معركة دير الزور: «داعش» خسر الغطاء القبلي

«براغماتية» العشائر دفعتها لحماية نفسها من المواجهة

معركة دير الزور: «داعش» خسر الغطاء القبلي
TT

معركة دير الزور: «داعش» خسر الغطاء القبلي

معركة دير الزور: «داعش» خسر الغطاء القبلي

تلتقي التقارير عن تبدد المئات من مقاتلي «داعش» في البادية السورية، إثر الحملات التي شنها النظام السوري بدعم من حلفائه وداعميه الروس والإيرانيين منذ مطلع العام الحالي ضده، على رؤية تفيد بأن بعض هؤلاء العناصر، هم مقاتلون عشائريون ومزارعون ورعاة اضطروا لمهادنة التنظيم المتطرف بعد سيطرته على المنطقة، كما فعلوا في وقت سابق مع النظام، أو مع فصائل المعارضة. فالمسلحون في هذه البقعة الجغرافية الواسعة من سوريا، يهادنون «السلطة» التي تبسط نفوذها على المنطقة، منعاً للاصطدام معها، وخوض معارك غير متكافئة، تنتهي مثلما انتهت إليه المواجهة بين عشيرة الشعيطات ومقاتلي «داعش»، إذ أسفرت عن مقتل نحو 800 شاب من العشيرة.
دير الزور، المحافظة الغنية بالنفط، التي تمثل السلة الغذائية الأهم لسوريا منذ السبعينات، تتمتع فيها العشائر بنفوذ واسع، وتسيطر على مفاصلها. ولا سبيل لأي طرف بالدخول إليها إلا بمهادنة العشائر له، سواءً عبر «تنظيم الخلاف» أو التوصل إلى اتفاقات. ومن غيره، سيُعامل الطرف المقبل إلى المنطقة على انه «محتل»، ما يشرّع قتاله.

يمثل المواطنون السوريون من ذوي الخلفية القبلية نسبة تزيد عن 30 في المائة من عدد السكان، وهؤلاء يعيشون في مناطق تزيد مساحتها عن 43 في المائة من مساحة سوريا البالغة 185.180 كيلومتراً مربعاً، إذا احتسبت فقط مساحة المحافظات ذات الغالبية العشائرية المطلقة وهي دير الزور والحسكة والرقة ودرعا.
أدرك النظام السوري، منذ السبعينات، أهمية دور العشائر التي يتركز ثقلها في شرق سوريا وشمالها. فسارع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى مهادنتها، بالنظر إلى أنها عشائر مقاتلة، وقادرة على حشد المؤيدين للنظام أو الانفكاك عنه بسبب التركيبة الاجتماعية لها. ومن ثم، عمل الأسد الأب على تقريب شيوخ العشائر منه، وأوصل بعضهم إلى الندوة البرلمانية في مجلس الشعب.
وراهناً، تحظى القبائل في مجلس الشعب بستة مقاعد محجوزة لممثلي قبائل معينة. وشهدت سوريا خلال السنوات الأخيرة زيادة في عدد الممثلين المنتخبين عن أولئك الستة ليشمل ممثلين عن قبائل أخرى. ويشكل العرب غالبية سكان مدينة دير الزور مع وجود بسيط للأكراد والأرمن، والقسم الأكبر من العرب يتحدّرون من خلفيات عشائريّ، أبرزها البكّارة (البقّارة) والعكيدات (العقيدات). وتعتبر قبيلة العكيدات من أكبر القبائل، إذ يبلغ عدد أفرادها أكثر من مليوني نسمة ومنهم جماعات تعيش في محافظات حمص وحماه وحلب، لكن أكثرهم يعيش على ضفاف نهر الفرات في محافظة دير الزور. أما العشيرة التي تأتي بعدها فعشيرة البكّارة وشيخهم المعارض نواف راغب البشير، ويبلغ عدد أفراد هذه العشيرة نحو مليون نسمة ويتزعمهم حالياً الشيخ فواز البشير وتسكن العشيرة في محافظات الحسكة ودير الزور وحلب.

