مخطوطات نادرة مع تعاويذ سحرية في معرض «مداد» البيروتي

مخطوطات نادرة مع تعاويذ سحرية في معرض «مداد» البيروتي

الخط العربي في سياقه التاريخي والإنساني
الأحد - 11 شعبان 1438 هـ - 07 مايو 2017 مـ
من المعرض
بيروت: سوسن الأبطح
الخط العربي ليس فناً ميتاً أو جامداً، بل هو جزء من تطور الحياة العربية وتقلباتها، في صعودها وهبوطها. من خلاله كتب ملايين البشر، عبر التاريخ، مشاعرهم وخوالجهم. به كتبت النصوص الأكثر خطورة، والأشد شاعرية، وبواسطته سطر أبناء العربية تاريخهم وشعرهم ومعاهداتهم ووصاياهم واتفاقاتهم وقراراتهم. وفي معرض «مداد» الذي تستضيفه «دار النمر» في بيروت ويستمر حتى 12 سبتمبر (أيلول) المقبل، بمقدور الزائر أن يرى الخط العربي بمساره الزمني من خلال مختلف أصناف النصوص؛ وبذلك يضرب المتفرج أكثر من عصفور بحجر واحد. المعرض يضم قطعاً قديمة بعضها نادر، بينها مخطوطات، خزفيات، أقمشة، لوحات، زجاجيات، قطع نقدية، دروع، وتحف خشبية يجمعها احتواؤها للخطوط العربية والنصوص الطويلة والقصيرة التي سطرت عليها. أكثر من 100 قطعة، يمتد تاريخها من القرن الخامس الميلادي وحتى القرن العشرين. ولتغطية الفترة الحديثة طلب إلى 5 فنانين معاصرين إنجاز أعمال عرضت أيضاً في طابق علوي من المبنى.

إضافة إلى المعروضات ذات القيمة التاريخية العالية والمخطوطات البديعة التي جمعت من مناطق إسلامية مختلفة، هناك حرص من المنظمين على تقديم إيضاحات وتفاصيل تجعل تكرار الزيارة متعة لتثقيف الذات وقطف المعرفة.

قرب أدوات الكتابة، مثلاً، التي عرضت في زاوية خاصة، نجد بالتفصيل شروحات حول الورق وصناعته تاريخياً، وكذلك الزق، وتلك المواد التي كانت تستخدم في الكتابة قبل الورق. ومعلومات وافية حول الأقلام والحبر، وعمليات التذهيب والتجليد. كذلك تجد شروحات شيقة عن أنواع الخطوط: نسخ، توقيع، ثلث، ريحاني، محقق، رقاع، وتفاصيل عن الخطاطين الرواد الذين كان لهم الفضل في الاجتهاد لابتكار أشكال جديدة في كتابة الحروف مثل ابن مقلة، ابن البواب، وياقوت المستعصمي الذي كان خطاطاً مشهوراً والناسخ الرسمي لآخر خليفة عباسي.

بين المعروضات عدد وفير من المصاحف التي يعود أحدها إلى أواخر القرن التاسع الميلادي، مصنوع من زق جلدي، ومكتوب بخط كوفي. وآخر لافت جداً يعود إلى ما قبل التنقيط، حتى يصعب عليك تبيان كلماته.

وثمة نسخة يحتفي بها المعرض بشكل خاص ويشرح قصتها، وهي نسخة قرآن «بيد أيوبا سليمان ديالو» (1702 - 1773) الشهيرة. وهو المسلم المولود في السنغال الذي أرسله والده ليبيع اثنين من العبيد ويشتري بسعرهما الورق، لكنه وفي أثناء رحلته وقع في الأسر بين أيدي قبيلة منافسة لقبيلته وبيع لقائد سفينة.

