«لقد توصلنا إلى نتيجة مختلفة عن المعتاد»، قال المخرج ستيفن سبيلبرغ، رئيس لجنة تحكيم الدورة الـ66 التي أسدلت ستارها يوم أول من أمس (الأحد) وهو يقدم الفيلم الذي وجده وأعضاء لجنته جديرا بالسعفة الذهبية وأضاف وهو يقرأ عن ورقته: «السعفة الذهبية ستذهب إلى 3 أسماء».
ثم نطق سبيلبرغ تلك الأسماء فإذا بها عبد اللطيف قشيش وأديل أكزاركوبولوس وليا سيدوكس نواة فيلم «الأزرق هو اللون الأدفأ» أو «حياة أديل» كما عنوانه الفرنسي.
الصالة التهبت بالتصفيق. محبو هذا الفيلم كثيرون. الذين تعاطفوا معه ربما كانت غالبية. أولئك الذين أعابوا على المخرج عمله هذا، سواء لأسباب أخلاقية كونه يقدم علاقة مثلية بين بطلتيه، أو لأسباب فنية صرفة كونه بلا سياق روائي منظم ولا إبداع في صنعه يتجاوز كاميرا محمولة وقريبة من الوجوه، قلة.
الفيلم إذن، ورغم توقعات سابقة، فاز بسعفة «كان» وهذا هو المخرج العربي الثاني بعد محمد لخضر حامينا عن «وقائع سنوات الجمر» سنة 1975 الذي يحظى بذهبية المهرجان عن فيلم معين. لكن في حين حمل الفيلم الجزائري دراما مشبعة بريح حرب الاستقلال ضد فرنسا، جاء هذا الفيلم، وعمليا كل أفلام المخرج قشيش، بعيدا عن نبش أي تاريخ ومستأنسا في سرد حكاية اكتشاف فتاة شابة للحب.. ليس أي حب لكن الحب للجنس ذاته.
الجائزة الثانية، واسمها «الجائزة الكبرى»، نالها الفيلم الذي تصورنا أنه سينال السعفة وهو «داخل لووين ديفيز» للأخوين إيتان وجوول كوون. وهي مناسبة للحديث عن الفيلمين ولو في مقارنة سريعة. ففي حين يفتقر «الأزرق هو اللون الأدفأ» إلى سياق قصصي حقيقي وأسلوب سرد منظم ومحكم، لا يفتقر فيلم الأخوين كوون إلا لقدر من الجرأة في الأسلوب تجعله خارج نطاق الطموحات المتواضعة التي تبناها. لكن على صعيد أي سينما يكتنزه كل من هذين الفيلمين، يبقى «داخل لووين ديفيز» أشبع في هذا المجال وأفضل تأمينا لعناصر الفيلم الجيد.
لكن خطوة منح «الأزرق هو اللون الأدفأ» السعفة في نهاية المطاف تمتعت بتمنيات الكثيرين الذين لا يكترثون ما إذا كان الفيلم مصنوعا بفهم سينمائي كامل أو مثل صفحات كتبت بخط اليد، ما أثار الدهشة هو أن يتم رفع ممثلتي الفيلم إلى مرتبة المخرج وتوزيع الكعكة على الثلاثة معا كما لو أن المخرج لا يستحق الجائزة وحده كما جرت العادة.
مهما يكن فإن مشاركة أكزاركوبولوس وسيدوكس المخرج نشوة الوقوف على المنصة واستلام الجائزة سهلت منح جائزة أفضل ممثلة إلى فنانة أكثر موهبة من كليهما هي بيرينيس بيجو التي لعبت في الفيلم الفرنسي «الماضي» إخراج الإيراني أصغر فارهادي.
تمثيل بيجو له حضور قوي تتفاعل خلاله مع الشخصية بلا حدود كقطار منطلق لا يتوقف عند أي محطة. الدور مكتوب جيدا وهي تبدي موهبة لم تبدها من قبل حينما لعبت قبل ثلاث سنوات البطولة النسائية لفيلم «الفنان».
فوارق أساسية
إنها الصدفة بالطبع هي أن يكون فرهادي مخرجا إيرانيا حقق هنا فيلما فرنسيا وأن يكون الفائز بالسعفة مخرجا تونسيا يواصل تحقيق أفلامه الفرنسية بالكامل. وهناك من المعارضين لفوز «الأزرق..» من يقول إن فيلم فرهادي «الماضي» لم ينل ما يستحق من جوائز. فجائزة أفضل إخراج ذهبت إلى أمات إسكالانتي عن «هيلي» وهو فيلم توقف رواد المهرجان عن الحديث فيه بعد ساعات قليلة من عرضه. كذلك ذهبت جائزة أفضل سيناريو إلى الصيني جيا جانجكي «لمسة خطيئة» (استحقها) وجائزة لجنة التحكيم كانت من نصيب «الابن كأبيه» للياباني كوري - إيدا هيروكازو.
