أميركا تتمسّك بـ«الغموض الاستراتيجي» أمام خطّ بكين الأحمر

ترمب «استمع» لموقف شي حول تايوان ولم يحسم مصير الصفقات العسكرية

الرئيسان الأميركي والصيني في بكين في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
الرئيسان الأميركي والصيني في بكين في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

أميركا تتمسّك بـ«الغموض الاستراتيجي» أمام خطّ بكين الأحمر

الرئيسان الأميركي والصيني في بكين في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
الرئيسان الأميركي والصيني في بكين في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)

غادر الرئيس الأميركي دونالد ترمب الصين بعد زيارة وصفها بـ«التاريخية»؛ اختبرت مستقبل العلاقة بين أكبر قوتين في العالم، وتطرّقت إلى خلافات اقتصادية وتجارية تُربك الأسواق الدولية، وشملت رسائل سياسية تتجاوز حدود آسيا.

وفيما هيمنت على الزيارة أجواء إيجابية، تمثّلت في الاحتفاء الرسمي الكبير الذي خصّصه شي جينبينغ لضيفه الأميركي، وفي عبارات المدح التي وجّهها ترمب لمضيفه، لكنها لم تُفضِ إلى اتفاقيات ملموسة حول قضايا الرسوم، أو جهود فتح مضيق هرمز، أو حتى مستقبل تايوان.

وبينما أبدى الرئيس الصيني مرونة في المحادثات التجارية، والتعاون التكنولوجي، ودعماً لمبدأ إنهاء حرب إيران ومنع الانتشار النووي، فإنّه كان صارماً في موقف بلاده من تايوان وعدّ دعم واشنطن للجزيرة عسكرياً ولحراك الاستقلال «خطاً أحمر».

واستمزج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، آراء خبراء ومسؤولين سابقين حول مخرجات قمّة بكين التاريخية، وما إذا كان سيّد البيت الأبيض قد نجح في تحقيق اختراق في علاقات بلاده مع التنين الصيني.

من الرابح؟

ترمب وهو يغادر بكين في 15 مايو 2026 (رويترز)

يقول مايكل كنينغام، كبير الباحثين في برنامج الصين في معهد «ستيمسن»، إن العلاقة بين واشنطن وبكين «ديناميكية ومعقّدة للغاية»، مع استفادة كلّ من الرئيسين من أوراق اقتصادية ودبلوماسية مهمة. واستدلّ كنينغام باستغلال الصين اعتماد الصناعات التكنولوجية الأميركية على صادرات المعادن النادرة، وتوجيهه بحظر توريدها رداً على قرار ترمب رفع الرسوم الجمركية على بكين في بداية ولايته الثانية.

وترى يان تشانغ بينيت، البروفسور في جامعة جورج واشنطن، أن الزيارة كانت مربحة للطرفين؛ «إذ إن الهدف بالنسبة لهما كان استقرار العلاقة، واستعادة الوصول إلى السوق الأميركية بالنسبة للجانب الصيني». وأضافت: «لم يكن الهدف من هذا الاجتماع إبرام أي صفقات، بل فتح الأبواب والتأكد من بقاء قنوات الاتصال مفتوحة. وقد حددت هذه القمة المسار المستقبلي، حيث سيُعقد عدد من اجتماعات لمجموعات العمل بهدف إبرام بعض الصفقات التجارية».

من جهته، أشاد دنيس ويلدر، مدير ملفّ الصين سابقاً في مجلس الأمن القومي وكبير الباحثين في مبادرة الحوار الأميركي - الصيني في جامعة جورج تاون، بتوصل الرئيسين إلى «قرارات ملموسة» بشأن «بروتوكول الذكاء الاصطناعي». وأوضح أن كلاً من الولايات المتحدة والصين تعهّدت بحفظ الأنظمة المتطوّرة التي تطوّرها شركات خاصّة كأسرار نووية. بعبارة أخرى، لن تكون هذه الأنظمة متاحة للجمهور العام، وستستخدمها فقط المنظمات الحكومية أو الأطراف الخاصة الموثوق بها».