بعد شهر كان ديالو قد نقل إلى أميركا ليباع هناك إلى صاحب مزرعة. وعندما حاول الهرب ألقي القبض عليه ومثل للمحاكمة، وهناك أخبر القاضي، بأنه يشعر بالأسى لأنه لا يمارس شعائره الدينية. فأعيد إلى المزرعة وسمح له بكتابة رسالة إلى والده يخبره فيها عن أحواله. ولدى مرور الرسالة بإنجلترا في طريقها إلى أفريقيا، قرأها السياسي جايمس أوغلثورب، الذي قرّر شراء ديالو من صاحب السفينة.

وفي عام 1733، وصل ديالو إلى إنجلترا حيث تمّ إعتاقه وأصبح معروفاً في بعض الأوساط الأرستقراطية، حتى إنه تعرف إلى الملك جورج الثاني والملكة كاترين. في عام 1734، عاد ديالو إلى بلاده وأسس لعلاقات تجارية متواصلة مع البريطانيين.

وهذه النسخة المعروفة من القرآن والمعروضة مع قصتها في «دار النمر» خطها ديالو أثناء إقامته في إنجلترا.

تعود هذه المجموعة الثمينة من المعروضات إلى الفلسطيني رامي النمر المولود في نابلس، الذي جمع على مدار 40 عاماً عدداً كبيراً من القطع التي تغطي 10 قرون، وتؤرخ للتراث الإسلامي.

ويعتبر هذا المعرض دفعة أولى من مجموعة رامي النمر، تفتح أمام الجمهور على أن يليه معارض أخرى.

تضم المجموعة الكاملة مخطوطات، ونقودا، وقطعا خزفية، وتحفا زجاجية، وأسلحة ودروعا، وأقمشة، وأدوات معدنية، وتحفا خشبية مطعّمة بالصدف، وأيقونات وصلبانا مسيحية من القدس، وفخاراً أرمينياً أيضاً من القدس، وأعمالا فنية فلسطينية حديثة ومعاصرة، بالإضافة إلى لوحات ورسوم لمستشرقين.

ومن طريف المعروضات في «دار النمر» هي التعاويذ والحجب. وأحد أندرها ربما، ما سمي بـ«كتاب الاتجاهات الستة»، وهو يختلف عن الكتب التقليدية، وله صفحات تمتد من الجهات الأربع تطوى لتصبح ذات شكل مربع. وفي المعرض تشاهد فيلماً صغيراً عن الكتاب من تصوير روي سماحة. وهو كتاب مصنوع من الجلد، يحتوي ورقات عدة، فيها كتابات قرآنية، ورسوم لمكة المكرمة، ولسواد جهنم. فيما الغلافان الأول والأخير يعيداننا إلى إسطنبول. هي مطوية طلسمية تفتح في كل اتجاه تحوي 30 ورقة مربعة ومسدسة بثلاثة أحجام جمعت معاً بـ3 طرق مختلفة. المحتوى فيها يراوح بين الصلوات والآيات والرسومات السحرية. يعتقد أن هذه الكتب صنعت لغايات سحرية، كتعويذة ترد الشر والأذى عن صاحبها.

من بين الأعمال الجديدة التي عرضت، ما أعطي اسم ماو1، ماو2، ماو3، ماو4، وهي للفنان اللبناني رائد ياسين.

اللوحات كبيرة اصطفت إلى جانب بعضها البعض بحيث لا تخطئها عين، وهي عبارة عن 4 صور للزعيم الصيني ماوتسي تونغ الذي اشتهر بثورته الثقافية، وقد طرّز عليها آيات قرآنية بخط فني جميل، حتى تكاد تخفي ملامح الرجل. ونقرأ: «إن التطريز هنا يحاول أن يعكس التدمير الذي ألحقه ماو بالتراث الإسلامي، إذ إن الكتابة بدورها استخدمت هنا لتشويه صورة الزعيم الشيوعي». ثأر أو محاولة رد التخريب بالتشويه؟ يحق للفنان ما لا يحق لغيره.

يرافق المعرض فيلم فيديو يشرح الكثير عن الخط العربي، وفنون الكتابة، وتقنياتها وأدواتها، كما يترافق بعدد من النشاطات المتعلقة بالخط. ولكل المهتمين هناك ندوات ومحاضرات وطاولات مستديرة.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة