تاريخ الإسلام والمسلمين في فرنسا منذ العصور الوسطى حتى اليوم

كتاب جماعي أسهم فيه 70 باحثاً تحت إشراف محمد أركون

محمد أركون  -  لوحة جدارية لابن رشد بريشة الرسام الإيطالي أندريه بونايوتو عام 1366
محمد أركون - لوحة جدارية لابن رشد بريشة الرسام الإيطالي أندريه بونايوتو عام 1366
TT

تاريخ الإسلام والمسلمين في فرنسا منذ العصور الوسطى حتى اليوم

محمد أركون  -  لوحة جدارية لابن رشد بريشة الرسام الإيطالي أندريه بونايوتو عام 1366
محمد أركون - لوحة جدارية لابن رشد بريشة الرسام الإيطالي أندريه بونايوتو عام 1366

كان المفكر الكبير محمد أركون قد أشرف على تأليف كتاب موسوعي يخص العلاقات بين فرنسا وعالم الإسلام منذ أقدم العصور حتى اليوم. وشارك في تأليف هذا الكتاب الجماعي الضخم ما لا يقل عن سبعين باحثاً عربياً وأجنبياً. وصدر عن دار «منشورات ألبان ميشيل» في أكثر من ألف ومائتي صفحة من القطع الكبير. إنه كنز مليء بالمعلومات والتحليلات والإضاءات عن عالم العرب والإسلام وعلاقته بفرنسا. وفي هذه الظروف الحرجة التي تمر بها العلاقات بين الغرب كله من جهة، والعالم الإسلامي من جهة أخرى يُستحسن بنا أن نعود إلى هذا الكتاب القيم كمرجع أساسي لاستيضاح الأمور. هذا وقد حظي الكتاب بمقدمة قصيرة للمؤرخ الشهير جاك لوغوف، ومقدمة طويلة للبروفسور أركون ذاته. يقول جاك لوغوف في مقدمته ما فحواه: «ينبغي على فرنسا داخل إطار الاتحاد الأوروبي أن تدمج الجالية المسلمة في أحضانها وتعطيها كل الحقوق. وينبغي عليها بشكل خاص أن تحترم كل ما في تراث المسلمين يتماشى مع فلسفة الأنوار وقيم الحداثة الفرنسية». بمعنى آخر لا مكان للأصولية الدينية المتطرفة في فرنسا العلمانية المتحررة. إذا ما أراد المسلمون أن يندمجوا فليتخلوا عنها وليرتبطوا بأفضل ما أعطاه تراثهم إبان العصر الذهبي والذي كان أساس نهضة أوروبا ذاتها. هذا ما نفهمه من كلام المؤرخ الكبير. هذا الكلام كتبه جاك لوغوف قبل التفجيرات الخطيرة التي أدمت فرنسا عام 2013 وما تلاه. وهي تفجيرات لم يتح له أن يشهدها لأنه مات قبلها.
أما محمد أركون الذي يعتبر أحد أهم المفكرين في تاريخ الإسلام على مر العصور فيقول لنا ما معناه: لكي نفهم الأمور بشكل صحيح فإنه ينبغي العلم بأن المسار التاريخي لعالم الإسلام كان معاكساً للمسار التاريخي لفرنسا والعالم الأوروبي في مجمله، فعندما كان الإسلام يعيش عصره الذهبي في بغداد العباسية أو قرطبة الأندلسية كانت أوروبا تغط في نوم عميق. كانت تعيش ظلاميتها الدينية وتكفّر العلم والفلسفة. وعندما استفاقت أوروبا في عصر النهضة إبان القرن السادس عشر، بل وما قبله، كان العالم الإسلامي قد دخل في عصر الانحطاط وأصبح هو الذي يغط في نوم عميق. وعن ذلك نتج سوء التفاهم ثم التصادم بين العالم الإسلامي والعالم الأوروبي. ولكن ماذا عن الإمبراطورية العثمانية التي حكمت العالم العربي طيلة أربعة قرون، من القرن السادس عشر حتى التاسع عشر؟ هل كانت نهضوية تنويرية؟ هذا السؤال يجيب عنه البروفسور أركون قائلاً: «أبداً لا. إن حكمها يتزامن مع عصر الانحطاط ولا علاقة له بالعصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية». صحيح أن العهد العثماني شكل انبعاثاً لقوة الإمبراطورية الإسلامية على الأصعدة السياسية والإدارية والعسكرية والعمرانية/ لكنه لم يضف شيئاً جديداً على مستوى الفكر الفلسفي والعلمي، قياساً إلى العصر الذهبي للعرب، بل شكّل تراجعاً كبيراً عنه. وفي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تخترع وتبدع على يد كوبرنيكوس وغاليليو وديكارت ونيوتن وكانط وهيغل وعشرات غيرهم كان شيوخ الإمبراطورية العثمانية يغطّون في نوم عميق ولم يشعروا بالفجوة الهائلة التي أخذت