معضلة تايوان

كان ملف تايوان من أبرز الملفات التي طرحت على طاولة نقاش الرئيسين. وقال الرئيس الأميركي، بعد مغادرته بكين، إنه تحدّث مع نظيره الصيني شي جينبينغ «كثيراً» عن الجزيرة، لكنه لم يقدم له أي تعهدات. وردّاً على سؤال بشأن تحذير شي من نشوب نزاع مع واشنطن بشأن الجزيرة ذات الحكم الذاتي، صرّح ترمب على متن الطائرة الرئاسية: «لا أعتقد ذلك... هو لا يريد أن يرى حرباً. لا يريد أن يشهد تحركاً نحو الاستقلال». وأضاف أن «موقف شي من تايوان قوي جداً... ولم أقدم تعهداً في أي اتجاه».

وشدّد سيّد البيت الأبيض على أن نظيره الصيني «لا يريد أن يرى صراعاً من أجل الاستقلال... لم أعلق على ذلك، بل اكتفيت بالاستماع إليه». وقبل القمة، قال ترمب إنه سيتحدث مع شي بشأن مبيعات الأسلحة الأميركية إلى تايوان، وهو ما يمثل خروجاً عن موقف واشنطن السابق بعدم استشارة بكين في هذا الشأن.

وفي حديثه للصحافيين، الجمعة، قال الرئيس الأميركي بشأن بيع الأسلحة: «سأتخذ قراراً خلال الفترة القصيرة المقبلة». وتعمل الولايات المتحدة بمبدأ «الصين الواحدة»، لكن قانوناً أميركياً يلزمها بتزويد تايوان بالأسلحة للدفاع عن نفسها. من جهتها، تعهدت الصين بضمّ الجزيرة، ولم تستبعد استخدام القوة، وصعّدت الضغط العسكري في السنوات الأخيرة.

ويرى كنينغام أن تايوان هي فعلاً القضية الأهم من وجهة نظر الصين في العلاقات الأميركية - الصينية، مشيراً إلى أن الموقف الصيني «غير مستغرب». وأوضح: «إذا تصرفت الولايات المتحدة أو تايوان بطرق معينة تؤدي إلى استقلال تايوان من الناحية القانونية، فإن احتمال اندلاع حرب مع الصين سيكون مرتفعاً للغاية». وفي إشارة إلى تصريحات ترمب وبيان وزارة الخارجية الصينية حول تايوان، قال كنينغام إن اكتفاء الرئيس الأميركي بالاستماع «لم يمنح شي ما كان يريده، على الأقل في هذه المرحلة»، خلافاً للمخاوف التي عبّر عنها عدد من المشرّعين.

وتُذكّر بينيت هنا بسياسة «الغموض الاستراتيجي» التي تعتمدها أميركا في هذا الملف عن قصد، معتبرةً أن الولايات المتحدة تُفضّل الوضع الراهن مع تايوان، وهو موقف مشابه لما تفضله بكين أيضاً على حد تقييمها، لافتة إلى أن الصين لا تريد حلاً عسكرياً للقضية بل حلاً سياسياً.

وعن الموقف الأميركي، تُشير بينيت إلى استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة ترمب التي توضح مدى أهمية تايوان بالنسبة للولايات المتحدة. وتضيف: «إنها تنتج نحو 80 في المائة من أشباه الموصلات في العالم. وهي مهمة جداً للاقتصاد الأميركي، وكذلك لاستراتيجيتنا العسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقد نصّت الاستراتيجية بوضوح شديد على عدم اتخاذ أي تحركات أحادية الجانب من أي من الطرفين».

