قمة الاتحاد الأفريقي تدعو إلى موقف موحد من الأزمة الخليجية

عباس يطالب قادة دول القارة بتحديد علاقاتهم بإسرائيل... والعاهل المغربي يريد «إقلاع أفريقيا جديدة وقوية»

صورة جماعية للقادة الأفارقة خلال افتتاح أعمال قمة أديس أبابا أمس (رويترز)
صورة جماعية للقادة الأفارقة خلال افتتاح أعمال قمة أديس أبابا أمس (رويترز)
TT

قمة الاتحاد الأفريقي تدعو إلى موقف موحد من الأزمة الخليجية

صورة جماعية للقادة الأفارقة خلال افتتاح أعمال قمة أديس أبابا أمس (رويترز)
صورة جماعية للقادة الأفارقة خلال افتتاح أعمال قمة أديس أبابا أمس (رويترز)

بدأت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا أمس، أعمال القمة الأفريقية الـ29 للاتحاد الأفريقي، بمشاركة رؤساء 24 دولة، وملك واحد، وتسعة رؤساء حكومات، وغياب كل من الرئيس السوداني عمر البشير، ورئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت، والكيني أوهورو كنياتا، ورئيس جنوب أفريقيا جاكوب زوما، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وينتظر أن تنهي القمة أعمالها اليوم.
ودعا رئيس الاتحاد الأفريقي الرئيس الغيني ألفا كوندي في كلمته لافتتاح القمة إلى أهمية إيجاد «حل سلمي للأزمة الخليجية»، وإلى توحيد الصوت والموقف الأفريقي من تلك الأزمة. وقال كوندي إن دول القارة بحاجة لإيجاد آلية لحل النزاعات والصراعات الداخلية، عبر الحوار والوسائل السلمية، و«إسكات دوي البنادق»، مؤكداً على أهمية تفعيل وإصلاح هيكلة الاتحاد لتعزيز مصداقيته، وكسب احترام الشركاء، مشددا على عزم أفريقيا على تولي زمام أمورها، وحل مشاكلها، وإنهاء بؤر التوتر فيها.
من جهته، أشاد رئيس مفوّضية الاتحاد الأفريقي الشادي موسى فكي، بتراجع التوتّر في الصحراء، وأعرب عن أمله في أن تسهم عودة المغرب إلى الاتحاد للوصول لحل سلمي توافقي لقضية الصحراء، وقال بهذا الخصوص «نأمل أن يسهم وجود الطرف الآخر في عضوية الاتحاد الأفريقي في إيجاد حل توافقي»، وذلك على إثر عودة المغرب للمنظمة الإقليمية بعد انسحابها منها احتجاجاً على قبول تمثيل الجمهورية الصحراوية في الاتحاد الأفريقي.
ومن المنتظر أن تشهد قمة أديس أبابا انتخابات ملء منصبي مفوض الشؤون الاقتصادية والموارد البشرية، واعتماد ميزانية الاتحاد للعام 2018، فضلاً عن مناقشة جدول أعمالها تحت شعار «تسخير العائد الديموغرافي لأفريقيا من خلال الاستثمار في الشباب»، ويتضمن قضايا السلم والأمن والاستقرار، بما فيه الوضع في جنوب السودان والصومال ومالي وليبيا وأفريقيا الوسطى وبوروندي، إضافة إلى محاربة الإرهاب والتطرف والهجرة غير الشرعية.
كما تبحث القمة آليات إصلاح عمل مفوضية الاتحاد الأفريقي، وجعلها أكثر فعالية، فضلاً عن بحث قضية الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، والاستماع لتقرير اللجنة الخاصة بقرار الانسحاب منها، والمكونة من قبل الاتحاد.
كما تتضمن أجندة القمة بحث مذكرة تفاهم بشأن إعلان عام 2018 عام أفريقيا لمكافحة الفساد، إضافة إلى قضايا التنمية التجارية والتكامل الاقتصادي والاندماج، والمنطقة التجارية القارية الحرة، والهجرة وتنقل الأشخاص، وإزالة القيود والجوار الأفريقي والقضايا الاجتماعية وتمكين المرأة والاتجار بالبشر.
من جانبه، أعلن العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطاب وجهه إلى القمة لقادة دول وحكومات الاتحاد الأفريقي، ألقاه الأمير مولاي رشيد الذي يمثله فيها، أن المغرب يريد أن يساهم في إقلاع أفريقيا جديدة وقوية وجريئة، تدافع عن مصالحها، وأفريقيا مؤثرة على الساحة الأممية.
وقال الملك محمد السادس إنه من أجل «تحديد معالم أفريقيا الجديدة هذه، يتعين علينا التحرر من كل الأوهام. فأفريقيا الجديدة التي نتطلع بشغف إلى تحقيقها، لا بد أن تنطلق من نظرة ملموسة وواقعية، بإمكانها أن تفرز قارة أفريقية مبادرة ومتضامنة... أفريقيا اليوم توجد في مفترق الطرق، ويجب علينا أن نختار أنجع السبل الكفيلة بالدفع بها إلى الأمام».
وأشار الملك محمد السادس إلى أنه في هذه الآونة «تتزايد الرهانات التي تواجهها قارتنا، كتعدد الفاعلين غير الحكوميين، مما يتسبب في خلق عدم وضوح الرؤية، وتهديدات الإرهاب العابر للحدود، والتطرف العنيف، إضافة إلى الآثار الناجمة عن الاحتباس الحراري».
وشدد الملك محمد السادس على القول إن «المغرب يؤمن بقدرة أفريقيا على تجديد نفسها، والرفع من وتيرة تقدمها»، مبرزا أنه «أمام محدودية التعاون التقليدي بين الشمال والجنوب على مواجهة تحدي الإقلاع، أصبح من الضروري على أفريقيا أن تتجه نحو التعاون الأفريقي البيني، وكذا إقامة مختلف أشكال الشراكات الاستراتيجية والتضامنية بين البلدان الشقيقة».
كما سجل العاهل المغربي أن «هذه القمة تتيح لنا الفرصة لتأكيد التزام بلدي الصريح والمسؤول والثابت، من أجل خدمة قضايا القارة الأفريقية ومصالحها»، مضيفا أنه «بمجرد استعادة المملكة المغربية لمكانها فعليا داخل الاتحاد، والشروع في المساهمة في تحقيق أجندته، فإن جهودها ستنكب على لم الشمل، والدفع به إلى الأمام»، مؤكدا على أن إصلاح الاتحاد الأفريقي يشكل ورشا مهما، يلتزم المغرب بالمشاركة فيه إلى جانب باقي الدول الشقيقة، وشدد على ضرورة تطوير تصور أفريقي موحد لرهانات الهجرة وتحدياتها.
واعتبر العاهل المغربي أن أفريقيا الجديدة «ستستثمر أفضل ما لديها من إمكانيات لأنها تزخر بخيرات وافرة، وأن المغرب لعازم على المشاركة في إقلاع أفريقيا الجديدة»، موضحا أن الاستثمار لفائدة الشباب الذين يمثلون ثلثي سكان القارة أضحى أمرا ضروريا، وذلك بتوفير التكوين المناسب لهم ومواكبة ولوجهم لسوق العمل بطريقة متدرجة ومؤطرة وتأهيلهم لاتخاذ المبادرة حتى يتمكنوا من خلق الثروات، والكشف عن مواهبهم والمساهمة في أقلاع القارة.
من جانبه احتج الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) على العلاقات الأفريقية الإسرائيلية، مطالبا قادة أفريقيا، بربط أي تقدم في هذا المجال، بمدى التزام إسرائيل «بإنهاء احتلالها لأرض دولة فلسطين المحتلة منذ عام 1967. بعاصمتها القدس الشرقية».
وقال عباس في خطابة أمام قمة الاتحاد الأفريقي، مخاطبا قادتها، «إن محاولات دولة الاحتلال الإسرائيلي للمشاركة في مؤتمراتكم الإقليمية، وترتيب مؤتمرات قارية لها، يشجعها على الاستمرار في غطرستها واحتلالها لفلسطين، وإنكارها لحقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والسيادة والاستقلال، وهي القيم والمبادئ الإنسانية الأساسية، التي تؤمنون بها أنتم، وآمن بها من قبلكم قادة أفريقيا العظام الذين ضحوا في سبيل حرية قارتكم ودولكم وشعوبكم، آملين أن يتم ربط أي تقدم في علاقة القارة بإسرائيل، بمدى التزامها بإنهاء احتلالها لأرض دولة فلسطين المحتلة منذ العام 1967، بعاصمتها القدس الشرقية».
