«جبال» من القمامة في شوارع دمشق... والأرصفة بيوت الفقراء و{قصور} المتنفذين

سيارات عامة وخاصة في شوارع دمشق (أخبار دمشق)
سيارات عامة وخاصة في شوارع دمشق (أخبار دمشق)
TT

«جبال» من القمامة في شوارع دمشق... والأرصفة بيوت الفقراء و{قصور} المتنفذين

سيارات عامة وخاصة في شوارع دمشق (أخبار دمشق)
سيارات عامة وخاصة في شوارع دمشق (أخبار دمشق)

اتسعت في مدنية دمشق مشاهد تراكم النفايات في الأحياء الراقية والفقيرة وانتتشار الأوساخ في الطرقات، وطغت رائحة شبكات الصرف الصحي على رائحة الياسمين الذي عرفت به العاصمة السورية، إضافة إلى ترسخ ظاهرتي التشرد والتسول في الطرقات وارتفاع أعدادها إلى أضعاف مضاعفة بسبب الفقر.
وتُعد دمشق التي تعرف بأسماء كثيرة منها «الشام» و«الفيحاء» و«مدينة الياسمين»، أقدم مدينة مأهولة في العالم، حيث يعود تأسيسها إلى نحو تسعة آلاف سنة قبل الميلاد، وأقدم عاصمة في التاريخ. وهي عاصمة لسوريا منذ عام 635 وتمتد مساحتها إلى نحو 105 كيلومترات مربعة. وتقع فيها مدينة دمشق القديمة المحاطة بسور تاريخي، وتمتاز بأبنيتها المشيدة بأسلوب العمارة الدمشقية الشهيرة، وبطرازها الفريد، وبأوابدها العائدة لعصور قديمة، وأماكنها المقدسة من جوامع وكنائس تعد رمزاً للديانات، ومدارس تاريخية، ومقامات وأضرحة وقصور.
طرقها مسحورة ومسكونة بعبق التاريخ، مشى عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والقديسون والملوك والقادة والعلماء والعظماء من صناع التاريخ، مما جعلها محط اهتمام الأدباء والشعراء والرحالة ونُظم في وصفها كثير من النصوص الشعريّة والأدبيّة، وتُحولها إلى مقصد ثقافي وسياسي وسياحي مهم، وتسجيلها على لائحة التراث العالمي لمنظمة «يونيسكو» في عام 1979.
وإن كانت المدينة القديمة، تعتبر أساس دمشق التاريخي، فإن ضواحي وأحياء بدأت بالنشوء حولها في النصف الثاني من القرن العشرين، فزحف العمران نحو سفوح جبل قاسيون وبساتين غوطة دمشق. وباتت أحياء مستقلة عنها تعتبر جزءًا منها، مثل برزة، وجوبر، والمزة، ومشروع دمر، وكفر سوسة، وأبو رمانة، والزاهرة، والتضامن... حتى أصبحت المدينة تقسّم إلى 15 منطقة، تضم 95 حياً، ملتصقة بضواحي حديثة النشوء تتبع إداريا محافظة ريف دمشق، منها جرمانا وأشرفية صحنايا، والبعض الآخر مدن تاريخية مثل دوما وعربين.

