توقعات بتحقيق الدول العربية نموًا اقتصاديًا بنسبة 2.8 % العام الحالي

صندوق النقد العربي: وتيرته لا تزال دون المستوى وهناك حاجة لتعزيز الموارد الضريبية

توقعات بتحقيق الدول العربية نموًا اقتصاديًا بنسبة 2.8 % العام الحالي
TT

توقعات بتحقيق الدول العربية نموًا اقتصاديًا بنسبة 2.8 % العام الحالي

توقعات بتحقيق الدول العربية نموًا اقتصاديًا بنسبة 2.8 % العام الحالي

كشفت إحصاءات صندوق النقد العربي، أن الاقتصادات العربية حققت في المتوسط معدل نمو عن السنوات الخمس الماضية «2012 - 2016» بلغ نحو 3.4 في المائة، في الوقت الذي توقعت تحقيق معدل نمو يبلغ 2.8 في المائة عن العام الحالي 2017، مقابل معدل نمو قدره بلغ 2.3 في المائة عن عام 2016.
ونوهت الإحصاءات إلى أن وتيرة النمو الحالية لا تزال دون المستوى الذي يمكّن الدول العربية من تحقيق تقدم على صعيد خفض معدلات الفقر والبطالة، في الوقت الذي تواجه فيه السياسات المالية تحديات لضبط الأوضاع المالية العامة، حيث يتجاوز حاليا عجز الموازنات العامة لمجموع الدول العربية، كمتوسط، نسبة 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وجاء الكشف عن تلك الإحصاءات خلال انطلاق أعمال الاجتماع السنوي الثاني لوكلاء وزارات المالية العرب، والذي تستضيفه أبوظبي، بتنظيم صندوق النقد العربي، وبالتعاون مع وزارة المالية في الإمارات.
وقال الدكتور عبد الرحمن الحميدي، المدير العام رئيس مجلس الإدارة في صندوق النقد العربي، إن التداعيات الاقتصادية والمالية المحلية والإقليمية والدولية، تفرض ضرورة الاهتمام بتعزيز الموارد العامة لمقابلة الإنفاق الحكومي المتزايد، وتحسين أوضاع المالية العامة، ومنها زيادة تعبئة الإيرادات الضريبية.
وأضاف أن «الدول العربية التي تعتمد على الإيرادات النفطية عملت على الاهتمام بتنويع مصادرها، بتعزيز تعبئة الموارد غير النفطية وانتهاج سياسات ضريبية مختلفة باعتماد ضرائب استهلاكية غير مباشرة وأكثر فاعلية، كالضريبة على القيمة المضافة، بينما تواصل الدول العربية غير النفطية جهودها لإصلاح النظم الضريبية القائمة، ومراجعتها لتعزيز كفاءتها وزيادة فاعلية إدارة المنظومة الضريبية، بما يحقق التوازن بين دعم الموازنات العامة وتوفير المناخ الداعم للاستثمار، من خلال حزمة من الإجراءات الإصلاحية».
وأشار إلى أنه مع هذه الجهود لا يخفى مدى الحاجة لتعزيز الموارد الضريبية والحد من الفجوة الكبيرة نسبيا في الدول العربية، بين التحصيل الفعلي والممكن للإيرادات الضريبية، ذلك أن متوسط الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي غير النفطي للدول العربية يبلغ 13 في المائة، مقارنة بنسبة 17 في المائة في المتوسط لدى الاقتصادات الناشئة والدول النامية.
من جانبه قال يونس الخوري، وكيل وزارة المالية في الإمارات، إن الوزارة لا تزال في مناقشات مع المصرف المركزي بشأن قانون الدين العام، وأضاف أن قانوني ضرائب القيمة المضافة والانتقائية «قيد الإصدار».
وبالعودة إلى الحميدي، فقد أشار إلى التحديات التي تواجه الاقتصادات العربية في هذه المرحلة، والدور الكبير للسياسات المالية في هذا الشأن. مثنيا على جهود الإصلاح الاقتصادي والمالي التي تقوم بها الدول العربية، وأكد أهمية مواصلتها.
وتطرق في هذا الشأن إلى قضايا إصلاح دعم الطاقة وتعزيز كفاءة الاستثمارات العامة وجوانب الإصلاح الضريبي، وأكد أهمية سياسات التنويع الاقتصادي، ونوه بالاجتماع كفرصة مناسبة لتبادل التجارب والخبرات بين الدول العربية في هذا المجال المهم.
ولفت إلى أن الاقتصادات العربية تواجه تحديات على خلفية التطورات الاقتصادية والمالية الإقليمية والدولية، لعل أهمها بطء تعافي الاقتصاد العالمي وتقلب أسعار النفط عند مستويات منخفضة نسبيا، وتداعيات هذا الانخفاض على آفاق النمو للدول العربية المصدرة له. وأكد حرص هذه الدول على مواصلة استراتيجياتها في دعم نمو القطاعات غير النفطية والتنويع الاقتصادي.