ابتعادها عن النظام
لكن هذه العشائر، لم تبقَ إلى جانب النظام السوري إثر اندلاع الاحتجاجات ضده في العام 2011. وفضلاً عن أن بعضها أيّد المعارضة، تحوّلت بعض معاقلها إلى أماكن آمنة لنشوء تنظيمات متطرفة مثل «جبهة النصرة» التي قضى «داعش» عام 2015 على نفوذها في دير الزور، كما كانت تمثل مركز انطلاق لتنظيم «داعش» بعدما تسرّب عناصر داعش من العراق، ليعلنوا عاصمتهم في مدينة الرقّة.
ولا يخفى على المراقبين الأجانب أن دير الزور (وهي كبرى مدن شرق سوريا) مدينة ذات غالبية سنّية، ولا أن عدداً من المناطق التي خسرها داعش يوم الثلاثاء الماضي ظلت موالية لنظام بشار الأسد طوال الحرب التي انطلقت منذ ست سنوات. إذ ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» يوم الخميس الماضي، أن قسماً كبيراً من السنّة في البلاد دعموا الثورة التي انخرطت فيها إلى حد كبير الغالبية السنّية، وليست محافظة دير الزور استثناءً من تلك القاعدة، إلا أنها تنقل عن مراقبين قولهم إن «نجاح» قوات النظام هناك «سيعزز أيضاً جهود حكومته المكثفة خلال الأشهر الأخيرة لتوظيف دعم القبائل والعشائر في المنطقة، ما يعزز بدوره محاولتها لاستعادة بقية المحافظة لاحقاً».

تهم احتضان المتشددين
وجّهت اتهامات للعشائر السورية في شرق البلاد منذ العام 2012، باحتضانها الجماعات المتشددة لأسباب يراها بعض أبناء تلك العشائر مختلفة، بينما يدّعي مَن انتفض على «داعش» من أبناء العشائر، إنه لقي تجاهلاً من قبل المعارضة السورية والمجتمع الدولي، وتُرك وحيداً ليقارع التنظيم المتطرف. ولعل القرب الجغرافي مع العراق، والانتماء إلى بيئة قبلية واحدة عزّزت الروابط العشائرية، كانا سببين أساسيين في وجود التنظيم في سوريا، وأيضاً في اندحاره أخيراً.
عبد الناصر العايد، الباحث السياسي السوري في ملف العشائر، قال لـ«الشرق الأوسط» إن البيئة القبلية في دير الزور «كان لها دور أساسي في ظهور الحركات الراديكالية المتشددة». وأردف أن تنظيم القاعدة دخل إلى سوريا عن طريق شبكة قبلية «عبر الشباب الذين ذهبوا إلى العراق للقتال ضد الغزو الأميركي بنزعة عربية قومية، وبعض المؤدلجين من أبناء العشائر»، مستطرداً «حين انهار حكم صدام حسين وبقيت التنظيمات المتشددة، تحول معظمهم نحو الفكر القاعدي، وهم أنفسهم أدخلوا (القاعدة) إلى سوريا».
وتشير تقارير إلى أن تنظيم «جبهة النصرة»، الذي يعتبر أول التنظيمات السورية المتشددة ظهوراً في سوريا، انطلق في بلدة الشحيل بمحافظة دير الزور، عبر مقاتلين عائدين من العراق. وكانت الشحيل التي تمثل ثقل «النصرة» في سوريا، آخر البلدات التي سيطر عليها «داعش» وطرد غريمته منها، في مطلع عام 2015.
أيضا، لعبت الروابط القبلية دوراً أساسياً في تجنيد المقاتلين لصالح التنظيمات المتشددة، هي «النصرة» يليها «داعش»، بحسب ما يشير العايد الذي تحدث عن «دور للشبكات التضامنية والاجتماعية في الانتساب لتلك الجماعات»، لافتاً إلى أن «داعش حاول التخلص من الصفة كي لا يواجه القبائل المنافسة، ورفض سمة التمركز ضمن القبيلة، لكنه اضطر في النهاية للعمل مع مشايخ من القبائل ويعترف بالقبلية قليلاً».
وكما سبقت الإشارة تعد قبيلتا العكيدات (العقيدات) والبكّارة (البقّارة)، أكبر القبائل في شرق سوريا، وتمتد عشائر الأولى وأفخاذها من دير الزور إلى مدينة القائم العراقية وقرى وبلدات غرب الفرات في العراق، بينما تمتد عشائر البكّارة وأفخاذها شمالاً إلى محيط الموصل، ولها وجود كبير في المدينة وقراها. ورغم ضعف الروابط الاجتماعية بين أفخاذ القبيلتين على الضفتين الحدوديتين إبّان حكم صدام حسين، بسبب الخلاف بين فرعي حزب البعث العراقي والسوري، تعرفت القبائل بعضها إلى بعض بعد الغزو الأميركي للعراق في 2003، ومتنت روابطها وعلاقاتها، وهو ما أسهم لاحقاً في انتقال سلس للمقاتلين المتشددين على ضفتي الحدود، وانتشار سلس لـ«داعش» في سوريا.

