د. نجم كاظم: التحولات السياسية أنتجت طفرة روائية في العراق

الناقد العراقي عمل على رصد وتوثيق الرواية العراقية في مائة عام

د. نجم كاظم - غلاف فهرس
د. نجم كاظم - غلاف فهرس
TT

د. نجم كاظم: التحولات السياسية أنتجت طفرة روائية في العراق

د. نجم كاظم - غلاف فهرس
د. نجم كاظم - غلاف فهرس

مع سقوط بغداد تحت الاحتلال الأميركي - الغربي في أبريل (نيسان) 2003، اكتشف الناقد والأكاديمي العراقي الدكتور نجم عبد الله كاظم، معنى مختلفًا لـ«الآخر»، الذي ظلّ يدرسه باعتبار وجوده ضروريًا للوجود الإنساني برمته «من يعطيك ويزيدك ويضيف إليك، ومن يُريك نفسك هو الآخر، بل الذي يُمتعك هو الآخر»، هكذا يقول، لكن بعد الغزو أصبح مهتمًا أكثر بدراسة الآخر وصوره علميًا وأكاديميًا ونقديًا، وذلك في الأدب، وبشكل خاص في الرواية. وتمخض مشروعه في دراسة الآخر في الأدب عن أربعة مؤلفات وبضع أوراق بحثية والعشرات من المقالات والدراسات الأخرى، التي تصب في هذا الموضوع، من بين كتبه: «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة»، و«الآخر في الشعر العربي الحديث».
مشروعه الآخر، كان العمل على رصد وتوثيق الرواية العراقية في مائة عام، عبر مؤلفه «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014» ضمن مشروع غير مكتمل لـ«الرواية العراقية في مائة عام 1919 - 2019».

