أول رئيسة نادٍ رياضي بليبيا... «تمكين نسائي» وسط أزمات سياسية

حضور الليبيات في الحياة العامة لم يعد مقتصراً على تقلد مناصب وزارية وبرلمانية أو قيادة بلديات

رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)
رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)
TT

أول رئيسة نادٍ رياضي بليبيا... «تمكين نسائي» وسط أزمات سياسية

رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)
رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)

لم يعد حضور المرأة الليبية في الحياة العامة مقتصراً على تقلد مناصب وزارية وبرلمانية أو قيادة بلديات، رغم إرث الأزمات السياسية والأمنية الذي تواجهه البلاد منذ عام 2011، بل امتد إلى مجالات ظلت لعقود حكراً على الرجال، كان أحدثها رئاسة الأندية الرياضية.

وتصدر تولّي انتصار شنيب، عضو مجلس النواب، رئاسة نادي «دارنس» في درنة الأخبار باعتبارها أول امرأة تتقلد هذا المنصب في تاريخ البلاد، في سابقة ينظر إليها كخطوة جديدة على مسار تمكين المرأة، وسط أزمات سياسية وانقسام حكومي وعسكري ما زال مستمراً، منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي.

مهمة «استثنائية»

تبدو المهمة التي تنتظر شنيب «استثنائية»، من منظورها، ليس لأنها أول امرأة تتولى رئاسة نادٍ رياضي ليبي فقط، بل بسبب الإرث الثقيل الذي يحمله النادي العريق أيضاً. فقد تأسس «دارنس» عام 1958، وظل أحد أبرز أندية شرق البلاد، قبل أن تتعاقب عليه أزمات عصفت بمدينة درنة خلال السنوات الأخيرة.

وقالت شنيب لـ«الشرق الأوسط» إن النادي تأثر بسلسلة من المحطات الصعبة، بدأت بالظروف الأمنية التي شهدتها المدينة خلال سنوات سيطرة تنظيم «داعش» قبل تحريرها عام 2018، وانتهت بكارثة «إعصار دانيال» في سبتمبر (أيلول) 2023.

وأوضحت شنيب أن «أنشطة النادي تجمدت تحت وطأة هذه الظروف القاسية، وكان أقساها الإعصار الذي دمّر مقر النادي بالكامل، وأودى بحياة عدد من لاعبيه ومشجعيه والعاملين فيه، ما ضاعف حجم التحديات أمام الإدارة الجديدة».

علم نادي «دارنس» الليبي (الصفحة الرسمية للنادي)

وكانت الفيضانات المدمرة التي اجتاحت درنة في عام 2023 قد تسببت في انهيار سدين وخسائر بشرية ومادية واسعة، كما أدت إلى توقف نشاط النادي في الدوري الممتاز نتيجة الأضرار، التي لحقت بمنشآته قبل أن يستأنف نشاطه العام الماضي.

وترى شنيب أن النادي يمر بمرحلة تتطلب «إعادة تأسيس حقيقية من القواعد والركائز الأساسية»، مشيرة إلى أن خطتها ترتكز على إعادة هيكلة الجوانب الإدارية والمالية والبشرية، وبناء إدارة قادرة على استعادة الاستقرار، ووضع أسس تنموية طويلة الأمد. وقالت إن الهدف «لا يقتصر على تجاوز آثار الأزمة، بل يشمل استعادة المكانة التاريخية للنادي، ونطمح إلى أن يعود دارنس منافساً على لقب الدوري الليبي مستقبلاً».

ويحمل وصول البرلمانية الليبية، انتصار شنيب، إلى رئاسة «دارنس» دلالات تتجاوز الرياضة، في ظل حضور المرأة الليبية في بعض مواقع المسؤولية العامة، وثقل نسائي ديموغرافي ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.

يأتي ذلك وسط مناخ عام من الجمود السياسي والأزمات المعيشية، وفي بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً بين حكومتين: إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى تسيطر على الشرق وأجزاء من الجنوب برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

تميز في ظروف معقدة

تبرز منذ عام تجربة الزائرة الفيتوري المقطوف، باعتبارها أول امرأة تُنتخب عميدة لبلدية في ليبيا بمدينة زلطن (على الحدود الليبية التونسية) نهاية عام 2024، قبل أن تلحق بها جميلة اللواطي في بلدية سلوق (شرق) مطلع العام الحالي.