روابط عشائرية سهلت انتشار {الدواعش}
لقد حاول «داعش» استقطاب عشائر شرق سوريا ومحاولته تشكيل تحالفات على غرار ما فعله في الأنبار بالعراق. واستطاع بالفعل، استغلال التركيبة العشائرية في سوريا لمصلحته، واستفاد من الخلافات بين العشائر على النفط والنفوذ، ومن نهج بعض العشائر التي توالي الأقوى. ومن ثم، تمكن مستفيداً من انتصاراته في العراق بالتنسيق مع العشائر العراقية، من فرض سيطرته شبه المطلقة على محافظة دير الزور، لا سيما أن هناك تداخلاً بين العشائر في المحافظة وعشائر العراق.
سهولة انتشار «داعش» على الجانب السوري من الحدود، مرده إلى أن القبلي بالأساس، «براغماتي»، بحسب ما يقول العايد، وينسج عادةً تحالفات سياسية هدفها حمايته، لكن القول إن «داعش» انحسر بسبب تخلي الروابط القبلية عنه، تعوزه الدقة. فحسب العايد «عناصر (داعش) عقائديون، إذ جند التنظيم أبناء القبائل على أساس عقائدي وليس على أساس تحالف، ويعتبر أبناء العشائر رعايا وليس مبايعين»، لافتاً إلى أن انسحاب «داعش» واندحاره في الصحراء «يعود إلى أسباب عسكرية مرتبطة بإعادة التموضع في ظل عجزه عن مواجهة الطائرات».
العايد كان أشار في دراسة أعدها لصالح «مبادرة الإصلاح العربي» إلى أنه «يمكن وصف العلاقة اليوم بين القبائل والتنظيمات المتطرفة، خصوصاً (داعش)، بأنها «علاقة هيمنة من الثاني على الأول، تتضمن محاولة إلغاء الهوية العشائرية، مع المحافظة على إمكانية الاستفادة من شبكة العلاقات التي توفرها، ودون أن تتحول تلك الشبكة إلى قيد أو إطار تحتجز داخله». وحسب العايد من الملاحظ اليوم أن قبائل كثيرة وكبيرة نأت بنفسها عن الراديكاليين، بينما ارتبطت بهم قبائل أخرى بشدة، ولم تجد دعوتها سوى استجابات فردية ومحدودة خارج القبائل التي ينتمي إليها قادة عسكريون أو دينيون.
ومن اللافت أن العشائر الصغيرة المضطهدة في محيطها، هي الأكثر إقبالاً على الراديكاليين، كما أن الخلافات الكثيرة بين العشائر دفعت بعضها إلى حضن التنظيم للاستقواء به.
ويقدر نشطاء في المنطقة الشرقية أن حصة أبناء تلك المنطقة من الجسد العسكري لـ«داعش» تبلغ نحو 70 في المائة، لكن وفقاً لنشطاء ذاتهم فإن نسبة المتعاطين مع التنظيم من مجمل السكان لا تتجاوز الخمسة في المائة، جُلُّهم من المرتبطين نفعياً به، فهو يقدم رواتب وإعانات وفرص عمل في قطاع النفط، الذي يقدرون عدد الأسر المستفيدة من العمل به بنحو 30 ألف عائلة.