تُحفر بين أوروبا التنويرية والعالم الإسلامي إلا بعد فوات الأوان. نستنتج من كل ذلك ما يلي: من هنا مسؤولية الإمبراطورية العثمانية عن تخلف العرب والمسلمين بمن فيهم إخوتنا الأتراك أنفسهم، وهي مسؤولية ضخمة. ولذلك فإن محاولة إعادة هيمنتها مجدداً على يد إردوغان من خلال ما يدعى بـ«العثمنة الجديدة» لا يمكن أن تلقى أي صدى لدى العرب لسبب بسيط: هو أنها كانت إمبراطورية انكشارية، قمعية، ظلامية، لا فلسفية ولا تحريرية ولا تنويرية. وبالتالي فالعرب يريدون نسيانها ككابوس مزعج، لا العودة إليها باشتياق. يضاف إلى ذلك أن تركيا إردوغان التي يهيمن عليها «الإخوان المسلمون» لا يمكن أن تكون قدوة لمصر - السيسي أو للعرب الذين يصْبون إلى إسلام الأنوار واستعادة العصر الذهبي مرة أخرى.
بمعنى آخر وبكلمة واحدة: إما إسلام الأنوار، وإما إسلام الإخوان. نقطة على السطر. أما إسلام العصر الذهبي وإما إسلام عصر الانحطاط. واللبيب من الإشارة يفهم... هذا الموقف لا يعني أي عداء تجاه الشعب التركي الكبير، فهو جارنا المباشر وأخ لنا. وإذا ما انتصر التيار الأنواري التركي يوماً ما على التيار الإخواني الحالي فسوف ينعكس ذلك علينا حتماً. أقول ذلك وأنا أعرف أنه توجد نخب ثقافية طليعية ومستنيرة في تركيا. ولكنها مغلوب على أمرها حالياً. وإذا ما انتصر تيار التنوير العربي يوماً ما فسوف ينعكس ذلك على الأتراك أيضاً. مصيرنا مرتبط بعضه ببعض. كلنا في الهوى سوا.
من بين الفصول المهمة التي يمتلئ بها هذا الكتاب الموسوعي نذكر البحث الذي كتبته السيدة مريم سبتي، وهي فيلسوفة وباحثة في المركز العلمي للبحوث العلمية الفرنسية، كما أنها مختصة بفكر ابن سينا، وكانت قد نشرت كتاباً بعنوان: «ابن سينا: النفس البشرية»، فماذا تقول لنا عن هذين العملاقين في الفكر العربي، الفارابي وابن سينا؟ ومعلوم أن الثاني كان تلميذاً للأول قبل أن يستقل بنفسه وتتفتح عبقريته على مصراعيها. إنها تقول ما فحواه: لقد أسهمت الأنوار الفلسفية العربية في يقظة أوروبا وخروجها من العصور الظلامية للقرون الوسطى، كما أسهمت في انبثاق النهضة الأوروبية الأولى التي سبقت نهضة القرن السادس عشر. نقصد بذلك النهضة التي حصلت بدءاً من القرن الثالث عشر وتواصلت في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. هذه النهضة الأوروبية الأولى ناتجة مباشرة عن ترجمة روائع الفكر العربي وبالأخص مؤلفات الفارابي وابن سينا وذلك قبل التنبه إلى أهمية ابن رشد. ثم تردف الباحثة قائلة ما معناه: في النصف الثاني من القرن الثاني عشر حصلت في مدينة طليطلة الأندلسية ترجمة جزء كبير من المؤلفات العلمية والفلسفية العربية. وهذه الترجمة أسهمت في انبعاث الفكر الأوروبي واستيقاظه من غفوته أو غفلته الطويلة. وقد ترجم المسيحيون الأوروبيون أولاً الكتب العلمية العربية وبالأخص كتب علم الفلك والطب. ثم بدءاً من عام 1150 أخذوا يهتمون بشكل كبير بترجمة مؤلفات الفارابي وابن سينا. ولكنهم ترجموا أيضاً بعض مؤلفات الفيلسوف العربي الأول الكندي، وبخاصة كتابه «رسالة في العقل». أما ابن سينا فقد تعرفوا عليه عن طريق ألدّ أعدائه (الأمام الغزالي)... مَن يصدق ذلك؟ ولكن إذا عُرف السبب بطُل العجب. فالواقع أن الغزالي كان قد ألّف كتابين عن الفلسفة: الأول بعنوان «مقاصد الفلاسفة»، والثاني بعنوان «تهافت الفلاسفة»، في الأول يستعرض نظريات الفارابي وابن سينا بكل موضوعية وألمعية إلى درجة أن الأوروبيين ظنوا أنه فيلسوف! وبما أن الكتاب الثاني لم يصلهم فقد توهموا أنه فيلسوف فعلاً وصنفوه في خانة الفلاسفة لا في خانة الفقهاء ورجال الدين. ومعلوم أنه في الكتاب الثاني راح يشن هجوماً عنيفاً على ابن سينا والفارابي والفلسفة بأكملها، ومعلوم أيضاً أنه لم