ومن واقع تجربتها في الإدارة المحلية، أعربت المقطوف لـ«الشرق الأوسط» عن ثقتها في نجاح تجربة شنيب، عادّة أن «المرأة الليبية أثبتت قدرتها على تحمل المسؤولية في ظروف معقدة، والمساهمة في جهود الاستقرار وإعادة الإعمار».

وتستند المقطوف في هذه الثقة إلى تجربة تمكنت فيها من تنفيذ مشروعات خدمية وتنموية ظلّت متعثرة لعقود، مقرّة بتعاون حكومي من جانب سلطات في غرب ليبيا، شملت تطوير شبكات طرق والإنارة، وحفر آبار جديدة، وإعادة تأهيل محطة التحلية، إلى جانب إنشاء ورفع تصنيف مستشفى زلطن من مستشفى قروي إلى مستشفى عام، وتأسيس دار ضيافة لزوار المدينة، بل توفير أكثر من 600 فرصة عمل، وإطلاق برامج تدريب وتأهيل للشباب والنساء.

نادي «دارنس» بعد إعادة افتتاحه العام الماضي إثر ما تعرض له خلال «إعصار دانيال» (وكالة الأنباء الليبية)

ومع ذلك، أشارت أول عميدة بلدية إلى أن طريق المرأة الليبية ليس مفروشاً بالورود، مع الحاجة إلى «جهد مضاعف لاستكمال مشروعات البنية التحتية»، مشيرة إلى أنها تضطر إلى قطع 160 كيلومتراً بشكل متكرر بين زلطن وطرابلس لمتابعة الملفات الحكومية مع الوزارات في طرابلس، وحلّ مشكلات تراكمت وجعلت البلدية مهمشة. ومبرزة «استمرار تحديات تتعلق بخلافات مرتبطة بالحدود الإدارية لبلدية زوارة، رغم صدور حكم قضائي في هذا الشأن، إلى جانب حملات ممنهجة من الانتقادات والشائعات التي تستهدف عملها كأول عميدة بلدية».

ويحظى تمكين المرأة الليبية بدعم دولي متزايد، إذ دعا بيان صادر عن الأمم المتحدة هذا الشهر إلى تعزيز حضور النساء في مواقع صنع القرار التنفيذية والتشريعية، وإزالة معوقات تمكينهن الاقتصادي، وإشراكهن في صياغة سياسات الأمن الوطني وحماية حقوق الإنسان.

يأتي ذلك فيما تتولى النساء 5 حقائب وزارية، إلى جانب عضويتهن في مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، فيما شهدت السنوات الأخيرة وصول نساء إلى مواقع قيادية في الإدارة المحلية.

وتشكل النساء نحو 49.3 في المائة من إجمالي سكان ليبيا، إذ يبلغ عددهن نحو 3 ملايين و638 ألفاً و621 امرأة، من أصل 7 ملايين و384 ألفاً و208 نسمة، بحسب أحدث بيانات مصلحة التعداد والإحصاء الرسمية.

ومع ذلك، ترى الناشطة الحقوقية، انتصار القليب، أن وصول النساء إلى مواقع قيادية في البلديات والقطاع الرياضي، إلى جانب دورهن التنفيذي والتشريعي، «يعكس تحولاً تدريجياً في المجتمع الليبي، ويؤكد تنامي الثقة بقدرات المرأة على إدارة الشأن العام».

وقالت القليب لـ«الشرق الأوسط» إن «الليبيات أثبتن كفاءتهن في العمل وسط ظروف معقدة، رغم استمرار أزمات سياسية وأمنية واجتماعية»، مبرزة أن انتخاب «انتصار شنيب لرئاسة نادي دارنس، ومن قبلها وصول نساء إلى رئاسة بلديات ومناصب تنفيذية أخرى، يمثل مؤشراً على اتساع فرص تمكين المرأة، لكنه يتطلب دعماً مؤسسياً وتشريعياً لتعزيز مشاركتها في مختلف القطاعات، وقبل ذلك توحيد مؤسسات الدولة الليبية».