> درستَ موضوع «الآخر» في الأدب والشعر، وحصلتْ بعضُ دراساتكَ عن هذا الموضوع على جوائز عربية.. ماذا يعني لك «الآخر»؟
- بعيدًا عن تمثّله في الأدب والإبداع، يمثّل «الآخر» لي مكمِّلاً، بل أشعر بأن ليس من وجود إنساني حقيقي لي دونه، ولهذا تراني أريد الآخر دومًا، فأكون قريبًا منه بكل أنواعه؛ الآخر طائفيًا أو دينيًا أو قوميًا أو سياسيًا أو جنسًا. بل إني لأستغرب أنْ أجد الكثيرين لا يتقبلون إلا المشابه لهم، ولا أفهم لماذا يكتفون به بينما من يعطيك ويزيدك ويضيف إليك، ومن يُريك نفسك هو الآخر، بل الذي يُمتعك هو الآخر. ولكن لأعترف بأنّ هناك نوعًا من الحيرة في الموقف الذي يجب أن نتخذه من الآخر أحيانًا، وهي عندي نشأت من رؤيتي لاحتلال الآخر - الأميركي وإلى حد ما الأوروبي - لبغداد، ورؤيتي لها في أعقاب عودتي إليها بعد غربة سبع سنوات، محتلّةً منه، ورؤية قسوته وهمجيته، مع تواصل حضور هذا الآخر - عينه تقريبًا، أعني الأوروبي والأميركي - في ذاكرتي بشكل أصدقاء وأحبة عشت وإياهم في بلدانهم وخبِرت تحضرهم ورقيّهم، بل تعلّمت منهم وتطورت بهم.
> لكن هذه الحيرة كانت حافزًا..
- نعم، هذه الحيرة إزاء هاتين الصورتين المتناقضتين جعلت دراسة الآخر وصوره موضوعي الأثير الذي أهتم به، ولكن في الأدب، وبشكل خاص في الرواية، أي علميًا وأكاديميًا ونقديًا، محاولاً حل إشكالات هذا التناقض، والإجابة عن أسئلة كثيرة تُثار فيها، وربما، على العكس، إثارة أسئلة أخرى. وهكذا جاءت أربعة من كتبي، وبضع أوراق بحثية والعشرات من المقالات والدراسات الأخرى، تصب في هذا الموضوع.
> وما سمات هذا «الآخر» في الأدب؟
- قد تشتبك مجموعة صور للآخر مع بعضها، وقد تحضر واحدة منها في هذا العمل وتحضر أخرى في عمل آخر. وكل ذلك يعتمد، بظني، على مجموعة عوامل، لعل أهمها اثنان، الأول تجربة الكاتب العملية والحقيقية، وأعني هنا تجربي أنا الشخصية مع الآخر، والثاني الرؤية الثقافية والفكرية وربما السياسية له التي تجعل الفرد باحثًا أو مفكرًا أو دارسًا أو قارئًا أو حتى إنسانًا عاديًا يرى الآخر، ولا سيما الغربي، بهذا الشكل أو ذلك، أو تسهم في صياغة هذه الرؤية وبالتالي رسم صورته.
> ومن أين يستمد وجوده؟
- في الأدب وفي الفن، يستمد وجوده من تجربة الكاتب ومن رؤيته الفكرية، وقد يمكن إضافة عوامل كثيرة تلعب دورًا أو أدوارًا في هذا الوجود وطبيعته، كما تطرقت إلى هذا فعلاً في دراساتي.
> هل تعريف الآخر معتمد على تعريف الذات؟
- بشكل أدق أقول: معرفتك بالآخر تنطلق في بدايتها على معرفتك لنفسك، بتعبير آخر تعتمد معرفة الآخر، في كثير منها، على معرفة الذات، والعكس صحيح، لتعرف نفسك يجب أن تعرف الآخر. وكلامي هنا يخرج عن حدود الآخر الذي أُعنى به، فالآخر هنا كل من هو ليس أنت، على مستوى الشخص والعائلة والملّة أو الشعب والديانة والطائفة.. إلخ.
> على الصعيد الأدبي، كتبتَ «الرواية العربية والآخر»، كيف عالجتْ الرواية العربية هذا الموضوع؟
- الحقيقة أن لدي كتابين: الكتاب الأول، هو الذي تشير إليه، وهو عبارة عن مجموعة دراسات، واحدة منها فقط تُعنى بالآخر حضورًا وصورةً في الرواية العربية وموقف العربي منه وعلاقته به. أما بقية دراسات هذا الكتاب فهي عن الرواية والآخر من حيث علاقتها به وبأدبه والتأثير والتأثّر بينهما، أحدها عن «كافكا» في الرواية العربية. الكتاب الثاني هو «الآخر في الرواية العربية المعاصرة» أحد أسسه الدراسة التي ضمها الكتاب الأول عن الآخر في الرواية العربية، وهو الفائز بجائزة الإبداع العربية التي تمنحها مؤسسة الفكر العربي المعروفة. فضلاً عن دراسات كثيرة عالجت جوانب مختلفة من هذا الموضوع في الرواية العربية، مثل المرأة الغربية في الرواية العربية، ونحن والآخر إلى أين؟ وغيرها، إضافة إلى كتاب خرجت فيه عن الرواية إلى الشعر، وهو «الآخر في الشعر العربي الحديث».
> بعيدًا عن موضوع «الآخر»، لك كتاب «مشكلة الحوار في الرواية العربية»، الذي قد يكون الكتاب الوحيد عربيًا الذي قام على موضوع «الحوار في الرواية العربية». ما هذه المشكلة؟
- الواقع (مشكلات) وليست مشكلة واحدة، وبظني أن الكثير من العرب، كتّابًا وروائيين وقاصين ومؤلفي أفلام ودراما وكتّاب سيناريو ومخرجين وممثلين، يُخفقون في الحوار. ولكي تعي هذا وتتلمسه تلمّس اليد، إن لم تكن منتبهًا إلى هذا أصلاً، يمكنك أن ترجع إلى كثير من الأفلام والأعمال الدرامية العربية، التي لا تكاد تسلم من الضعف في الحوار، ولهذا بدأتُ كتابي، في المقدمة، بأمثلة مضحكة من أفلام عربية، بوصفها جزءًا من مبررات تأليف كتابي، وكنت أتمنى أن أتناول الفيلم والدراما، ولكن لأن تخصصي واهتمامي بالرواية، فقد جاء الكتاب عن هذه المشكلة في الرواية العربية، وهي مشكلة موجودة، على أية حال، فيها. ومن أهم جوانب الضعف والخطأ اللذين يجعلان من القضية مشكلة، التعامل مع العربية من حيث فصحاها وعاميّاتها، وطول الحوار والجملة الحوارية، وتناسب وعدم تناسب الحوار مع الشخصية المتكلمة به، واستخدام الحوار بوصفه تقنية فنية، وغير ذلك.