وأبلغ عباس القادة الأفارقة، أنه يتطلع إلى دعمهم من أجل تغيير واقع الاحتلال، «وذلك باستخدام الوسائل السلمية والدبلوماسية، واللجوء للهيئات والمؤسسات الدولية، من أجل الحفاظ على حقوقنا الوطنية، وتطبيق حل الدولتين، فلسطين وإسرائيل، لتعيشا جنباً إلى جنب في أمن وسلام وحسن جوار».
وطالب عباس من الأفارقة بالتصويت في المحافل الدولية لصالح فلسطين، قائلا، «إننا نسعى إلى بناء الجسور مع إسرائيل وفق قرارات الشرعية الدولية، والأمن والسلام للجميع بدلاً من بناء جدران الفصل العنصري، لذلك فإن مواصلة تصويت بلادكم لصالح قرارات فلسطين ستحمي حل الدولتين، وتساهم في الحفاظ على حقوق الطرف المحتل، فلسطين، إلى أن يتم تحقيق السلام».
وقال عباس، إن حل قضية فلسطين حلاً عادلاً، هو مفتاح السلام فقط، وهو الذي من شأنه أن يسهم «في نزع ذرائع المجموعات الإرهابية في المناطق المحيطة بنا، وسيجلب الخير للمنطقة ولمستقبل أجيالها، وللأمن والسلم العالميين».
وعبر عباس عن تمسكه بصنع السلام، وقال إنه يرى بارقة أمل جديدة مع تحرك الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وإدارته. وأضاف، «أن هذا التحرك جاء في وقته، وقد أكدنا للرئيس ترمب، خلال لقاءاتنا معه في البيت الأبيض وبيت لحم، استعدادنا التام للعمل معه من أجل عقد صفقة سلام تاريخية بيننا وبين الإسرائيليين، وفق حل الدولتين، ونحن في انتظار أن تستجيب إسرائيل لهذه المبادرة، وقد أكدنا كذلك للرئيس ترمب، استمرار شراكتنا الكاملة معه لمحاربة الإرهاب في منطقتنا والعالم».
من جهته، أكد مسؤول في خارجية جنوب السودان أن قمة أديس أبابا ستناقش الوضع في بلاده ضمن جدول أعمال القمة، في وقت كشف فيه مسؤول في لجنة الحوار الوطني الذي وصل جنوب أفريقيا عن مقترح بجمع الزعيمين كير ومشار لبناء الثقة بينهما لحل الأزمة السياسية للبلاد.
وقال ماوين أكول، المتحدث باسم الخارجية في جنوب السودان، لـ«الشرق الأوسط» إن قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا ستناقش الوضع في الدولة الفتية التي تشهد حرباً منذ أربع سنوات، وذلك بحضور النائب الأول للرئيس تابان دينق قاي الذي يقود وفد بلاده، مشددا على أهمية هذه القمة في أفق إيجاد حل للأزمة في جنوب السودان.
من جانبه، قال وزير خارجية جيبوتي محمد علي يوسف أمس إن بلاده طلبت من الاتحاد الأفريقي نشر مراقبين على طول حدودها المتنازع عليها مع إريتريا بعد أن سحبت قطر قوات حفظ السلام قبل أسبوعين.
وأضاف يوسف خلال قمة أديس أبابا «لقد انسحبت القوات القطرية دون سابق إنذار، ودون أن تمهد الأرض بحق، تاركة وضعا راهنا ليس في مصلحة البلدين... لذلك اقترحنا على الاتحاد الأفريقي سد الفجوة في الجانب المتنازع عليه. ونحتاج أن يتصرف الاتحاد الأفريقي بسرعة».
وبعد أن سحبت قطر قواتها من المنطقة اتهمت جيبوتي إريتريا باحتلال أراض متنازع عليها على طول الحدود بين البلدين. وفي هذا السياق دعا الاتحاد الأفريقي الطرفين إلى ممارسة ضبط النفس، وقال إنه سينشر بعثة تقصي حقائق في المنطقة المتنازع عليها. فيما قال دبلوماسيون إن إريتريا لم ترد على هذا الطلب. وأضاف يوسف أن نشر قوة محتملة للاتحاد الأفريقي قد يتضمن خبراء في منع اندلاع صراع أو أفراد «قوة احتياط» إقليمية يشكلها الاتحاد.