وقال إنه في المقابل، ساهم الانخفاض في الأسعار العالمية للنفط على صعيد الدول العربية المستوردة له في التخفيف من حدة الاختلالات بموازناتها العامة، إلا أن مواصلة الإصلاحات لضبط المالية العامة وتحسين مناخ الأعمال لتحقيق التنمية المستدامة لا يزال يمثل أحد أهم أولويات هذه الدول، وبالتالي أصبح تعزيز جهود التنويع الاقتصادي أمرا بالغ الأهمية لجميع الدول العربية بغض النظر عن اختلاف أوضاعها الاقتصادية والمالية، حيث لا تزال أغلب الاقتصادات العربية تعتمد بصورة رئيسية على عدد محدود من صادرات السلع الأساسية.
ويتضمن جدول أعمال الاجتماع السنوي الثاني لوكلاء وزارات المالية العرب، مناقشة أوراق عمل حول إصلاحات دعم الطاقة في الدول العربية، إضافة إلى ورقة عمل تتناول أهم آفاق وتحديات تعزيز كفاءة الاستثمارات العامة في الدول العربية.
كما يشمل دراستين مقدمتين من صندوق النقد العربي، تتناول الأولى تحليلا للنظم والسياسات الضريبية في الدول العربية، في حين تتناول الثانية قضايا تطبيق الضرائب على القيمة المضافة في الدول العربية من واقع استبيانات أرسلت للدول العربية.
ولفت الحميدي إلى أن إصلاح دعم الطاقة وقضايا تسعيرها يمثل إحدى أولويات الدول العربية على اختلاف أوضاع المالية العامة بها، حيث إنه وفقا لورقة صندوق النقد الدولي المعروضة على الاجتماع، يمثل ما تنفقه الدول العربية من مبالغ موجهة لدعم الطاقة ما نسبته أكثر من ربع المبالغ المخصصة لدعم الطاقة على مستوى العالم، نحو 117 مليار دولار من أصل 436 مليار دولار عن عام 2015.
وأضاف أن الدول العربية عملت على المحافظة على أسعار الطاقة للمستهلكين في مستويات منخفضة نسبيا، بغرض تحقيق حزمة من الأهداف الاجتماعية والاقتصادية للدول، من خلال توفير منتجات الطاقة وهي الأساسية لحياة الشعوب وللنشاط الاقتصادي بأسعار في متناول الأفراد ولتحفيز أداء القطاعات الصناعية.
لكنه أوضح قائلا: «إلا أن الحفاظ على أسعار الطاقة منخفضة لفترات زمنية طويلة بمعزل عن تقلبات الأسعار العالمية، يمثل ضغطا على الموازنات العامة للدول ويخلق تشوهات في التكلفة والاستهلاك، إضافة إلى عدم العدالة بالهيكل الاقتصادي للدولة وتقليص فرص المنافسة والتنويع الاقتصادي، لذلك يحتاج إصلاح دعم الطاقة إلى التخطيط المتأني والتطبيق الفعال بما يضمن تحقيق كل من التنمية المستدامة من جهة، واستقرار الاستهلاك من جهة أخرى».
وأوضح أن جهود الدول العربية وتحديدا في العامين الأخيرين، وفقا للورقة المعروضة على الاجتماع، ساهمت في خفض متوسط نسبة دعم الطاقة إلى الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية من نحو 7 في المائة عام 2013، إلى نحو 3.4 في المائة كتقدير أولي عن عام 2016.
وقال إن تعزيز الاستثمارات العامة وتحسين كفاءتها سيساهم في زيادة معدلات الاستثمار، الأمر الذي ينعكس في ارتفاع مستويات المعيشة وتوفير فرص العمل المطلوبة، وبالتالي تحقيق النمو الشامل، وهو ما يحتاج بالطبع إلى زيادة جهود ضبط المالية العامة على المديين المتوسط والطويل، لتلبية حاجة الدول العربية المتزايدة لمشروعات التنمية والبنية التحتية.
وأكد أن كثيرًا من الدول العربية انتهجت سياسات لتحسين إدارة الاستثمارات العامة، وبالأخص فيما يتعلق بالأطر التشريعية، إلا أن تطبيق تلك السياسات لا يزال يحتاج لمزيد من الدعم، سواء على مستوى كفاءة التخطيط والإدارة أو على مستوى الإنفاق، إضافة إلى تعزيز ممارسات الشفافية في هذا الصدد.
وتطرق إلى أهمية السعي لاتخاذ السياسات والإصلاحات المطلوبة في الأنظمة الضريبية، لتضمين القطاع غير الرسمي في الأنشطة الاقتصادية، بما يعزز من فرص تحقيق النمو الاقتصادي الشامل، وما قد يتطلبه ذلك من إصلاحات إدارية ومؤسسية وتشريعية لتعزيز كفاءة إدارة المنظومة الضريبية بالدول العربية.



