث حول تلك «اللحظة التاريخية» الوشيكة، التي من المنتظر أن تقع في قاعة المؤتمرات الجديدة التي تم إنشاؤها لاستضافة قمة حركة عدم الانحياز التي من المزمع أن تسلم فيها مصر زعامة القمة للجمهورية الإسلامية. وكان كل من علي خامنئي، والرئيس المصري المنتخب في ذلك الوقت محمد مرسي، يشار لهما بالبنان باعتبارهما صانعي تلك «اللحظة التاريخية». وكان من المفترض أن يمثل الرجلان انتصارا للإسلام الراديكالي بنسخه المختلفة من المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهندي.
وقد اتضح حرص طهران على ذلك اللقاء من خلال الحملات الإعلامية المنظمة التي كانت تمتدح الرئيس المصري إلى الحد الذي يتجاوز المادحين المحترفين. وربما يكون الأكثر أهمية من ذلك هو أن القيادة الخمينية في طهران كانت تشعر بأنه حان الوقت لكي تحصل على المكاسب من الاستثمارات السياسية والدعائية، وربما المالية، التي قدمتها لكي تضمن فوز مرسي بالانتخابات. وتزعم خامنئي ذلك المسار من خلال الحديث حول «الصحوة الإسلامية» في مصر وإنشاء مكتب خاص بقيادة أحد أقدم مستشاريه وهو علي أكبر ولاياتي لمساعدة الإسلاميين على الفوز بالسلطة في العالم العربي. وفي خطاب له، زعم خامنئي أن الإسلام الحديث ليس لديه سوى ثلاثة «مفكرين عظام مؤثرين»، أحدهم هو سيد قطب - منظر جماعة الإخوان المسلمين التي فاز مرشحها، محمد مرسي، برئاسة مصر. (وبالنسبة لخامنئي، فإن المفكرين العظيمين الآخرين هما آية الله الخميني، والصحافي ورجل الدين الباكستاني أبو الأعلى المودودي).
وحرصا على ترسيخ مفهوم «الصحوة الإسلامية»، فرضت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي الإيرانية على وسائل الإعلام المحلية عدم استخدام مصطلح «الربيع العربي»؛ فما كان يحدث هو «صحوة إسلامية» واضحة ونقية في وجه أكثر من قرن من العلمنة في العالم الإسلامي، حيث أكد ولاياتي: «هذه صحوة إسلامية مستوحاة من ثورة الإمام الخميني في إيران». وفي هذا الإطار، فعندما تقدم الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان للحصول على تصريح لنشر كتابه الجديد حول «الربيع العربي»، أخبروه بضرورة تغيير العنوان إلى «الصحوة الإسلامية»، أو يصبح الكتاب معرضا للحظر.
ومن جهة أخرى، تم تجاهل حقيقة أن الجماعات الإسلامية، بما في ذلك الإخوان المسلمون، لم تلعب دورا في المراحل الأولية والحاسمة من الثورات في تونس ومصر. والأهم من ذلك هو أن وسائل الإعلام في طهران اختارت أن تتجاهل حقيقة أن معظم المسلمين العرب لا يتعاطفون مع نظام الخميني «ولاية الفقيه»، الذي بمقتضاه يحصل الملا على سلطة لا نهائية نيابة عن المهدي المنتظر.
ولعدة أسابيع، كرست طهران آلاتها الإعلامية لتأييد مرسي، وبعد انتخابه حاولت التأثير على مساره السياسي. كما أشارت بعض التقارير، وإن كان من الصعب تأكيدها نظرا للطبيعة السرية لنظام الخميني، إلى أن الجمهورية الإسلامية قامت بضخ كميات هائلة من الأموال بالاستعانة برجال أعمال مصريين في لندن لتمويل الحملات الانتخابية لجماعة الإخوان المسلمين.