مقالات ذات صلة

ما دلالات لقاء وكيل دفاع «الوحدة» الليبية برئيس الاستخبارات المصرية؟

شمال افريقيا رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)

ما دلالات لقاء وكيل دفاع «الوحدة» الليبية برئيس الاستخبارات المصرية؟

تتمسك القاهرة برؤية لحلحلة الأزمة الليبية، تقوم على أهمية الحفاظ على وحدة ليبيا وسلامة أراضيها، وتوحيد المؤسسات الوطنية، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا آليات عسكرية عند منفذ التوم الحدودي بين ليبيا والنيجر (رئاسة أركان الجيش الوطني الليبي)

تساؤلات حول داعمي «غرفة تحرير الجنوب» في مواجهة «الوطني الليبي»

فيما تتواصل حملة أمنية يشنها «الجيش الوطني» لمطاردة متمردين، تساءل نشطاء وسياسيون عن الجهة الداعمة لما يسمى «غرفة تحرير الجنوب» في مواجهتها مع قوات الجيش.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا أحد قتلى اشتباكات مدينة الزاوية الليبية بدايات مايو الماضي (مركز طب الطوارئ والدعم)

الزاوية الليبية تدفع ثمن «الرصاص المنفلت» مزيداً من الدماء

حاملاً رشاشاً على كتفه، أطلق ميليشياوي، كان في حالة سكر، النار في الزاوية (غرب ليبيا)، ما أثار حالة من الرعب بين سكانها، وأعاد إلى الواجهة ملف تغول التشكيلات.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا خالد محمد علي الهيشري (متداولة)

«الجنائية الدولية» تقضي بإمكان توجيه اتهامات لمشتبه به ليبي

حكم قضاة المحكمة الجنائية الدولية، اليوم الخميس، بإمكان ​توجيه تُهم متعددة إلى الليبي خالد محمد علي الهيشري، المتهم بإدارة أحد أسوأ السجون سُمعة في ليبيا.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
شمال افريقيا مهاجرة صومالية تحمل ابنها داخل أحد مراكز الاحتجاز والترحيل في بنغازي (رويترز)

تعرض آلاف المهاجرين لـ«انتهاكات جسيمة» على الحدود التونسية الليبية

أعرب خبراء أمميون، اليوم الخميس، عن «قلقهم البالغ» إزاء تقارير عن تعرض آلاف المهاجرين من دول جنوب الصحراء للاحتجاز التعسفي، وعمليات طرد جماعي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

لماذا يرشق الصبية القطارات بالحجارة في مصر؟

تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)
تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)
TT

لماذا يرشق الصبية القطارات بالحجارة في مصر؟

تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)
تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)

تصدر وزارة النقل المصرية إدانات متكرِّرة بشأن حوادث «رشق صبية للقطارات بالحجارة»، ورغم تحذيرات الوزارة من مخاطر ذلك، فإنَّ تكرار الوقائع يطرح تساؤلات حول أسباب قيام الصبية بهذا السلوك.

ومع تداول مقاطع لأحدث وقائع رشق القطارات أخيراً بمحافظة أسوان (جنوب البلاد)، شدَّدت الحكومة على ضرورة «محاسبة المتورطين في حوادث رشق القطارات، وعدم التهاون أو التسامح مطلقاً مع أي سلوك تخريبي يهدِّد أمن وسلامة ركاب النقل الجماعي». وأشارت وزارة النقل، الجمعة، إلى أنَّ «هذه التَّصرُّفات لا تقتصر على خسائرها المادية، لكنها تُعرِّض ركاب القطارات للخطر».

وتعددت تفسيرات الخبراء بشأن دوافع رشق صبية للقطارات. وأشاروا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «غياب الوعي الكافي، والتنشئة غير السليمة من الأسباب الرئيسية لهذه الحوادث».

واستنكرت «النقل»، الأسبوع الماضي، «قيام مجموعة من الصبية برشق أحد قطارات السكك الحديدية بالحجارة في أثناء سيره بنطاق محافظة أسوان»، وتحدَّثت في إفادة لها عن وقوع «خسائر مادية إثر ذلك».