الرواية العراقية

> لديك دراسات توثيقية وبيلوغرافيا عن الرواية العراقية في 100 عام، ما نتائج هذه الدراسة؟
- نعم، أصبتَ، والعمل المركزي فيها هو «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014» وهو في بعض حقيقته طبعة لمشروع غير مكتمل كما أريده وهو «الرواية العراقية في مائة عام 1919 - 2019» أنوي أن أنشره، إذا أمدّ الله في عمري، سنة 2020، وعليه يكون المنشور حاليًا هو بمثابة «الفهرست غير الكامل للرواية العراقية في مائة عام». أما عن النتائج التي تسألني عنها، فهي كثيرة، لكن النتيجة الأساسية أو الرئيسية أو المركزية فهي بالطبع عدد العناوين التي ضمها، التي زادت على 1200 عنوان رواية عراقية صدرت خلال 95 سنة. ومن النتائج الأخرى ما قدمته في فهارس فرعية، وملاحق. من ذلك مثلاً «فهرست الرواية النسوية في العراق»، وضمّ أكثر من 150 رواية، و«فهرست رواية الفتيان في القرن العشرين» وضم 50 رواية، وملحق «أرقام وإحصاءات».
> كيف تفسر غياب العراقيين عن الرواية سنوات طويلة، هل للأمر علاقة بهيمنة الشعر؟
- عدم توجه العراقيين نحو الرواية هو من عدم توجه العرب عمومًا نحوها إلا بعد ظهورها في العالم بعد أكثر من مائتي سنة، ولهذا أسباب كثيرة قد يكون بعضها حقائق، بينما يبقى بعضها الآخر اجتهادات نظرية، قد نتفق معها وقد لا نتفق، وفي كل الأحوال لا بد أن يكون لذلك علاقة بطبيعة الشخصية العربية من جهة، وتعلّقًا بذلك بطبيعة الثقافة العربية المتوارثة.
> ماذا عن الطفرة الروائية التي شهدها العراق خلال العقدين الأخيرين، هل للأمر علاقة بالتحول السياسي الناجم عن تغير نظام وصعود قوى أخرى؟
- نعم، قد يكون هذا صحيحًا، وقد تكون محقًا في أن لهيمنة الشعر علاقة بتأخر الطفرة التي تشير إليها. البداية الحقيقة للرواية الفنية العراقية التي نستطيع أن نسميها إنجازًا، تعود إلى منتصف الستينات، وجاءت الطفرة في العقدين الأخيرين تقريبًا، ومرة أخرى لأسباب كثيرة منها ما تشير إليه. نعم للتحولات التي شهدها العراق في العقدين أو الثلاثة الأخيرة، سلبيّها وإيجابيّها، دور في ذلك. ولعل بعض مؤشرات هذه الطفرة تعبّر عن ذلك، ومنها: أولاً ازدياد عدد الروايات، فبعد أن كان عدد الروايات التي تصدر كل عام قبل عقدين أو ثلاثة يتراوح ما بين 10 و20 صار العدد في السنوات الأخيرة عادة ما يتعدى الستين، وثانيًا ازدياد عدد الروائيات والروايات النسوية، وثالثًا حصول الروائيين العراقيين على جوائز كثيرة، وغير ذلك.

سيرة ذاتية

> ولد في بلدة بهرز بمحافظة ديالى عام 1951. حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1973، ثم الدبلوم العالي في التربية من الجامعة نفسها. وحصل على شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة إكستر في بريطانيا، عام 1984.
>عمل أستاذًا في جامعات العراق وليبيا والأردن وسلطنة عمان، وأستاذًا زائرًا في بريطانيا. وهو حاليًا أستاذ الأدب المقارن والحديث والنقد، في كلية الآداب بجامعة بغداد.
> حصل على كثير من الجوائز، بينها جائزة خليفة التربوية في الإمارات، لسنة 2015، عن كتاب «رواية الفتيان.. خصوصية الفن والموضوعات». وجائزة الإبداع العربي لمؤسسة الفكر العربي في لبنان، لسنة 2014، عن كتاب «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة». جائزة يوسف بن أحمد كانو في البحرين لسنة 2009، عن كتاب «الآخر في الشعر العربي الحديث».
ألَّف أكثر من ثلاثين كتابًا، من بينها:
> «الرواية العربية في القرن العشرين» (تحرير واشتراك في التأليف)، الدوحة، 2016.
> أميركا والأميركي في الرواية العربية، بيروت، 2016.
> «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014»، بغداد، 2015.
> رواية «الفتيان.. خصوصية الفن والموضوعات»، بيروت، 2014.
> «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة»، بيروت، 2013.
> «أيقونات الوهم.. الناقد العربي وإشكاليات النقد الحديث»، عمّان، 2011.
> «الآخر في الشعر العربي الحديث.. تمثُّل وتوظيف وتأثير»، بيروت، 2010.



كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
TT

كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)

فازت الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026؛ وذلك تقديراً لـ«أعمالها الجريئة والمبتكرة التي خلقت أشكالاً جديدة للأدب المعاصر من خلال حوار مرِح مع التقاليد الكلاسيكية»، وفق ما أعلنت الجهة المانحة للجائزة، يوم الخميس، وفقاً لوكالة «رويترز».

تُمنح الجائزة من قِبل الأكاديمية السويدية، وتبلغ قيمتها 12 مليون كرونة سويدية (1.2 مليون دولار).

وغالباً ما تمزج أعمال كارسون - وهي شاعرة وكاتبة مقالات كندية - بين الشعر والنثر والحوار والترجمة في مزيج يتجاوز التصنيفات الأدبية التقليدية.

وتشتهر كارسون، على نطاق واسع، بترجماتها للأدب اليوناني الكلاسيكي، الذي يترك أثراً كبيراً في أعمالها المتنوعة؛ إذ تتراوح هذه الأعمال بين نصوص الأوبرا (الليبريتو) والنقد الأدبي والروايات الشعرية.

ويتجلى أسلوبها بوضوح في عملها «نورما جين بيكر من طروادة»» (Norma Jeane Baker of Troy)، الصادر عام 2019، وهو عمل أدائي يمزج بين قصتي هيلين الطروادية - كما وردت في مسرحية «هيلين» للكاتب يوريبيديس - ومارلين مونرو.

