صوف الفيكونا.. بخفة الهواء وثقل الذهب

نادر وناعم يصل سعر المعطف منه إلى 50 ألف دولار

خياط يفصل معطفا من الفيكونا في شركة جي إتش كاتلر الأسترالية
خياط يفصل معطفا من الفيكونا في شركة جي إتش كاتلر الأسترالية
TT

صوف الفيكونا.. بخفة الهواء وثقل الذهب

خياط يفصل معطفا من الفيكونا في شركة جي إتش كاتلر الأسترالية
خياط يفصل معطفا من الفيكونا في شركة جي إتش كاتلر الأسترالية

كان واضحا خلال أسبوعي ميلانو وباريس الأخيرين دور الأقمشة في صياغة تصاميم عصرية للرجل. اهتمام مرده أن الأدوات المتاحة أمام المصممين للإبداع في مجال الأزياء الرجالية محدودة، مما يدفعهم إلى البحث عن الجديد والتركيز على التفاصيل. ميلانو، تحديدا، ركزت على الأقمشة المترفة واستغلتها بشكل لافت بحكم توفر ضواحيها والمدن المجاورة لها على معامل متطورة لغزل الصوف والحرير وغيرها، بدءا من كانالي إلى زيغنا وغيرهما من بيوت الأزياء الرجالية. كلهم أجمعوا على التفنن في استعمالها، سواء في كنزات ستثير حسد المرأة، أو في بدلات تميزت بسترات مفصلة على الخصر، جرى تنسيقها بعناية مع بنطلونات إما ضيقة من أسفل أو بطيات. إلى جانب الصوف والكشمير كان هناك أيضا المخمل والحرير الممزوج بالصوف، في محاولة لنيل ود الرجل الأنيق والعارف. واللافت أن هذه العملية لم تقتصر على منصات عروض الأزياء وعلى الأزياء الجاهزة، بل العكس. ففي معاملها ومحلاتها توفر كنوزا لا يعرفها الرجل العادي ولا حتى من يحضر هذه العروض. كنوز تتمثل في أقمشة نادرة تتوجه لرجل مقتدر يقدر أن سعر معطف شتوي يمكن أن يفوق 30 ألف دولار أميركي مثلا، كونه مصنوعا من خامات غالية، على رأسها صوف الفيكونا، المعروف في أوساط الموضة بالصوف الذهبي، نظرا لندرته وسعره العالي. ولا تقتصر شهرة هذا الصوف الناعم على الرجال الملمين بخبايا الموضة فحسب، بل وصلت سمعته إلى السياسيين أيضا لأسباب مختلفة تماما. فهم يعرفونه لتسببه في فضيحة سياسية لا يزالون يذكرونها ويستشهدون بها. كان ذلك في عام 1958، عندما تلقى شيرمان ادامز، كبير الموظفين خلال إدارة الرئيس دوايت إيزنهاور، وواحد من رجال واشنطن الأقوياء والمؤثرين في ذلك الوقت، هدية عبارة عن معطف مصنوع من الفيكونا من ملياردير كان قيد التحقيق الفيدرالي. ما إن تسرب خبر قبوله للهدية حتى انتهى مستقبله السياسي. للوهلة الأولى يبدو العقاب أكبر من الجرم، لأن الهدية مجرد معطف وليست ساعة ذهبية مرصعة بالألماس أو سيارة فارهة، لكن عندما يعرف أن سعره يمكن أن يفوق 40 ألف دولار، فإن النظرة تختلف، مما جعل قبوله بمثابة رشوة قد تؤثر على سير التحقيق. نظرة إلى التاريخ القديم والحديث على حد سواء، تؤكد أن شيرمان ادامز لم يكن الوحيد الذي وقع تحت إغراء هذا الصوف، إذ سبقه إلى ذلك العديد من الملوك والأثرياء والنجوم، نذكر منهم ملك إسبانيا فيليب الثاني الذي استعمله منذ قرون، فضلا عن نجمات هوليوديات مثل غريتا غاربو ومارلين ديتريش في العشرينات من القرن الماضي وهلم جرا. ولحد الآن لا يزال عز الطلب وأجمل ما يمكن الحصول عليه، علما أنه ليس نادرا فحسب بل أيضا مقنن، لا تستطيع إليه سبيلا سوى بيوت معدودة مثل لورو بيانا وبعض الخياطين في سافيل رو، وزيغنا وجي إتش كاتلر الأسترالية.