مصالح حكمت الارتباط
رغم ذلك، ثمة مصالح حكمت التحالف مع «داعش»، أو مقارعته. لا تخفي مصادر سورية في شرق البلاد أن الصراع الذي اندلع بين عشيرة الشعيطات، وهي فخذ من العكيدات، مع «داعش»، يعود إلى صراع على آبار النفط. فالتنظيم الذي بايعته العشيرة لمدة عشرين يوماً، رفضت التنازل له عن بئر نفطية ليستثمرها وأرسلت 23 شاباً منها إلى البئر، بادر «داعش» إلى قتلهم وتبدأ المعارك بينهما، بعدما رفع أبناء العشيرة شعار «من قدم لقتالنا في ديارنا أتى ليسرق خيراتنا».
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن «داعش» أعدم خلال أسبوعين أكثر من 700 سوري غالبيتهم العظمى من المدنيين، في بادية الشعيطات وفي بلدات غرانيج وأبو حمام والكشكية التي يقطنها مواطنون من أبناء الشعيطات. واعتبر التنظيم عشيرة الشعيطات «طائفة كفر يجب تكفيرها وقتالها قتال الكفار». وجرى إعدام المئات بعد أَسْرهم، وبعضهم لوحقوا وأعدموا داخل قرى وبلدات نزحوا إليها خارج بادية الشعيطات بريف دير الزور الشرقي.

النظام بعد دير الزور
حالياً يسارع نظام دمشق لفك الحصار عن مدينة دير الزور وإبعاد «داعش» عن المحافظة التي تحتوي على 40 في المائة من مخزون النفط السوري. ويفسَّر وجود النفط في المحافظة اتجاه النظام لاستعادة السيطرة عليها، في ظل سباق بينه وبين الميليشيات المدعومة أميركياً لبسط سيطرتها على المنطقة على حساب «داعش». ومع ان مدينة دير الزور كانت دائماً هدفاً لجيش النظام، فإنه لم يبدأ هجومه نحوها إلا بعد تحقيقه تقدماً على جبهات أخرى بدعم من الطيران الروسي، في حين تشهد مناطق عدة اتفاقات «خفض توتر» ووقف لإطلاق النار. ويوم الثلاثاء نجح جيش النظام في كسر حصار فرضه «داعش» بشكل محكم على مدينة دير الزور منذ مطلع العام 2015 تمهيدا لطرده من المدينة، في هزيمة جديدة تضاف إلى سجل الراديكاليين.
ويشكل تقدم الجيش نحو دير الزور وفق محللين هزيمة كبيرة ل«داعش» الذي مُني في الأشهر الأخيرة بسلسلة خسائر ميدانية في سوريا والعراق المجاور. إذ بدأ جيش النظام منذ أسابيع عدة عملية عسكرية واسعة باتجاه محافظة دير الزور، وتمكن - بدعم روسي مباشر - من دخولها من ثلاثة محاور رئيسية هي جنوب محافظة الرقة، والبادية جنوباً من محور مدينة السُّخنة في ريف محافظة حمص الشرقي، فضلا عن المنطقة الحدودية مع العراق من الجهة الجنوبية الغربية. ودخلت القوات المتقدمة من محور الرقة الثلاثاء الماضي، إلى قاعدة اللواء 137.
وتوجَد تلك المتقدمة من جبهة السخنة على بعد نحو 35 كيلومتراً من المطار العسكري بعدما اضطرت للتراجع الثلاثاء على وقع هجمات التنظيم، وفق «المرصد». ومن المتوقع أن يخوض جيش النظام مواجهات شرسة في الأيام المقبلة لطرد الجماعات التي تطوق المطار العسكري وعدداً من الأحياء المحاذية له. وبالتالي، من شأن سيطرة الجيش على كامل مدينة دير الزور حرمان التنظيم من أحد أبرز معاقله وهذا بعد خسارته أكثر من ستين في المائة من مساحة مدينة الرقة، معقله في سوريا، منذ يونيو (حزيران) الماضي على وقع تقدم ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (ذات الغالبية الكردية) بدعم أميركي.
وبعد هذا التقدم، فان السؤال الأكبر هنا هو أين ستتوجه قوات نظام الأسد الآن، وهل تخطط للضغط على بقية مدينة دير الزور أو أنها ستوجه انتباهها إلى الشرق والجنوب، نحو أجزاء أخرى من المحافظة التي تجهز الولايات المتحدة فيها مجموعة من القوات؟