وكان لدى طهران أسباب أخرى تجعلها تتوقع الشكر من جماعة الإخوان المسلمين. فلمدة تزيد على العقد، كانت الجمهورية الإسلامية أحد أهم الممولين لحماس، وهي الفرع الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين، كما استضافت قيادتها وقدمت لها الوحدات العسكرية المزودة بالأسلحة، بالإضافة إلى التدريبات. ولسنوات، كانت طهران تقدم أيضا الدعم المالي والدعائي لفرع جماعة الإخوان بالجزائر. ففي عام 1992، أظهرت الوثائق التي تم تسريبها في ألمانيا أن طهران أودعت أكثر من سبعة ملايين دولار في حسابات بنكية تهيمن عليها «الجبهة الإسلامية للإنقاذ».
أيتام جماعة الإخوان
بعدما تعرضت جماعة الإخوان المسلمين لحملة قمع واسعة النطاق خلال فترة حكم الرئيس حسني مبارك، فقدت الجماعة جانبا كبيرا من قدرتها على مساعدة الكثير من الأفرع التي تتبعها سواء رسميا أو شبه رسمي في أنحاء العالم كافة. وفي الكثير من الحالات، وجد «أيتام» جماعة الإخوان مصادر جديدة للمواساة والدعم في نظام الخميني بطهران. فعلى سبيل المثال، مولت طهران الجماعة التي يقودها «الأخ» كليم صديقي في بريطانيا، كما مولت إنشاء ما أطلق عليه «البرلمان الإسلامي» في لندن.
وفي التسعينات، قدمت طهران التمويل لفرع الجماعة التركي وساعدتهم على توفير الآليات التي يحتاجون إليها للفوز بالانتخابات المحلية والقومية. وعندما أصبح نجم الدين أربكان، السياسي التركي ذو الصلة بجماعة الإخوان، رئيسا للوزراء في عام 1996 - 97، شكلت طهران تحالفا وثيقا مع حكومته في إطار خطط طموحة لإنشاء مجموعة الثماني الإسلامية في مواجهة مجموعة السبع التي تتزعمها الولايات المتحدة.
بدأت الاتصالات الأولى بين نظام الخميني و«الإخوان» في أواخر الثمانينات عندما اندلعت الحرب الإيرانية - العراقية؛ حيث أقام السفير الإيراني لدى الفاتيكان، هادي خسروشاهي، اتصالات مع عدد من قيادات جماعة الإخوان المقيمين بأوروبا. كما أنشأت السفارة الإيرانية لدى الفاتيكان دار نشر ساعدت على ترجمة ونشر عدد من كتب «الإخوان». كما أن خسروشاهي نفسه، الذي يعد من الملالي متوسطي الشأن، كان قد ترجم تاريخ جماعة الإخوان إلى الفارسية في أول رواية مكتملة حول نشأة الحركات الإسلامية وتطورها. ولاحقا، التقى مبعوث إيران لمكتب الأمم المتحدة بجنيف، سايروس ناصري، عددا من المصريين المنفيين في سويسرا، الذين لدى بعضهم صلة بحسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين في عام 1928. وفي بداية التسعينات، أقامت طهران أيضا اتصالات مع راشد الغنوشي رئيس حزب النهضة التونسي، وعباسي مدني زعيم «جبهة الإنقاذ» الجزائرية الإسلامية. ومن الاتصالات الأخرى التي أقيمت بين «الإخوان» وطهران، الاتصال بحسن الترابي، السياسي السوداني الذي رغم أنه ليس عضوا بجماعة الإخوان فإنه تمكن من التأثير عليهم والحصول على دعمهم لمساعيه للوصول إلى السلطة. وقد التقت الأطياف المختلفة للراديكالية الإسلامية في أبريل (نيسان) 1991 فيما يطلق عليه «المؤتمر الإسلامي الشعبي العربي» الذي استضافه الترابي في الخرطوم، وحضره ممثلون عن ما يزيد على 70 تنظيما من 50 دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وكندا. وقد أعلن ذلك الجمع المتنوع من المؤمنين بالراديكالية الإسلامية دعمه وتأييده لجماعة الإخوان المسلمين ونظام الخميني في إيران.