ويوجِّه وزير النقل كامل الوزير، باتخاذ الإجراءات القانونية بالتنسيق مع وزارة الداخلية وشرطة النقل والمواصلات، «لتحديد هوية مرتكبي هذه الوقائع وملاحقتهم قضائياً، وتقديمهم للمحاكمة العاجلة».

ويشدِّد على أنَّه «لا تهاون أو تسامح مطلقاً مع أي سلوك تخريبي يهدِّد أمن وسلامة مستقلي وسائل النقل الجماعي».

وكان وزير النقل قد أجرى، الخميس، اتصالاً هاتفياً بسيدة مصرية وثَّقت واقعة رشق قطار أسوان، وأشاد بدورها في «التصدي لصبية في أثناء رشق القطار»، عاداً ذلك «موقفاً وطنياً يعكس قدراً من الوعي والمسؤولية الإيجابية»، حسب وزارة النقل.

ووفق مديرة «المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية» هالة رمضان: «تأتي غالبية حوادث رشق القطارات بالحجارة من صبية في مرحلة المراهقة».

وتقول: «إن طبيعة المرحلة العمرية، والإحساس بالمغامرة والتحدي قد يدفعان بعضهم لارتكاب حوادث رشق القطارات». وتوضح، أن من الأسباب الأساسية «غياب الوعي الكافي لدى هؤلاء الصبية بأهمية الحفاظ على الملكيات العامة».

وترى رمضان، أن «مشكلات التنشئة من العوامل الأساسية وراء ارتكاب مثل هذه الحوادث»، وتقول، إن «القصد في الإيذاء والإضرار، من السلوكيات التي تعبِّر عن حالة الاعتراض لدى بعض الشرائح».

الحكومة المصرية تشدد على محاسبة المتورطين في حوادث رشق القطارات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)

وتُشكِّل العقوبة الفورية لمثل هذه الوقائع جزءاً من إجراءات الردع والمواجهة لحوادث رشق القطارات، بحسب هالة رمضان، غير أنَّها أشارت إلى ضرورة «اتخاذ إجراءات أخرى للمواجهة، من بينها أن تكون هناك أدوار لمؤسسات التنشئة العامة، وعقد لقاءات توعوية للشباب في المناطق التي تتكرَّر فيها حوادث رشق القطارات للتحذير من مخاطر هذا السلوك».

وتقدم وزارة النقل رسائل توعوية مستمرة بمخاطر سلوك رشق القطارات بالحجارة، وتكثِّف من المناشدات وفيديوهات التوعية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتؤكد في رسائلها أن «الحفاظ على مرفق السكك الحديدية مسؤولية مجتمعية مشتركة».

أستاذ السلوك الأسري، خبير التنمية البشرية طارق إلياس، يرى أن «وقائع رشق القطارات بالحجارة تعبِّر بالأساس عن حالة من الاعتراض المجتمعي لبعض الفئات التي تشعر بالتهميش». وأشار إلى أن «تحقيقات النيابة العامة مع بعض الصبية المتهمين في مثل هذه الوقائع، أكدت أن الدافع الأساسي هو التعبير عن رفض واقعهم المعيشي الصعب».

وتأتي الأمية لتضاف إلى أسباب التعدي على القطارات، وفق إلياس الذي قال: «إن تحقيقات سابقة مع بعض المتهمين في مثل هذه الحوادث، أظهرت تسرُّبهم من التعليم؛ نتيجة لعدم قدرة الأسر على تحمُّل النفقات». وأشار إلى أنَّ من العوامل أيضاً «الإدمان وتعاطي المخدرات».

كما نوه إلى أنَّ «الحل الأمني لن يمنع هذه الوقائع». وقال: «الدور الأكبر في المواجهة يقع على مؤسسات المجتمع المدني التي يجب أن تكثِّف من التوعية بمخاطر مثل هذه الحوادث».