لورو بيانا مثلا لا تحصل سوى على 17.500 رطل منه في أحسن الحالات سنويا، مقارنة بـ22 مليون رطل من الكشمير، كذلك شركة كيتون الإيطالية، التي لا تنتج سوى 100 قطعة مصنوعة من الفيكونا في السنة، فيما لا تطرح دار زيغنا سوى 30 بدلة فقط، كل واحدة منها مرقمة وأرخصها تقدر بـ46.500 دولار أميركي، بينما قد يصل سعر معطف مفصل على المقاس منها إلى أكثر من 40 ألف دولار أميركي، ووشاح من لورو بيانا إلى 4000 دولار أميركي.
بلونه المميز بلون القرفة المائل إلى المستردي، يشبهه البعض بالذهب. أما مصدر هذا الذهب الناعم والخفيف الوزن، فهو حيوان اللاما، الذي يشبه الجمل من حيث الشكل ومن حيث قدرته على العيش في أقسى الظروف الطبيعية لفترات طويلة ومن دون ماء، لكنه أصغر وأقصر منه بكثير، حيث لا يزيد طوله على ثلاث أقدام ووزنه على 90 رطلا. ويعيش هذا الحيوان في جبال الانديز، في منطقة بامبا غاليراز على ارتفاع 15 ألف وأحيانا 19 ألف قدم فوق سطح البحر، ومع ذلك لا يشعر ببرودة الطقس، مما جعل صوفه مطمعا للصيادين الذين كانوا يقتلونه للحصول على صوفه. وعندما تقلص عدده من مليونين في القرن السادس عشر إلى نحو 10 آلاف فقط في الستينات من القرن الماضي، كان لا بد من تدخل حكومي لحمايته من الانقراض، وهو ما قامت به حكومة البيرو، بإصدارها قانونا يمنع صيده أو الاتجار به. سارعت الشركات التي تحلم باستعمال صوفه في منتجات مترفة بمباركة هذه الخطوة، وساهمت في تشجيع السكان على جز صوفه وتركه طليقا عوض قتله. من هذه الشركات نذكر لورو بيانا، وأغنونا وإنكالباكا تي بي إكس. لورو بيانا لم تكتف بهذه الخطوة، ففي عام 2008، بادرت ببناء محمية شاسعة، تستهدف حماية هذا الحيوان ودراسته، كما تعاقدت مع شركة أرجنتينية للحصول على حق جز نحو ستة آلاف فيكونا تعيش في مقاطعة كاتاماركا، ضمن استراتيجية بعيدة المدى تستهدف لورو بيانا من ورائها تشييد محميات أخرى، تمكن الأهالي المحليين من الحفاظ على هذا الحيوان وتربيته للاستفادة منه كمصدر رزق.
هذه المحاولات التي تقوم بها لورو بيانا وغيرها لن تجعل هذا الصوف متوفرا أكثر، أو في متناول الجميع من ناحية السعر على الأقل. بالعكس، فإن التوقعات أنه قد يرتفع عن عمد، لتشجيع سكان الانديز على تقديره كثروة طبيعية ووطنية ومن ثم يتحمسون لتربيته عوض إهماله بحثا عن مصدر عيش آخر. معطف كلاسيكي من لورو بيانا، مثلا، يحتاج إلى أكثر من 35 جزة صوف مما يبرر سعره في النهاية، الذي يمكن أن يفوق 19.995 دولار أميركي بينما يمكن أن يصل سعر بدلة إلى 32.270 دولار أميركي.
شركة جي إتش كاتلر الأسترالية صممت معطفا لزبون من كندا وصل سعره إلى 50 ألف دولار أميركي، تحول إلى مادة كتاب بعنوان «The Coat Route» للمؤلفة ميغ لوكانس صدر في الشهر الماضي. من جهتها، قدمت شركة فالكي الألمانية منذ بضعة مواسم عشرة أزواج جواربِ كل واحد منها بسعر 1.200 دولار أميركي و20 كنزة يقدر سعر الواحدة منها بـ ثلاثة آلاف دولار. هذه الأرقام تعني في لغة الواقع أنه صوف النخبة من العارفين والأثرياء فقط.