شوارع وأوساخ
في شوارع وسط المدينة، أكثر ما يلفت الانتباه في الأعوام الثلاثة الماضية، التشويه الذي أصابها، مع ازدياد عدد «الأكشاك» و«البسطات» المنتشرة على الأرصفة إلى عشرات أضعاف ما كانت عليه، وشغلها لمعظم مسافة عرض الرصيف، مع «تكرّم القائمين» عليها بالإبقاء للمارة على مسافة بين متر إلى متر ونصف، ليتدافعوا من أجل المرور وخصوصا المستعجلين منهم، أو السير على الطريق وتعريض أنفسهم لخطر السرعات الجنونية لكثير من السيارات مع عدم تقيد عناصر تنظيمات موالية للنظام بـ«آداب القيادة»، وذلك وسط محاولات كثيرة قامت بها محافظة دمشق لإزالة تلك «الأكشاك» و«البسطات»، لكنها وفي كل مرة كانت تبوء بالفشل في مؤشر على مدى النفوذ الذي يتمتع به أصحابها، الذين غالبا ما يكونون ضباط أمن، وإصرارهم على بقائها نظرا لما تدر عليهم من أموال طائلة.
الحال هذه، تؤدي إلى امتلاء حاويات القمامة المتوسطة الحجم والموزعة في الطرقات بسرعة فائقة بمخلفات تلك «الأكشاك» و«البسطات»، وانتشار تلك الأوساخ من عبوات عصير وماء ومغلفات وبقايا المأكولات بكثافة على الأرصفة وجانبي الطرقات ومنصفاتها. وكل ذلك وسط حال من اللا مبالاة من محافظة دمشق المعنية بنظافة المدينة، بحجة أنها «لم تعد تمتلك الإمكانات الكافية، بسبب الحرب» التي باتت بالنسبة للنظام «شماعة» يبرر من خلالها تقصيره وإفلاسه.

قصور على الأرصفة
لا يقتصر الأمر على ذلك. وإضافة إلى مئات الحواجز المنتشرة في الشوارع والكتل الإسمنتية التي وضعها عناصر جيش النظام والأمن والميليشيات لتقسيم الطريق الواحدة إلى «مسرب مدني» و«مسرب عسكري» لمرور السيارات، بات العامة من الناس وزائر المدينة يشاهد ما يمكن أن يطلق عليه «فيلات (قصور) الأرصفة» التي أقامها رؤساء تلك الحواجز، ليس فقط للإشراف على عملها اليومي، بل للإقامة بها مع عوائلهم بشكل دائم، ذلك أنه يجري تجهيزها بأحدث المفروشات والخدمات من مطابخ وحمامات. الكثير منها يحتوي على أكثر من غرفتين، عدا عن البذخ الفائق على مظهرها الخارجي.
وما يزيد طين تشويه الطرقات بلة، قيام عناصر جيش النظام والأمن والميليشيات بإحاطة مباني المؤسسات والوزارات التابعة لها والخاصة بكتل إسمنتية كبيرة تأخذ مسافة 50 في المائة من الطريق أحيانا بذريعة الدواعي الأمنية، وبنشر إطارات السيارات ولمسافات طويلة في الطرق، وذلك القسم القريب من الأرصفة، لمنع السيارات من المركون فيها. ومع الترهل الكبير الذي أصاب أغلب مؤسسات النظام ومنها مؤسسة الكهرباء، باتت عمليات الإصلاح التي تجريها الأخيرة «شكلية» غير كاملة، وما يدل على ذلك بقاء أغلب الحفريات دون ردم بعد عملية الإصلاح، وترك الكابلات خارجها في الطرقات، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار الأتربة والغبار في الطرقات وتشويهها وتعريض المارة للخطر، عدا عن الصعوبة التي يواجهونها في عملية المرور وتعرض كثير منهم بشكل يومي للسقوط.
ورغم أنّ دمشق معروفة، بأنها مدينة النور، والكهرباء دشنت فيها منذ عام 1907، أضحى كثير من سكانها وزوارها يطلق عليها «مدينة الظلام» في فترات التقنين، بسبب انقطاع التيار الكهربائي.
في المدينة القديمة، التشويه البصري كبير في معظم أحيائها، ويبدو أن وراء الأكمة ما وراءها، مع سيطرة ميليشيات إيرانية وعراقية ومواصلتها السعي لتغيير المعالم التاريخية، عبر شراء البيوت الدمشقية القديمة من مالكيها الدمشقيين وتهجيرهم والحلول مكانهم، لدرجة أنها باتت تبدو للزائر أنها «قم الثانية»، بعدما كانت في يوم من الأيام عاصمة الدولة الأموية، وسط حالة خوف لدى الدمشقيين في ظل سياسة التهجير القسري والتغيير الديموغرافي المتبعة من قبل النظام.
في حي الميدان العريق الواقع في جنوب المدينة القديمة، ويحوي على بيوت دمشقية تقليدية كبيرة وقديمة تتميز بطرزها المعمارية الجميلة الشعبية وأرضيات مرصوفة بالحجر الأزرق والأسود، يلاحظ الزائر أن هناك عدداً من البيوت تكاد تسقط على رؤوس ساكنيها بسبب ترهلها، وعدم قدرتهم على ترميهما بسبب غلاء المعيشة، وسط معلومات تفيد بامتناع النظام عن مساعدة مالكيها في ذلك وتقديم نافذين فيه يعتقد أن لهم علاقة وطيدة مع إيران عروض لهم للبيع لحساب أو تحويلها إلى مطاعم للسهر والمجون. وبات شائعاً مشاهدة أرصفة في أحياء دمشق القديمة مثل القنوات والقيمرية والعمارة وباب توما والأمين وخان أسعد باشا... بلا أحجار رصف بعد أن خلعتها ورشات الإصلاح لصيانة شبكات الكهرباء والصرف الصحي وترك الأحجار دون إعادتها.
أسواق دمشق الشعبية التي تحيط الجامع الأموي كالسوار في معصم النساء، لم تسلم من التشويه. وفي أبريل (نيسان) العام الماضي التهم حريق ضخم منتصف الليل يعتقد أنه مفتعل معظم محال سوق العصرونية الواقع وسط منطقة أثرية تشهد إقبالاً كبيراً من دارسي الآثار والسياح، وسط توجيه أصابع الاتهام للنظام وإيران، خصوصاً أن عروضاً كثيرة سبقت الأشهر الأخيرة من قبل ضباط إلى أصحاب هذه المحلات ويعرضون عليهم مبالغ ضخمة مقابل بيعها لهم، لكن أحداً من التجار لم يبِع.
وطاول التشويه أيضاً نهر بردى الرمز الأهم في تاريخ المدينة والذي ذكره المؤرخون والشعراء وتغنى به المغنون، ذلك أنه تحوّل إلى مجرى هزيل روائحه تزكم الأنوف والتلوث فيه كبير جداً إلى درجة ظهور الأوساخ الصلبة على سطحه وأصبح مجرى للصرف الصحي!