وأرسلت مصر أحد أكبر الوفود المشاركة في المؤتمر، الذي تضمن من سيصبح لاحقا الرجل الثاني في تنظيم القاعدة وهو أيمن الظواهري، بالإضافة إلى إبراهيم شكري. كما حضرت أعداد غفيرة من المجاهدين الأفغان، بما في ذلك عبد رب الرسول سياف، وقلب الدين حكمتيار. وكان الفريق الإيراني بقيادة آية الله مهدي كروبي، الذي كان رئيسا للمجلس الإسلامي (البرلمان) بطهران في ذلك الوقت. كما أرسلت إيران أيضا وفدا من فرعها اللبناني، حزب الله، بقيادة عماد مغنية. وقدم أسامة بن لادن نفسه باعتباره ممثل المملكة العربية السعودية وزعيم ما أطلق عليه «جبهة الإنقاذ الإسلامية»، رغم أنه كان يقيم بالسودان في ذلك الوقت.
وشاركت الجماعات الفلسطينية كافة بأعداد كبيرة، كان بينها شخصيات رفيعة المستوى مثل ياسر عرفات ونايف حواتمة، وخالد مشعل. كما حضر فتحي الشقاقي ممثلا عن حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين التي تدعمها إيران، كما أرسلت العراق في ظل حكم صدام حسين وفدا يترأسه أحد أولاد عمومة الديكتاتور وهو سعد التكريتي. وحضر داود موسى بيتكوك، زعيم «الحزب الإسلامي» في المملكة المتحدة ممثلا عن بريطانيا العظمى، كما حضر عبد الباري عطوان، الصحافي البريطاني من أصل فلسطيني. وكان الفريق اليمني يقوده عبد المجيد زنداني، ومثل عبد القدوس زعيم حركة «أراكان» دولة بورما، بينما مثل عبد الرزاق الجنجلاني «الأفغان العرب» الذين يقاتلون ضد النظام الشيوعي في كابل. كما كانت هناك وفود من الجماعات الإسلامية المسلحة بالفلبين والمعروفة باسم «أبو سياف» وكذلك تايلاند.
ووفقا لمحمد مهدوي، الذي كان في ذلك الوقت يعمل دبلوماسيا في النظام الإيراني، ساهمت طهران في تكلفة إقامة ذلك الحدث بمبلغ قيمته ثلاثة ملايين دولار. وكان الحضور في ذلك المؤتمر يأملون أن يتمكن مسلمو العالم، الذين كانوا يقدرون بنحو 1.2 مليار نسمة في ذلك الوقت، من أن يتحدوا لخلق «قوى عظمى» يمكنها أن تتحدى الهيمنة الأميركية التي تركت وحدها على الساحة بعد انهيار الإمبراطورية السوفياتية. ولكن رغم اتحادهم على كراهية الولايات المتحدة، سواء كانت تلك الكراهية حقيقية أم مختلقة، كان للمشاركين في المؤتمر الكثير من الأجندات المتباينة. وبعدما أنفقت قدرا كبيرا من المال، كانت طهران تتمنى أن تطرح نفسها باعتبارها قائد حركة الوحدة الإسلامية وتسعى للحصول على اعتراف بأن «مرشدها الأعلى» هو زعيم الأمة الإسلامية في جميع أنحاء العالم. ولكن ذلك السيناريو كان يبدو بالنسبة لمعظم المشاركين، على الأقل، سيناريو غريبا. فمن الصعب أن يتقبل المسلمون السنة، الذين يشكلون أغلبية الأمة، أن يصبح «المرشد الأعلى» لإيران الشيعية هو النسخة الحديثة من الخليفة.