* حقائق عن الفيكونا:
- تنتج أجود أنواع الصوف بقطر يبلغ 12 ميكرون (الميكرون جزء من ألف من المليمتر) مقارنة بـ15 ميكرون في الكشمير و17 في صوف الميرينو.
- يحتاج معطف واحد إلى وبر نحو 30 فكَونة
- في الماضي كانت بيوت الأزياء تعزف عن صباغته قدر الإمكان حتى لا يفقد لونه، خصوصا أنه لم يكن يتفاعل جيدا مع المواد الكيماوية، لهذا فلونه في الماضي كان يقتصر على لونه الطبيعي البيج المائل إلى المستردي أو لون القرفة. لكن شتان بين اليوم والأمس، فقد تطورت التقنيات وأصبح يأتي بعدة ألوان. زيغنا مثلا تطرحه بالأزرق الداكن بينما لم تعد شركة كيتون الإيطالية تقتصر على التفنن في ألوانه فحسب بل تضيف إليه طبعات أو تقليمات في معاملها الواقعة بمنطقة بييلا. وتجدر الإشارة إلى أن تطور التقنيات ساعدت شركات مثل لورو بيانا على طرحه أيضا في معاطف مضادة للمطر، رغم أن العديد من الخبراء لا ينصحون بارتدائه عند تساقط الأمطار
- يقدس سكان البيرو هذا الحيوان، حسب أسطورة تقول إنه مسكون بأميرة من الإنكا، مما يفسر أنه في فترة الإنكا، ظلت ملكية خاصة بالأسر المالكة، وعداهم فإن أي أحد يصيده أو يلبس وبره يواجه عقوبة الإعدام.
- كانو يحصلون على وبره بجز صوفه ثم تركه يمرح ويرعى. ولم تبدأ عملية صيده وقتله، إلا مع وصول المستعمر الإسباني في عام 1532
- في عام 1976 صنف ضمن الحيوانات المهددة بالانقراض ومن ثم صدر قانون ينص على منع صيده أو المتاجرة به.
- في شهر مارس (آذار) من كل سنة يتوجه المئات من سكان البيرو إلى جبال الأنديز متحدين الصعاب والبرد القارس ليشكلوا سياجا بشريا لحبس الفكونة وجز صوفها. وتجري العملية في إطار احتفالي تتخلله الأهازيج والأغاني لمدة ثلاثة أيام. ورغم بدائية هذه الطريقة، فإنها حافظت على هذا الحيوان وساهمت في تكاثره.
- ارتداؤه بشكل يومي غير منصوح به، لأنه يتلف بسرعة، لهذا ينصح الخبراء بارتدائه لساعات قليلة ثم تخزينه بعيدا عن أشعة الشمس والرطوبة. فنعومته الفائقة نعمة ونقمة في الوقت ذاته من حيث تعرضه للتلف السريع. لذا إذا كانت النية استعماله أكثر، يفضل خلطه بأنواع أخرى من الصوف.



أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
TT

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

في النسخة الحالية من «ويمبلدون»، كشفت لحظة دخول اللاعب تايلور فريتز أن اللعب لا يبدأ مع ضربة الإرسال الأولى، بل منذ لحظة دخول الملعب. فقد بدا ظهوره ببدلة وإكسسوارات بيضاء، في نظر بعض المتابعين، خطوة تسويقية لافتة، في حين رأى آخرون أنه مجرد التزام بقواعد «ويمبلدون» التي تفرض على اللاعبين ارتداء اللون الأبيض بالكامل.