الوفد الأميركي المرافق لترمب في زيارته في 14 مايو 2026 (أ.ب)

من ناحيته، اعتبر ويلدر أن الكثيرين أساؤوا تفسير استراتيجية إدارة ترمب التي ركزت على نصف الكرة الغربي، واعتبار أنها تعني الابتعاد عن شرق آسيا. وقال: «صحيح أنه سيكون هناك اهتمام أكبر بنصف الكرة الغربي، لكن نصف الكرة الغربي لا يتطلب قوة عسكرية ضخمة. هذا ما رأيناه في حالة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. ستواصل القيادة الأميركية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ توسيع علاقاتنا مع اليابان والفليبين. في الواقع، أجرينا للتو أكبر تدريبات عسكرية في الفليبين... وكانت القوات اليابانية موجودة لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية على الأراضي الفلبينية، وهو حدث استثنائي. لذا، لا يزال السلام من خلال القوة في صميم سياسة ترمب في شرق آسيا. وستظل هذه القضية في صميم الاهتمامات. وسنردع بكين عن شن أي هجوم».

حرب إيران

قال الرئيس الأميركي إن «صبري تجاه إيران بدأ ينفد»، وإنه «اتفق مع الرئيس الصيني» على أنه لا يمكن السماح لطهران بامتلاك ​سلاح نووي، وأن عليها إعادة فتح مضيق هرمز. كما ذكر ترمب أنه يدرس ما إذا كان سيرفع العقوبات الأميركية المفروضة على شركات النفط الصينية التي تشتري النفط الإيراني. لكن تصريحاته لم تُقدّم سوى القليل من المؤشرات حول ما إذا كانت بكين ستستخدم نفوذها لدى طهران لإنهاء صراعٍ قالت إنه ما كان ينبغي أن يبدأ مطلقاً.

هيغسيث يتحدث مع نظيره الصيني دونغ جون في بكين في 14 مايو 2026 (أ.ب)

ويُشكّك ويلدر في موقف الصينيين بشأن هذه القضية، «فهم لن يساعدوا الولايات المتحدة في موضوع إيران، إذ ينظرون إلى الحرب على أنها مشكلة أميركية».

وأشار ويلدر إلى أن استنزاف الموارد الأميركية في حرب إيران تصب لمصلحة الصين، ما يعد نقطة ضعف للأميركيين. وأوضح: «نحن نستهلك ذخائرنا الثمينة والمكلفة بوتيرة سريعة للغاية، وبصراحة لا نمتلك القاعدة الصناعية اللازمة لتعويضها بسرعة. والصينيون يدركون ذلك. ثانياً، اضطررنا إلى نقل وحدة من مشاة البحرية من اليابان إلى منطقة المحيط الهادئ. كما اضطررنا إلى نقل قوات أخرى إلى المنطقة. لذا اضطررنا إلى تقليص وجودنا في شرق آسيا من أجل خوض هذه الحرب. وهذه مشكلة».

لكن بينيت تؤكد أن الطرفين الأميركي والصيني يرغبان في التوصل إلى حلّ لحرب إيران، لافتة إلى أن الصين لديها احتياجات هائلة من الطاقة، رغم مصادر الطاقة المتجددة التي تزخر بها. وقالت: «تستورد الصين كميات هائلة من الطاقة من الشرق الأوسط. ونحو 80 في المائة من نفطها يأتي من الشرق الأوسط وحده».

مكاسب داخلية

ويرى كنينغام أن الرئيسين ترمب وشي سيقدّمان قراءتين مختلفتين لنتائج الزيارة، تتناسب مع سياسة البلدين الداخلية. فـ«ترمب كان يهدف إلى انتزاع اتفاقيات تجارية من الصين. هو يريد مكاسب اقتصادية، خصوصاً في الوقت الحالي؛ حيث لا توجد أخبار جيدة جداً في الاقتصاد بسبب الوضع في إيران، كما أنه يسمع الانتقادات والمخاوف التي يبديها البعض من استعداده للتنازل للصين، ويريد أن يثبت أنهم مخطئون».