أهمية دير الزور الاستراتيجية
محافظة دير الزور، التي تعتبر ثاني المحافظات السورية من حيث المساحة، تمثل نقطة اتصال بالغة الأهمية بين العراق والشمال السوري من جهة، وحمص والساحل السوري من جهة ثانية. ولقد تحولت دير الزور إلى ممر آمنٍ في حركة انتقال القوافل من حلب إلى بغداد عبر مسكنة والضفة اليمنى للفرات، من جهة وبين حلب - أورفة والموصل عبر منبج من جهة ثانية، ما أدى إلى انطلاق عملية استثمار تجار حلب للأرض في الجزء الأعلى من نهر البليخ في وادي الفرات.
ويشير تقرير (الفقر في سوريا 1996 - 2004) الذي أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2005 إلى أن «المناطق الشمالية والشرقية (محافظات إدلب وحلب والرقة ودير الزور والحسكة) سواء كانت ريفية أو حضرية، شهدت أعلى معدلات الفقر سواء من حيث انتشاره أو من حيث شدته أو عمقه»، ويضيف: «باستخدام الخط الأدنى للفقر تصل معدلات الفقر إلى أعلى درجاتها في المناطق الريفية للشمال الشرقي (17.9 في المائة) تليها المناطق الحضرية في الشمال الشرقي (11.2 في المائة) حيث «تبلغ نسبة الفقراء 35.8 في المائة» و«يزداد الفقر المدقع في الإقليم الشمالي الشرقي أربع مرات عن الإقليم الساحلي».

اكتشاف النفط
ورغم هذه الوقائع، فإن اكتشاف النفط في دير الزور ضاعف أهمية المحافظة، وأسهم في تغيير أحوال سكانها ورفدهم بمصدر اقتصادي رديف للتجارة والزراعة. فلقد اكتشفت في ثمانينات القرن العشرين في المحافظة وعلى مقربة من المدينة، كميات ضخمة من النفط والغاز، وأكبر الحقول القريبة من دير الزور هو حقل التيم الذي يبعد عن مركزها نحو 6 كيلومترات. كذلك فقد اكتشف حقلي الطيانة والتنك على ضواحي المدينة عام 1989. وتستثمر في هذه الحقول، شركات وطنية ومشتركة وأجنبية، وتنتشر على مقربة من المدينة محطات تجميع وضخ النفط، واستخراج ومعالجة الغاز الطبيعي وضخه عبر شبكة الأنابيب، ولا تزال عمليات التنقيب تجري لاستكشاف آبار وحقول نفطية جديدة.
وشهدت محافظة دير الزور نمواً ملحوظاً في ثمانينات القرن الماضي بعد اكتشاف النفط ودخول كثير من شركات الأجنبية العاملة في مجال النفط، ما أدى إلى خلق فرص عمل جديدة لأبناء المدينة وزاد من حجم الأسواق ونشاطها. واليوم يعتمد اقتصاد مدينة دير الزور على النشاط الزراعي في أريافها، فتمتاز الأراضي الممتدة على ضفتي نهر الفرات بالخصوبة العالية ويعتبر كل من القمح والقطن المحصولين الأكثر إنتاجاً في المحافظة، كما يوجد في المدينة بعض الأنشطة الصناعية المتواضعة، التي تعتمد بشكل أساسي على القطاع العام وتتركز في معظمها على الصناعات الغذائية والتحويلية مثل شركة الفرات للغزل والشركة العامة للورق وشركة سكر دير الزور، وللعلم، كانت السلطات قد توجهت عام 2007 لتعزيز القطاع الصناعي في المدينة من خلال إنشاء المدينة الصناعية. وتعتبر المدينة مركزاً سياحياً لا سيّما مع انتشار المدن والمواقع الأثريّة في ريفها، غير أن ضعف الخدمات العامة ومناخها القاسي، خصوصاً في فصل الصيف، أثرت سلباً على تطور نشاطها السياحي.