كان اللاعب الأميركي متردداً في البداية لكنه اقتنع بعد الفوز بالمباراة (أ.ب)

عند دخوله الملعب، كان يرتدي بدلة بيضاء صُممت بشكل خاص له بالتعاون مع راعيه، علامة «BOSS»، ويحمل نسخة بيضاء من حقيبة «Madison B1» المصنوعة من الجلد الإيطالي الفاخر، لتكتمل إطلالة جمعت بين الفخامة والطابع الرياضي العصري. لكن اللافت لم يكن التصميم بحد ذاته، بل ما كشف اللاعب عنه بعد المباراة. فقد اعترف بأنه لم يكن مقتنعاً تماماً بالفكرة عندما طرحتها عليه «BOSS»، وأنه لم يُغيّر رأيه إلا بعد أن شاهد الصور إثر فوزه في المباراة. أما سبب تردده في البداية، فكان خشيته أن تتحول الإطلالة إلى مادة للسخرية إذا ودّع البطولة مبكراً.

الموضة والرياضة

هذا التصريح يُوضِح العلاقة التي باتت تربط الموضة والرياضة حالياً، فالأزياء لم تعد اختياراً شخصياً أو وسيلة للتعبير عن الذوق الخاص، بل جزء من منظومة تسويقية تتداخل فيها مصالح الرعاة مع الصورة العامة للرياضي.

لم يقل فريتز إنه أُجبر على ارتداء البدلة صراحة، لكنه أوضح أن الفكرة لم تكن فكرته، وبأنها جاءت من راعيه، مضيفاً: «لم يكن بإمكاني التراجع». كان له شرط واحد فقط؛ أن تكون البدلة عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة قبل بداية المباراة.

كان شرطه الوحيد أن تكون البدلة عملية بحيث يمكنه خلعها بسهولة (أ.ب)

لذلك صُمم السروال بفتحات جانبية مخفية تتيح خلعه خلال ثوانٍ، في تفصيل يعكس محاولة الجمع بين متطلبات الأداء الرياضي، التي تستدعي انتقالاً سريعاً إلى أجواء المنافسة وتركيزاً كاملاً على المباراة، ومتطلبات صورة تسويقية تراهن على التأثير الدرامي للون الأبيض. وهنا بدت العلاقة بين اللاعب وزيه كأنها مفاوضة مستمرة بين رياضي ينصب تركيزه على الفوز وإثبات تفوقه داخل الملعب، ومنظومة تسويقية تسعى إلى صناعة صورة مثالية تتجاوز حدود المنافسة. ولعل خير دليل على ذلك أن المجموعة أصبحت متوفرة حالياً في متاجر «BOSS» حول العالم.

الحاضر يستلهم من الماضي

غير أن هذه الإطلالة لم تكن مجرد فكرة تسويقية عابرة، بل استلهمت واحدة من أكثر الصور رسوخاً في ذاكرة «ويمبلدون». ففي عام 2007، دخل روغر فيدرر الملعب مرتدياً سترة بيضاء، في مشهد تحول لاحقاً إلى إحدى الصور الأيقونية في تاريخ البطولة.

ركزت «بوس» على إيجاد توازن بين الأناقة والعملية (رويترز)

لكن بينما كان ظهور فيدرر آنذاك امتداداً للأناقة الأرستقراطية التي لطالما ارتبطت بـ«ويمبلدون»، جاءت إطلالة فريتز لتعكس واقعاً مختلفاً، تتحول فيه البطولة نفسها إلى منصة تتقاطع فيها الرياضة مع صناعة الأزياء.

فالبدلة التي ارتداها تحمل بصمات علامة «بوس» الأنيقة، بحيث صُنعت من قطن أبيض ذي نسيج طبيعي يمنحها طابعاً صيفياً خفيفاً، وجاءت بقصة واسعة ذات صفين من الأزرار، مع وشاح حريري بنقشة «بيزلي» مستوحاة من أرشيف الدار، وحقيبة جلدية بيضاء، في إعادة معاصرة لما يُعرف بـ«أبيض ويمبلدون» الشهير.


موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
TT

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

خلال أسبوع الموضة الرجالية الذي احتضنته باريس في الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران)، التهبت العاصمة الفرنسية على أكثر من صعيد؛ فبينما دفعت موجة الحر درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة، أشعلت العروض الضخمة والخيارات الإبداعية حماس المتابعين.

فبعد أن لاحظنا في السنوات الأخيرة تخفيف الميزانيات، على الأقل فيما يتعلق بديكورات العروض الضخمة، تابعنا خلال الأسبوع الباريسي لربيع وصيف 2027، كيف وضع فاريل ويليامز، المدير الإبداعي للأزياء الرجالية في «لويس فويتون»، مجموعته الجديدة ضمن سينوغرافيا يصعب تجاهلها.