نُسخ من كُتب آن كارسون الحائزة جائزة نوبل في الأدب لعام 2026 (رويترز)

وبهذا الفوز، تنضم كارسون إلى قائمة من العمالقة الأدبيين حائزي الجائزة، أمثال ألكسندر سولجينتسين وأليس مونرو وإرنست همنغواي؛ وهي جائزة كثيراً ما تثير انقساماً في الآراء بين عشاق الأدب.

وقد واجهت الأكاديمية انتقادات لاذعة لتجاهُلها بعض عمالقة الأدب على مدار المائة وعشرين عاماً الماضية، مثل ليو تولستوي وفيرجينيا وولف وخورخي لويس بورخيس، كما انتُقدت لتجاهلها الكُتاب الأميركيين، رغم منحها الجائزة للمُغني وكاتب الأغاني بوب ديلان في عام 2016، واتُّهمت أيضاً بأن خياراتها تتسم بالغموض الشديد.

في المقابل، يرى المدافعون عن الأكاديمية أنها اختارت أسماءً تحظى بشعبية واسعة، مثل الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز عام 1982، ودوريس ليسينغ عام 2007، مؤكدين أن جزءاً من مهمتها يتمثل في تسليط الضوء على تقاليد أدبية أقل شهرة وتشجيع القراء على توسيع آفاقهم.

وتُمنح جوائز الإنجازات في مجالات الأدب والعلوم والسلام، التي أُسست بموجب وصية رجل الأعمال السويدي ومخترع الديناميت ألفريد نوبل، منذ عام 1901.

وقد فاز بجائزة العام الماضي الكاتب المجري لازلو كراسنـاهوركاي.


من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون
TT

من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون

من جديد، يعود موسم جوائز نوبل وتعود معه التخمينات حول من يفوز بجائزة نوبل في الآداب لعام 2026؛ إذ حددت الأكاديمية السويدية، كالعادة، يوم الخميس، للإعلان عن اسم الفائز/ أو الفائزة.

ومنذ أيام، والتكهنات تتبارى في الملاحق الثقافية لكبريات الصحف الصادرة في السويد ووسائل الاتصال المرئية والمسموعة، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي لتخمين اسم الأديب، أو الأديبة. لكنها تبقى تكهنات فحسب، وإن كانت قوية؛ ذلك لأن شروط نيل الجائزة صارمة فيما يتعلق بكتمان سر الأسماء المرشحة والتي لا يجوز الكشف عنها إلا بعد مرور خمسين عاماً على تأريخ الترشح لها.

لكن المهتمين بهذه الجائزة بإمكانهم استقراء بعض المؤشرات التي ربما تعين على الاستدلال على من سينال هذه الجائزة، ومن هذه المؤشرات اتباع ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية تبنيها في السنوات العشر الأخيرة، بمنحها بالتناوب بين كاتب وكاتبة، ابتداءً من عام 2017، حيث منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب إلى كازوو إيشيغورو، وهو كاتب بريطاني من أصل ياباني. وفي السنة التي تلتها منحت جائزة نوبل في الآداب إلى الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك.

واستمرت الأكاديمية السويدية على هذا التناوب حتى العام الماضي 2025، حيث مُنحت الجائزة إلى الكاتب المجري لاسلو كراسناهوركاي، وبناء على هذه القاعدة فمن المرجح أن تُمنح جائزة نوبل في الآداب لهذا العام إلى كاتبة. الأكاديمية السويدية لا تعيش ضمن حدود دائرتها المغلقة، بل هي في تماس وقراءات متواصلة طوال العام لما يجري على الساحة الثقافية في السويد والعالم، فهناك بعض الكاتبات والكتّاب ممن حصدوا جوائز أخرى قيمة أيضاً، مثل جائزة مان بوكر العالمية، وجائزة غونه الألمانية، وجائزة ستيغ داغرمان السويدية، والتي بإمكانها أن تفتح طريقاً نحو جائزة نوبل.

جوخة الحارثي

 

ووفق لذلك، بإمكاننا القول إن من بين المفترضين لنيل جائزة نوبل للأدب هذا العام، العمانية جوخة الحارثي، التي حصدت جائزة مان بوكر العالمية في عام 2019 عن روايتها «سيدات القمر» (2010): وهي أول كاتبة عربية تنال هذه الجائزة المرموقة. وقد تميزت برصدها المتأني وبلغة سلسة، تحولات المجتمع العُماني عبر أجيال مختلفة. ومن مؤلفاتها الأخرى «منامات» الصادرة في عام 2004، و«نارنجة» (2016)، وهي رواية تستكشف بأسلوب عميق تفاصيل النفس البشرية والذكريات والعلاقات الإنسانية. و«حرير الغزالة» (2021): عمل روائي بارز يتواصل فيه السرد باستكشاف التحولات الاجتماعية والإنسانية. ونيلها الجائزة ليس بالمستبعد.