ما دلالات لقاء وكيل دفاع «الوحدة» الليبية برئيس الاستخبارات المصرية؟

رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)
رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)
TT

ما دلالات لقاء وكيل دفاع «الوحدة» الليبية برئيس الاستخبارات المصرية؟

رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)
رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)

وسّعت طرابلس والقاهرة نطاق التشاور والمباحثات بشأن شواغل سياسية وأمنية تمر بها ليبيا راهناً، لا سيما فيما يتعلق بتفعيل «المبادرة الأميركية»، التي يُفترض أن تسهم في تدشين حكومة موحدة، تقود البلاد إلى إنهاء الانقسام الذي تعيشه منذ قرابة 12 عاماً.

والتقى اللواء حسن رشاد، رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية، في مدينة العلمين، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، الفريق عبد السلام الزوبي، الخميس، في أول زيارة رسمية له إلى مصر، استهدفت التباحث بشأن الموقف من المبادرة، التي يرعاها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً رشاد في طرابلس (مكتب الدبيبة)

وتتمسك القاهرة برؤيتها لحلحلة الأزمة الليبية، التي تنطلق من «أهمية الحفاظ على وحدة ليبيا وسلامة أراضيها، وتوحيد المؤسسات الوطنية، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة عبر مسار ليبي - ليبي خالص، يمهد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية».

ويرى متابعون أن القاهرة تتحسب لأي خطوات غير مدروسة، قد تؤدي إلى تعميق الانقسام في ليبيا، بدلاً من الدفع نحو توحيد مؤسساتها على أسس مؤسسية مستقرة. مشيرين إلى أن حكومة «الوحدة» لم تعلن حتى الآن موقفاً واضحاً من «المبادرة الأميركية»، التي تُجرى بشأنها مشاورات، وهي من بين الملفات التي تناقشها مع القاهرة.

ولم تعلن القاهرة فحوى لقاء رشاد والزوبي، لكن حكومة «الوحدة» في طرابلس قالت إنه يأتي في إطار «التشاور المستمر بين الجانبين بشأن مستجدات الأوضاع في ليبيا، وتعزيز التنسيق المشترك، بما يخدم أمن واستقرار البلدين».

كما أشارت إلى أن اللقاء «تناول عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك، من بينها تطورات المشهد الليبي، وسبل دعم جهود توحيد المؤسسات الوطنية، وتعزيز التعاون الأمني والعسكري، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للمضي في المسار السياسي».

وتطرق اجتماع رشاد والزوبي إلى «بحث آليات تكثيف التنسيق والتشاور إزاء التحديات الأمنية الإقليمية»، مؤكدين أهمية مواصلة العمل المشترك بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة، ويحفظ المصالح المشتركة للبلدين.

ويأتي لقاء رشاد والزوبي وسط أحاديث ليبية غير رسمية عن مفاوضات تحتضنها مدينة جنيف بشأن اختيار حكومة جديدة، وهي الأنباء التي لم ينفها أو يؤكدها مسؤول حكومي كبير من غرب ليبيا.

ويدفع مستشار ترمب باتجاه تفعيل مبادرة - غير مكتوبة - ينظر إليها بعض الرافضين على أنها «تعمل على تقسيم ليبيا بين عائلتي الدبيبة وحفتر»، لكن بولس نفى ذلك، وقال إنها تستهدف إنهاء الانقسام العسكري والأمني والاقتصادي.

وأجرى بولس زيارات مكوكية إلى القاهرة ومصراتة وطرابلس خلال الأيام الماضية، كما زار رشاد ليبيا على رأس وفد رفيع المستوى، وتطرق في مباحثاته مع الدبيبة إلى مستجدات الأزمة الليبية. واكتفى الأخير بالقول إن الاجتماع بحث «آفاق تطوير التعاون المشترك، بما يسهم في دعم جهود التنمية، وتحقيق المصالح المشتركة للبلدين».

روبيو وصدام حفتر خلال لقاء سابق في واشنطن (القيادة العامة)

وتقوم «المبادرة الأميركية» على إسناد رئاسة المجلس الرئاسي الجديد إلى صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، بينما يتم الإبقاء على الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة، يجري العمل على تشكيلها راهناً، وفق مصادر.

وكانت قيادات عسكرية وأعيان وحكماء ومؤسسات مجتمع مدني في مصراتة قد أبلغوا بولس أسباب رفضهم لمبادرته، متمسكين برفضهم لما سموه «عسكرة ليبيا»، أو «الدفع بشخصيات غير نزيهة أثبتت التقارير الدولية تورطها في قضايا فساد، أو انتهاكات لحقوق الإنسان».