اتساع رقعة القمع الحوثي في صنعاء... وتوثيق أكثر من 3900 انتهاك

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
TT

اتساع رقعة القمع الحوثي في صنعاء... وتوثيق أكثر من 3900 انتهاك

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)

كشفت تقارير حقوقية يمنية عن تصاعد ممنهج في الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق المدنيين في العاصمة المختطفة صنعاء، موثِّقةً أكثر من 3900 انتهاك خلال عامي 2024 و2025، بينها القتل والتعذيب والاختطاف والإخفاء القسري والتهجير ونهب الممتلكات والمحاكمات السياسية وقمع الحريات.

ووثَّق مكتب حقوق الإنسان في صنعاء (حكومي) نحو 3219 انتهاكاً ارتكبتها الجماعة ضد سكان العاصمة المختطفة ومديرياتها العشر خلال عامين، في وقت أظهر تقرير حقوقي آخر تسجيل 761 انتهاكاً خلال عام 2025 وحده، إلى جانب 129 انتهاكاً طالت موظفي المنظمات الإنسانية والأممية.

وتشير هذه الأرقام، وفقاً للجهتين، إلى اتساع نطاق الانتهاكات الحوثية وتنوع أدواتها، من القمع الأمني المباشر إلى الضغط الاقتصادي وملاحقة النشاط المدني والحقوقي، بما في ذلك معاقبة مواطنين على خلفيات تتصل بالتعبير عن الهوية الوطنية.

عناصر حوثيون يستقلون سيارة عسكرية في صنعاء (أ.ف.ب)

وقال مكتب حقوق الإنسان بصنعاء والتابع للسلطة المحلية الشرعية إن الانتهاكات التي رصدها خلال عامي 2024 و2025 توزعت على 14 نمطاً إجرامياً، شملت القتل خارج نطاق القانون، والاختطاف والإخفاء القسري، والتهجير، والتعذيب المفضي إلى الوفاة، والمحاكمات السياسية، والانتهاكات بحق النساء والأطفال، وقمع الحريات، ونهب الممتلكات، وفرض الإتاوات والجبايات غير القانونية.

وأوضح المكتب، في تقرير حمل عنوان «ذاكرة الألم»، أنه وثق 105 حالات قتل، بينها 71 حالة قتل مباشر و34 وفاة تحت التعذيب، إضافة إلى 135 حالة تعذيب جسدي ونفسي، و483 حالة اختطاف وإخفاء قسري، و268 حالة اعتداء وإصابة.

وسجَّل التقرير أكثر من 1537 انتهاكاً خلال عام 2024، قبل أن يرتفع العدد إلى 1682 انتهاكاً في 2025، بزيادة بلغت 145 انتهاكاً، أو ما نسبته 9.4 في المائة.

كما وثَّق المكتب 307 محاكمات ذات طابع سياسي، صدرت خلالها 39 حكماً بالإعدام بحق معارضين وناشطين، في مؤشر، بحسب التقرير، على استخدام القضاء أداة في ملاحقة الخصوم السياسيين والمعارضين للجماعة.

بائع متجول يعرض ملابس شتوية مستعملة للبيع في صنعاء (إ.ب.أ)

وطالت الانتهاكات كذلك الفئات الأكثر هشاشة، إذ رصد التقرير 299 انتهاكاً بحق الأطفال و102 انتهاكاً بحق النساء، فضلاً عن أكثر من 382 حالة تعسف وإقصاء وظيفي، و199 اعتداء على الحريات العامة، و167 انتهاكاً لحرية التنقل.

وفي ملف الممتلكات، سجَّل التقرير 302 حالة نهب واعتداء على ممتلكات عامة وخاصة، إلى جانب 125 حالة تهجير قسري وهدم منازل، في سياق ما وصفه المكتب باتساع أنماط السيطرة الحوثية على حياة السكان وممتلكاتهم.