أما من وجهة نظر شي، «فإنه يريد إنهاء التصعيد الكبير في التوتر ببن البلدين، والذي شهدناه العام الماضي. كما يريد أن يشارك في مؤتمر الحزب العام المقبل، في ظل علاقات أميركية - صينية أقرب إلى ذروتها منها إلى أدنى مستوياتها».

وعن مسار العلاقات، أعربت بينيت عن ارتياحها لمشاركة وزير الخارجية ماركو روبيو في الزيارة، رغم تعرّضه لعقوبات صينية مطلع العام الماضي. أما ويلدر، فاعتبر أن «الشخص الوحيد الذي يتمتع بخبرة حقيقية في الشؤون الصينية ضمن أعضاء الحكومة الذين شاركوا في الوفد هو وزير الخزانة سكوت بيسنت».

كما سلّط ويلدر الضوء على أهمية وجود وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ضمن الوفد، وقال إن «اصطحابه أمر غير معتاد. إذ لم يسبق لأي رئيس أميركي أن اصطحب وزير دفاعه في رحلة كهذه. ولاحظت في مأدبة العشاء أنه كان جالساً بجوار وزير الدفاع الصيني، ويجري محادثة معه. وهذه أخبار جيدة لأننا نريد تحسين العلاقات العسكرية».

ورجّح ويلدر أن تُسفر هذه الزيارة عن دعوة جديدة لوزير الحرب إلى بكين، في محاولة لإجراء حوار رفيع المستوى على الصعيد العسكري.


مقالات ذات صلة

ترمب: على إسرائيل أن تكون «أكثر دقة» في ضرباتها ضد «حزب الله»

الولايات المتحدة​ تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

ترمب: على إسرائيل أن تكون «أكثر دقة» في ضرباتها ضد «حزب الله»

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الأحد، إسرائيل إلى أن تكون أكثر دقة في ضرباتها التي تقول إنها تستهدف «حزب الله» في لبنان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية خلال رحلة من قاعدة أندروز الجوية إلى ولاية ويسكونسن، 5 يونيو 2026 (أ.ب)

ترمب: لا اتفاق نهائياً بعد مع إيران

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مقابلة مع شبكة «إن بي سي»، إن الولايات المتحدة ستعمل مع إيران على التخلص من مخزونها من اليورانيوم، إذا تم التوصل إلى اتفاق.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
رياضة عالمية الممثل إليوت غولد برفقة ترمب ومارلا مابلز خلال مباراة كرة سلة في الدوري الأميركي 6 مارس 1991 (أ.ب)

إجراءات أمنية مشددة في نيويورك مع حضور ترمب لنهائي دوري السلة الأميركي

ستفرض مجموعة من الإجراءات الأمنية المشددة تتضمن إغلاق الطرق وحظر دخول الحقائب على المشجعين المتوجهين إلى ملعب ماديسون سكوير غاردن غداً الاثنين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
شؤون إقليمية ترمب يستقبل نتنياهو في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (نيويورك تايمز)

إسرائيل تتجسس على مفاوضي ترمب مع إيران

أثارت تقارير استخباراتية أميركية حديثة مخاوف بشأن قيام أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بالتنصّت على المفاوضين الأميركيين العاملين على اتفاق سلام مع إيران.

جوليان بارنز (واشنطن) إريك شميت (واشنطن)
رياضة عالمية بعض لاعبي إيران في أحاديث قبل الإقلاع (إ.ب.أ)

من أنطاليا إلى تيخوانا… القصة الكاملة لتحضيرات إيران قبل كأس العالم 2026

في عصر يوم سبت هادئ بمدينة أنطاليا التركية، كانت حافلة المنتخب الإيراني تغادر الفندق الفخم الذي اتخذته مقراً لمعسكره الأخير قبل كأس العالم 2026.