«وكالة الطاقة» تقترح إنشاء خط أنابيب بين العراق وتركيا لتجاوز مضيق هرمز

خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
TT

«وكالة الطاقة» تقترح إنشاء خط أنابيب بين العراق وتركيا لتجاوز مضيق هرمز

خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)

اقترح المدير التنفيذي لـ«وكالة الطاقة الدولية»، فاتح بيرول، إنشاء خط أنابيب نفط جديد يربط حقول النفط في البصرة بالعراق، بمحطة «جيهان» النفطية التركية على البحر المتوسط؛ بهدف تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وفق ما نقلته صحيفة «حرييت» التركية الأحد.

وأضاف بيرول: «أعتقد أن (خط أنابيب البصرة - جيهان) سيكون مشروعاً جذاباً للغاية ومهماً جداً لكل من العراق وتركيا، وكذلك لأمن الإمدادات في المنطقة، خصوصاً من وجهة نظر أوروبا».

وقال بيرول: «أعتقد أيضاً أنه يمكن التغلب على مشكلة التمويل. الآن هو الوقت المناسب تماماً». وتابع بيرول: «لقد انكسرت المزهرية مرة، ومن الصعب جداً إصلاحها»، في إشارة إلى مضيق هرمز.

وأوضح بيرول أن «خط أنابيب النفط الجديد يعدّ ضرورة للعراق، وفرصة لتركيا، كما أنه يمثل فرصة كبيرة لأوروبا بشأن أمن الإمدادات. وأعتقد أنه ينبغي عدّ هذا المشروع استراتيجياً».

وتسببت حرب إيران في تعطل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية؛ مما أدى إلى نقص في الإمدادات رفع الأسعار لمستويات قياسية.

ولدى العراق وتركيا «خط أنابيب كركوك - جيهان»، وهو ممر استراتيجي لنقل النفط الخام من شمال العراق إلى ميناء «جيهان» التركي، بدأ تشغيله عام 1976.

ويسعى العراق حالياً لإعادة تأهيله لتجاوز مشكلات التصدير، مع مقترحات بإنشاء خط جديد من البصرة إلى «جيهان» بوصفه بديلاً آمناً لمضيق هرمز ولتعزيز أمن الطاقة الأوروبي. وهو ما اقترحه بيرول الأحد.


28 مليار دولار تقود «الهجرة العكسية» نحو الأسواق الأميركية

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

28 مليار دولار تقود «الهجرة العكسية» نحو الأسواق الأميركية

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)

يشهد المشهد الاستثماري العالمي حالياً زلزالاً في التوجهات، حيث أدى إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في أوائل أبريل (نيسان) 2026 إلى إعادة إحياء ما يعرف بتداولات «TINA» (There Is No Alternative لا بديل سوى الأسهم الأميركية). هذا التحول لم يكن مجرد رد فعل لحظي، بل أطاح باستراتيجية «TIARA» (There Is A Real Alternative هناك بديل حقيقي) التي سادت مطلع العام، حين حاول المستثمرون الهروب من الأسواق الأميركية نحو أوروبا وآسيا بحثاً عن تقييمات أرخص وعوائد مدعومة بضعف الدولار.

