أول رئيسة نادٍ رياضي بليبيا... «تمكين نسائي» وسط أزمات سياسية

حضور الليبيات في الحياة العامة لم يعد مقتصراً على تقلد مناصب وزارية وبرلمانية أو قيادة بلديات

رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)
رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)
TT

أول رئيسة نادٍ رياضي بليبيا... «تمكين نسائي» وسط أزمات سياسية

رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)
رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)

لم يعد حضور المرأة الليبية في الحياة العامة مقتصراً على تقلد مناصب وزارية وبرلمانية أو قيادة بلديات، رغم إرث الأزمات السياسية والأمنية الذي تواجهه البلاد منذ عام 2011، بل امتد إلى مجالات ظلت لعقود حكراً على الرجال، كان أحدثها رئاسة الأندية الرياضية.

وتصدر تولّي انتصار شنيب، عضو مجلس النواب، رئاسة نادي «دارنس» في درنة الأخبار باعتبارها أول امرأة تتقلد هذا المنصب في تاريخ البلاد، في سابقة ينظر إليها كخطوة جديدة على مسار تمكين المرأة، وسط أزمات سياسية وانقسام حكومي وعسكري ما زال مستمراً، منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي.

مهمة «استثنائية»

تبدو المهمة التي تنتظر شنيب «استثنائية»، من منظورها، ليس لأنها أول امرأة تتولى رئاسة نادٍ رياضي ليبي فقط، بل بسبب الإرث الثقيل الذي يحمله النادي العريق أيضاً. فقد تأسس «دارنس» عام 1958، وظل أحد أبرز أندية شرق البلاد، قبل أن تتعاقب عليه أزمات عصفت بمدينة درنة خلال السنوات الأخيرة.

وقالت شنيب لـ«الشرق الأوسط» إن النادي تأثر بسلسلة من المحطات الصعبة، بدأت بالظروف الأمنية التي شهدتها المدينة خلال سنوات سيطرة تنظيم «داعش» قبل تحريرها عام 2018، وانتهت بكارثة «إعصار دانيال» في سبتمبر (أيلول) 2023.

وأوضحت شنيب أن «أنشطة النادي تجمدت تحت وطأة هذه الظروف القاسية، وكان أقساها الإعصار الذي دمّر مقر النادي بالكامل، وأودى بحياة عدد من لاعبيه ومشجعيه والعاملين فيه، ما ضاعف حجم التحديات أمام الإدارة الجديدة».

علم نادي «دارنس» الليبي (الصفحة الرسمية للنادي)

وكانت الفيضانات المدمرة التي اجتاحت درنة في عام 2023 قد تسببت في انهيار سدين وخسائر بشرية ومادية واسعة، كما أدت إلى توقف نشاط النادي في الدوري الممتاز نتيجة الأضرار، التي لحقت بمنشآته قبل أن يستأنف نشاطه العام الماضي.

وترى شنيب أن النادي يمر بمرحلة تتطلب «إعادة تأسيس حقيقية من القواعد والركائز الأساسية»، مشيرة إلى أن خطتها ترتكز على إعادة هيكلة الجوانب الإدارية والمالية والبشرية، وبناء إدارة قادرة على استعادة الاستقرار، ووضع أسس تنموية طويلة الأمد. وقالت إن الهدف «لا يقتصر على تجاوز آثار الأزمة، بل يشمل استعادة المكانة التاريخية للنادي، ونطمح إلى أن يعود دارنس منافساً على لقب الدوري الليبي مستقبلاً».

ويحمل وصول البرلمانية الليبية، انتصار شنيب، إلى رئاسة «دارنس» دلالات تتجاوز الرياضة، في ظل حضور المرأة الليبية في بعض مواقع المسؤولية العامة، وثقل نسائي ديموغرافي ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.

يأتي ذلك وسط مناخ عام من الجمود السياسي والأزمات المعيشية، وفي بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً بين حكومتين: إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى تسيطر على الشرق وأجزاء من الجنوب برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

تميز في ظروف معقدة

تبرز منذ عام تجربة الزائرة الفيتوري المقطوف، باعتبارها أول امرأة تُنتخب عميدة لبلدية في ليبيا بمدينة زلطن (على الحدود الليبية التونسية) نهاية عام 2024، قبل أن تلحق بها جميلة اللواطي في بلدية سلوق (شرق) مطلع العام الحالي.

ومن واقع تجربتها في الإدارة المحلية، أعربت المقطوف لـ«الشرق الأوسط» عن ثقتها في نجاح تجربة شنيب، عادّة أن «المرأة الليبية أثبتت قدرتها على تحمل المسؤولية في ظروف معقدة، والمساهمة في جهود الاستقرار وإعادة الإعمار».

وتستند المقطوف في هذه الثقة إلى تجربة تمكنت فيها من تنفيذ مشروعات خدمية وتنموية ظلّت متعثرة لعقود، مقرّة بتعاون حكومي من جانب سلطات في غرب ليبيا، شملت تطوير شبكات طرق والإنارة، وحفر آبار جديدة، وإعادة تأهيل محطة التحلية، إلى جانب إنشاء ورفع تصنيف مستشفى زلطن من مستشفى قروي إلى مستشفى عام، وتأسيس دار ضيافة لزوار المدينة، بل توفير أكثر من 600 فرصة عمل، وإطلاق برامج تدريب وتأهيل للشباب والنساء.