إلى جانب الأزياء حضرت الإكسسوارات بنقشة المونوغرام بقوة (إ.ب.أ)

كان العنصر الأساسي فيها، موجة اصطناعية عملاقة بلغ ارتفاعها نحو ثمانية أمتار وعرضها أكثر من سبعة وثلاثين متراً، استخدمت فيها مياه حقيقية بمساعدة مؤسسة «أو دو باريه» Eau De Paris المسؤولة عن شبكة المياه في العاصمة الفرنسية. قيل إن رذاذها وصل إلى بعض الضيوف الجالسين على أطرافها. أما منصة العرض نفسها، فكانت عبارة عن مساحة مغطاة بالرمال تراصت حولها كراسي خشبية على هيئة ممرات الشواطئ التقليدية. فثيمة العرض كانت عن السفر والبحر والأنشطة المائية، مثل التزلج على المياه.

أثارت ضخامة ودرامية المشهد سؤالاً كان لا بد منه: متى يصبح الديكور أكثر حضوراً من الملابس نفسها؟ كان واضحاً طوال العرض، وما تمّ تداوله من صور، أن الموجة العملاقة استحوذت على جزء كبير من الانتباه، أكثر من الأزياء نفسها.

الفنان والمدير الإبداعي فاريل ويليامز يحيِّي ضيوفه بعد انتهاء عرضه (أ.ب)

ثم تُوضِح تصاريح ويليامز بعد العرض، أنه لم يُصمِم الموجة للإبهار وحده. فخلف هذا المشهد الاستعراضي، حاول أن يمنح الديكور رسالة تتجاوز الفرجة، بربطها بفكرة الاستدامة والتدوير وأيضاً بأخذنا إلى جذور «لويس فويتون» المرتبطة بالسفر والترحال.

هو لم يأت ليبيع الحلم والأزياء فحسب، بل ليبيع شخصيته وصورته أيضاً، من خلال خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً.

ورغم أن إدماج الديكور في العروض، ليس جديداً على الدار، حيث بدأ في عهد مارك جايكوبس، الذي عمل فيها من 1997 إلى 2013، أي لمدة 16 عاماً، وحوَّل خلالها الأماكن إلى مشاهد مسرحية ضخمة، تارة على شكل محطة قطار، وتارة أخرى على شكل مصاعد متحركة وغيرها، فإن فاريل ويليامز، لم يحاول منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً، بأن يمزج بين الموضة والترفيه والثقافة الشعبية والرسائل الاجتماعية في زمن أصبحت فيه الصورة تنتشر خلال ثوانٍ عبر الإنترنت.

كانت السينوغرافيا بطل العرض بلا منازع (إ.ب.أ)

من هذا المنظور، لم يُوظِّف فاريل الموجة العملاقة بوصفها مجرد خلفية مثيرة، ولا ألواح ركوب الأمواج التي رافقت العرض بوصفها مجرد إكسسوار زخرفي، بل أرادها رسالة تلتقط ثقافة العصر ومفهوم الاستدامة.

الاستدامة والتدوير كرسالة فنية

ويبدو أن مفهوم الاستدامة كان، بالنسبة لفاريل ويليامز في العرض، لا يقل أهمية عن الأزياء نفسها. فبعد انتهاء العرض، ستُعاد المياه إلى شبكة الصرف في باريس ضمن نظام مغلق لإعادة التدوير. كما سيُعاد استخدام الرمال الناعمة التي غطّت الأرضية لاحقاً في ملاعب الكرة الطائرة الشاطئية داخل الحرم الجامعي، حيث أقيم العرض. حتى المقاعد الخشبية المستخدمة للضيوف، فقد سبق أن استُعملت في عرض الموسم الماضي، الذي أقيم حول هيكل معماري يشبه فندقاً مستقبلياً داخل متنزه بولونيا الباريسي، وحمل اسم «دروبهاوس» نظراً لتشابه شكله مع قطرة ماء.