The Athletic (أنطاليا )

تقرير: أميركا تدرس شراء جزر تشاغوس

جزر ‌تشاغوس (أرشيفية - رويترز)
جزر ‌تشاغوس (أرشيفية - رويترز)
TT

تقرير: أميركا تدرس شراء جزر تشاغوس

جزر ‌تشاغوس (أرشيفية - رويترز)
جزر ‌تشاغوس (أرشيفية - رويترز)

ذكرت صحيفة ​«تلغراف» البريطانية، اليوم الأحد، أن البيت الأبيض ‌يدرس ‌شراء ​جزر ‌تشاغوس ⁠من ​موريشيوس.

وأضاف التقرير ⁠أن مسؤولين أميركيين أعدوا مقترحاً ⁠لتجاوز ‌بريطانيا وإبرام اتفاق ‌خاص ​للسيطرة ‌على ‌قاعدة دييجو جارسيا الجوية ‌في جزر تشاغوس. ولم يتسنَ لوكالة «رويترز» ⁠التأكد من ⁠صحة هذا التقرير حتى الآن.


ترمب: على إسرائيل أن تكون «أكثر دقة» في ضرباتها ضد «حزب الله»

تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

ترمب: على إسرائيل أن تكون «أكثر دقة» في ضرباتها ضد «حزب الله»

تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الأحد، إسرائيل إلى أن تكون أكثر دقة في ضرباتها التي تقول إنها تستهدف «حزب الله» في لبنان.

وقال ترمب لبرنامج «ميت ذا برس» (واجه الصحافة) على شبكة «إن بي سي»، في مقابلة سُجّلت الجمعة وبُثت اليوم: «أود أن أرى لبنان يتمتع بحياة أفضل. أود أن أرى هجوماً أكثر دقة على (حزب الله)»، معرباً عن اعتقاده بضرورة أن يكون هذا الهجوم «جراحياً بشكل أكبر».

واندلعت الحرب الأخيرة في الثاني من مارس (آذار) بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل؛ رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في أولى الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط). وردّت الدولة العبرية بحملة واسعة من الغارات الجوية واجتياح بري، بينما ينفذ الحزب عمليات على جانبي الحدود.

ودخل وقف لإطلاق النار أعلنته الولايات المتحدة حيّز التنفيذ في 17 أبريل (نيسان)، لكنه لم يغيّر في أرض الواقع. ويتبادل الحزب وإسرائيل الاتهام بخرق وقف إطلاق النار بشكل يومي.

وعقد موفدون من إسرائيل ولبنان الأربعاء في واشنطن جولة رابعة من المحادثات المباشرة برعاية الولايات المتحدة، اتفقوا خلالها على تطبيق وقف شامل لإطلاق النار مشروط بـ«وقف تام لنيران» «حزب الله» وانسحابه من منطقة جنوب نهر الليطاني الذي يبعد نحو ثلاثين كيلومتراً عن الحدود.

وتقضي الهدنة المشروطة أن ينتشر الجيش اللبناني في «مناطق تجريبية» في الجنوب يتولى السيطرة «الحصرية عليها مع استبعاد جميع الجهات الفاعلة غير الحكومية».

ورفض «حزب الله» الاتفاق بالصيغة المعلنة، متمسكاً بـ«وقف شامل» لإطلاق النار وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. بدورها، أكدت الدولة العبرية أنها ستواصل عملياتها العسكرية، وتوعدت باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت إذا هاجم «حزب الله» مناطقها الشمالية.

وشنّت إسرائيل اليوم غارة على الضاحية الجنوبية، قالت إنها جاءت رداً على إطلاق «حزب الله» مقذوفات على أراضيها.