تلال من النفايات
في المناطق والأحياء المحيطة بدمشق قصص أخرى. وفي «حي الزهور» جنوب شرقي العاصمة، أكثر ما يلفت الانتباه في سوق الخضراوات، هو مشهد تراكم كميات كبيرة من «القمامة» ليومين أو ثلاثة وحتى أربعة في المكان الذي وضعت فيه نحو ثلاث حاويات وانتشار الكميات الزائدة عن طاقة الحاويات الاستيعابية حولها لدرجة تغطيتها على الحاويات. وتشكل تلاً من النفايات تحوم فوقه شتى أنواع الحشرات، بينما ترشح من تحته مياه ملوثة وتنساب إلى منتصف الطريق، لتنبعث منها روائح كريهة، مع غياب كامل لحملات رش المبيدات الحشرية التي يفترض أن تقوم بها المحافظة، للقضاء على القوارض والحشرات المؤذية.
ورغم عشرات الشكاوى وربما المئات التي يقدمها الأهالي للبلديات، فإن الوعود والكلام المعسول الذي ملأ آذانهم لم يغير من واقع الحال شيئاً، بل على العكس تماماً، فالخط البياني لمشكلتهم آخذ بالارتفاع. البعض من الأهالي يأخذ على وسائل الإعلام الرسمية «انشغاله بنفايات لبنان لأنها نفايات خمس نجوم، وإعلامنا يتابعها لحظة بلحظة، أما نفايات البلد فهي مشكلة شخصية على أغلب الظن، ولسنا بصدد الاهتمام لمثل هذه التفاهات»، بحسب معارض في دمشق.
كانت كمية النفايات قبل الحرب في مدينة دمشق وحدها تصل من ألفي إلى ثلاثة آلاف طن يومياً، فيما وصلت اليوم إلى ستة آلاف طن بسبب ورود نفايات ضواحي دمشق إليها، وخروج مكبات النفايات في المناطق المتوترة عن الخدمة، مما أدى إلى تردي وضع النظافة في سوريا بشكل عام.
ويبرر مسؤولون حكوميون التقصير في تقديم خدمات النظافة بـ«تناقص عدد الآليات المخصصة لذلك جراء الحرب، ونقص الكادر البشري منذ نهاية عام 2010 وحتى نهاية عام 2015 لأسباب كثيرة منها بلوغ البعض السن القانونية، إضافة إلى الوفيات والاستقالات، حيث بلغ تناقص العمال خلال الفترة المذكورة نحو 1900 عامل أي ما يعادل 30 المائة من مجموع عدد العمال». ويبررون تقصيرهم أيضاً بزيادة عدد سكان المدينة بسبب عمليات النزوح، حيث وصل عدد سكان المدينة بحسب تصريحاتهم إلى 8 ملايين نسمة بعد أن كان عدد سكان المدينة وريفها قبل الحرب 4 ملايين و400 ألف نسمة.
وأما في ضاحية جرمانا شرق العاصمة، اعتاد الأهالي في حي الروضة على مشهد بحيرة من مياه الصرف الصحي والروائح الكريهة، جراء انسداد الشبكة وتركها دون إصلاح منذ عدة أشهر، حيث يصعب السير في هذا الطريق ليس للأشخاص فقط وإنما للسيارات أيضاً.عدا عن ترك كثير من فتحات الصرف الصحي دون أغطية، مما يشكل خطر السقوط فيها على المارة وخصوصا الأطفال.