قمع المنظمات وتجويع السكان

لم تقتصر الانتهاكات، وفق التقرير الحكومي، على المدنيين، بل امتدت إلى موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الدولية والإنسانية، حيث تحدث عن تصعيد شمل الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري واقتحام مقرات المنظمات ومصادرة محتوياتها.

ويتقاطع ذلك مع تقرير صادر عن «منظمة دي يمنت للحقوق والتنمية»، وثَّق 129 انتهاكاً بحق المنظمات الإنسانية والأممية خلال العام الماضي، بينها اختطاف 52 موظفاً وإخفاء 31 آخرين قسراً في معتقلات سرية.

واتهم التقرير الجماعة الحوثية باستخدام الاقتصاد وسيلة للعقاب الجماعي، مشيراً إلى استمرار انقطاع مرتبات نحو 70 في المائة من موظفي القطاع العام، بالتزامن مع فرض الإتاوات والجبايات، وهو ما قال إنه أسهم في تراجع القدرة الشرائية بنحو 80 في المائة.

سكان صنعاء يتخوفون من انهيار معيشي جراء التصعيد الحوثي (رويترز)

ووفق التقرير، دفعت هذه السياسات نحو 80 في المائة من الأسر إلى ما دون خط الفقر، بينما وصل نصف سكان العاصمة إلى مرحلة العجز الغذائي الحاد، في صورة تعكس، بحسب معديه، انتقال القمع من الاعتقال والملاحقة إلى أدوات اقتصادية تمس القدرة اليومية على البقاء.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في صنعاء، التي تضم كتلة سكانية كبيرة وتخضع منذ سنوات لسيطرة الجماعة الحوثية، فيما يعتمد جزء واسع من السكان على رواتب القطاع العام والمساعدات والأنشطة الاقتصادية الصغيرة.

ملاحقة العلم اليمني

وثَّق تقرير منظمة «دي يمنت» نمطاً آخر من الانتهاكات المرتبطة بالمناسبات الوطنية والرموز اليمنية، إذ قال إنه سجَّل 156 انتهاكاً خلال شهر واحد بحق مواطنين على خلفية رفع العلم اليمني أو إحياء مناسبة وطنية.

وشملت هذه الانتهاكات، بحسب التقرير، اختطاف 103 أشخاص، بينهم نساء وأطفال، وإخفاء 27 آخرين قسراً، إلى جانب مداهمة 12 منزلاً.

ويرسم هذا النوع من الانتهاكات، وفق التقرير، صورة عن طبيعة القيود التي تفرضها الجماعة على المجال العام، حيث لم تعد الملاحقة مرتبطة فقط بالنشاط السياسي المباشر، وإنما امتدت إلى مظاهر التعبير عن الهوية الوطنية والاحتفاء بالمناسبات العامة.

أشخاص يستقلون الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

وأكَّد مكتب حقوق الإنسان بصنعاء أن الأرقام الواردة في تقريره لا تمثل جميع الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة خلال الفترة محل الرصد، وإنما الحالات التي تمكن فريقه من الوصول إليها والتحقق منها، مما يرجح أن يكون الحجم الفعلي للانتهاكات أكبر من الأرقام الموثقة.

ودعا المكتب المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإعلامية إلى التحرك وعدم السماح بمرور الانتهاكات من دون مساءلة، والعمل على إنصاف الضحايا ومحاسبة المتورطين.

وتأتي هذه الدعوات في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية والحقوقية العاملة في مناطق سيطرة الحوثيين قيوداً متزايدة على الحركة والنشاط، بينما لا تزال قضايا المعتقلين والمخفيين قسراً والمحاكمات ذات الطابع السياسي من أبرز الملفات التي تعيق أي تقدم في مسار معالجة آثار الصراع اليمني.


قبضة حوثية مشددة على الإعلام تواكب تصعيد الجبهات

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
TT

قبضة حوثية مشددة على الإعلام تواكب تصعيد الجبهات

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)

تشهد الماكينة الإعلامية للجماعة الحوثية، خلال الأسابيع الأخيرة، تحولاً في وتيرة خطابها المُوجَّه، بالتزامن مع ازدياد التصعيد العسكري داخلياً، والهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بينما تسعى إلى فرض خطاب إعلامي مُوجَّه على وسائل الإعلام العربية والدولية التي تمتلك مكاتب في مناطق سيطرتها.