تكتسب إعادة استخدام المياه والرمال والخشب بعد انتهاء العرض، دلالة مهمة في وقت تواجه فيه صناعة الموضة ضغوطاً متزايدة للحد من الهدر وتحمل مسؤولية أكبر تجاه أثرها البيئي.

من الديكور إلى الأزياء

جانب من العرض (رويترز)

ورغم أن الديكور بدا في بعض اللحظات أكثر حضوراً من الأزياء نفسها، فإنه من الخطأ القول إنها لم تكن في المستوى. فمع تراجع هدير الموجة، تعالى عزف أوركسترالي حي، ليبدأ العارضون بالظهور مرتدين تصاميم تراوحت بين التفصيل الكلاسيكي الهادئ والقطع المنفصلة، مثل القمصان المطبوعة بأشجار النخيل وسراويل الجينز القصيرة. لم يكتف فاريل باستعمال أقمشة منعشة وتصاميم منطلقة، وقدّم اقتراحات أخرى مصنوعة من خيوط الكشمير ثمرة تعاونه مع معامل «لورو بيانا»، إلى جانب الصوف عبارة عن سترات ومعاطف مستوحاة من تلك التي يرتديها راكبو الأمواج بعد الخروج من المياه الباردة.

اقتراحات كثيرة منها كنزات من الكشمير ثمرة تعاون مع دار «لورو بيانا» (أ.ف.ب)

رجل «لويس فويتون»

وفق ما صرَّح به فاريل أنه لا يتعامل مع هذه المناسبات باعتبارها مجرد عروض أزياء، فهي بالنسبة له تجارب أناقة متكاملة. لكنه يضع نصب عينيه دائماً رجل أعمال لا يتنازل عن أناقته أياً كانت هواياته وميوله وأياً كانت وجهته. خزانة ملابسه قد تضم بدلات كلاسيكية مزدوجة الأزرار، أو معاطف بحرية تقليدية وسترات بومبر من الجلد، كما قد تضم سراويل جينز مطرزة أو سترات مؤلفة من رقع تذكارية متداخلة بشكل جريء. ففلسفته، منذ انضمامه إلى «لويس فويتون» مديراً إبداعياً لخطها الرجالي، أن يفكر خارج الصندوق لكن بعقلية المستهلك، وهذا ما نجح فيه حتى الآن رغم أن تعيينه في عام 2023 أثار الكثير من الاستغراب وحفيظة البعض. فهو منتج ومغنٍ أولاً قبل أن يكون عاشقاً للموضة ومؤثراً فيها ثانياً.

شملت الأزياء كل ما يحتاج إليه رجل ثري من بدلات وقطع منفصلة (أ.ف.ب)

في هذه المجموعة، أكد للجميع أنه مصمم يناسب متطلبات العصر الحالي، التي باتت تعتمد على الصورة. فقد أظهر قدرته على كتابة فصل جديد من قصة الدار المبنية على السفر والترحال وما تعنيانه من انطلاق وحرية ومغامرة، مُركِزاً على تحقيق التوازن بين العمل والمتعة برسم صورة رجل يملك المال ويرغب في خوض تجارب مثيرة. ففي الماضي كانت الأزياء الفاخرة تخاطب رجلاً يعمل في البنوك والمكاتب الرسمية، أما اليوم، فهذا الرجل يعمل في التكنولوجيا والترفيه والرياضة. وهذه بحد ذاتها صورة تسويقية جذابة تعكس شخصية فاريل ويليامز ودوره داخل الدار.


«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
TT

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من حمى الاهتمام بأن مستحضرات التجميل والعطور من أكثر القطاعات ربحية، حسب أرقام المبيعات، ما يجعلها سنداً لا يستغنى عنه لقطاع الأزياء.

