«الحشد الشعبي»: خريطة الولاءات... وإشكالية الارتباط بإيران

«الحشد الشعبي»: خريطة الولاءات... وإشكالية الارتباط بإيران
TT

«الحشد الشعبي»: خريطة الولاءات... وإشكالية الارتباط بإيران

«الحشد الشعبي»: خريطة الولاءات... وإشكالية الارتباط بإيران

ترى قيادات سياسية ومرجعيات دينية شيعية عراقية في فصائل ما يُعرف بـ«الحشد الشعبي» وجماعات أخرى شبيهة، ركيزة من ركائز الأمن الوطني، وتعتبر أن استمرار وجودها يحافظ على مكاسب التشيّع السياسي، وعلى أمن بغداد وكربلاء والنجف وسامراء، مراكز نفوذها الديني في المنطقة الجنوبية والوسطى من العراق. وانطلاقاً من ذلك، تتمسك هذه القيادات والمرجعيات بالفصائل المسلحة، رافضة أي تفريط فيها، لا سيما في ضوء «الدرس الداعشي» الذي تمثّل بوصول التنظيم الإرهابي إلى أطراف سامراء وبغداد عقب انهيار القوات النظامية في يونيو (حزيران) عام 2014.

حاولت الجهات الداعمة للفصائل المسلحة، منذ الأيام الأولى لاحتلال الموصل، التنسيق مع إيران وحكومة بغداد لتحقيق هذا التوجه. فحرصت، في خطوة أولى، على أن تفتح الحكومة العراقية معسكراتها ومخازن سلاحها لـ«الحشد»، وإسناد عملياته لوجيستياً، وفتح قنوات اتصال رسمية معه، في محاولة لسد الثغرات التي خلّفتها هزائم الموصل وصلاح الدين والأنبار وأجزاء من كركوك وديالى. كما لجأت هذه الجهات إلى استغلال المخزون الكبير من الشباب الشيعي المتدين من خلال إعلان «النفير الكفائي» لمواجهة «داعش». وفي 25 يوليو (تموز) 2016، أصدر مجلس الوزراء العراقي قراراً شرّع فيه «الحشد» واعتبره قوّة موازية لجهاز مكافحة الإرهاب يتبع القائد العام للقوات المسلحة. ولم يتم الاكتفاء بتشريع «الحشد»، بل لجأ المدافعون عن فصائله من نواب البرلمان إلى تقديم اقتراح قانون يمنح «الحصانة» لعناصره ويضمن معاملتهم قانونيّاً «كمعاملة الجندي في الجيش العراقيّ».
وتمثّلت الخطوة الثانية للجهات الداعمة لـ«الحشد الشعبي» بمحاولة فرضه أمراً واقعاً على رئاسة الحكومة العراقية وحلفائها في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وإظهاره بمظهر يشبه جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، أي بوصفه طرفاً قوياً يمكن لبغداد وحلفائها الاعتماد عليه. وبدت هذه المحاولة بمثابة «رسالة» إلى أطراف عربية إقليمية وكذلك لتركيا وحلفائها داخل العراق مفادها أن حلفاء إيران هم من يفرض الأمر الواقع في الساحة العراقية.
ورغم حاجة رئيس الوزراء حيدر العبادي للدعم الأميركي - الخليجي - التركي للوقوف بوجه منافسيه المقربين لطهران، فإن هذا لا يعني وجود تفاهمات أو تنسيق للحد من تدخلات الإيرانيين، لا سيما في تحكمهم بقرارات بعض فصائل «الحشد الشعبي». وفي الواقع، لا يمكن لهيئة «الحشد» ذات الغالبية الشيعية أن تختار التقارب مع مَن لا تريده إيران، فالعقيدة المرجعية لـ65 في المائة من فصائل «الحشد» تقلّد مرجعية خامنئي (الولي الفقيه) فيما تقلّد 25 في المائة مرجعية السيستاني. كما أن التركيبة العقائدية لكل أحزاب التحالف الوطني الشيعي الحاكم مبنية على خلفية فقهية شيعية تؤمن بوحدة المذهب أولاً، ثم تأتي بعد ذلك القومية والوطنية. ولذلك فإن العبادي لوحده لا يستطيع، على الأرجح، أن يخرج من هذا الجلباب، وإن كان هذا الكلام لا يسري نسبياً على جميع ساسة الأحزاب الشيعية العراقية، خصوصاً التيار الصدري والشيعة العروبيين وأصحاب التوجهات السياسية اللادينية.
وفي العموم، يعتبر الرأي العام الشيعي في العراق أي تحرّك من العبادي لتحجيم «الحشد»، عدداً وعدة، بمثابة «خيانة للمذهب»، مما يمثّل مخاطرة سياسية، خصوصاً أن العراق على أعتاب انتخابات جديدة. ويزيد الصورة تعقيداً أن اتحاد الإعلام الإسلامي الشيعي، وهو تجمّع لعشرات المؤسسات بدعم وتمويل إيراني، يتهم أي جهة سياسية أو إعلامية عراقية تنتقد «الحشد» بالإرهاب أو دعم الإرهاب، من خلال هجمات إعلامية لا يمكن محاسبتها قانونياً.

- فئات «الحشد الشعبي»
يمكن تعريف «الحشد الشعبي» بأنه مجموعة من الفصائل المسلحة المختلفة مذهبياً وقومياً وسياسياً ومالياً وعسكرياً، وهو تشكيل غير منتظم بسياقات وتعليمات المدارس العسكرية والشرطية العراقية، ويعتمد على خبرات وتدريبات الحروب الهجينة. ويضم «الحشد» لفيفاً من فصائل متنوعة شيعية وسنية ومن الأقليات في مناطق شمال العراق.
ويمكن تقسيم «الحشد الشعبي»، الشيعي تحديداً، إلى ثلاث فئات من حيث زمن التأسيس:
1- فئة فصائل تُسمي نفسها «المقاومة الإسلامية»، وهي التي تأسست بعد عام 2003، عدا «قوات بدر» التي تأسست في تاريخ سابق. وتشترك كلها بتقليد مرجعية خامنئي، ولديها ارتباط منهجي وحزبي بإيران التي تدعمها سياسياً ومالياً، عدا فصيل «سرايا السلام» التابع للتيار الصدري. وشاركت هذه الفصائل في «مقاومة» الاحتلال الأميركي للعراق بعد إطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين. ولها حالياً حصة كبيرة في إدارة وقيادة مديريات وأقسام هيئة «الحشد الشعبي»، وبعضها يقاتل خارج حدود العراق.
2- فئة فصائل «الحشد» التي تأسست بعد انسحاب القوات الأميركية عام 2011، وتم تعريفها لاحقاً باسم «الصحوات الجديدة». وقد تم تشكيلها بموجب أمر صادر بموجب كتاب مكتب رئيس الوزراء بتاريخ 23 أبريل (نيسان) 2014، ولذلك توصف بأنها «حشد المالكي» (رئيس الوزراء السابق). وهذه الفصائل هي في الواقع مجموعة «حشود»، وفيها تنوع قومي وديني ومناطقي وعشائري.
3- فئة متطوعي فتوى «الجهاد الكفائي» التي تأسست في 13 يونيو 2014، وهي تضم مقلدي مرجعية السيستاني من المحافظات العراقية، وتتبنى عقيدة عسكرية جاءت نتيجة فتاوى دينية كُرّست معنوياً لخدمة هدف محدد صد «داعش»، ولم تكن تقوم على أساس بناء عقائدي يخضع إلى عمل تدريبي تشرف عليه مديريات التوجيه المعنوي في المؤسسة العسكرية.
والأهداف التي شكلت من أجلها فصائل هذه الفئة من المفترض أن تكون مرحلية تعبوية، وليس لتعزيز سلطتها من خلال أهداف استراتيجية يتم تحقيقها عبر إضافة تشكيلات جديدة لمنظومة الأمن والدفاع العراقية. وانطلاقاً من هذه الأهداف، كما يبدو، بدأت بعض ألوية «فرقة العباس» القتالية، أحد أكبر التشكيلات العسكرية التابعة لهذه الفئة من «الحشد»، بعملية اندماج مع قوات الجيش العراقي.
وفي هذا السياق، يمكن التوقف عن مبادرة السيد مقتدى الصدر، بعد زيارته للمملكة العربية السعودية في أغسطس (آب) 2017، الداعية إلى دمج أجزاء من «الحشد» في المؤسسة العسكرية. لكن مثل هذا الأمر يحتاج بالضرورة إلى إخضاعها لتدريب عسكري نظامي، وليس الاعتماد على العمل التطوعي السريع الذي يفشل في ضمان الانضباط العسكري. كما أن هذا الأمر مكلِّف مالياً، وسيُدخِل الحكومة في صراع سياسي مع تشكيلات وأحزاب رافضة لمبادرة دمج «الحشد» بالمنظومة العسكرية والأمنية النظامية.
وإضافة إلى هذه الفئات الشيعية الثلاث من «الحشد»، هناك أيضاً فئة رابعة تضم فصائل «الحشد العشائري» السنّي (أو الحشد الدفاعي)، وكلها يرتبط بهيئة الحشد الشعبي في بغداد، وينسق مع قيادة عمليات كل محافظة بحسب وجوده الجغرافي. وفي الأنبار، أسهم التحالف الدولي في تسليح وتدريب هذه الفصائل. ويبلغ العدد الإجمالي لـ«الحشد» السني قرابة 25 ألفاً يتوزعون على 34 فصيلاً مسلحاً في محافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين ونينوى والأنبار وحزام بغداد. وبعض فصائل هذا «الحشد» تأسس وفق الأمر الديواني لـ«الصحوات الجديدة»، وبعضها الآخر تأسَّس وفق الأمر الديواني الصادر في فبراير (شباط) 2016.
وهناك نوع خامس من الفصائل يُعرف بـ«حشد الأقليات» والمكوّنات العراقية، مثل حشد الإيزيدية وحشد المسيحيين وحشد التركمان وحشد الشبك وحشد الكاكائية. وبعضها يرتبط بهيئة الحشد الشعبي في بغداد، فيما يرتبط بعضها الآخر بكردستان العراق، والقليل منها بقوات التحالف الدولي مباشرة.