ومن بين الكاتبات اللواتي فزن بجائزة بوكر ويرجح أن يخطرن على بال الأكاديمية السويدية جيتانجالي شري، وهي كاتبة هندية، تُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في الهند. عُرفت أعمالها بالتجريب اللغوي وجرأتها في السرد وبانشغالها بأسئلة الهوية، والذاكرة، والجسد، والحدود، مع اهتمام خاص بتفكيك السرديات السائدة وإعادة النظر في أشكال الرواية التقليدية.

وهي أول كاتبة هندية تحصل على جائزة «بوكر» الدولية، في عام 2022، وذلك عن روايتها «ضريح الرمل» التي تدور أحداثها في شمال الهند، وتتناول فيها حياة امرأة تبلغ 80 عاماً، تبدأ حياة جديدة غير تقليدية بعد وفاة زوجها.

ويرد أيضاً اسم الكاتبة الهندية الثانية التي فازت ببوكر، العام الماضي، 2025 عن مجموعتها القصصية «هارت لامب... مصباح القلب»، التي تتناول الحياة اليومية لنساء مسلمات في جنوب الهند. وتكتب بلغة الكانادية، هي لغة محلية في الهند.

ومن الأسماء المتداولة جداً هذا العام، آن كارسون، وهي كاتبة كندية ولغوية، وشاعرة، ومترجمة، وناقدة أدبية،، وباحثة في الأدب القديم، كما هو الحال في كتابها «السيرة الذاتية الحمراء».

ويمزج أسلوب كارسون في الكتابة بين الشعر والمقالات والنقد الأدبي وأشكال أخرى من النثر، وأسلوبها فريد ومبتكر وعلمي في آن واحد. حصلت آن كارسون على العديد من الجوائز الأدبية ورُشِّحت لجائزة «الكتاب الوطني للشعر» لعام 2024 عن مجموعتها الشعرية «المعيار الخاطئ» في عام 2021، وجائزة PEN/Nabokov للتميز في الأدب العالمي. وتقيم كارسون في نيويورك.

ومن الأسماء النسوية البارزة كان شويه، أو تسان شيويه، كاتبة صينية، وُلدت خلال فترة مضطربة في تاريخ الصين وعاشت عائلتها تحت وطأة ظروف قاهرة، تعرض والدها للاعتقال والتعذيب جراء مناهضته للسلطات، كما تعرضت عائلتها للاضطهاد إبان الثورة الثقافية. وكل هذه التجارب انعكست بشكل كبير في رواياتها وقصصها القصيرة التي تعددت فيها أساليب الكتابة، ويقارن النقاد أعمالها الأدبية بكتابات كافكا، بسبب أسلوبها التجريبي الذي يمزج بين اليوتوبيا والواقع المرير؛ ففيها الواقع المتخيل والتخيلات الواقعية المحتقنة بالسلبيات، وما بينهما نوع من السوريالية التي تقوم بتحويل الحدث إلى قطعة غرائبية في عرضها للأحداث اليومية، بأسلوب غير واقعي وقاتم، يحول الأحداث اليومية إلى منحى سوريالي.

ومن كتبها المترجمة إلى السويدية، «أعيش في الأحياء الفقيرة»، وهي مجموعة قصصية تتناول فيها الحياة على هامش المجتمع، و«الحب في الألفية الجديدة» ترصد حيوات مجموعة من النساء في مجتمع تتربص فيه المؤامرات والشكوك في كل زاوية، كما يتربص السحر، وتعرضت الكثيرات منهن للاستغلال في مصنع القطن المحلي، لكنهن تمكنّ من الفرار.

ثم يأتي اسم جامايكا كينكيد، وهي روائية أميركية وكاتبة مسرحية نشأت في منطقة الكاريبي على جزيرة أنتيغوا الكاريبية. وقد وُلدت عام 1949 باسم إيلين بوتر ريتشاردسون، ونشأت مع والدتها في الجزيرة التي كانت آنذاك مستعمرة بريطانية. وفي سن السادسة عشرة، انتقلت إلى نيويورك للعمل مربيةَ أطفال، وبعد عشر سنوات أصبحت كاتبة دائمة في مجلة «نيويوركر».

واتخذت اسم جامايكا كينكيد؛ لأنها أرادت إخفاء حقيقة كونها كاتبة عن والدتها. كان أول ظهور لها بوصفها كاتبة مع مجموعة قصص قصيرة عنونتها بـ«في قاع النهر» عام 1983. وفي عام 1985، أصدرت روايتها «آني جون»، وتدور حول والدتها.

ومن بين الكاتبات المميزات أيضاً، المكسيكية كريستينا ريفيرا غارزا، التي اشتهرت برواياتها ومذكراتها. حازت العديد من رواياتها على أرفع جوائز أدبية في المكسيك وتكريمات دولية. من مؤلفاتها: «لن يراني أحد أبكي»، ومذكراتها الصادرة عام 2023 بعنوان «صيف ليليانا الذي لا يُقهر»، والتي توثق حياة شقيقتها ومقتلها عام 1990 على يد حبيبها وهي في العشرين من عمرها.