لقد كان إعلان الرئيس دونالد ترمب في السابع من أبريل بمثابة نقطة التحول؛ فمنذ ذلك التاريخ، تدفقت نحو 28 مليار دولار إلى الأسهم الأميركية، ما يعكس ثقة متجددة في «المحرك الأميركي» الذي أثبت قدرة فائقة على عزل نفسه عن صدمات الطاقة العالمية، وفق «رويترز».

وفي هذا السياق، يضع مايكل براون، الاستراتيجي الاستثماري العالمي في معهد «فرانكلين تمبلتون»، تفسيراً هيكلياً لهذا الاندفاع، معتبراً أن العالم واجه مؤخراً صدمته الخارجية الرابعة في غضون ست سنوات فقط. ويرى براون أنه «بالنظر إلى طبيعة هذه الصدمة، فليس من المستغرب أن يعود المستثمرون إلى الاقتصاد الذي حقق أفضل أداء على المدى الطويل جداً، وهو الاقتصاد الذي يستثمر بكثافة في المدى القصير ويحقق أفضل مجموعة من النتائج».

هذه العودة لم تكن مدفوعة بالعواطف، بل بالأرقام؛ فقد أظهر مؤشر «ستاندرد آند بورز» صموداً استثنائياً بارتفاعه بنسبة 2 في المائة فوق مستويات ما قبل الحرب، متجاوزاً حاجز الـ7 آلاف نقطة في قفزة تاريخية. وفي مقابل هذا الزخم الأميركي، تدفع الأسواق الأوروبية والآسيوية ضريبة قاسية؛ حيث شهدت صناديق الأسهم الأوروبية نزوحاً بقيمة 4.7 مليار دولار، وهو الأكبر منذ عام 2024. وهنا، يشير براون إلى حقيقة جيوسياسية مهمة، وهي أن تداعيات الحرب واضطراباتها ستمارس ضغوطاً أكبر بكثير على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية مقارنة بالاقتصاد الأميركي، الذي يستفيد من كونه «مصدّراً صافياً للطاقة»، مما يمنحه حصانة استراتيجية تفتقر إليها القارة العجوز واليابان.

وعلى صعيد الأرباح، تظهر الفجوة بوضوح؛ إذ يُتوقع لشركات مؤشر «ستاندرد آند بورز» تحقيق نمو في الأرباح بنسبة تقارب 14 في المائة، مدفوعة بمرونة قطاع التكنولوجيا، بينما يقتصر نمو الشركات الأوروبية على 4.2 في المائة، يعود معظمها لقطاع النفط والغاز.

هذا الفارق الشاسع في الأداء التشغيلي جعل كبرى بنوك الاستثمار ترفع تصنيف الأسهم الأميركية إلى «وزن زائد»، في اعتراف ضمني بأن الاقتصاد الأميركي يظل الوجهة الأكثر أماناً وقوة في مواجهة الصدمات الخارجية المتلاحقة.

وقد أكد صندوق النقد الدولي هذه الرؤية بتعديل توقعاته للنمو؛ فبينما خفض نمو منطقة اليورو بشكل ملحوظ ليصل إلى 1.1 في المائة، حافظ الاقتصاد الأميركي على زخم متوقع عند 2.3 في المائة. إن المشهد اليوم يلخصه استراتيجيون عالميون في عبارة واحدة: «بعد أربع صدمات عالمية في ست سنوات، من الطبيعي أن يعود المال إلى الاقتصاد الذي يثبت دوماً أنه الأفضل أداءً والأكثر قدرة على الاستثمار في المستقبل».