ويواجه العمل الصحافي المستقل في مناطق سيطرة الحوثيِّين رقابة مشدَّدة فرضتها الجماعة على الصحافيِّين والمراسلين، تشمل حظر التغطية الميدانية المستقلة، وفرض تصاريح أمنية مشدَّدة، وتعليمات صارمة لكل مَن ينقل تفاصيل ميدانية بعدم مخالفة الرواية الحوثية، أو الحصول على رواية غير مطابقة لها من السكان، أو التعاطي مع رواية الحكومة الشرعية.

وذكرت مصادر إعلامية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الجماعة الحوثية أصدرت قائمةً بالتعليمات التي وجهت مراسلي وسائل الإعلام الخارجية ووكالات الأنباء بالالتزام بها ضمن تحديثات السياسة الإعلامية المصاحَبة للتصعيد العسكري سواء في الجبهات الداخلية، أو خارجياً بالاعتداء على دول الجوار والملاحة في البحر الأحمر.

وبحسب المصادر، تضمَّنت التعليمات عدم نقل أي أخبار عن القصف الذي تتعرَّض له مناطق سيطرة الجماعة والمواقع العسكرية والمقرات التابعة لها وأي منشآت تحت إدارتها، إلا بعد الحصول على إذن من الجهات الإعلامية المعنية بالسماح بنشر ونقل المعلومات الخاصة بمثل هذه الأحداث، والاعتماد على ما يرد في وسائل إعلام الجماعة.

بالتزامن مع التصعيد العسكري تفرض الجماعة الحوثية رقابة مشددة على الإعلام (أ.ف.ب)

وشدَّدت على أن يكون تصوير أي موقع تعرَّض لقصف القوات الجوية الحكومية أو أي طرف خارجي تحت إشراف من اللجان التابعة لها الموجودة فيه، داعية إلى تغطية التجمعات التي تنظمها الجماعة لأنصارها في الميادين العامة وإبراز أعداد المشاركين والشعارات التي تُرفَع فيها.

كما تضمَّنت التعليمات عدم نقل معلومات من الميدان أو من شهود عيان في أي شأن سياسي أو عسكري، والتحذير من نقل شهادات السكان وشهود العيان إلا إذا توافقت مع الروايات الرسمية للجماعة والتي تتم إذاعتها ونشرها على وسائل الإعلام التابعة لها.

تحديث السردية

بيَّنت المصادر أنَّ الصحافيِّين والمراسلين أبدوا اعتراضهم على التعليمات التي تخصُّ نقل التصريحات والبيانات الصادرة عن الحكومة الشرعية ومسؤوليها، بوصف ذلك يخلُّ تماماً بالمهنية الإعلامية، ويحرجهم أمام وسائل الإعلام التي يمثلونها، إلا أنَّ القادة الحوثيين طلبوا منهم أن يوكلوا تلك المهام لزملائهم المقيمين في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، أو أن يرفقوا أي بيانات أو تصريحات حكومية بما ينفيها من طرف الجماعة.

استهداف المنشآت المدنية والحيوية يترافق مع مزاعم حوثية مضللة (أ.ف.ب)

ويرى مراقبون أنَّ الخطاب الإعلامي للجماعة لم يعد يقتصر على الصياغات التعبوية التقليدية، بل بات يتحرَّك ضمن استراتيجية منسقة تهدف إلى فرض واقع جيوسياسي جديد، وحجب التصدعات الداخلية المتزايدة.

وفي ملف الملاحة الدولية، انتقل الخطاب الحوثي إلى مرحلة جديدة عنوانها فرض «الحظر الملاحي» الشامل في البحر الأحمر وباب المندب.

ويقول أحمد عباس، المحلل السياسي اليمني لـ«الشرق الأوسط» إنَّ السياسة الإعلامية الحوثية المصاحبة للتصعيد الأخير لم تشهد تغيُّراً نوعياً، بل تُظهر استمرارية في التعبئة والتحشيد الذي تنتهجه الجماعة، إلا أنَّ الملاحظ هو وجود بعض التغيير في الأولويات والمبررات والذرائع.