- قانون «الحشد الشعبي»
قانون هيئة الحشد الشعبي أقره مجلس النواب العراقي في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 وسط مقاطعة النواب السنة. ونص القانون على أن قوات «الحشد» ستكون قوة رديفة إلى جانب القوات المسلحة العراقية وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.
وجاء في الأسباب الموجِبة لصدور هذا القانون أنه يهدف إلى تكريم كل من تطوع، من مختلف أبناء الشعب، دفاعاً عن العراق في وجه «هجمة الدواعش». وصدر قانون «الحشد» بضغط سياسي وبصورة مستعجلة غير مدروسة عسكرياً وقانونياً. فحتى ولو ارتبطت هيئة «الحشد» بمكتب القائد العام للقوات المسلحة، فإن القانون جاء فارغاً من التعليمات التي تحدد طريقة حل أي خلاف يمكن أن ينشأ بين فئات «الحشد»، وبينها وبين القوات النظامية لأسباب يمكن أن تكون مرتبطة بغياب التسلسل الهرمي الواضح في التنظيمات الشعبية المسلحة (بعكس الجيش النظامي). كما أن الخلافات يمكن أن تنشأ على خلفية المعسكرات غير النظامية والمصانع وورش التصنيع والتطوير والمخازن وأنواع السلاح والأعتدة والانتشار الجغرافي والرتب الفخرية والزي الرسمي ومستوى التدريب والتسليح وأسماء الألوية والرايات وإشكالية الفصائل العابرة للحدود والمشاركة السياسية والتصريحات خارج سياقات المنافذ الدبلوماسية.
ولا توجد لـ«هيئة الحشد الشعبي» هيئة ركن ودائرة للأركان العامة التي ترتبط برئاسة أركان الجيش والقيادة العامة للقوات المسلحة، وسيكون عملها خارج التعبئة العامة للقوات النظامية.
ويشهد العراق جدلاً منذ سبتمبر (أيلول) 2014 في خصوص مصير فصائل «الحشد» بعد الانتصار على «داعش»، وأي سلوك ستختاره لنفسها، وردات فعلها بعد اصطدامها بالقوانين والسياسات الأميركية. ويُعتقد أنه بعد دحر «داعش» من العراق ستتجه تلك الفصائل، وعلى رأسها منظمة «بدر»، إلى أكثر من توجُّهٍ، وستفترق وتتشعب خياراتها. ومن بين الاحتمالات المتوقعة لمسار فصائل «الحشد» مستقبلاً:
1- الحرس الوطني المناطقي. ويضم العناصر المسلحة التي شاركت في «الحرب ضد الإرهاب»، واختارت الانصهار بالمؤسسات النظامية. وعلى هؤلاء استبدال الولاء وجعله للقانون بدل الفصيل أو التيار، لكن ربما سينتهي بهم الأمر إلى الذم وربما التهديد أو حتى التصفية والسجن على أيدي متشددين في فصائلهم وتياراتهم.
2- الفصائل المسلحة العقائدية التي ترى نفسها «جند المرجعية» و«حماة المذهب»، التي توصَف بالتعصب والتطرف غالباً، وترفض نزع سلاحها والانصهار داخل المؤسسة النظامية، وتبقى تجنّد العناصر وتزجهم في معسكرات التدريب على القتال وحمل السلاح. وهؤلاء هم الورثة الطبيعيون لـ«الجناح الإيراني في العراق» أو التنظيم السرّي الذي تنتمي إليه أغلب قيادات الفصائل. وهذه العناصر المسلحة بَنَت علاقاتٍ وطيدةٍ ومشتركة بالحكومة الإيرانية.
3- والبعض الآخر من الفصائل، بعد أن نجح بصناعة أكثرية، سيكون أكثر انفتاحاً وتسامحاً في التعامل مع القانون، وسيعمل على تأسيس حركة سياسية، وقد ينتج حزباً سياسياً جديداً، وسيدخل في تحالفات واسعة ويتسم ببراغماتية عالية، وسيسعى للتأقلم مع الأوضاع الجديدة في العراق في مرحلة ما بعد «داعش».
وجاء في دراسة لمركز كارنيغي عن «الحشد الشعبي ومستقبل العراق»، أن رئيس الوزراء العبادي لم يتمكّن حتى الآن من انتزاع السيطرة على تمويل «الحشد» من أيدي أبو مهدي المهندس وهادي العامري. وفي فبراير 2016، حاول العبادي استعادة بعض السيطرة الإدارية عبر استبدال الفريق الركن المتقاعد محسن الكعبي بالمهندس. لكن، على الرغم من أن المهندس خسر لقبه الوظيفي الرسمي داخل «الحشد»، فقد ظل شخصية بارزة ولا يزال يمارس تأثيراً على تخصيص الموارد. والسبب وراء قدرة المهندس على الاحتفاظ بهذا التأثير هو حصوله على الدعم من المجموعة الموالية لخامنئي، بما في ذلك شخصيات عراقية نافذة مثل المالكي والعامري. وواقع الحال هو أن الموقع الإلكتروني التابع لـ«هيئة الحشد» يواصل نقل أخبار المهندس وتصريحاته، وبالكاد يأتي على ذكر الكعبي. وبدلاً من الإشارة إليه بـ«نائب الرئيس»، يقول عنه الموقع إنه «قيادي في الحشد».
ويبدو أن رئيس الوزراء العبادي وأنصاره، العالقين وسط تناقضات فصائل الحشد المتنوعة، ينتهجون خطاً وسطياً. ففي مواجهة الضغوط المتعددة، تبيّن حتى الآن أن الخط الذي اتّبعوه بالسير في وسط الطريق عملي وقابل للتطبيق في المدى القصير. يسعى العبادي إلى ممارسة تأثير على نواب الحشد المستقلين ذاتياً، وعددهم كبير، كي تستعيد الدولة زمام السيطرة، كما ورد في الأمر الذي أصدره العبادي، ويعرّف «الحشد» بأنه مؤسسة أمنية تابعة للدولة. وهو قال أيضاً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2015 إنه يعتبر الحشد جزءاً مما يسمّيه القوى الأمنية العراقية. غير أن العبادي واجه صعوبات في تأكيد نفوذه على التنظيمات شبه العسكرية، على الرغم من إصداره الأمر.
وعن مخاوف الكرد من استقلالية هيئة «الحشد الشعبي»، كتب مايكل نايتس الباحث في معهد واشنطن عن بناء «قوة مشتركة» للسيطرة على المدن الإيزيدية المحررة: وبالنسبة إلى «حكومة إقليم كردستان»، يشكّل تقدّم «قوات الحشد الشعبي» نحو المناطق الإيزيدية مرحلةً صعبة. فقد تعرّض الإيزيديون للإبادة بسبب فشل آلية الأمن التي اعتمدتها «حكومة إقليم كردستان» في مناطق مثل سنجار والقيروان والقحطانية. ورغم نجاح الحكومة في تحرير سنجار، تخوض نزاعاً منذ ذلك الحين مع «وحدات مقاومة سنجار» الإيزيدية ومقاتلي «حزب العمال الكردستاني» في هذه المنطقة. وبعد تموضعها على بعد 20 كيلومتراً فقط شمال المدن الإيزيدية طوال العام الماضي، اكتفت قوات «البيشمركة» التابعة لـ«حكومة إقليم كردستان» بمراقبة تجاوز «قوات الحشد الشعبي» لها وسيطرتها على المنطقة. وفي الأيام الأولى من عملية «محمد رسول الله الثانية»، تردّد أن رئيس حكومة الإقليم مسعود بارزاني أخبر المسؤولين في سنجار أنه «يجب ألا تدخل (قوات الحشد الشعبي) إلى هذه المناطق (الإيزيدية)». وكان تقدّم هذه القوات قد أظهر «حكومة إقليم كردستان» في موقع الضعف، وقد تدعو «قوات الحشد الشعبي» إلى اختبار السيطرة الكردية في مناطق أخرى متنازع عليها مثل طوزخورماتو، شمال ديالى، وسهل نينوى، شرق الموصل. وكان القادة الأكراد قد أشاروا إلى أنه قد يكون تمّ تجاوز خط أحمر كردي. وقد عبّر وزير الخارجية العراقي السابق والشخصية البارزة في «الحزب الديمقراطي الكردستاني» هوشيار زيباري عن المخاوف الكردية في هذا الخصوص. وأطلع قناة «الشرقية» الإخبارية في 30 مايو (أيار) على «أننا نشهد توسّع (قوات الحشد الشعبي)، ليس على حدود (إقليم كردستان) فحسب، ولكن أيضاً داخل الإقليم نفسه».

- هيئة الحشد الشعبي
شُكِّلت لجنة الحشد بعد سقوط الموصل، وهي مرتبطة بمستشار الأمن الوطني من الناحية القانونية والمالية. ويتم إدارة وقيادة اللجنة من قبل مستشار الأمن الوطني فالح الفياض.
النائب لشؤون العمليات الذي يدير العمليات العسكرية للحشد الشعبي هو جمال جعفر إبراهيم أبو مهدي المهندس، الذي كان قد انتُخِب نائباً في مجلس النواب عن قائمة حزب الدعوة في الانتخابات العامة التي جرت عام 2010، ويعتبر المنسق بين العراق وإيران، وإلى جانب ذلك فإن عدداً من القادة والمستشارين الإيرانيين يتولّون تدريب وتقديم الاستشارات العسكرية لقوات الحشد الشعبي أثناء العمليات العسكرية ضد «داعش».
وبحسب القانون الصادر، فإن مجلس النواب ولجنة الأمن والدفاع يشرفان على الحشد، لكن ذلك لم يتم لحد الآن بسبب نفوذ الأحزاب المرتبطة بإيران.
العدد الحقيقي للحشد لم يتم نشره رسمياً، ولكن بحسب تصريحات الدكتور العبادي في الموجز الصحافي الأسبوعي فإن عددهم يبلغ 120 ألف متطوع يتقاضون رواتب من وزارة المالية العراقية عبر هيئة الحشد الشعبي. وهناك أكثر من 30 ألف عنصر أيضاً يتقاضون رواتبهم من مكاتب المرجعيات في النجف وكربلاء، وقرابة 30 ألفاً يتقاضون رواتب من مؤسسات عسكرية ومخابراتية ومرجعية إيرانية، وقرابة ثلاثة آلاف يتقاضون رواتب من تركيا وهم «حشد نينوى»، وأقل من 3 آلاف يتقاضون رواتب من حكومة أربيل من القوات العربية والإيزيدية والمسيحية والكاكائية الموالية لكردستان.
ويدفع راتب لكل متطوع داخل العراق في الحشد شهرياً مبلغ مقداره 700 - 800 ألف دينار عراقي إضافة إلى ذلك يدفع لكل شخص مخصصات الإعاشة.
تنظيم التطويع للحشد يتم من قبل مكاتب الأحزاب ومقرات الفصائل ومكاتب أعضاء البرلمان وديوانيات شيوخ العشائر ومكاتب رجال الدين بالتنسيق مع مديريات الأمن الوطني في المحافظات المعنية وذلك باستشارة الأمن الوطني في بغداد ويشرف عليهم مجلس الوزراء مباشرة.

- إشكالية ملف السلاح في مرحلة ما بعد «داعش»
ومشكلة تعدد وتنوع الفصائل المسلحة المحاربة لتنظيم داعش في العراق بعد عام 2014 لا يستطيع أن يحسمها طرف لصالحه بالمطلق بالنظر إلى تمددها في 15 محافظة عراقية وبين المدن والتيارات الدينية والسياسية على مختلف مشاربها. وتحوّل ذلك إلى حالة قلق عام يعيشها المواطن المدني يومياً. وهذه المشكلة بالضرورة ستقود البلد إلى صراع مسلح مؤقت ومحدود بين فترة وأخرى، وحمل السلاح ورفض نزعه بسبب هاجس ضعف السلطة كامن في ذات المواطن العراقي، خصوصاً الأقليات والمكونات الصغيرة نسبيّاً.
ويُعتقد أن إيران، كبلد جار تربطه بالمحافظات ذات الأغلبية الشيعية علائق المذهب والتاريخ المتناقضة والجغرافيا والمصالح الاقتصادية المشتركة، قادرة على لعب دور مهم وكبير في ملف تحجيم الفصائل المسلحة الشيعية حيث يرتبط بها 44 فصيلاً شيعياً كمرجعية دينية، وقسم كبير منهم يعتمد في تسليحه وتمويله وإعلامه عليها. كما أن العراق بدخوله مرحلة الحسم العسكري ضد «داعش» سيحتاج إلى إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، والمطلوب اليوم من الحكومة العراقية قبل غيرها أن تلعب دوراً حاسماً في ملف «السلاح السائب»، وخرق القانون من قبل بعض الفصائل المسلحة التي تنافس الدولة وتفرض سلطاتها وتعزز من ثرواتها وتستغل اسم «الحشد الشعبي» وارتباطه برئاسة الوزراء العراقية.

- مختص بشؤون الجماعات المسلحة


مقالات ذات صلة

«القاعدة» يعلن مقتل وإصابة 5 جنود روس في مالي

أفريقيا قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي آسيمي غويتا (وسط) خلال حضوره الخميس جنازة وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا (رويترز)

«القاعدة» يعلن مقتل وإصابة 5 جنود روس في مالي

«القاعدة» يعلن مقتل وإصابة 5 جنود روس في مالي... والجيش يستهدف كيدال و«أوكار القاعدة» ويعلن مقتل 25 إرهابياً.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو يوم 30 أبريل 2026 (أ.ب)

تدمير «قاعدة إرهابية» قرب العاصمة المالية باماكو

تدمير «قاعدة إرهابية» قرب العاصمة المالية باماكو، والجيش المالي يلاحق الجماعات المسلحة.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شؤون إقليمية عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في إسطنبول في أثناء مداهمة موقع لمطلوبين من عناصر «داعش» (الداخلية التركية)

تركيا: توقيف أعضاء بشبكة لتمويل «داعش» عبر العملات الرقمية

ألقت قوات الأمن التركية القبض على 43 من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي للاشتباه في ضلوعهم في شبكة لتمويله من خلال العملات المشفرة.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
المشرق العربي عناصر من الجيش السوري على مركبة عسكرية (رويترز)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن هجوم أسفر عن مقتل جنديين سوريين

أعلن ‌تنظيم «داعش»، الثلاثاء، مسؤوليته عن هجوم وقع في شرق سوريا أسفر عن مقتل جنديين من الجيش ​السوري، بأول عملية ينفذها ضد الحكومة منذ فبراير (شباط) الماضي...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أوروبا يعد اللوفر المتحف الأكثر استقطاباً للزوار في العالم (رويترز) p-circle

فرنسا: إيداع تونسي السجن للاشتباه بتخطيطه لاستهداف اليهود ومتحف اللوفر

أعلنت النيابة العامة لمكافحة الإرهاب في باريس توجيه اتهامات رسمية إلى شاب تونسي يبلغ 27 عاماً، يُشتبه في «تخطيطه لهجوم عنيف مستوحى من الفكر المتطرف».

«الشرق الأوسط» (باريس)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».