ووصلت إلى القائمة النهائية لجائزة «الكتاب الوطني» لعام 2023 عن فئة الأعمال غير الروائية، وفازت بجائزة «بوليتزر» عن فئة المذكرات أو السيرة الذاتية. ووصفت أعمال ريفيرا غارزا بأنها «ممتعة ومُقلقة في آن». بصفتها كاتبة، تسعى إلى إضفاء طابعٍ مُظلم على الأشياء وإثارة الشكوك لدى القراء، إيماناً منها بأن «العالم مليءٌ بالنور والوضوح» ولكنها لا تعتقد أن غاية الأدب هي التثقيف، فهناك طرق أخرى لتحقيق ذلك، بل تنظر إلى الكتابة على أنها تجسيدٌ ماديٌّ للتفكير.

وتؤمن ريفيرا غارزا بأن الأدب من الوسائل القليلة التي يُمكن للناس من خلالها استكشاف حدود التجربة الإنسانية عبر اللغة. وهي تمزج بين السرد والشعر والقصة القصيرة والرواية وعناصر من خيالها مع أخرى من الواقع، بما في ذلك الوثائق التاريخية، بل أدرجت نفسها في إحدى رواياتها. وغالباً ما ركزت أعمالها على المهمشين، مثل المرضى النفسيين والعاملات في الدعارة.

مارغريت آتوود

ومن الكاتبات المتداولة أسماؤهن على لائحة التكهنات لنيل جائزة نوبل في الآداب، أليكسيس رايت، المولودة عام 1950، وتنتمي إلى شعب وانجي في المرتفعات جنوب خليج كاربنتاريا في شمال أستراليا. تُعدّ من أبرز الكاتبات الأستراليات، وتتميز كتبها بالإبداع والابتكار، فضلاً عن كونها حائزة على جوائز. وهي تكتب روايات واقعية تتناول مشاكل السكان الأصليين الأستراليين في التكيف مع القوانين والقيم السائدة. من إصداراتها رواية «كاربنتاريا» والتي توصف بملحمة آسرة، وتدور أحداثها حول عائلة فانتوم القوية في بلدة ديسبيرانس الساحلية الصغيرة، وقادة شعب بريكلبوش وصراعهم الدائر ضد عصابة جوزيف ميدنايت المتمردة، وضد سلطات البيض في أبتاون، والمنجم المدمر بيئياص واجتماعياً. كشفت هذه الرواية عن براعة أليكسيس رايت الزاخرة بشخصياتٍ رائعة، ومنبوذةٍ من المجتمع.

هناك ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية على تبنيها في السنوات العشر الأخيرة بمنح الجائزة بالتناوب بين كاتب وكاتبة

بالطبع، هذه ليست كل الأسماء التي يرجح أن تكون مستوفية لشروط الحصول على جائزة نوبل في الأدب؛ فهناك أسماء كثيرة أخرى، ومنها من ظل يتردد في كل عام سواء من الكاتبات الكلاسيكيات مثل، مارغيت أتوود أحد أبرز الأصوات الأدبية في العصر الحديث، وهي شاعرة وروائية وناقدة أدبية، وأكثر الكاتبات الكنديات شهرة عالمية، فقد كتبت أكثر من 50 عملاً أدبياً، يشمل روايات، وقصصاً قصيرة، وقصائد شعر، ومقالات نقدية. وتتميز أعمالها بالتركيز على قضايا لصيقة بالبعد الإنساني، كقضايا المرأة، والبيئة، والموقف من السلطة، وغالباً ما تتخذ رواياتها الطابع الديستوبي الذي يرسم العوالم المستقبلية المتخيلة.

وإذا لم تسر الأكاديمية السويدية على ما دأبت عليه في السنوات العشر الأخيرة، أي التناوب، بين سنة وأخرى، وقررت منحها هذا العام أيضاً لكاتب أو أديب رجل، فهناك وفرة بأسماء من يتوقع نيلهم جائزة نوبل في الآداب لعام 2026، ومن بينهم: هاروكي موراكامي من اليابان. والفرنسي ميشيل هولبيك، والأميركي توماس بينشون، والأرجنتيني سيزار أيرا، ومن الهند أميتاش غوش، والأسترالي جيرالد مورنان.


هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟
TT

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع. ومع أن الجانب العلمي والنظري من هذه التجربة، هو محل تناول الجنسين معاً، إلا أن المرأة وحدها هي المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها؛ لأنهن الطرف الذي قُدّر له أن يختبر آلامها ومسراتها وتبعاتها المتباينة. وإذا كان من الطبيعي أن تنعكس القضايا الشائكة المتصلة بالحب والزواج والأنوثة والأمومة في الأعمال الإبداعية للنساء المشتغلات بشؤون الأدب والفن، فاللافت بهذا الخصوص، أن هذا الموضوع بالذات كان في الآونة الأخيرة، مثاراً لاهتمام ثلاث من الكاتبات اللبنانيات، وهن: يسرى مقدم في «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، وحنان ضيا في «خارجات على الغريزة»، وسهير بشارة في «حامل النور»، مع ضرورة الإشارة إلى السمات المختلفة التي تحكم أساليب الكاتبات الثلاث، في مجالات اللغة والأسلوب وتقنيات السرد.

في كتابها «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، لا تأبه يسرى مقدم كثيراً للنسب الأدبي الذي ينتمي إليه عملها السردي السيَري، بل تحوله حواراً مع النفس، تكشف من خلاله، وقد أنجبت صبياً وفتاة، عن إخفاقها الذريع في القيام بدورها كأم؛ الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على علاقتها بولديها من جهة، ولكنه دفعها إلى الكتابة من جهة أخرى. وإذا كان ضمير المخاطب في الكتاب برمته، هو سكنة أم الكاتبة وجدة ولديها، فلأنها رأت في أمها بالذات، ما يرمز إلى الأمومة المطلقة، حيث الحدب على الأولاد والأحفاد يصل إلى حد العطاء الأقصى والإمحاء الخالص.

وإذا كنا نعرف من سياق العمل أن والد المؤلفة الراوية قد مات مقتولاً من قِبل عصابة مهربين، قبل ولادتها بأسابيع، فإن عبارة «يا سكنة» التي تكررها المؤلفة على نحو دائم، تبدو نوعاً من الانتشال الرمزي للأم الراحلة من براثن العدم، أو نداء الاستغاثة التي تطلقها السفن الموشكة على الغرق أملاً في خلاصٍ غير متوقع. وإذ تكشف الكاتبة عن أن أمها سكنة لم تتكفل أعباء تربيتها فحسب، بل أوكلت إليها الابنة، بفعل انشغالاتها الكثيرة، مهمة الاعتناء بولديها الصغيرين، يمكن أن نفهم السبب الحقيقي لانصراف ولدها عنها حين حاولت تبرير تقصيرها بحقه. كما لم يختلف موقف الابنة المهملة كثيراً عن موقف الابن الساخط، وهو ما تعبّر عنه الكاتبة بقولها عنها: «كانت تجاهر بأنها فقدت شهية المحاورة معي، وبأن ثمة حاجزاً جليدياً بات يفصل فيما بيننا».

لكن الذروة الدراماتيكية لمأزق الأم الكاتبة، تمثلت في اكتشافها أنها لم تكن جزءاً من الصورة التي أرسلتها لها ابنتها عبر شاشة الهاتف بمناسبة عيد الميلاد، بما يعني أن ابنتها، وابنها استتباعاً، لا يعتبرانها، بحكم تخليها عن دورها كأم، جزءاً أساسياً من المشهد العائلي.

ومع أن الكاتبة حنان ضيا تقارب في روايتها «خارجات على الغريزة »، قضايا المرأة والأمومة والإنجاب من خلال نماذج نسائية متنوعة الأمزجة والقناعات، ومقيمة في منفاها النفسي والمكاني، إلا أن ضيا تحرص على ألا تقارب هذه النماذج، بمعزل عن البيئة والثقافة والظروف الشخصية والاجتماعية التي تنشأ المرأة في كنفها، والتي تسهم إلى حد بعيد في دفعها إلى خيار الإنجاب أو عدمه، فضلاً عما يمكن للعلاقة بين الزوجين، والتي تتفاوت بين الحب والكراهية والتناغم والتنابذ، أن تلعبه في نجاح العلاقة بين الأمهات وأطفالهن أو انحدارها إلى فشل ذريع.

ومع أن جلنار التي التقت ساهر أثناء رحلة سياحية إلى أميركا، قبل أن يختبرا علاقة زوجية ناجحة في بدايتها، كانت ترى في إنجاب الأطفال ممن تحبه، التتويج الطبيعي لهذا الحب. إلا أن المصاعب التي كابدتها خلال عمليات الولادة القاسية، أو خلال تربيتها أطفالها الثلاثة، وضعتها في حالة من التوتر العصبي الهستيري، بحيث انتابتها في إحدى اللحظات «رغبة جامحة في القفز من الشرفة وإنهاء كل هذه المهزلة». والأدهى من ذلك، أن المكافأة التي نالتها من الزوج، على القيام بمهماتها الأمومية التي دفعت ثمنها باهظاً على المستويين الجسدي والعصبي، تمثلت في خيانته لها مع امرأة أكثر نضارة، قبل أن يغوص هو الآخر في ظلمة داخلية خانقة.