أرصفة فنادق النازحين
وفي ظل حالة الفقر المدقع الذي باتت أغلب الأسر تعاني منه، وتأكيد التقارير والدراسات، أن 86 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، يلفت للانتباه ترسخ ظاهرتي التسول والتشرد في معظم شوارع ومناطق دمشق وريفها. ولم يعد يخلو شارع من الشوارع والساحات والحدائق من انتشار عشرات المتسولين سواء الأطفال أو كبار السن من النساء والرجال، أغلبهم دفعتهم الحاجة للتسول، وآخرون امتهنوا العمل به من خلال استغلال تعاطف الناس معهم.
فما إن يقف المرء عند إشارة مرور حتى يهرع إليه ثلاثة أو أربعة أطفال ليمسحوا له زجاج السيارة، وليأخذوا بعد ذلك منه ما تسمح به نفسه، بينما يتخذ كثير من كبار السن مراكز لهم في المناطق المزدحمة يجلسون فيها على الأرض، ويطلقون بصوت عالٍ عبارات لاستعطاف المارة من أجل إعطائهم شيئاً من المال أو الطعام. وما يعكس مدى الحال التي وصلت إليها كثير من العائلات النازحة، اتخذ كثيرون الأرصفة «بيتاً دائماً». وما إن يقترب القادم من جنوب دمشق ليلاً من دوار باب مصلى حتى يشاهد عائلة تفترش عدداً من «البطانيات» على الأرصفة وتنام عليها وحولها عدد من عبوات الماء وبقايا الخبر.
في الفترة الأخيرة، شنت قوات النظام حملة شعواء على إشغالات الرصيف وحتى لوقف محلات مؤقتة لبيع الخضراوات على الأرصفة. لكن الحملة طاولت فقط الفقراء وليس المتنفذين من القريبين من المسؤولين.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.