أما جائزة أفضل ممثل فنالها بروس ديرن عن فيلم آخر كان يستحق تتويجا أفضل هو «نبراسكا» وهو بروس ديرن العابق تاريخه بأعمال تتجاوز المائة بين سينما وتلفزيون معظمها أفلام وسترن تستفيد من المساحات والفضاءات كما الحال في هذا الفيلم للمخرج ألكسندر باين (الذي اعتلا المنصة لاستلام الجائزة بعدما طار الممثل ديرن عائدا إلى الولايات المتحدة قبل أيام). في الواقع، كل لقطة من «نبراسكا» تساوي كل الفيلم الذي فاز بالسعفة الذهبية. تعرف متى تبدأ؟ ومتى تنتهي؟ وكيف تنتقل؟ وكيف لا تهدر وقتا في حميمية مفتعلة؟ من الثقة بنفسه هذا المخرج باين لدرجة أنه يعرف كيف يؤسس العلاقة بين الفيلم وبين مشاهديه من دون لعب هواة بكاميرا محمولة تنتقل مثل الأرجوحة من ممثل لآخر وتقترب من الوجوه والأجساد بداعي أن ذلك هو سبر غور للشخصيات.
لكن الدورة انتهت على هذا النحو وليس بالإمكان الحديث عما لم يقع. ما يبقى عالقا وخفيا في أدراج وثائق المهرجان كيف دارت نقاشات لجنة التحكيم؟ أين فرض سبيلبرغ صوته ووجوده؟ وأين استجاب لأصوات الآخرين؟ إنه موجود وراء فوز بروس ديرن وفيلم «داخل لووين ديفيز» لكن من غير المؤكد أين تراجع لإحلال فائز لم يكن من اختياره هو - هذا إذا ما تراجع فعلا.
فقط من باب الاستعادة التذكير بالحال ذاته قبل عام واحد. المخرج الإيطالي الفذ ناني موريتي كان رئيس لجنة تحكيم جمعت الممثلة الفلسطينية هيام عباس والمخرجة الاسكتلندية أندريا أرنولد والممثلة الفرنسية إيمانويل ديفوس والممثلة الألمانية دايان كروغر والممثل البريطاني إيوان ماكريغور والمخرج ألكسندر باين والمخرج راوول بك كما مصمم الإنتاج الفرنسي جان بول غولتييه. لكن ما الذي حصدته الأفلام الفائزة؟ إلى أي حد كان فوزها بجائزة «كانية» أو بأخرى مفيدا لها؟
السعفة الذهبية توجهت إلى «حب» لمايكل هانيكه وبعدها طار الفيلم على جناحي الجائزة صوب نجاحات تجارية وفنية كثيرة ختمها بجائزة الأوسكار.
فيلم كن لوتش البريطاني «حصة الملائكة» أحدث ضجيجا أقل بعد فوزه بجائزة لجنة التحكيم ولم يسافر بعيدا. الأقل حظوة كان «حقيقة»Reality الفيلم الإيطالي لماتاو غاروني، الذي فاز ببعض العروض الأوروبية الفاترة.
هذا العام، سينجز «الأزرق أكثر الألوان دفأ» جولته الناجحة التي يعززها فوزه بالسعفة الذهبية، أو بسببها أساسا، لكن من المستبعد أن يصل إلى شواطئ كاليفورنيا لموسم الأوسكارات المقبل. خلال الاحتفال استجاب الإيراني فرهادي لنداء ممثلة فيلمه بيرينيس بيجو وصعد إلى المنصة لصور تذكارية. لكن لقطة سريعة لاحقة على وجهه وهو يتابع تسليم السعفة لعبد اللطيف قشيش كشفت عن خيبة أمله. بالطبع ليس وحده من شعر بخيبة الأمل، فجل المخرجين الذين شاركوا في هذه الدورة كانوا يتمنون لو أنهم وقفوا في المكان الذي وقف فيه المخرج قشيش في تلك اللحظة. صحيح أن هذا الناقد من القلة التي لم تر الفيلم نيرا وكانت تتمنى الفيلم لـ«نبراسكا» أو «داخل لووين ديفيز»، إلا أن ذلك لا يعني عدم الاعتراف بأن تضارب وجهات النظر دليل على عافية ومصدر لتبادل وجهات النظر عوض أن تتلاطم.