ومن جهته، كان للترابي، مدير ذلك المؤتمر، أحلامه الواسعة أيضا، فقد أخبر كاتب سيرته الذاتية الفرنسي بأنه يتمنى الهيمنة على «دولة بترولية واحدة على الأقل» لكي يوفر التمويل الذي يحتاجه لكي يصبح زعيما للعالم الإسلامي. وفي إحدى مفارقات التاريخ، كانت السودان على وشك أن تصبح من كبرى الدول المصدرة للبترول، ولكن الحال انتهى بالترابي في السجن. كما أن المصريين الحاضرين في مؤتمر الخرطوم في ذلك الوقت لم يكونوا يمثلون الكتلة الرئيسة للإخوان المسلمين، ولكن عدد من الجماعات الراديكالية المتطرفة المتورطة في الإرهاب. وكانت أولى أولويات تلك الجماعات، التي كانت في ذلك الوقت تشن هجوما مسلحا ضد الرئيس مبارك، هو محاولة تحويل القواعد الشعبية لـ«الإخوان» إلى حركة راديكالية لمنعها من التوصل إلى مساومات مع النظام الحالي.
ومن جهة أخرى، قام المؤتمر بانتخاب لجنة توجيهية مكونة من تسعة أشخاص، بينهم بن لادن والظواهري، وكان يتم ممارسة نفس التقليد كل عامين. ورغم أنه على المستوى العملي، لم يسفر كل ذلك عن أي شيء وذهبت الخطابات الحماسية التي ألقيت في الخرطوم إلى غياهب النسيان، فقد أبرز ذلك الجمع عددا من النقاط المهمة.
أولا: أظهر أن الحركات الإسلامية على مستوى العالم، بشكل عام، متحدون في نظرتهم المتشككة تجاه العالم الحديث وإن كان بدرجات متفاوتة؛ حيث إنهم يدركون أن الإسلام لم يلعب دورا في تشكيل النظام الدولي الذي نعرفه حاليا. فقد تأسس العالم الحديث على مبادئ اقتصادية وسياسية وفلسفية ومناهج تم تطويرها في أوروبا الغربية، خاصة فرنسا وبريطانيا العظمى وألمانيا وهي دول مسيحية. كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ونحو 14 ألفا أو أكثر من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تنظم تقريبا مناحي الحياة كافة في العالم المعاصر - هي نتاج عدة دولة غربية مسيحية.
وبمعنى آخر، وبالنظر إلى ذلك النظام المعقد الذي لم يساعد الإسلام على خلقه ولا يبدو أنه يستطيع استيعابه تماما، يبدو الإسلام دخيلا. فعلى سبيل المثال، كيف يمكن النظر للمؤمنين وغير المؤمنين باعتبارهم متساوين أمام القانون؟ وكيف يمكن للمرء أن يقنع نفسه بفكرة أن الرجال، بل وحتى النساء، وكلاهما فان، لديه الحق في سن التشريعات حتى وإن كان ذلك يعني مراوغة أو تجاهل الشريعة؟
السعي إلى تسوية
في القرن التاسع عشر، حاول الكثير من «المفكرين» المسلمين أن يجدوا طريقة يستطيع عبرها الإسلام أن يتقبل ذلك العالم الغريب ويساعد على تطويره فيما يتفاوض للحصول على مساحة أكبر لمتطلباته الدينية وتلك المتعلقة بالتقاليد.