تحوّلات وصراعات على دير الزور
بعد تحول حركة الاحتجاجات ضد النظام إلى انتفاضة مسلحة، سيطرت فصائل معارضة ومتشددة في عام 2012 على أجزاء واسعة من محافظة دير الزور وعاصمتها التي تحمل اسمها. ولكن مع تصاعد نفوذ تنظيم «داعش» وسيطرته على أجزاء واسعة من سوريا والعراق، فإنه استولى أيضاً على المناطق التي كانت تحت سيطرة الفصائل في دير الزور. وأحكم إثر ذلك حصاره تدريجياً على قوات النظام وعشرات آلاف المدنيين من سكان المدينة والمطار العسكري المجاور.
وخلال السنوات الماضية، استهدفت الطائرات النظامية السورية والروسية كما مقاتلات التحالف الدولي بقيادة واشنطن مواقع «داعش» في المحافظة. وشهدت المدينة منذ إطباق التنظيم حصاره عليها، معارك مع القوات المحاصرة داخلها.
وفي مطلع العام الحالي ورغم القصف الجوي الروسي والسوري الكثيف، ضيق التنظيم المتطرف الخناق أكثر على المدينة، وفصل مناطق سيطرة النظام إلى جزءين، شمالي وآخر جنوبي يضم المطار العسكري. وتقتصر سيطرة الجيش النظامي حالياً على المطار العسكري في جنوب غرب المدينة وبعض الأحياء المحاذية له فضلاً عن أجزاء في شمال المدينة ومقر اللواء 137 عند أطرافها الغربية.
هذا وكان تعداد سكان مدينة الزور قبل اندلاع الحرب يقدر بنحو 300 ألف نسمة، فيما يعيش حاليا في الأحياء تحت سيطرة قوات النظام أكثر من 90 ألف مدني، وفق تقديرات للأمم المتحدة تعود لبداية العام الحالي. ويقدر المرصد السوري لحقوق الإنسان بدوره عدد المدنيين في أحياء النظام بـ150 ألف شخص مقابل عشرة آلاف شخص في الأحياء تحت سيطرة {داعش}. كما يقدر خبراء عدد قوات النظام في المدينة والمطار والقاعدة العسكريين بسبعة آلاف جندي.
وتسبب حصار «داعش» للمدينة في تفاقم معاناة السكان مع النقص في المواد الغذائية والخدمات الطبية. ولم يعد الوصول إلى مناطق سيطرة النظام متاحاً وبات الاعتماد بالدرجة الأولى على مساعدات غذائية تلقيها طائرات سورية وروسية. وبدأ «برنامج الأغذية العالمي» عام 2016 أيضاً إلقاء مساعدات إنسانية من الجو. ويعاني المدنيون المقيمون في الأحياء تحت سيطرة المتشددين، وفق ناشطين، أيضاً من شح المواد الغذائية وانقطاع خدمات المياه والكهرباء.


مقالات ذات صلة

أميركا : «إف.بي.آي» يعتقل شخصاً خطط لهجوم باسم تنظيم «داعش»

الولايات المتحدة​ شعار الـ«إف بي آي» (أ.ب)

أميركا : «إف.بي.آي» يعتقل شخصاً خطط لهجوم باسم تنظيم «داعش»

أظهرت وثائق قضائية أن مكتب التحقيقات الاتحادي (إف.بي.آي) ألقى القبض على شاب يبلغ من العمر 18 عاماً كان ​يخطط لتنفيذ إطلاق نار جماعي في (مول أوف أميركا).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

تحذيرات من عودة «داعش» بعد هجمات شمال بغداد

حذر مسؤولون عراقيون، الأربعاء، من استئناف تنظيم «داعش» نشاطه بعد هجمات استهدفت الأمن في مناطق ريفية شمال بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
أفريقيا مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

مالي: الجيش يدخل كيدال دون قتال بدعم من روسيا

مدينة كيدال تبقى عنوان الحرب المشتعلة في مالي منذ أكثر من 15 عاماً. الجيش المالي يدخلها بعد ستة أشهر من سقوطها في يد المتمردين الطوارق

الشيخ محمد ( نواكشوط)
المشرق العربي دورية للشرطة العراقية تنقل معتقلين إلى باحة محكمة الكرخ في العاصمة بغداد يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن هجوم أودى بحياة شرطي قرب كركوك

أعلن تنظيم «داعش»، الثلاثاء، مسؤوليته عن هجوم وقع أمس، وتسبب في مقتل شرطي اتحادي عراقي، وإصابة آخرين جنوب غربي مدينة كركوك الغنية بالنفط.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي صورة نشرتها وزارة الداخلية السورية تظهر خالد رائد بيروني (أبو حسن دوشكا) القيادي في «داعش» الذي تم القبض عليه (الداخلية السورية)

سوريا تعلن توقيف قيادي «داعشي» متهم بتفجير مسجد في حمص

أعلنت الداخلية السورية توقيف قيادي في «داعش» بريف دمشق، قالت إنه مسؤول عن تفجير مسجد علي بن أبي طالب واعتداءات طائفية في حمص.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.