تقم للفلسفة قائمة في أرض الإسلام بعد هجومه الحاد هذا. وعلى هذا النحو دخلنا في عصر الانحطاط بعد أن كفّر الغزالي وكل الفقهاء الذين تلوه الفكر الفلسفي العقلاني، وراحوا يقولون «من تمنطق فقد تزندق»، أو «كان يتفلسف لعنه الله»، إلى آخر هذه الكليشيهات... هكذا نلاحظ أنه في الوقت الذي راحت فيه أوروبا تهتم بالعلم والفلسفة رحنا نحن ندير ظهرنا لهما بل ونشتمهما، راحوا هم يقدسون الفكر العلمي والفلسفي العقلاني ورحنا نحن نمزق مؤلفات ابن سينا والفارابي وابن رشد وابن باجة على أثر الإدانة اللاهوتية للغزالي، سامحه الله، إلخ... وكان أن دخلنا في ظلام عميق لم نخرج منه حتى الساعة. والدليل على ذلك انتشار الحركات الأصولية والإخوانجية الداعشية في جسد الأمة كالسرطان واحتلالها الشارع العربي من مشرقه إلى مغربه.
من الفصول الممتعة في الكتاب، وما أكثرها، نذكر الفصل المطول الذي اتخذ العنوان التالي «من الاستشراق إلى علم الإسلاميات»، وهو من تأليف البروفسور دانييل ريغ المختص بالدراسات العربية والإسلامية، وفيه يتحدث لنا عن الوجه الجديد للاستشراق وعن تأسيس مدرسة اللغات الشرقية في باريس وعن أوائل المستشرقين الكبار، وكان في طليعتهم ريجيس بلاشير (1900 - 1973) الذي توصل إلى مرتبة الأستاذية في السوربون عام 1950 واحتل كرسي اللغة والآداب العربية فيها، ولكنه قدم أيضاً دراسات مهمة عن القرآن الكريم من بينها: ترجمة القرآن، مدخل إلى القرآن، ثم اشتهر بكتابه عن تاريخ الأدب العربي في ثلاثة أجزاء. هذا وقد كوّن بلاشير مجموعة من التلاميذ الذين سيصبحون لاحقاً أساتذة الأدب العربي من بعده، وفي طليعتهم يقف أندريه ميكل الذي تخرج على يديه عدد كبير من طلبة الدكتوراه العرب. ولا ينبغي أن ننسى أعلام الاستشراق الفرنسي في تلك الفترة من أمثال مكسيم رودنسون وجاك بيرك وشارل بيلا وروجيه أرنالديز وآخرين عديدين، وهؤلاء قدموا مؤلفات قيمة عن التراث الإسلامي والمجتمعات العربية، والعديد منها مترجم إلى اللغة العربية، ولا ينبغي أن ننسى فانسان مونتيل (1913 - 2005) الذي من كثرة انغماسه في الدراسات العربية والإسلامية عشق المنطقة وراح يعتنق الإسلام ديناً في نهاية المطاف وأصبح اسمه فانسان – منصور مونتيل. ونحن مدينون له بترجمة رسالة الغفران إلى اللغة الفرنسية، ولو لم يفعل غيرها لكفاه ذلك فخراً؛ فهي إحدى روائع الأدب العربي على مر العصور ولا مثيل لها في لغة الضاد، ومعلوم أنه نص صعب جداً من الناحية اللغوية – التركيبية، وربما ينبغي أن نترجمها إلى اللغة العربية الحديثة لا إلى اللغة الفرنسية فقط لكي يفهمها طلاب الثانوي والجامعي والجمهور العريض بشكل عام.
هناك فصول أخرى كان ينبغي أن تحظى باهتمامنا وفي طليعتها الفصل الذي يتخذ العنوان التالي «الإسلام في الفكر الفرنسي من عصر الأنوار إلى الجمهورية الثالثة»، وقد كتبه البروفسور هنري لورنس أستاذ التاريخ المعاصر للعالم العربي في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون).
ولا ننسى الخاتمة المطولة التي كتبها المفكر التونسي الراحل عبد الوهاب المؤدب، فهي تشكل شهادة من الطراز الأول على التكوين المعرفي المزدوج الذي تلقاه في تونس أولاً وباريس ثانياً. إنه نتاج كلا التنويرين: التنوير العربي الإسلامي، والتنوير الفرنسي والأوروبي. من هنا إعجابه بابن عربي وابن رشد والجاحظ وابن المقفع والمعري وبقية عباقرة العرب والإسلام من جهة، وإعجابه بدانتي ورابليه وفولتير وبقية عباقرة الفكر الأوروبي من جهة أخرى. أخيراً هناك فصول أخرى عديدة تستحق الذكر والاهتمام ولكن الوقت ضاق والمكان لا يتسع.



المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.


حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».