وبعيدا عن الشكوك في العالم الحديث، أشار ذلك الجمع من الإسلاميين الراديكاليين من جميع أنحاء العالم إلى درجة عالية من الخوف من أن تشق الحضارة الغربية، التي تشهد صعودا منذ القرن السابع عشر، طريقها إلى دار الإسلام وتخلب لب أغلبية المسلمين. وكان ذلك الخوف دائما ما يتردد على ألسنة الكثير من قيادات الإسلام الراديكالي. فدائما ما كان علي خامنئي يكرر: «إن العدو يهاجمنا على الجبهة الثقافية». وقد ترددت أصداء ذلك الخوف بين قيادات جماعة الإخوان المسلمين الذين يزعمون أن «الغرب» الذي لم يتمكن أبدا من تعريفه، مشارك في حرب ثقافية ضد الإسلام. والعامل الثالث المشترك بين ذلك الجمع المتباين من الإسلاميين، بداية من الخمينيين، وصولا إلى الفصائل المختلفة من جماعة الإخوان، هو اعتقادهم أن أنواع السياسة كافة، سواء الداخلية أم الخارجية، تتكون من سلسلة من المؤامرات. فبالنسبة لهم، لا يوجد شيء كما يبدو عليه ولا شيء يمكن أن يحدث من دون قدر من التآمر الذي يحدث سرا. والعامل الرابع المشترك بين هؤلاء الإسلاميين هو اعتقادهم ضرورة وفاعلية العنف الذي يمكن أن يعني في الكثير من الحالات الإرهاب لخدمة الأهداف السياسية.
وكما كان البنا يؤكد: «لقد حقق الإسلام النصر بحد السيف»، متجاهلا حقيقة أن معظم من يتم تصنيفهم حاليا كمسلمين في أكثر من 57 دولة على مستوى العالم لم يتم غزو بلادهم بحد السيف.
ومن جهة أخرى، فإن الإيمان المشترك بضرورة وفاعلية العنف، دفع الإسلاميين المعاصرين إلى تفسير الجهاد بأنه الاغتيالات والعمليات الانتحارية والخطف والحرب.
والنقطة الخامسة المشتركة بين الإسلاميين هي اعتقادهم بالقوى السحرية للقائد ذي الكاريزما، الذي عادة ما يطلق عليه «المرشد الأعلى». ونظرا لاقتناعهم بأن «الأشخاص العاديين» غير قادرين على تقديم مساهمات إيجابية في صناعة القرار في المجتمع، يسعى الخومينيون و«الإخوان» إلى تأسيس نظام أفلاطوني من حكم النخبة يقع فيه «المرشد الأعلى» على قمة هرم صناعة القرار.
وأخيرا، فإن الإسلاميين بطوائفهم كافة يعانون عقدة نقص عميقة الجذور يحاولون إخفاءها بالغطرسة والتعالي. فهم لا يؤمنون بأن الإسلام قوي بما يكفي للصمود عند دخوله في منافسة مع الديانات الأخرى أو مع الحضارات الأخرى، إذا ما نظرنا له باعتباره ثقافة. وقد برزت عقدة النقص تلك من عدة نواح. فعلى سبيل المثال، يحب الكثير من القيادات الإسلامية إبراز حصولهم على لقب «دكتور» وهو لقب غربي، كما أن الكثير منهم يستخدم في خطاباته وأحاديثه استعارات من الأكاديميين والفلاسفة الغربيين «الكفار».
توحي الطريقة التي يتم بها تقديم قيادات جماعة الإخوان المسلمين بأننا نتعامل مع نخبة طبية، فحتى حسن روحاني، الرئيس الجديد للنظام الخميني، يصر دائما على أن يطلق عليه «دكتور»، وفقا لدرجة علمية حصل عليها في «الشريعة» من جامعة خاصة مجهولة في أسكوتلندا، بدلا من أن يطلق عيه حجة الإسلام. ومن قبله، كان الرئيس محمود أحمدي نجاد يفتخر بكونه «دكتورا»، كما كان الرئيس الأول لنظام الخميني أيضا أبو الحسن بني صدر يفعل. ولا حاجة للقول بأن مرسي أيضا كان «دكتورا» قبل أن يكون «أخا». كما كان مرتضى مطهري، وهو الملا الذي ينظر له باعتباره المنظر الرئيس لثورة الخميني، مولعا بهيغل رغم أن كل ما يعرفه عن هذا الفيلسوف الألماني يعتمد على سيرة مختصرة كتبها مؤلف إنجليزي وترجمها للفارسية حامد عنايت.