ويشير إلى أنه، وبعد تراجع مبرر المعركة مع إسرائيل، والذي سيطر على خطاب الحركة الحوثية خلال الأعوام الـ3 الماضية، انتقلت إلى معادلة أكثر عنفاً وتطرفاً، فبعد أن كانت في السابق تعتمد على تغليفه أخلاقياً وقومياً عند توجيهه إلى الداخل والشارع العربي أيضاً، فقد أعادت توجيه ماكينتها الإعلامية نحو الشحن والتخوين الداخلي، واعتبار الحكومة الشرعية من أدوات العدو الخارجي المزعوم.

الحوثيون يكثفون نشر مجسمات وصور لأسلحتهم في شوارع المدن الخاضعة لسيطرتهم (أ.ب)

فالجماعة، وفقاً لعباس، تعتمد على مبدأ العدو الدائم، وحين يغيب العنوان الإقليمي البرّاق، تستدعى النبرة ذاتها لتبرير التصعيد الداخلي والهروب من الاستحقاقات المحلية، ويتم تحويل الخطاب من المعركة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى لغة أخرى لتبرير استهداف السفن في البحر الأحمر، وربط ذلك بالمعاناة التي تسببت بها للمجتمع، ملقيةً بالمسؤولية عنها على خصومها.

مزامنة مع التصعيد

يتعمد خطاب الجماعة الحوثية تسمية العقوبات الأميركية المفروضة عليها والقيود الأممية على نشاط تهريب الأسلحة والمعدات العسكرية بـ«الحصار» الذي تتهم به الحكومة الشرعية وحلفائها، وتحملهم المسؤولية عمّا تسببت به ممارساتها من تدهور معيشي في مناطق سيطرتها وإضرار بالاقتصاد المحلي والخدمات وتراجع أعمال الإغاثة.

وتركز وسائل إعلام الجماعة على الترويج لمعادلة «الحصار بالحصار»، بحسب ادعاءاتها، في محاولة لشرعنة استهداف السفن التجارية والمنشآت الحيوية، وربط هذه التَّحرُّكات بالتوترات الإقليمية الأوسع بين واشنطن وطهران.

ويرى أحد الباحثين في الشؤون الإعلامية والسياسية، يقيم في صنعاء، أنَّ خطاب الجماعة بات يستخدم توظيف الممرات المائية بوصفه ورقة ضغط استراتيجية بشكل صريح، بعد أن كان يؤدي ذلك بلهجة مواربة نوعاً ما، مرفقة ذلك بحالة من الاستنفار القصوى تزامناً مع المؤشرات الوشيكة لعودة الحرب البرية.

الهجوم الحوثي على ميناء المخا يعزز من التهديدات التي تطال الملاحة في البحر الأحمر (رويترز)

ويوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الجماعة تسعى من خلال ما يسميها «بروباغندا القوة الجيوسياسية» لتعويض تراجع شعبيتها؛ وتصدير صورتها لاعباً إقليمياً نداً للقوى الكبرى، وتعزيز حملات التجنيد الإجباري الواسعة لتغطية النزف البشري الحاد في جبهات القتال، وشيطنة الأصوات المحلية المحتجة على تدهور الأوضاع المعيشية.

ويعد متابعون للشأن اليمني أنَّ إقدام الجماعة الحوثية على استهداف المنشآت الحيوية في مدينة المخا على الساحل الغربي للبلاد، والقريبة من مضيق باب المندب، يأتي في سياق واحد لتصعيدها الداخلي ومساندتها لإيران في المواجهة الإقليمية المحتدمة منذ قرابة نصف عام.

وبينما تسعى الجماعة إلى تعزيز نفوذها الداخلي وتوسيع مساحة سيطرتها على حساب الحكومة الشرعية، تحاول فرض واقع عسكري بالقرب من خطوط الملاحة الدولية، لتمكين إيران من الاستمرار في المفاوضات مع الولايات المتحدة بسقف مرتفع.


الجيش اليمني يعلن تنفيذ 181 عملية ضد مواقع حوثية خلال 24 ساعة

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
TT

الجيش اليمني يعلن تنفيذ 181 عملية ضد مواقع حوثية خلال 24 ساعة

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

أعلن الجيش اليمني، الأحد، تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، استهدفت مواقع ومصادر نيران وقدرات تابعة للجماعة الحوثية على امتداد جبهات القتال، مؤكداً أن الضربات أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات من عناصر الجماعة، وتدمير مخازن أسلحة ومعدات وآليات عسكرية.