وفي مسار موازٍ، وبشكل مفاجئ، أعلن ما يسمى بـ«ملتقى الحوار السياسي»، خلال اجتماع عقده في جنيف، الجمعة، وبشكل مستقل، اختيار الليبي مصطفى المجذوب رئيساً لحكومة ليبية، بينما قال المتحدث باسم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، محمد الأسعدي، لـ«الشرق الأوسط»: «ليس لنا أي صلة بهذا الحديث».

وفتح تأجيل توقيع الاتفاق النهائي بين الفرقاء الليبيين الباب أمام جولة جديدة من التفاوض، بعدما انتهى اجتماع أممي في تونس، الثلاثاء الماضي، دون حسم الخلافات بشأن رئاسة المفوضية العليا للانتخابات، والإطار القانوني للاستحقاق الانتخابي.


«تظلمات» الاستبعاد من «بطاقات التموين» لا تهدئ قلق أسر مصرية

 الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)
الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)
TT

«تظلمات» الاستبعاد من «بطاقات التموين» لا تهدئ قلق أسر مصرية

 الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)
الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)

لم تهدئ إجراءات «التظلم» الحكومية بسبب الاستبعاد من «بطاقات التموين» (المخصصة للسلع) قلق أسر مصرية، ورغم حذف آلاف المواطنين فإن عدداً قليلاً جداً شرع في التقدم بـ«تظلمات».

الأربعيني محمد فرج، الذي يعمل في جهة حكومية شرق القاهرة، ويقيم في محافظة القليوبية المتاخمة للعاصمة المصرية، يقول: «لا أجد أي فائدة من التظلم، فلن تعود البطاقة التموينية مرة أخرى»، ويضيف أن «حديث الحكومة بشأن التظلمات لم يهدئ قلق أسرتي حول عودة التموين من جديد».

ورغم أن فرج يعول أسرة مكونة من طفلين وزوجة، ويمتلك سيارة موديل 2002، فإنه تم استبعاده بلا أي سبب واضح، قائلاً: «الرسالة التي وصلتني أنه تم إيقاف البطاقة، وإذ كنت ترغب في عودتها عليك بالتظلم».

فرج دخله الشهري أقل من 5 آلاف جنيه (الدولار الأميركي يساوي 50.5 جنيه) وطفليه في تعليم حكومي (تجريبي)، ويسكن في منزل والده، وليس لديه أي أملاك زراعية. ويوضح: «كنت أحصل على دعم السلع، وفق بطاقة التموين لي وزوجتي، وحاولت كثيراً إضافة أبنائي للبطاقة، إلا أنها توقف نهائياً الآن».

وحددت وزارة التموين والتجارة الداخلية مؤشرات للاستبعاد من بطاقات التموين من بينها «امتلاك سيارات حديثة أو مرتفعة القيمة أو امتلاك أكثر من سيارة أو استيراد سيارات من الخارج، أو الإقامة في تجمعات سكنية فاخرة، أو سداد مصروفات التعليم الدولي أو الخاص، أو امتلاك شركات، أو حيازة أراضٍ زراعية تزيد مساحتها على 10 أفدنة».

وبدأت الحكومة أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين، وأعلنت حذف نحو 850 ألف مواطن من حاملي هذه البطاقات، وسط انتقادات واسعة وتحذيرات من تأثيرات اجتماعية سلبية تطول قطاعات واسعة من المصريين الذين يعتمدون على «الدعم التمويني» لمواجهة الأعباء المعيشية.

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة يرى أن «تنقيح بطاقات التموين يجب أن يُصاغ ويُعاد كل مدة زمنية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «التحول من الدعم العيني إلى (النقدي) الذي أعلنت عنه الحكومة يكون عبر آليات تنقيح البطاقات التموينية باستهداف الشرائح غير المستحقة».