سباق 2028 يبدأ مبكراً داخل الحزب الديمقراطي

يبحث الحزب الديمقراطي عن مرشّح قادر على استعادة البيت الأبيض في 2028 (أ.ب)
يبحث الحزب الديمقراطي عن مرشّح قادر على استعادة البيت الأبيض في 2028 (أ.ب)
TT

سباق 2028 يبدأ مبكراً داخل الحزب الديمقراطي

يبحث الحزب الديمقراطي عن مرشّح قادر على استعادة البيت الأبيض في 2028 (أ.ب)
يبحث الحزب الديمقراطي عن مرشّح قادر على استعادة البيت الأبيض في 2028 (أ.ب)

قد يكون مبكراً الحديث عن المرشح الديمقراطي الأوفر حظاً لانتخابات الرئاسة الأميركية عام 2028، لكن السباق غير المعلن بدأ فعلاً. فلا يوجد مرشح رسمي، ولا زعيم طبيعي، ولا جناح واضح داخل الحزب يمكن أن يلتف حوله الناخبون الديمقراطيون. ومع ذلك، بدأ حكام ولايات، وأعضاء في مجلس الشيوخ، ومرشحون سابقون، وحتى شخصيات إعلامية، في اختبار الأرضية السياسية وقياس المزاج الحزبي وبناء صورة عامة تصلح للمرحلة المقبلة.

الأهمية هنا لا تكمن في الأسماء وحدها؛ بل فيما تمثله هذه الأسماء من صراع داخل الحزب الديمقراطي؛ بين المؤسسة التقليدية، والليبراليين، والتقدميين، واليسار الشعبوي، وجناح الوسط الذي يعتقد أن الحزب خسر جزءاً من الطبقة العاملة والناخبين المستقلين بسبب لغة سياسية معقدة، أو خطاب ثقافي منفصل عن هموم المعيشة.

ومن هذه الزاوية، تبدو لائحة المرشحين المحتملين مرآة لأزمة أوسع: من يستطيع أن يهزم الجمهوريين؟ ومن يستطيع في الوقت نفسه أن يُعيد تعريف الحزب؟ غير أن الترشيحات المفترضة تعكس بوضوح أزمة الهوية والبرنامج، وضعف القدرة على استعادة ناخبين ذهبوا إلى الجمهوريين أو إقناع المستقلين.

سباق بلا مرشح طبيعي

صحيفة «واشنطن بوست» وصفت الحقل الديمقراطي بأنه واسع ومفتوح: لا مرشح أعلن دخوله، ولا متصدّر واضحاً، ولا مسار مضموناً. لكنها أشارت إلى أن «حملة الظل» بدأت بالفعل بين حكام وسيناتورات ومرشحين سابقين وشخصيات عامة، في وقت يرى فيه بعض الاستراتيجيين الديمقراطيين أن الحزب يملك «قدراً جيداً من المواهب والمرشحين المثيرين للاهتمام».

هذا الاتساع قد يكون مصدر قوة، لأنه يمنح الحزب خيارات متعددة بعد هزيمة أو إخفاقات انتخابية سابقة. لكنه في الوقت نفسه علامة ضعف، لأنه يعني أن الديمقراطيين لم يحسموا بعد السؤال الأساسي: هل يريدون مرشحاً وسطياً قادراً على طمأنة المستقلين؟ أم وجهاً تقدمياً يثير حماسة القاعدة؟ أم حاكماً من ولاية متأرجحة يقدم نموذجاً عملياً للحكم؟ أم شخصية مشهورة قادرة على اختراق المشهد الإعلامي؟

كيلي ونيوسم وشابيرو

بين الأسماء التي يكثر تداولها، يبرز السيناتور مارك كيلي من أريزونا. ميزته أنه يأتي من ولاية متأرجحة، ويحمل سيرة شخصية جذابة؛ إنه رائد فضاء سابق، وجامع تبرعات قوي، وزوج للنائبة السابقة غابي غيفوردز التي نجت من محاولة اغتيال. وقد قال في وقت سابق إنه «سيفكر بجدية» في الترشح للرئاسة، بعد سجال مع إدارة الرئيس دونالد ترمب على خلفية فيديو ذكّر فيه عسكريين بأنهم غير ملزمين بتنفيذ «أوامر غير قانونية».