معظم بيوت الأزياء الكبيرة، إن لم نقل كلها، اقتحمت هذا القطاع بكل ما تملكه من قوة فنية. لم تخرج دار «دولتشي آند غابانا» عن السرب. أدركت أن السوق مزدحمة والمنافسة شرسة بين كبريات بيوت الأزياء وشركات التجميل العالمية. كل واحدة تسعى لاقتطاع حصة أكبر من السوق؛ لهذا كان لا بد لها أن ترسم لنفسها خطاً تتميّز به. وجدت أن ورقتها الرابحة تكمن في جذورها الإيطالية، فهذه الورقة نجحت في مجال الأزياء، فلِمَ لا تنجح أيضاً في صناعة الجمال؟

يمكن البناء على الطبقات للحصول على إطلالة طبيعية للنهار أو قوية للمساء (خاص)

الهوية الإيطالية أولاً

من هذا المنظور، حرصت أن تبقى وفية لجيناتها وهويتها الإيطالية، بألا تستعملها خلفيةً جغرافيةً فحسب، بل أرشيفاً مفتوحاً على التاريخ والمعمار والفن. تستوحي منها نقوشاً فنية وألواناً متوهجة تستحضر صقلية بقصورها وقلاعها، والأهم من هذا الجمال الإيطالي الطبيعي.

يأتي أحمر الخدود بتركيبة كريمية تدوم طويلاً (خاص)

وسبق أن طرحت عدة مستحضرات تصب في هذا المجال، إلا أنها كشفت حديثاً عن منتجين جديدين يحملان اسمي «Rose Dew Lip Bite» و«Cherry Glaze Bar»، يندرجان ضمن مفهوم «Fresh Look» الذي يراهن على إطلالة طبيعية ندية يمكن تكثيفها تدريجياً حسب الذوق والمناسبة: تبدأ خفيفة وناعمة في الصباح، ثم تزداد وهجاً في الظهيرة، وعُمقاً في المساء.

لكن يبقى أكثر ما يلفت في المجموعة، ليس فقط شكل العبوات المبتكرة أو وظيفتها فحسب، بل المكونات الإيطالية المستخدمة فيها، وهي زيت الكرز الإيطالي ومستخلص الورد المحلي؛ فهذه مكونات تمنح، حسب الدار، المنتجات شخصية فريدة وبصمة مميزة.

تتميز العلب بروح «دولتشي آند غابانا» الفنية (خاص)

خلاصات طبيعية وكولاجين

فأحمر الخدود «Cherry Glaze Bar» يأتي على هيئة لوحة مصغرة بتركيبة كريمية، تتيح توزيع اللون بدرجات يمكن التحكم فيها بسهولة، سواء أكان المراد إطلالة خفيفة أم تغطية أكثر كثافة.

وتقول الدار إن تركيبته الغنية بزيت الكرز الإيطالي والكولاجين النباتي، تُرطِب البشرة وتزيدها إشراقاً لمدة تصل إلى 24 ساعة، فضلاً عن مقاومة الماء والحرارة. أما من حيث التصميم، فيأتي في عبوة عاجية بسيطة تتزين بتفاصيل ذهبية مصقولة تعكس أسلوب الدار.

أحمر الشفاه من الكرز المحلي مطعم بالكولاجين النباتي (خاص)

أما أحمر الشفاه «Rose Dew Lip Bite»، فيقدّم هو الآخر لمسة خفيفة وناعمة في البداية، عبر 6 درجات لونية، ثم يزداد عمقاً ولمعاناً مع إضافة طبقات جديدة. وبدلاً من زيت الكرز يعتمد على الورد الإيطالي المعزز بحمض الهيالورونيك، في تركيبة تقول الدار إنها خفيفة وغير لاصقة، تمنح الشفاه تأثيراً أقرب إلى الندى الطبيعي منه إلى المكياج التقليدي.

تستعمل الدار دائماً الجغرافيا الإيطالية بصفتها خلفية تعكس هويتها الثقافية (دولتشي آند غابانا)

العطور أولاً

تجدر الإشارة إلى أن «دولتشي آند غابانا» دخلت صناعة الجمال عبر العطور عندما أطلقت أول عطر لها عام 1992. ومنذ ذلك الحين ابتكرت أكثر من 100 عطر، بالتعاون مع عدد من صناع العطور المشهورين. بعدها طوّرت باقة من مستحضرات التجميل، لقيت صدى كبيراً شجّعها بعد 30 عاماً من العمل في هذا المجال، على نقل أعمالها إلى إدارتها المباشرة، بهدف تعزيز هذا التطور والمضي به إلى مرحلة جديدة تريدها أكثر توسعاً وانتشاراً.