إلا أنه يشير إلى أن «هذا التنقيح ليس فقط باستبعاد البعض، لكن لا بد أن يكون بدخول آخرين». ويشرح: «لو مواطن تم استبعاده من البطاقة التموينية بسبب زيادة دخله الشهري بشكل مؤقت لأي سبب، هل سيعاد مرة أخرى حال انخفاض دخله؟».

ودعا بدرة إلى «منظومة محايدة من وزارات عدة، وألا يكون قرار الاستبعاد في يد موظف واحد». ويضيف: «يجب أن تكون هناك مرونة قبل تطبيق الإجراءات في بطاقات التموين التي يحصل بها المواطن على دعم عيني أو نقدي».

وبحسب مساعد وزير التموين، المتحدث الرسمي للوزارة أحمد كمال فإن «التموين» تلقت نحو 4700 تظلم فقط منذ فتح باب الاعتراض على قرارات استبعاد غير المستحقين من منظومة الدعم. ورأى أن «محدودية هذا العدد تعكس دقة المعايير التي استندت إليها الوزارة في مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين».

وأوضح في تصريحات متلفزة، مساء الخميس، «أن منظومة التظلمات تعتمد على آليات دقيقة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وأن الوزارة تستقبل طلبات التظلم عبر أكثر من 1085 مكتب تموين و412 مركز خدمة في مختلف المحافظات، وجميع الطلبات تخضع للمراجعة إلكترونياً».

كما نفى أن «يكون التحاق الأبناء بالمدارس الخاصة العادية سبباً مباشراً للاستبعاد من منظومة الدعم». وتحدث عن بعض المعايير التي وفقها يتم الاستبعاد مثل أن بعض الأسر يصل متوسط دخلها الشهري إلى نحو 50 ألف جنيه.

وزارة التموين تؤكد استمرار حرصها على ضمان حق المواطنين في التظلم بسبب الاستبعاد من بطاقات التموين (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

وتُطبق الحكومة منذ عقود منظومة البطاقات التموينية لدعم السلع الأساسية بهدف خفض أعباء المعيشة عن «الفئات الأَوْلى بالرعاية». ويستفيد نحو 68 مليون مواطن من هذه المنظومة، حسب «التموين».

حول إحجام بعض المواطنين عن تقديم «تظلمات» بسبب الاستبعاد وتصاعد الشعور بالقلق لديهم، تحدثت أستاذة علم النفس السياسي بـ«المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية» سوسن فايد عن «معادلة صعبة»، ألا وهي «إرضاء المواطنين من جهة وتحقيق توازن اقتصادي في الدولة من جهة أخرى». وتقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك أزمة ثقة بين الإجراءات التي تتخذها الحكومة والقاعدة الشعبية بسبب مواقف تاريخية قديمة، بأن المواطن لم يحصل على حقه من خلال التظلم في مواقف سابقة».

لكنها تشير إلى أن «هذا العدد القليل في التظلمات قد يكون هو العدد الفعلي لمن يستحقون».

«التموين» تلقت نحو 4700 تظلم فقط منذ فتح باب الاعتراض على قرارات استبعاد غير المستحقين من منظومة الدعم (رويترز)

حالة المصري محمد فرج تتشابه مع حالات كثيرة لا تعرف أسباب استبعادها من بطاقات التموين، فالأربعيني محمود (فضل عدم ذكر اسمه الثاني) يعمل في مؤسسة حكومية، ولديه أولاد في مراحل تعليمية مختلفة (مدارس قومية)، لا يعرف سبباً لاستبعاده، ويقول: «ليس لديَّ دخل سوى راتبي، ولا أمتلك سيارة»، لكنه «لا يضمن عند التظلم أن يعود له حقه».

وكان رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي أكد، الخميس الماضي، أن «باب التظلمات لا يزال مفتوحاً أمام المواطنين الذين تم استبعادهم من البطاقات التموينية»، وأن «الحكومة تتعامل مع هذه الطلبات بجدية، وتقوم بدراستها للتأكد من استحقاق أصحابها».

ورفعت مصر قيمة «الدعم» في الموازنة الجديدة العام الحالي إلى 175 مليار جنيه بدلاً من 160 مليار جنيه العام الماضي. وتقول «التموين» إن «ذلك يعكس استمرار الدولة في توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، ودعم الفئات الأولى بالرعاية».