أما ناديا، صديقة جلنار الأثيرة، فلا تعتقد من جهتها أن الأمومة هي قدر المرأة الحتمي والشرط الإلزامي لتحقيق ذاتها كأنثى، بل هي خيار شخصي تأخذه كل امرأة بمفردها. وقد حرصت المؤلفة على أن تستشهد، بلسان بطلتها، ببعض علماء الاجتماع الذين يؤكدون أن الأمومة ليست نزوعاً أنثوياً غرائزياً و«أننا لا نولد أمهات كما أوهمنا البعض»، قبل أن تعمد لتأكيد موقفها، كما بشواهد تاريخية مختلفة عن قتل بعض النساء لأبنائهن. وإذ قررت ناديا الامتناع عن الإنجاب، عمدت إلى إجهاض الأجنة الذين حملت بهم من زوجها وليد، واحداً بعد الآخر، إلى أن انتهت علاقتهما بالطلاق، ولم ترض الزواج بعد ذلك، إلا من الرجل الذي رضخ لاشتراطاتها القاطعة.

وحيث لم تجد هالة، ابنة مدينة السلط الأردنية، من يشاطرها أفكارها المتحررة، فقد آثرت الزواج من ابن عمها سليم، الطبيب المقيم في أميركا؛ لأنها وجدت فيه ما يحررها من القيود. ومع أنها تنازلت، بناءً لرغبته، عن موقفها السلبي من الإنجاب، حتى ولو اعتبرت نفسها «امرأة معاقبة بالأمومة»، إلا أنها لم تلبث أن عادت بأطفالها إلى الأردن، بعد أن رفضت مماشاته على طريق الرذيلة والانحراف السلوكي.

أما سهير بشارة، فهي تعبّر في روايتها «حامل النور»،عن نظرة إلى الأمومة مغايرة لمعظم النماذج السابقة، سواء من حيث انتصارها لمبدأ الإنجاب نفسه، أو من حيث علاقة الأم بالطفل، فضلاً عن الغبطة التي تنتاب المرأة وهي تمنح الحياة فرصة جديدة للتحقق. كما أن الكاتبة تنقل مفهوم الولادة من كونه واقعة آنية ينتهي حدوثها مع خروج الطفل من الرحم، لتتحول حدثاً دائماً يستغرق الحياة بكاملها. وقد حرصت بشارة على تحويل المأزق الصعب الذي واجهه والدا الطفل لوقا، حين اكتشفا أن ابنهما مصاب بمتلازمة داون، إلى مناسبة للربط بين الحب والتضحية، وإلى سؤال وجودي عن معنى الحياة نفسها، حيث كل طفل يولد هو رمز للإنسانية جمعاء، وأي تخلٍّ عنه هو تخل عن هذه الإنسانية.

الجانب العلمي والنظري من تجربة علاقة المرأة بجسدها وبالعالم شغلت الكثير من الباحثين... لكنها وحدها المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها

وإذا كان من اللافت في العمل إعلان الكاتبة بلسان بطلتها بأن «الزواج هو مؤسسة فاشلة بطلاها امرأة ورجل عاشا وهم الحب»، وبأن بطلتها لم تعمد إلى الزواج إلا لتحقيق حلمها بالأمومة، فإن ردة فعل الزوج المصدوم، لم تخيب خيبتها به، بل أكدتها بالملموس، وهو الذي هتف لدى مشاهدة طفله «لماذا أنا؟، لماذا اختارني الله لأكون أباً لطفل كهذا؟». ثم لم يكتف الأب بذلك، بل أراد أن يحجر على الطفل في غرفة خاصة؛ كي لا يتسبب حضوره العلني في كسر صورته الزاهية أمام أقرانه.

على أن قرار الأم بالوقوف إلى جانب ابنها حتى النهاية، قابله صراع مرير بين النزوع النرجسي للمرأة المنتشية بذاتها، والتي تحظى بقدر وافر من الجمال، وبين عاطفتها الخلاقة التي جعلتها تحول وضع ابنها المريض مناسبةً لاستيلاد نفسها من رحم المكابدات الشاقة والحب الخالص. وهي حين طرحت على نفسها وعلى العالم سؤالها المحير: «لمن ينبغي أن تنتصر المرأة إذا فرضت عليها الحياة الانتصار لأحد الخيارين: الأنوثة أو الأمومة، فقد بدت بذلك وكأنها تجتاز المأزق الوجودي نفسه الذي فُرض على مريم العذراء، الاختيار بين دورها كأنثى ودورها كأم، قبل أن تغلّب الثاني على الأول.

هكذا كفّت البطلة الأم، عن أن ترى في وجود طفلها المنغولي نقمة عليها، بل رأت فيه نعمتها وفرحها بالوجود وهديتها السماوية. لذلك؛ فهي تخاطب ابنها بالقول: «لست قادرة على الاستمرار من دونك، فأنا أحتاج إليك أكثر من حاجتك إلي. كنتُ في نظر الكثيرين قوتك، ولكن في الحقيقة كنت أنت قوتي، وكنت أتشبث بك لأتنفس الحياة، ولأسترد حقيقتي التي فقدتُها ذات يوم».