ورغم تحذيرهم من استمرار عدم الوقوع في فخ الثقافة الغربية، وقع الكثير من الإسلاميين ضحايا لذلك الفخ. فهم يرسلون أولادهم للدراسة في الجامعات الأوروبية والأميركية ويسافرون إلى الغرب في الإجازات وللعلاج ويستثمرون أموالهم في البنوك والعقارات الغربية، وعندما يتم نفيهم أو يضطرون إلى ترك بلدانهم فإنهم يذهبون إلى باريس أو لندن أو نيويورك بدلا من دكا أو كابل أو لاغوس.
والآن، دعونا نعد سريعا إلى ذلك اليوم الحار من أيام أغسطس (آب) في طهران. كان «المرشد الأعلى» علي خامنئي يجلس في غرفة إلى جوار قاعة المؤتمرات منتظرا اتصالا من الرئيس المصري الدكتور مرسي الذي يزور البلاد؛ حيث إن مثل ذلك الاتصال يمكنه أن يعزز رغبة خامنئي في أن يظهر «كقائد للمسلمين كافة » بعدما جاء زعماء العالم الإسلامي للإعراب عن احترامهم، واعترافا بسيادته.
وفيما كان خامنئي ينتظر في غرفته، كان الدكتور مرسي في الغرفة الأخرى التي تقع على بعد 15 مترا، يعقد اجتماعات مع عدد من زعماء دول عدم الانحياز من أنحاء العالم كافة. وبعدما انتهت الاجتماعات، أعلن مرسي أنه سوف يغادر إلى المطار لكي يتمكن من اللحاق برحلته إلى القاهرة في نهاية زيارة استمرت عدة ساعات فقط. أجل، لم يكن لديه وقت للقاء خامنئي. فعلى خامنئي أن ينتظر مناسبة أخرى!
والسبب؟ يعتبر مرسي خامنئي سياسيا متخفيا في هيئة رجل دين، بينما ينظر خامنئي لمرسي باعتباره رجل دين متخفيا في زي السياسي. فإذا ما ذهب أحدهما للآخر فإنه يحتفي بهيمنة الآخر في ذلك النظام التراتبي المتخيل من الأحقية في قيادة الإسلام السياسي. وعندما سمع الرئيس محمود أحمدي نجاد بتلك الأنباء السيئة، شعر بالخزي أمام «المرشد الأعلى» الذي كان قد حصل على وعود بأن المشاركين كافة في القمة سوف يذهبون ويعربون عن احترامهم له. فقد أنفقت إيران 600 مليون دولار لإنشاء قاعة مؤتمرات جديدة والاستعداد للمؤتمر، وانتهى الحال بعدم حصولها على أي شيء. والأسوأ هو أن مرسي كانت لديه الجرأة للنطق بأسماء أبو بكر، وعمر وعثمان، وهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة خلال خطابه بالمؤتمر الذي يبث على الهواء مباشرة على الشاشات المحلية. وفشل مراقبو النظام الذين تمكنوا من حجب أجزاء من خطاب مرسي في الوقت الملائم في حجب ذلك الجزء. فيا لها من كارثة لنظام الخميني!
ومع ذلك، فإن الروابط التي تم تأسيسها قبل عدة عقود اكتسبت قوة آيديولوجية وتنظيمية جديدة بين حركة الخميني الموجودة في السلطة حاليا بإيران، وجماعة الإخوان المسلمين التي وصلت إلى السلطة في القاهرة بعد سقوط النظام الناصري.
كيف تأسست تلك الروابط ومن الأشخاص الرئيسيون الفاعلون بها؟ تلك قصة أخرى سيتم تفنيدها في الجزء الثاني من المقال.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.