غافن نيوسم يلقي كلمةً في فعالية تطوعية بعنوان «نعم للاقتراح 50» بمركز مؤتمرات لوس أنجليس - نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

لكن نقطة ضعفه أنه لم يُختبر وطنياً بعد. فالحملة الرئاسية شيء مختلف عن الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ. يحتاج كيلي إلى إثبات أنّه ليس فقط شخصية محترمة أو سيرة ملهمة؛ بل قادر على بناء خطاب اقتصادي واجتماعي وسياسي يصل إلى مختلف أجنحة الحزب.

أما غافن نيوسم، حاكم كاليفورنيا، فيمثل نموذج السياسي الهجومي ضد ترمب. حضوره الإعلامي قوي، ويجيد استخدام المنصات الرقمية والسجال السياسي، وقد عزز موقعه داخل الحزب بعد قيادته مسعى إعادة رسم الخريطة الانتخابية في كاليفورنيا، لمواجهة تحركات الجمهوريين في إعادة تقسيم الدوائر. لكنه يدرك أيضاً أن صورته بوصفه حاكماً ليبرالياً «لامعاً» من كاليفورنيا، قد تكون عبئاً وطنياً.

وفي مقابلة مع «ذي أتلانتك»، اختصر نيوسم مشكلة الديمقراطيين بكلمة واحدة: «الضعف»، كما تحدث عن الحاجة إلى إعادة صياغة صورته السياسية.

أما جوش شابيرو، حاكم بنسلفانيا، فيملك ورقة مختلفة: ولاية متأرجحة، وشعبية محلية، وصورة تنتمي إلى جناح عمالي داخل الحزب. شابيرو يدافع عن قضايا ليبرالية، لكنه لا يتردد في انتقاد الجناح الأكثر يسارية، خصوصاً في ملفات مثل إسرائيل. وقد دعا بعد التعديلات التي ألحقتها إدارة ترمب على قانون حقوق التصويت، إلى تغيير تركيبة الكونغرس ثم البيت الأبيض، من أجل تمرير قوانين «تحترم جميع الأميركيين»، بدلاً من استهداف فئات بعينها، بحسب «واشنطن بوست».

عودة هاريس وشبح الهزيمة

كامالا هاريس تظل اسماً ثقيلاً بحكم أنها نائبة رئيس سابقة ومرشحة رئاسية سابقة. وهي معروفة بقدرتها على المناظرة، ولا تزال تحظى بترحيب داخل قواعد ديمقراطية معينة، خصوصاً بين ناخبين يرون فيها امتداداً لمعركة سياسية لم تكتمل. لكن مشكلتها الكبرى أنها خسرت أمام ترمب، وهذا وحده يجعل كثيراً من الديمقراطيين يشككون في قدرتها على خوض معركة جديدة.

وذكرت «واشنطن بوست» أن هاريس تلقت هتافات «ترشحي مجدداً» خلال فعالية بنيويورك، كما أظهر استطلاع لـ«إن بي سي» في فبراير (شباط)، أنها بين الأكثر قبولاً لدى الناخبين من بين الأسماء المحتملة. غير أن القبول الشخصي شيء، والقدرة على إقناع الحزب بأنها الخيار الأقوى شيء آخر.

بيت بوتيجيج يواجه معضلة مغايرة؛ فهو من أفضل المتحدثين الديمقراطيين، وشاب، وعسكري سابق، يمتلك قدرة واضحة على تفكيك خطاب الجمهوريين؛ لكنه لا يشغل حالياً منصباً تنفيذياً منتخباً يمنحه منصة يومية. ولهذا قد يحتاج إلى تحويل حضوره الإعلامي إلى حركة سياسية فعلية، لا مجرد إعجاب نخبوي.

حكام الولايات

حكام الولايات يشغلون موقعاً مهماً في الحسابات الديمقراطية، لأنهم يستطيعون القول إنهم لا يكتفون بالخطابة في واشنطن؛ بل يديرون ولايات، ويتعاملون مع الأمن، والاقتصاد، والتعليم، والهجرة، والصحة. من هنا يأتي اسم جاي بي بريتزكر، حاكم إلينوي، الذي يملك ثروة ضخمة قد تساعده في تمويل حملة وطنية، لكنها قد تتحول أيضاً إلى عبء في زمن تتزايد فيه الحساسية تجاه عدم المساواة. وقد قال في مناسبة ديمقراطية إن الحزب لن يفوز بالانتخابات إذا اكتفى بالحديث إلى الجمهور عن «الديمقراطية»، داعياً إلى تركيز أكبر على الاقتصاد.

نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس مع حاكم بنسلفانيا جوش شابيرو خلال مناسبة بفيلادلفيا - يوليو 2024 (رويترز)

ويس مور، حاكم ماريلاند، يقدم صورة مختلفة: أول حاكم أسود حالي، ومحارب قديم، وصاحب مواجهة مستمرة مع ترمب في ملفات عدة. لكن قدرته على التحول إلى مرشح وطني لا تزال غير محسومة. أما آندي بشير، حاكم كنتاكي، فيحمل ورقة نادرة: ديمقراطي فاز مرتين في ولاية صوتت لترمب 3 مرات. رسالته للحزب مباشرة: «تحدثوا بوصفكم بشراً طبيعيين»، في إشارة إلى ضرورة التخلي عن لغة النخب والتركيز على ما يفهمه الناخب العادي.

غريتشن ويتمر، حاكمة ميشيغان، كانت من أكثر الأسماء جاذبية نظرياً؛ فهي حاكمة ولاية متأرجحة، وصاحبة تجربة في مواجهة ترمب. لكنها أربكت المشهد أخيراً حين قالت إنها لن تترشح في 2028، قبل أن تتراجع جزئياً. هذا الغموض يُبقي اسمها حاضراً، لكنه يعكس أيضاً تردد بعض كبار الديمقراطيين في الدخول المبكر إلى سباق طويل ومكلف.

اليسار والوسط

لا يمكن تجاهل الجناح التقدمي في الحزب. ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، مثلاً، تملك شهرة وطنية وقدرة على تحريك الشباب واليسار، لكن ترشحها سيطرح سؤالاً صعباً: هل يستطيع الحزب الفوز بمرشحة تقدمية جداً في انتخابات عامة؟ كذلك يبرز رو خانا، الذي يسعى إلى الجمع بين خطاب اقتصادي تقدمي وصورة أكثر عملية في قضايا التكنولوجيا والطبقة الوسطى.

ممداني مع السيناتور التقدمي بيرني ساندرز والنائبة التقدمية ألكسندريا وكاسيو كورتيز - 4 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

في المقابل هناك شخصيات وسطية؛ مثل رام إيمانويل، الذي يدعو إلى حلول أكثر اعتدالاً، ويطرح أفكاراً مثيرة للجدل مثل حظر وطني لوسائل التواصل للأطفال، وسن تقاعد إلزامي للسياسيين والقضاة الفيدراليين عند 75 عاماً. غير أن المشكلة، بحسب «واشنطن بوست»، أنه لم يحقق زخماً كبيراً حتى الآن.

حتى الشخصيات الإعلامية تدخل الهامش، مثل ستيفن سميث، معلق شبكة «إي إس بي إن»، الذي قال إنه يفكر في الترشح مقدماً نفسه وسطياً. مثل هذه الأسماء قد لا تكون مرجحة، لكنها تعكس شيئاً مهماً: الديمقراطيون لا يبحثون فقط عن برنامج؛ بل عن شخصية قادرة على كسر الضجيج الإعلامي والوصول إلى ناخب مشتت وغاضب.

وبعد سنوات من الاستقطاب، وصعود ترمب مجدداً، وتراجع ثقة قطاعات من الناخبين في خطاب الديمقراطيين؛ أي نسخة من الحزب الديمقراطي ستنجح في إقناع الأميركيين عام 2028؟ حتى الآن، لا توجد إجابة واحدة. وهذا بالضبط ما يجعل السباق مفتوحاً، ومربكاً، وحاسماً في آن واحد.