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات نُفذت باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية وراجمات الصواريخ، واستهدفت مواقع وأهدافاً عسكرية ومصادر تهديد حوثية في عدد من محاور القتال.

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

وكانت ميليشيا الحوثي قد استهدفت، مساء السبت، الأحياء السكنية في مدينة مأرب بستة صواريخ باليستية و4 طائرات مسيّرة.

وبحسب مكتب الإعلام بمحافظة مأرب، أسفرت الهجمات الحوثية عن وقوع جرحى ومصابين، وإلحاق أضرار مادية بعدد من المنازل والسيارات وممتلكات المواطنين.

وأضاف الناطق الرسمي في بيان أن الضربات أدت إلى تدمير عشرات المعدات والآليات، إلى جانب عدد من مخازن الأسلحة والوسائل العسكرية، مشيراً إلى تحقيق «إصابات مباشرة في الأهداف المحددة».

وبحسب النزيلي، تركزت العمليات على مصادر النيران والقدرات المستخدمة في تنفيذ الهجمات، وامتدت إلى جبهات ومحاور في تعز ومأرب والحديدة والضالع وأبين وشبوة ولحج، من بينها المخا والبرح والضباب ومقبنة وصرواح وهيلان وحريب وبيحان وطور الباحة.

وأكد المتحدث العسكري أن القوات الحكومية تمتلك «القدرة والجاهزية اللازمتين للوصول إلى مصادر التهديد وتحييدها ومنعها من مواصلة أعمالها العدائية»، وفق مقتضيات الموقف الميداني، وفي الزمان والمكان وبالوسائل التي تحددها القيادة العسكرية.

وشدد على أن الوحدات المشاركة نفذت مهامها «بكفاءة وانضباط عملياتي عالٍ»، مع الالتزام بقواعد الاشتباك وأحكام القانون الدولي الإنساني، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين وتجنيبهم تداعيات العمليات العسكرية.

وأرجع العقيد ماجد النزيلي هذه الضربات إلى ما وصفه بـ«الاعتداءات الحوثية الإرهابية المتكررة» التي استهدفت المدنيين والأعيان المدنية والمنشآت الاقتصادية والموانئ، إلى جانب وحدات ومواقع تابعة للقوات الحكومية.

ودعا المتحدث العسكري اليمنيين إلى الابتعاد عن المواقع والمنشآت والتجمعات العسكرية التابعة للجماعة الحوثية، وعدم الاقتراب منها أو الانخراط في صفوفها، محذراً من استخدام الحوثيين للمدنيين والمناطق السكنية في خدمة ما وصفه بـ«أجندة النظام الإيراني ومشروعه الذي يهدد أمن اليمن والمنطقة والملاحة والمصالح الإقليمية والدولية».

وأشار النزيلي إلى أن القوات المسلحة اليمنية في «أعلى درجات الجاهزية»، وقادرة على المبادرة وفرض معادلة ميدانية جديدة، مؤكداً استعدادها لتنفيذ المهام الموكلة إليها، والتعامل مع مختلف التطورات وفق توجيهات القيادة السياسية والعسكرية.

جانب من عمليات الجيش اليمني ضد الحوثيين في محور تعز (سبأ)

وأضاف أن أي مصدر تهديد للقوات الحكومية أو للمدنيين والأعيان المدنية ومقدرات الشعب اليمني «لن يكون بمنأى عن التعامل العسكري المشروع»، مؤكداً استمرار القوات في أداء مهامها لحماية السكان ومصالحهم وسيادة الدولة وأمنها واستقرارها.

وكانت الحكومة اليمنية قد حذرت من أن استمرار الجماعة المدعومة من إيران في امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة النوعية، إلى جانب تهديد الملاحة واستهداف المنشآت المدنية، يهدّدان بإعادة البلاد إلى دوامة جديدة من العنف، ويقوّضان فرص السلام التي استثمرت فيها الحكومة والأمم المتحدة والمجتمع الدولي لسنوات.