«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
TT

«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)

في قلب مدينة فالابوروا بجنوب أفريقيا، تبرز تلال رملية عملاقة لا تمثل مجرد مخلَّفات لمصنع كيماويات قديم، بل تتحول اليوم إلى ساحة معركة مفصلية في الحرب الباردة التكنولوجية بين واشنطن وبكين. ورغم سحب التوتر الدبلوماسي التي تخيم على العلاقات الثنائية، فإن إدارة ترمب اختارت مساراً براغماتياً حاسماً باستثمار 50 مليون دولار في مشروع استخراج العناصر الأرضية النادرة من النفايات الصناعية. ويعكس هذا التوجه إدراكاً أميركياً عميقاً بأن تحصين سلاسل التوريد للصناعات العسكرية والتقنية هو ضرورة استراتيجية تسمو فوق الخلافات السياسية العابرة، في محاولة جادة لكسر قبضة الصين الاحتكارية على هذه المعادن التي تمثل الشريان الحيوي للصناعات الدفاعية، الروبوتات، والسيارات الكهربائية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

استثمار «كنوز النفايات» بدل المناجم

يرتكز مشروع «فالابوروا» على رؤية تقنية مبتكرة تقلب موازين التعدين التقليدي؛ حيث يستهدف تلك «الكثبان الصناعية» التي تضم 35 مليون طن من مادة «الفوسفوجيبسوم» الناتجة عن معالجة الفوسفات والأسمدة. وتكمن الميزة التنافسية الكبرى في أن هذه المواد قد خضعت تاريخياً لعمليات سحق وتسخين، مما يوفر على المستثمرين المراحل الأكثر استهلاكاً للطاقة والتكلفة في التعدين التقليدي.

وبفضل هذا الإرث الصناعي، يطمح المشروع لإنتاج عناصر نادرة بتكلفة منخفضة تضاهي الأسعار الصينية، مع الالتزام بمعايير بيئية صارمة تعتمد على الطاقة المتجددة بنسبة 90 في المائة في عمليات الاستخراج كافة.

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)

المعادن النادرة

لا تبحث واشنطن في رمال جنوب أفريقيا عن عوائد مالية فحسب، بل تسعى لتأمين خمسة عناصر أساسية، يتصدرها النيوديميوم، والديسبروسيوم، والتربيوم. فهذه العناصر هي حجر الزاوية في صناعة المغناطيسات فائقة الأداء التي تشغل محركات المستقبل؛ من توربينات الرياح والسيارات الكهربائية وصولاً إلى أنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة. ومع استهداف شركة «رينبو رير إيرثز» لبدء التشغيل الفعلي في عام 2028، ستضمن الولايات المتحدة تدفقاً مستداماً لهذه المواد بعيداً عن تقلبات القرار في بكين، وهو ما يدعم استراتيجية ترمب الشاملة التي خصصت 12 مليار دولار لبناء احتياطي استراتيجي من المعادن الحرجة.

الالتفاف الدبلوماسي لحماية الأمن القومي

يكشف الإصرار على دعم هذا المشروع، رغم الأوامر التنفيذية القاضية بوقف المساعدات المالية لجنوب أفريقيا، عن عمق القلق الأميركي من التبعية التقنية للصين. وبما أن حكومة جنوب أفريقيا لا تملك حصة مباشرة في المشروع، وجدت واشنطن مخرجاً دبلوماسياً عبر دعم شركة «تيكميت» الشريكة، لضمان وصول هذه الموارد إلى المصانع الأميركية. هذا التحرك يجعل من «فالابوروا» ركيزة أساسية في حماية الأمن القومي الأميركي ضد أي تقلبات في المشهد السياسي الدولي أو ضغوط جيوسياسية محتملة.

السباق الأفريقي الكبير

لا يمثل مشروع جنوب أفريقيا سوى قطعة واحدة في أحجية استراتيجية كبرى ترتبها واشنطن عبر القارة السمراء لمزاحمة النفوذ الصيني المتغلغل. فمن تمويل دراسات الجدوى في مناجم موزمبيق، إلى تطوير «ممر لوبيتو» للسكك الحديدية لربط مناجم الكونغو وزامبيا بالموانئ الأطلسية، تبدو الولايات المتحدة في حالة استنفار شامل لاستعادة المبادرة.

لن يكون نجاح «فالابوروا» المرتقب مجرد انتصار تقني، بل سيثبت للعالم أن الابتكار في استغلال النفايات الصناعية يمكن أن يعيد رسم خريطة القوة التكنولوجية العالمية، انطلاقاً من كثبان جنوب أفريقيا.