نادي «دارنس» بعد إعادة افتتاحه العام الماضي إثر ما تعرض له خلال «إعصار دانيال» (وكالة الأنباء الليبية)

ومع ذلك، أشارت أول عميدة بلدية إلى أن طريق المرأة الليبية ليس مفروشاً بالورود، مع الحاجة إلى «جهد مضاعف لاستكمال مشروعات البنية التحتية»، مشيرة إلى أنها تضطر إلى قطع 160 كيلومتراً بشكل متكرر بين زلطن وطرابلس لمتابعة الملفات الحكومية مع الوزارات في طرابلس، وحلّ مشكلات تراكمت وجعلت البلدية مهمشة. ومبرزة «استمرار تحديات تتعلق بخلافات مرتبطة بالحدود الإدارية لبلدية زوارة، رغم صدور حكم قضائي في هذا الشأن، إلى جانب حملات ممنهجة من الانتقادات والشائعات التي تستهدف عملها كأول عميدة بلدية».

ويحظى تمكين المرأة الليبية بدعم دولي متزايد، إذ دعا بيان صادر عن الأمم المتحدة هذا الشهر إلى تعزيز حضور النساء في مواقع صنع القرار التنفيذية والتشريعية، وإزالة معوقات تمكينهن الاقتصادي، وإشراكهن في صياغة سياسات الأمن الوطني وحماية حقوق الإنسان.

يأتي ذلك فيما تتولى النساء 5 حقائب وزارية، إلى جانب عضويتهن في مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، فيما شهدت السنوات الأخيرة وصول نساء إلى مواقع قيادية في الإدارة المحلية.

وتشكل النساء نحو 49.3 في المائة من إجمالي سكان ليبيا، إذ يبلغ عددهن نحو 3 ملايين و638 ألفاً و621 امرأة، من أصل 7 ملايين و384 ألفاً و208 نسمة، بحسب أحدث بيانات مصلحة التعداد والإحصاء الرسمية.

ومع ذلك، ترى الناشطة الحقوقية، انتصار القليب، أن وصول النساء إلى مواقع قيادية في البلديات والقطاع الرياضي، إلى جانب دورهن التنفيذي والتشريعي، «يعكس تحولاً تدريجياً في المجتمع الليبي، ويؤكد تنامي الثقة بقدرات المرأة على إدارة الشأن العام».

وقالت القليب لـ«الشرق الأوسط» إن «الليبيات أثبتن كفاءتهن في العمل وسط ظروف معقدة، رغم استمرار أزمات سياسية وأمنية واجتماعية»، مبرزة أن انتخاب «انتصار شنيب لرئاسة نادي دارنس، ومن قبلها وصول نساء إلى رئاسة بلديات ومناصب تنفيذية أخرى، يمثل مؤشراً على اتساع فرص تمكين المرأة، لكنه يتطلب دعماً مؤسسياً وتشريعياً لتعزيز مشاركتها في مختلف القطاعات، وقبل ذلك توحيد مؤسسات الدولة الليبية».


مقالات ذات صلة

«عسكريو مصراتة» يواجهون «الخطة الأميركية» بـ«مبادرة مدنية الدولة»

شمال افريقيا اجتماع فعاليات المنطقة الغربية بمصراتة (صفحات موالية لمصراتة)

«عسكريو مصراتة» يواجهون «الخطة الأميركية» بـ«مبادرة مدنية الدولة»

أعلن «المجلس العسكري» بمصراتة الليبية عن إطلاق مبادرة تحت اسم «مبادرة الدولة المدنية» وقال إنه يرفض «محاولات التسوية والصفقات التي تهدف لتقاسم السلطة».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا خلال توقيع العقد بين الشركة التركية والقيادة العامة في بنغازي (شعبة الإعلام الحربي)

مستعيناً بـ«شركة تركية»... هل ينجح صدام حفتر في توسيع نفوذه جنوباً؟

يتجه «الجيش الوطني الليبي» إلى الاستعانة بشركة تركية لمراقبة الحدود الجنوبية المترامية، في ظل مواجهات واسعة يجريها ضد «متمردين».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا إحدى شبكات الكهرباء المصرية (وزارة الكهرباء)

كيف دعمت مصر استعادة الكهرباء في ليبيا؟

يتجاوز الربط الكهربائي بين مصر وليبيا حدود بروتوكولات التعاون التقليدي، حيث يجري وفق «تفاهمات وتقارب قائم بين دولتي الجوار»، حسب مصادر مصرية وليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا دورية من الشرطة الزراعية تتفقد بقرة نافقة في غرب ليبيا بعد إصابتها بـ«الحمى القلاعية» (الشرطة الزراعية)

«الوحدة» الليبية تطلق خطة عمل لمحاصرة «الحمى القلاعية»

تعمل الأجهزة المعنية بالثروة الحيوانية في ليبيا على مواجهة تفشي «الحمى القلاعية» بتوجيه النصح لمربي الماشية، والتشديد على ضرورة الالتزام بالإجراءات الوقائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري المشاركون في «ملتقى الحوار السياسي» بجنيف يوم الجمعة الماضي (حسابات ليبية موثوقة على مواقع التواصل)

تحليل إخباري حراك ليبي لحلحلة الأزمة السياسية ومنع «تقاسم النفوذ»

في ظل «مبادرة أميركية» تستهدف إنهاء الانقسام السياسي والعسكري في البلاد تتسابق شخصيات ليبية على إطلاق مبادرات يراها البعض تستهدف «إعادة التموضع».

علاء حموده (القاهرة)